30 مارس، 2013

اقوال مأثورة: شاكسبير




A man loves the meat in his youth that he cannot endure in his age. ~William Shakespeare
من يحب اللحم في شبابه لا يستطيع ان يتحمل في شيخوخته. ~ وليام شكسبير

A fool thinks himself to be wise, but a wise man knows himself to be a fool. ~William Shakespeare
الجاهل يظن نفسه انه حكيم، بينما الحكيم يعرّف نفسه أنه أحمق. ~ وليام شكسبير

Cowards die many times before their deaths; the valiant never taste of death but once. ~William Shakespeare
الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع يذوق طعم الموت مرة واحدة. ~ وليام شكسبير


The devil can cite Scripture for his purpose. ~William Shakespeare
يمكن للشيطان الاستشهاد بالكتاب المقدس لتحقيق غرضه. ~ وليام شكسبير

The empty vessel makes the loudest sound. ~William Shakespeare
الاوعية الفارغة تصنع أعلى الاصوات. ~ وليام شكسبير

Talking isn't doing. It is a kind of good deed to say well; and yet words are not deeds. ~William Shakespeare
الكلام ليس كالافعال. انه نوع من الفعل الجيد ان تتكلم جيدا، ولكن الكلمات ليست أفعال. ~ وليام شكسبير

The evil that men do lives after them; the good is oft interred with their bones. ~William Shakespeare
الشر الذي يفعله الانسان يبقى بعدهم، والصالح يدفن مع عظامهم. ~ وليام شكسبير

Love all, trust a few, do wrong to none. ~William Shakespeare
حب الكل، ثق بقليلين، لاتظلم أحدا. ~ وليام شكسبير

Action is eloquence. ~William Shakespeare

العمل هو بلاغة. ~ وليام شكسبير

Strong reasons make strong actions. ~William Shakespeare
الأسباب القوية تصنع افعالا قوية. ~ وليام شكسبير

Listen to many, speak to a few. ~William Shakespeare
استمع إلى الكثيرين و تحدث إلى عدد قليل. ~ وليام شكسبير

The love of heaven makes one heavenly. ~William Shakespeare
حب السماء يجعل المرء سماويا.  وليام شكسبير

'Tis one thing to be tempted, another thing to fall. ~William Shakespeare
'ليس كل شيء يجرب، يؤدي الى السقوط. ~ وليام شكسبير

To be, or not to be: that is the question. ~William Shakespeare
أن اكون، أو لا اكون : هذا هو السؤال. ~ وليام شكسبير

It is not enough to help the feeble up, but to support him after. ~William Shakespeare
لا يكفي مساعدة الضعيف، ولكن دعمه بعد ذلك. ~ وليام شكسبير

Be great in act, as you have been in thought. ~William Shakespeare
كن كبيرا في العمل، كما كنت في الفكر. ~ وليام شكسبير

No legacy is so rich as honesty. ~William Shakespeare

لا إرث غني مثل الصدق. ~ وليام شكسبير

I wasted time, and now doth time waste me. ~William Shakespeare
اضعت وقتا، والآن أدرك إضاعة الوقت لي. ~ وليام شكسبير

Having nothing, nothing can he lose. ~William Shakespeare
من لا شيء له، لا شيء يمكن أن يخسره. ~ وليام شكسبير

My pride fell with my fortunes. ~William Shakespeare
انخفض اعتزازي مع انخفاض ثروات. ~ وليام شكسبير

Suspicion always haunts the guilty mind. ~William Shakespeare
الارتياب يطارد العقل الشاعر بالذنب. ~ وليام شكسبير

It is not in the stars to hold our destiny but in ourselves.
ليس في النجوم عقد مصيرنا ولكن في أنفسنا.

Hell is empty and all the devils are here. ~William Shakespeare
الجحيم فارغة وجميع الشياطين هنا. ~ وليام شكسبير

All the world's a stage, and all the men and women merely. ~William Shakespeare

العالم خشبة مسرح، وجميع الرجال والنساء مجرد لاعبين. ~ وليام شكسبير

Speak low, if you speak love. ~William Shakespeare

تحدث بصوت منخفض، إذا كنت تتحدث عن الحب. ~ وليام شكسبير

Maids want nothing but husbands, and when they have them, they want everything. ~William Shakespeare
الخادمات لا تريد سوى زوج، وعندما يكون لهم ازواج، يريدون كل شيء. ~ وليام شكسبير

How sharper than a serpent's tooth it is to have a thankless child! ~William Shakespeare
أكثر حدة من أسنان الثعبان هو إنجاب طفل ناكر للجميل! ~ وليام شكسبير

Virtue is bold, and goodness never fearful. ~William Shakespeare
الفضيلة جريئة، والخير ليس خوافا أبدا. ~ وليام شكسبير

Some rise by sin, and some by virtue fall. ~William Shakespeare
ارتفع البعض بالخطيئة، والبعض سقطوا بالفضيلة. ~ وليام شكسبير

Give every man thy ear, but few thy voice. ~William Shakespeare
إعط كل انسان أذنا مصغية ، ولكن صوتك لقليلين. ~ وليام شكسبير

Poor and content is rich, and rich enough. ~William Shakespeare
الفقراء والقنوعين أغنياء ، والاغنياء مكتفيين. ~ وليام شكسبير

My crown is called content, a crown that seldom kings enjoy. ~William Shakespeare
يسمى تاجى بالقناعة، تاج الذي نادرا ما يتمتع به الملوك. ~ وليام شكسبير

What's done can't be undone. ~William Shakespeare
ما قمنا به ما لا يمكن التراجع عنه. ~ وليام شكسبير

Nothing can come of nothing. ~William Shakespeare
لا شيء يمكن أن يأتي من لا شيء. ~ وليام شكسبير

The lunatic, the lover, and the poet, are of imagination all compact. ~William Shakespeare
المجنون، العاشق، والشاعر، هي من الخيال الكل معا. ~ وليام شكسبير

24 مارس، 2013

مقتطفات من كتاب "النبي" 2

وقال كاهن شيخ حدثنا 
عن الدين
فقال: وهل حدّثتكم اليوم عن شيئ سِواه؟
أليس الدِّين هو كلَّ عملٍ وكلَّ تكفير؟
ثم هو أيضاً ما ليس بعملِ ولا تكفير, بل عَجَبٌ
ودهْشَةٌ ينبعثان من النّفس دوماً, حتى حين تَنْحَتُ
اليدُ الصَّخرى أو تُدير النَّولَ.
ومن ذا الذي يستطيع أن يفْصِلَ إيمانه عن عمله,
أو عقيدتُه عن شواغِله؟
ومن ذا الذي يستطيع أن يَنْشُرَ أوقاته, بين يديه
ويقول:
((هذه للّه, وهذه لي؛ هذي لروحي, ولجسدي
هذي؟))
إن أوقاتَكُم جميعاً لأجنحةٌ تضربُ في الفضاء,
مُتَنَقلة من نفسٍ.
***
ومَن إكتسى بفضائله ليَبْرُزَ في أبهى زيّه, أوْلى به
أن يظلَّ عارياً؛
ومن يُحدّدُ سلوكُه بقواعد الأخلاق, يسجن طائره
الصَّدَّاح في قفص؛
فإن أكثر الأغاني انطلاقاً لا تنْبعثُ من بين الأسلاك
والقُضبان.
ومن يَرَ في العِبادة نافذةٌ يَفْتَحُها ثم يستطيعُ أن يُغْلِقها,
فإنه, لم يُلمَّ بعد بمسكن روحه, حيث النّوافِذُ
تُشْرَعُ من فَجْرٍ إلى فَجْرٍ.
***
إن الحياة التي تَحياها كل يوم, هي مَعْبَدُك وهي
دينُك؛
فاحرص كُلَّما وَلَجْتها أن تأخُذ معك كلَّ زادك:
خُذِ المِحْراث والكورَ والمِطرقة والرَّبابَ,
والأشياء التي هيَّأتها لتسُدَّ حاجتك أو لتُرفِّه عنك؛
فإنك لا تستطيع حين تُحلّق في سماء أحلامك,
أن تَسْموَ فوق ما عَلَوْتَ, ولا أن تَهْبِطَ دون ما
سَقطْتَ.
ولِتَصْطَحب معك الناس جميعاً إلى الهيكل:
فلن تستطيع خلال العبادة أن تُجاوِز في تحْليقكَ
أمانيهم, ولن تهْبُط نَفْسُك إلى أدنى من مواطئ
يأسهم.
***
وإذا أردتم أن تَعْرِفوا الله فلا تَشْغَلوا أنفُسَكم بحلِّ
الألغاز,
بل أنظروا فيما حولكم تَرَوْه يُداعب أطفالكم.
وانظروا إلى الفضاء تُبْصِروه يسير بين السّحاب,
ويَبْسُط ذِراعيه مع البَرق, ويتنزّل في المطر.
سترون بَسْمَتَهُ في الزّهر, وحين يعلو يَخْفقُ
الشجر بِخَفَق يديه.‬
***
و قال شاعر حدثنا عن 
الجمال 
فقال: كيف تَسْعَون إلى الجَمال, وكيف تجدونه إن لم
يكن هو الطّريق والدِّليل؟
وكيف تتحدَّثون به إلّا إذا كان هو الذي يَحيكَ بردَ
حديثكم؟
***
يقول المظلوم ويقول المكْلوم:
((الجَمال رفيقٌ رَقيقٌ,
يسيرُ كما تسير الأم الشّابَّة بيننا على شيئ من
الأستحياء, لما تَحْمِلُ من فَخْرٍ)).
ويقول مَشْبوب العاطفَة:
((لا, بل الجَمال قويٌّ مَرهوب كالعاصفة تُزَلْزِلُ
الأرض من تحتنا, وتهزُّ السَّماء من فوقنا)).
***
ويقول المتْعبُ المنْهوكُ:
((الجَمالُ همسات ناعِمَة تُنْدي أرواحنا,
ويَخْلُدُ صوتُه إلى سكناتنا كالضّوء الخافت,
يَرْتَجِفُ خوفاً من الظِّل)).
***
ويقول القَلِقُ:
((لقد سمعناه يَهْتف في شعاب الجبال,
يُلاحق هُتافُه وطأ حَوافِرَ, ورفيف أجنحةٍ, وزئير
أسود)).
***
وفي الليل يقول حُرّاس المدينة:
((سَيطْلعُ الجَمال مع الفجر من الشَّرْق)).
***
وفي رائعة النّهار يقول الكادِحون وعابرو السَّبيل:
((لقد رأيناه يُطلُّ على الأرض من نوافذ الغروب)).
***
ويقول أسيرُ الجَليد في الشِّتاء:
((سيأتي الجَمالُ مع الرّبيع يَتَوثَّبُ فوق التّْلال)).
***
ويقول الحُصّاد في قَيْظِ الصّيف:
((لقد رأيناه يُراقصُ أوراق الخريف, ولَمَحْنا نُدَفَ
الثَّلج في شَعْره)).
***
أجلْ, لقد وصَفْتُم الجَمالَ بهذا كله,
لكنكم لَعَمْري لم تتحدَّثوا عنه إلّا بحاجات لكم
تُقصَ.
والجمال ليس حاجة بل هو نَشْوة.
وما هو بفَمٍ عَطْشان, ولا يدٍ ممدودة فارِغة,
إنما هو قلب مُشْتَعل ونفس مَفْتونَة.
وما هو بالصّورة التي تَودُّ أن تراها, ولا الأغنية
التي تَوَدُّ أن تسمعها,
إنما هو صورة تَراها وإن أغمضت العين, وأغنية
تَسْمعها وإن سَدَدْتَ الأذن.
وما هو بعصيرِ يَكْمُنُ تحت لِحاء الشّجر المخدَّد,
ولا هو بجناح عالقً بمخلب.
إنما هو بُسْتانٌ لا يغيب زَهْره أبداً, وكوكبةٌ من
الملائكة أبداً تُحَلِّق.
***
يا أبناء أورفاليس, إن الجمال هو الحياة ساعة
تَكْشِفُ عن وجهها القُدْسيِّ.
ولأنتم الحياة, ولأنتم الحجاب.
وهو الخلود يَسْتَجْلي وَجْهه في مرآة.
ولأنتم الخُلود, ولأنتم المِرْآة.‬
+++

عن المتعة:
المتعة أنْشودَةُ حُرِّيَّة,
لكنها ليست الحرِّية.
إنها رغباتكم تتفتَّح أكمامُها,
لكنّها ليست ثمارها.
إنها عمقٌ ينادي العُلا,
لكنها ليست العَميق ولا العَليَّ.
بل هي ذلك الذي احتبس في قَفَص, ثم اتّخذ
جناحاً,
وليست فضاء تكتنفه حدود.
لعمْري إنما المتعةُ أنشودة حُرِّية.
ولَكَمْ تمنَّيتُ لو بها تغنَّيتم بملءِ قلوبكم في الغناء.
***
إن بعض شبابكم يسعى إلى المتعة كأنها كل شيئ,
فتلحقُهم الأدانة ويَحِقُّ عليهم التَّأنيب.
ولو كنت منكم ما أدَنْتُهم ولا أنَّبتهم, بل لَشَجَّعْتُ
مَسْعاهم؛
لأنهم حين يجدون المتعة لن يجدوها منفردة,
فسَبْعٌ هُنَّ أخواتها, وأقُّهن جمالاً أبهى من المتعة
ذاتها.
ألم يأتكُم نَبَأ الذي راح يَنْبُشُ الأرضَ بحثاً عن
الجذور فاكتشف كَنْزاً؟
***
إن بعض الشُّيوخ منكم يذكرون المُتَع التي نَعموا
بها نادمين, كمالو كانت آثاماً أقترفوها وهم
سُكارَى.
لكنَّ النّدم غاشِية تَحِلُّ بالفكر وليست عقوبة,
وأوْلى بهم أن يذكَّروا متعهم شاكرين ممتنّين,
تَذَكُّرهم محصول الصيَّف.
فإذا لم يكن غير النَّدم راحة لِقُلوبِهم, فَدَعْهُمْ
يَلْتَمِسونَ الرّاحَةَ فيه.
ومنكم مَن ليسوا بشباب يَسْعى إلى المتعة, ولا هم
شيوخ يَذَّكَّرون,
وفي جَزَعهم من السّعي والذّكرَى يتحاشون المُتع
جميعاً خَشْيةَ أن يُهْملوا رعاية أرواحهم او يُسيئوا
إليها.
أولئك مُتْعتهم في اطّراح المُتعة.
وهكذا يكتشفون هم أيضاً كنزاً, وإن نَبْشُهم
بحثاً عن الجذور بأيدٍ ترتعش.
لكن خبِّروني: مَن ذا الذي يستطيع أن يُسيء إلى
الرّوح؟
أو يستطيع البلبلُ أن يُعكِّر صَفْوَ اللَّيل, أو تُسيء
اليَراعَةُ إلى النُّجوم؟
وهل تستطيع شُعْلَتك أو دُخانُك أن يُثْقِلَ كاهِلَ
الرّياح؟
أو تَحْسَبُ أن الرّوح بِركةٌ هامِدَة تستطيع أن تُزْعِجَ
صَفْوَها بِعَصاك؟
***
ألا ما أكثرَ ما يكون إعراضُك عن المتعة ادِّخاراً
لشوقك إليها في أطواء ذاتك.
ومن يدري أن ما تُنْكِره اليوم ينتظرك في غدك؟
إن جسدك نفسه لَيَعْلَم ما وَرَثَ, ويعلم حاجَتَه
الحَقَّة, ولن يخدعه عنها شيئ.
وجسدُك هو قيثارَةُ روحك,
أنت الذي تُنْطقها بالنِّغم العَذب, أو اللِّحن
المضطرب.
***
ولْتُسائلنَّ نفسك الآن: كيف أميِّز في المتعة بين ما
هو خَيْرٌ ومَا هو شَرٌّ؟
ألا فامض إلى الحقل والبستان, ترى أن النّحلة
تجد المْتعة في جَنْي العَسَل من الزّهرة.
لكن الزَّهرة أيضاً تجد المُتْعة في أن تُسْلِمَ النحلَ
رحيقها.
فالزِّهرةُ في عيْن النّحلة ينبوع حياة,
والنّحلةُ في عين الزّهرة رسولُ حُبّ
والنّحلةُ والزّْهرة يجدان في الأخذ والعطاء حاجةً
ونَشْوَةً.
***
يا أهل أورفاليس, كونوا في مُتْعَتِكم كالزّهر
والنّحل
+++

عن الخير و الشر :
 
عن الخير فيكم أستطيعُ الحديثَ, لا عن الشَّرِّ.
وهل الشَّرُّ إلّا خيرٌ أضْناهُ كا كَمَنَ فيه من جوع
وظمأ؟
لَعَمْري إن الخير إذا جاع التمس الطّعام ولو في
الكهوف المظْلِمَة, وإذا عَطِش رَوَىَ ظمأه ولو من المياه
الآسنة.
***
أنت خَيِّر إذا ثَبتَّ على مبدأ واحد مع نفسك,
لكنك لا تُصبح شرّيراً إذا أنت لم تفعل.
فإن البيت المنقَسم على نفسه ليس وَكْراً لِلُّصوص؛
هو بيت مُنْقَسمٌ علىَ نفسه فحَسبْ.
وقد تهيم السَّفينة بلا دَفَّة شَريدةً بين الجُزُر المحفوفة
بالمخاطر, لكنها لا تَهوي إلى القاع.
***
وأنت خَيِّرٌ حين تَسْعَى جاهداً للبْذلِ من ذات
نفسك,
لكنك لا تغدوا شِرِّيراً حين تلتمس لنفسك الغُنم.
وما مَثَلُك حين تسعى إلى الغنم إلّا كمثل الجذور
تتشبَّث بالأرض لترضع من أثدائها.
يقيناً إن الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذور:
((كوني مثلي, ناضِجة وافية, تَجودين دائماً بما أوتيت
من وفرة)).
لأن العطاء عند الثَّمرة حاجة, كما أن الأخذ عند
الجذور حاجة.
***
وأنت خيِّر حين تتحدَّث وأنت في كامل يقظتك,
لكنك لا تكون شرّيراً حين تَغفو, ولسانك يتلعثم
بلا هدف؛
فلربما كان الحديثُ المتعثر مُعيناً لِلسانٍ عاجز.
***
وأنت خيّرٌ حين تمضي إلى غايتك ثابت العزم
والخُطى,
لكنك لا تكون شريراً حين تمضي بخُطى عَرْجاء.
فإن الأعرج, على عَرَجه, لا يعود إلى الوراء.
أما أنتم أيها الأقوياء السِّراع الخُطى, فلا تصطنعوا
العَرَج أمام الأعرج؛ تخالُونه رحمةً به وشَفَقَة.
***
إنك لخيِّرٌ في أمور لا تُحصى ولا تُعدُّ, لكنك لا
تكون شرّيراً حين يُجانبُك الخير.
فما أنت إلا كمن يتلكأ ويتباطأ.
ومن أسَف أن الظِّباء لا تستطيع أن تُعلِّم
السلاحف الخفة والسُّرعة.
***
إن الخَيرَ يكمن في الشّوق إلى نفسك الشامخة,
وما مِنْ أحدٍ منكم إلّا يُكابد هذا الشوق.
لكنه في بعضكم كالسيل المجتاح, يندفع جارفاً
صوب البحر, حاملاً أسرار التّلال وأناشيد الغاب.
وفي بعضكم كالجَدول الهادئ, يتأود في
في المنحنيات والمنعطفات, ويتريث قبل أن يبلغ
الشاطئ
لكن حذار أن يقول مَن لجَ به الشوق لمن قلَ
شوقُه: ((فيمَ تريُّثُك وتوقُّفُك؟))
فإن الخيِّرَ حقاً لا يقول للعُريان: ((أين ثوبك؟)) ولا
للشَّريد: ((ما الذي دَهمَ بيتك؟
+++

عن الزمن:
تودون أن تقيسوا الزمن الذي لا يُقاس ولا يُحد,
وأن تُخْضِعوا سُلوككم لمقتضى الساعات
والفصول, بل تستهدوا بها في منازع نفوسكم,
وأن تجعلوا من الزمن جدولاً تجلسون على
ضفافه, وتتأملون مجراه.
***
لكن ما هو خالدٌ فيكم يُدْرك أن الحياة لا يَحُدُها
زمان,
ويعلم أن الأمس ماهو إلا ذاكِرةَ اليوم, وأن الغد
ما هو إلا حُلمه,
وأن ما يتغنى فيكم ويتأمل لا يزال يسكن في
رحاب اللحظة الأولى, تلك التي أنتثرت فيها النجوم
في الفضاء.
فأيكم لا يحس أن قدرته على الحب لا تَعرفُ
الحدود؟
ولكن أيكم يشعر أن هذا الحبَ نفسه, وإنْ
أفلت من الحدود, مَضموم في صدر وجوده, لا
يخرج من فِكرة حبٍ إلى أخرى, ولا من مَسعَى حبِ
إلى آخر؟
أليس الزمن كالحب نفسه, لا ينقسم ولا يُقاس؟
***
فإذا تراءى لكم أن تقسموا الزمن إلى فصول,
فاجعلوا كل فصل يحيط بالفصول الأخرى جميعاً,
ودعوا الحاضر يُعانق الماضي بالذكرى والغدَ
بالحنين
+++

عن الكلام:
إنكم تتكلمون حين يدب الخصام بينكم وبين أفكاركم ,
فإذا عجزتم عن أن تَخلدوا إلى عزلة قلوبكم
تعلَقت حياتكم بِشِفاهِكم, وانطلقت أصواتكم تلهيةً
وإزجاءً للفراغ.
ومع أكثر كلامكم يَهْلِكُ نصف تفكيركم؛
لأن الفكر من طير الفضاء, قد يستطيع أن ينشر
جناحيه في قَفص الألفاظ, لكنه يعجز عن أن يطير.
***
ومنكم من يسعى إلى من يُثرثرون؛ خشية الخلو
إلى نفسه؛
لأن سكون الوحدة يكشف لأعينهم خَفايا ذواتهم
العارية فيفرُون منها.
ومنكم من يتحدثون, فيكشفون بلا علمٍ أو رويةٍ
عن حقائق يفوتهم معناها.
ومنكم من لَقِنوا الحقيقة في أعماقهم, لكنهم
يأبون أن يُفصحوا عنها بالكلام,
وفي صدرِ هؤلاء تقيم الروح في إيقاع السكون.
***
إذا لقيت صديقك في الطريق أو في السوق, فدعِ
الروح الكامنة فيك تُحرك شفتيك وتوجه لسانك.
دع الصوت الهاتف وراء صوتك يتحدث إلى
الأذن المُصغية من وراء أذنه؛
فإن روحه تحفظ حقيقة قلبك, كما يحفظ اللسان
مذاق النبيذ
يوم يُنسى لونه وتُطوى كأسُه.‬
+++

عن معرفة النفس:
لا يستطيع الأنسان أن يكشف لك عن شيئ إلا
إذا كان غافياً في فجر معرفتك,
المعلم الذي يمشي في ظل المعبد بين مريديه لا
يُعطي من حِكْمَته بل من إيمانه ومحبته,
فإن كان قد أوتي الحكمة حقاً, فإنه لا يدعك تلجُ
باب حكمته, بل يقودك إلى عتبة فكرك أنت.
والفلكي قد يحدثك عن فهمه للفضاء, لكنه لن يستطيع
أن يمنحك هذه المعرفة.
والموسيقي قد يُنشد لك اللحن الذي عم إيقاعه
أرجاء الفضاء, لكنه لا يستطيع إعارتك الأذن التي
تلتقط الأيقاع, ولا الصوت الذي يردده.
والعالم المتمكن من حساب الأعداد يستطيع أن
يحدثك عن مجالات الوزن والقياس, لكنه لن
يستطيع أن يقود خُطاك إليها؛
---
لأن بصيرة هذا لا تُعير ذاك جناحها.
وكما أن كل واحد منكم قائم بذاته في علم الله,
كذلك يجب أن يقوم كلٌ منكم قائماً بذاته في علمه
بالله, وفهمه أسرار الأرض.‬
+++

عن الفرح و الحزن:
وما أكثر ماتمتلئ البئر التي تستقون منها
ضحكاتكم بفَيْضِ دُموعكم.
وكيف يكون الأمر غيرَ ذلك؟
فعلى قدر مايغوصُ الحزنُ في أعماقكم يزيد
ما تَسْتَوعِبون من فَرَح.
أليست الكأس التي تحْمل خَمْرَكم هي هي الكأس
التي احترقت في أتون الفَخاري؟
وأليست القيثارة التي تَسْكُنُ لها نفوسكم هي هي
قطعة الخَشَب التي حَفَرتْها سكين؟
حين يستخفك الفرح, ارجع الى أعماق قلبك
فترى أنك في الحقيقة تفرح بما كان يوماً مصْدر حُزنك
وحينَ يغْمُرُكَ الحزن تأمَل قلبك من جديد
فسترى في أنك الحقيقة تَبكي مما كان يوماً مصدر
بهجتك.
----
يقول بعض الناس: ((الفرح أسمى من الحزن))
ويقول آخرون: ((إنما الحزن أسمى))
ولكني أقول لكم إنهما لا يتفصلان ....
معاً يُقبلان, وإذا إنفرد أحَدُهما بك على المائدة ,
فتذكر أنَ الآخر يرْقُد ُ في فراشك .
---
ولعمري إنكم لَمُعَلَقُون مثل كُفَتيَ الميزان بين
أحزانكم وأفراحكم.
ويوم تَفْرَغُ مِنكم النفوس تثبتُ حالكم ؛ إذ تتساوى الكُفَتان,
وحينَ ترفعُ يدُ الوزَان الأعلى لِتزِنَ فيكَ ماله من
ذهبٍ وفضَة, فلا مفرَ من أن تَثْقٌلَ موازينُ فَرَحِكُمْ
وحُزْنِكُمْ أو تخفَ...‬
+++

عن المعرفة:
إن قلوبكم في صمت تُدرك أسرار الأيام والليالي,
لكن آذانكم تتعطش إلى صوت المعرفة ينبعث من قلوبكم
وكم تتمنون أن تعرفوا باللفظ ما عرفتموه دائماً بالفكر
وإن تلمسوا بأصابعكم العري في أجساد أحلامكم العارية.
...
ونعم ماتُريدون؛
فلا بد أن يفيض الينبوع المحجوب في نفوسكم,
وأن ينطلق مهمهماً صوب البحر,
وأن يتكشف لأبصاركم الكنزُ المنطوي في أغوار
نفوسكم السرمدية.
ولكن حذارِ أن تزنوا بالموازين كنوزكم الخافية,
أو تُدلو بالعصي أو الحبال لتسبروا أغوار معرفتكم,
فإن الذات بحر مترامٍ لا يحد ولا يقاس.
...
ولا تقل: ((وجدت الحقيقة))
بل قل: ((وجدت بعض الحقيقة))
ولا تقل: ((إكتشفت سبيل الروح))
فإن الروح تسير في جميع السُبُل؛
لا تسير في خطٍ مرسوم, ولا تنمو كما تنموا
القصبة,
وإنما هي تتفتح كزهرة اللوتس, أكمامها لا
تحصى.‬
+++

عن الالم:
إن الألم الذي بكم, هو أن يتفتق الستر الذي يحيط
بإدراككم.
وكما أن نواة الثمرة تتفتق لتكشف قلبها للشمس,
كذلك الألم, لا مناص لكم من أن تخبروه,
ولو استطعت أن تجعل قلبك يتهلل دائماً للعجائب
التي تتكشف لك كل يوم, لرأيت أن آلامك لا تقل روعة
عن أفراحك؛
ولرضيت بالأطوار التي تنتاب قلبك, كما رضيت
دائماً بالفصول تتعاقب على حقلك,
ولوقفت رابط الجأش, ترقب شتاء أحزانك.
...
إنما أنت الذي إخترت أكثر آلامك.
إنها الدواء المر, به يُداوي مرضك طبيبٌ خفيٌ في
نفسك؛
فالتثق إذاً بالطبيب, ولتتجرع دواءه في صمت
وطمأنينة,
فإن يده, وإن بدت ثقيلةً خشنة, لتهديها يدٌ حانيةٌ
لا يُرى صاحبها الأعلى.
والكأس التي جلبها, وإن أحرقت شفتيك, قد صنعت
من صلصال مزجه الخزاف الأعلى بدموعه
المقدسة.‬
 
 
 
  
+++
عن العقل و العاطفة:
ما أكثر ما تكون نفوسُكم ساحةَ قتال, تشُنُه
عقولكم ونُهاكم على عواطفكم وشهواتكم.
وإني لأتمنى أن أحل في نفوسكم صانع سلام,
فأشيع الوحدة بين عناصركم المتنافرة, وأردَ تنافسها
إلى وئام وتناغم.
ولكن هيهات أن يُتاح لي ذلك إلا إذا كنتم أنتم
أنفسكم صناع سلام, بل عشاقاً لجملة عناصركم.
...
إن عقولكم وعواطفكم هي الدفة والشراع
لأرواحكم السارحة في البحار,
فإذا تحطمت الدفة أو تمزق الشراع, تقاذفتها الأمواج
فضلَت أو توقفت بلا حراك وسط الخضم.
فالعقل إذا سيطر وحده بات قوة تقيدكم؛
والعاطفة إذا تُركت وشأنها دون وازعٍ غدت لهيباً
يتلظى حتى تخمد؛
فدع روحك تُحلق إلى ذُرى العاطفة, حتى تصدح بالنغم
ودعها تهدي عاطفتك بالحجا؛ فالعاطفة تحيا
كل يوم بالبعث المتجدد, كالعنقاء تحرق نفسها
ثم تنهض من بين الرماد.
وليتكم تنظرون إلى نهاكم وشهواتكم نظرتكم إلى
ضيفين عزيزين حلا بداركم.
يقيناً أنكم لن تؤثروا أحدهما على الآخر؛ فإنكم
إن أسرفتم في العناية بأحدهما فقدتم حب الأثنين
وثقتهما.
...
وإذا جلستَ فوق التلال في الظل الرطيب لأشجار
الحور الأبيض, وشاركت ما ترامى من الحقول والمروج
هُدأتها وصحوتها, فدع قلبك يُردد في سكون: ((إن روح الله
تسكن في العقل)).
وإذا هبت العاصفة, وهزت الريح العاتيةُ أرجاءَ
الغابة, وأفصَحَ الرعدُ والبرقُ عن جلال السماء, فدع
قلبك يُردد في خشية: ((إن روح الله تموج في العاطفة))
وما دُمت نفساً يتردد في ملكوت الله, وورقةً
تضطربُ في غابته, فلتسكن أنت أيضا في العقل
ولتموج في العاطفة.‬
+++  

الموت


تودون أن تعرفوا سر الموت ؟
فكيف تهتدون اليه ان لم تلتمسوه في قلب الحياة ؟
ان البومة التى تبصر عيناها في الليل وتغشى بالنهار ؛ لا تستطيع ان تكشف عن سر الضياء.
فأن شئتم حقا أن تكشفوا الحجاب عن كنه الموت ؛ فافتحوا قلوبكم على مصاريعها لجسم الحياة
لأن الحياة والموت واحد ؛ كم أن النهر والبحر واحد.

وفي أعماق آمالكم ورغباتكم تستتر معرفتكم بالغيب
وكذلك تحلم قلوبكم بالربيع ؛ كالبذور تحلم وهي مكنونة تحت الثلج
فثقوا بالأحلام ؛ فان في أطوائها باب الخلود

وما خوفكم من الموت الا رعشة تصيب الراعي في حضرة المليك وهو يربت على كتفه في احتفاء
ألا تطيب نفس الراعي من وراء هذه الرعشة بما سيتقلده من آيات المليك ؟
ثم أليس هو أكثر احتفاء بما أصابه من رعشه ؟

وها الموت الا ان نقف عراة في مهب الريح ؛ وأن نذوب في وقدة الشمس ؟
وهل تخمد منا الأنفاس الا لتتحرر من تقلبات الزمن ؛ كيما تصعد وتنطلق ساعية الى الله بغير قيود ؟
هيهات أن تشدوا بالغناء حقا الا اذا ارتويتم من نهر السكون
وهيهات ان ترقصوا حقا الا اذا ضمت الأرض أعضاءكم وأطرافكم .
***

وهنا كانت الشّمس قد مالت إلى الغروب.
وقالت العرّافة أُلمطرا:
((تبارك هذا اليومُ, وتبارك هذا المكانُ وتباركت روحك
التي حدّثتنا))
فقال المصطفى: ((وهل أنا كنت أنا الذي أتحدث؟
ألم أكن أنا يضاً مُستمتعاً؟))
***
وهبط المصطفى درجات المعبد فتبعه النّاس
جميعاً
ثم صَعِدَ إلى سفينته, ووقف على ظهرها
وعادَ يواجه النّاس, ثم رفع صوتَهُ قائلاً:
يا شعب أورفاليس, إن الريح تهيب بي أن
أفارقكم,
فلا مَفرَّ من الرّحيل, وإن كنت أقلَّ من الريج لَهْفَةً.
إننا نحن الضّاربين في الآفاق السّاعين دائماً إلى
أشد الطرق عُزلةً, لا نستهلُّ يوماً حيث إنتهى بنا غيره,
ولا تطلع علينا الشّمس حيث تَرَكَنا مغيبُها.
بل إنّا لفي رحلةٍ حتى وإن كانت الأرض مستغرقةً
في رقدتها.
***
قصيرةً كانت الأيام التي قضيتها بين ظهْرانِيكم,
وأقصرُ منها كلماتي التي صببتُها في آذانكم.
قإذا ما خَفَت صوتي في آذانكم, وأضمحل حبي
في ذاكرتكم, فلأرجعنَّ إليكم,
فأحدثكم بقلبِ أخصب عاطفةً وشفتين أكثرَ
أستجابةً للروح,
أجل لآتينَّ المدَّ,
وحتّى غذا طواتي الموت ولفني إلى السكوت الأعظم
فلسوف أسعى إلى مخاطبة ألبابكم
ولن يذهب هباءً مسعاي؛
فلئن كانت الحقيقة في شيئ مما حدّثتكم به,
فستكشف هذه الحقيقة عن نفسها بصوتٍ أوضح
نْبراً, وكلمات أقرب منالاً لأفكاركم .‬

الصلاة


انتم تصلون اذا مسكم ضر او اعوزتكم حاجة و ليتكم تصلون ايضا اذا غمر
قلوبكم الفرح و غمر ايامكم الرخاء.
و هل الصلاة الا انطلاق الروح فى الاثير الحى؟
فاذا كنتم تجدون الراحة لقلوبكم حين تصبون ظلمة نفوسكم فى الفضاء فلسوف
تشعرون المسرة حين تصبون فيه نور نفوسكم فتشرق قلوبكم.
و اذا كنتم لا تتمالكون دموعكم حين تغريكم ارواحكم بالصلاة فسوف تحثكم
عليها مرة ثم اخرى على رغم بكائكم , حتى تاتوا الى الصلاة متهللين , فان
نفوسكم لتصعد حين تصلون لتلقى ارواح اولئك الذين يصلون فى اللحظة نفسها
و هيهات ان يتم لقاء الا فى الصلاة , فلتحجن اذا الى هذا المعبد فى خفاء لا
غاية لكم الا نشوة الوجد و حلاوة الالفة , لأنك اذا لم تدخل المعبد الا سائلا
فلن تنال حاجتك.
و ان انت لم تدخله الا لأذلال نفسك فلن تسمو لك روح , و حتى اذا دخلته
لتطلب الخير لسواك فلن ينصت احد لندائك , و حسبك ان تدخل المعبد فى خفاء.
و هيهات ان اعلمكم كيف تصلون بكلمات تردد فان الله لا يستمع الى كلماتكم الا
اذا اجراها هو على شفاهكم.
و هيهات ان اعلمكم الصلاة التى تسبح بها البحار و الغاب و الجبال فانكم
انتم يا ابناء البحار و الغاب و الجبال لتستطيعون ان تلتمسوها فى
قلوبكم. و حسبكم ان تنصتوا فى هداة الليل فتسمعوها تردد فى سكون.
" ربنا يا روحنا ترفرف علينا من سمائك. ان ارادتك الماثلة فينا هى التى
تريد و رغبتك الماثلة فينا هى التى ترغب و الحافز الذى نفحت اعماقنا به
هو الذى يحول ليلنا - و هو ليلك - الى نهار هو ايضا لك.
" ربنا ان لا نسالك شيئا فانك تعرف حاجتنا قبل ان تولد فينا. و لانت
حاجتنا و لئن زدتنا عطاء من ذاتك لقد اعطيتنا كل شىء." 

مقتطفات لجبران خليل جبران


أي شيء هي الأحلام المستيقظة سوى غمام يبرعم ويتفتح في شجرة سماء قلبك؟ وأي شيء هي أفكارك سوى الأوراق التي تذروها رياح قلبك على الروابي وحقولها؟

وإياك أن تحسب أحداً منكم مجنوناً لأننا لسنا في الحقيقة حكماء ولا مجانين . نحن أوراقٌ خضر على شجرة الحياة ، والحية نفسها فوق الحكمة وهي قطعاً فوق الجنون.

ألا تعلمون أن ليس ثمة من بعد سوى ذاك الذي لا تملك الروح أن تقطعه بالخيال؟ و عندما تقطع الروح تلك المسافة ، تصبح هذه المسافة نفسها نغماً في الروح؟
إن المسافة التي تفصلكم عن جاركم القريب الذي لا تصادقونه أبعد بالحقيقة ، من تلك التي تفصلكم عمن تحبون، وهو يقيم راء الأرضين السبع والسماوات السبع.

النهار يزودكم بقوة المعرفة ، ويعلم أناملكم الحذق في فن الأخذ، ولكن الليل هو الذي يقودكم إلى خزانة كنز الحياة.

الشمس تلقن جميع الأشياء أن تغذي في نفسها الحنين إلى النور. ولكن الليل هو الذي يرفعها إلى النجوم.
===
" من هو الذي يزعم أنك غافلٌ وأصمّ إذا هو كلمك بلسان غريب لا تفهم منه شيئاً؟
" إذا كان القبح شيئاً ما فما هو بالحقيقة إلا قشرة الصدأ على عيوننا والوقر في أذاننا .
" أليس ما تحسبه قبيحاً هو ذاك الذي لم تجهد قطّ في بلوغه ، ولا تلهف قط إلى وجهه.

الربيع يقظة في صدركم ، والصيف ما هو إلاّ اعتراف بأثماركم، والخريف أما هو العتيق من غنائمكم لترنيمة لا تزال طفلةً في كيانكم... وهل الشتاء سوى رقدة طويلة تفعمها الأحلام بالفصول الأخرى كلها؟.

" ليست صورة شمس الصباح في قطرة الندى ، أقل من الشمس . وانعكاس الحياة في روحكم ليس أقل من الحياة.
إن قطرة الندى تعكس النور لأنها هي والنور شيء واحد، وأنتم تعكسون الحياة لأنكم أنتم والحياة شيء واحد.

" خلقنا جحيماً لأولئك الذين يتباهون. أي شيء يمحو الظهر اللماع، ويذيب الشيء حتى يرده إلى جوهره سوى النار؟
" ذو النفس المظلمة هو الذي يظلم في الليل ويستيقظ بالنهار.... والوحيد الذي يدرك الربيع هو الذي ينام مع الجذور تحت الثلج.

" إن جميع أولئك الذين اعتبروا أشراراً ، ولصوصاً ومحتالين وغشاشين، إنما هم إخوتك في الفاقة، وأنك ربما كنت هؤلاء جميعاً في نظر أهل تلك المدينة اللامنظورة ، القائمة فوق هذه المدينة..
---

ليتني
"ليتني كنت قصبة يدوسها المارة بأقدامهم...
فإن ذلك خير من أن أكون عوداً ذا أوتار فضية في بيت ليس لصاحبه أنامل .. وأولاده صُمّ .

ليتني كنت بئراً نابضة ، جافة
والناس يلقون في الأحجار..
فإن ذلك أجدى وأخف حملاً من أن أكون ينبوع ماء حيّ ...
يمر به الناس ولا يشربون...
---


" قولوا حقيقة جميلة في كلمات قليلة ، ولا تقولوا أبداً حقيقة قبيحة أية كانت الكلمات ...
====
الوحدة:
إني وحيد .. و أحس بسنابك الزمن تدوس صدري في عنف و شدة.
لقد اتيت وحيدا و سأمضي وحيدا صوب جوف الضباب.
فلتشرب إذن كأسك وحيدا في سكون . إن أيام الخريف قد منحت شفاها أخرى كؤوسا أخرى و أترعتها بالخمر ، مرها  و حلوها ، كما اترعت كأسك سواء بسواء ؟
فلتشرب كأسك وحيدا ، و ان كان مذاقها مذاق دمك و دموعك، و اشكر الحياة على نعمة الظمأ. فلولا الظمأ لما كان قلبك إلا شاطئا لبحر ناضب ، لا يهدر و لا يحركه مد.
لقد سعيت ذات مرة الى صحبة الناس، و جلست معهم الى موائدهم ، و شاركتهم الشراب حتى الثمالة ، غير ان خمرهم لم ترق الى رأسي ، و لا هي تدفقت في صدري و إنما هبطت الى قدمي ، فجف معين حكمتي و انقبض قلبي و بات موصدا. و لم تشاركهم في غياهب حيرهم إلا قدماي.
و بعدها أمسكت عن السعي الى الصحاب و امسكت عن مشاركتهم على مائدة الشراب.
فما ضرك اذا داست سنابك الزمن صدرك في عنف و شدة ؟ خير لك ان تشرب كأس اتراحك وحيدا ، كما تشرب كأس افراحك وحيدا ….

من كتاب "يسوع ابن الانسان"

متى عن لسان يسوع:


طوبى للرصينين بالروح.
طوبى لمن لا تقيدهم مقتنياتهم، لأنهم سيكونون أحراراً.
طوبى لمن يتذكرون ألامهم، وآلامهم يرقبون فرحهم.
طوبى للجياع للحق وللجمال، لأن مجاعتهم ستحمل لهم خبزاً ، وعطشهم ماءً عذباً.
طوبى للرؤوفين، لأنهم ستعزون بلطفهم ورأفتهم.
طوبى للرحماء، لأن الرحمة ستكون في نصيبهم.
طوبى لصانعي السلام، لأن أرواحهم ستقطن فوق المعركة وسيحولون حقل الخزاف إلى جنة غناء.
طوبى للمطاردين، لأن أقدامهم ستكون سريعة ميكونون مجنحين.
" قد قيل لكم ألاّ تقتلوا ، أما أنا فأقول لكم لا تغضبوا لغير سبب.
"قد قضى عليكم القدماء أن تحملوا عجولكم وحملانكم وحمامكم إلى الهيكل وأن تذبحوها على المذبح ، لتتغذى مشام الرب برائحة دهنها وتغر بذلك زلاتكم.
أما أنا فأقول لكم : هل تقدرون أن تعطوا الرب ما كان له منذ البدء.أم هل تسكنون غضبه وعرشه يسمو على الأعماق الصامتة ، وهو يحوط الفضاء بذراعيه؟
فتشوا بالأحرى عن أخيكم وتصالحوا معه قبل أن تجيئوا إلى الهيكل، وأعطوا جاركم بمحبة مما عندكم. لأنه في نفس هؤلاء قد بنى الله هيكلاً لن يخرب، وفي قلبهم قد أقام مذبحاً لن ينقض.
قيل لكم عين بعين وسن بسن. أما أنا قأقول لكم لا تقاوموا الشر بالشر، لأن المقاومة تغذي الشر وتزيده قوة. ولا ينتقم لنفسه غير الضعيف.
أما الأقوياء بالروح فإنهم يسامحون ولمن تقع عليه الأذية شرف سامٍ بصفحه وسماحه.
الشجرة المثمرة وحدها يهزها الناس ويضربونها بالحجارة.
لا تكنزوا لكم كنوزاً تفسد أو يسرقها اللصوص، بل اكنزوا لكم كنوزا لا تفسد ولا تسرق، ولكن تزداد جمالاً كلما ازدادت العيون الناظرة إليها . لأنه حيث يكون كنزك فنالك قلبك أيضاً.
قد قيل لكم : إن القاتل يجب أن يسلم بالسيف، واللص يجب أن يصلب، والزانية يجب أن ترجم. أما أنا فأقول لكم إنكم لستم أبرياء من جريمة القاتل واللص والزانية ، وإذا حلّ العقاب بأجسادهم فإن أرواكم تظلم في أعماقكم.
بالحقيقة أنه ما من جريمة يرتكبها رجل فرد أو امرأة وحدها. إن جميع الجرائم يشترك الجميع في ارتكابها، أما الذي يدفع الجزاء فإنه يقطع حلقة من السلسلة المعلقة حول كعابكم. وقد يكون يدفع بكآبته ثمن أفراحكم الزائلة.

" إذا صليتم فلينطق حنينكم بكلمات الصلاة، وفي أعماقي الآن حنين يود أن يصلي هكذا:
أبانا الذي في الأرض والسماوات، ليتقدس اسمك.
لتكن مشيئتك معنا كما هي في الفضاء.
أعطنا من خبزك كفاية ليومنا.
برأفتك اصفح عنا، ووسع مداركنا لنصفح بعضنا عن بعض
سر بنا إليك، ومدّ يديك إلينا في الظلمة.
لأن لك الملك، وبك قوتنا وكمالنا.
* * * *
"إن جاركم هو ذاتكم غير المعروفة، تتجسد أمامكم لتصير منظورة. فمياهكم الهادئة ستعكس لكم وجهه، وإذا تأملتم بها جيداً فأنتم ولا شكّ ستنظرون وجوهكم.
.... فاعملوا به نفس ما تودون أن يعمله هو بكم.
" لا تكن وحدك في حياتك لأنك تعيش في أعمال الآخرين؛ وهم وإن جهلوا يعيشون معك سحابة أيامك.
" قال أيضاً: إن اليهودية تريد ملكاً لتهجم على جيوش رومة.
إنني لا أريد أن أكون ملكاً لها، لأن تيجان صهيون قد صنعت للجباه الصغيرة، وخاتم سليمان صغير على هذه الأصبع . تأملوا يدي؛ ألا ترون أنها أقوى من أن تحمل صولجاناً ، وأقدر من أن تمتشق حساماً؟
إلا أنني لا أريد أن أثير السوري ضد الروماني. ولكن أنتم بكلماتي ستوقظون المدينة الغافلة، فتخاطبها روحي في فجرها الثاني.
......بغير فأس ولا حربة سأغلب كهنة أورشليم، وأنتصر على القياصرة.
إنني لا أجلس على عرش قد جلس عليه العبيد ليحكموا غيرهم من العبيد........
" إن عالمكم سيزول ويتحول إلى رماد تذريه الريح قبل أن تزول كلمة من كلماتي
" من كان منكم بلا خطيئة فليومها بحجر.
" ........... قليلون هم الذين لا ريش لهم ولكنهم يجرؤون على مقاومة الريح، وكثيرون هم المجنحون والمريشون الذين ما برحوا في أعشاشهم.
" ... ففي يوم الحساب ستقف هؤلاء النساء أمام عرش أبي وسيتنقين بدموعهن، أما أنتم فسيحكم عليكم بقيود دينونتكم. إن بابل لم تخربها الزواني، ولكن بابل تحولت إلى رماد لكي لا تنظر عيون المرائين فيها نور النهار فيما بعد.
****
" نحن نعرف الأقزام الذين يتحاملون على من تلمس رؤوسهم السماء، ونعرف ما يقوله العوسج عن السنديان والأرزة"
أعرف العنكبوت الذي لا جناح لها تحوك الشباك لاصطياد كل ذي جناح.....

" أما يسوع الرجل الذي أعلن الله للناس كائناً يعشق المسرة والفرح، فقد عذبوه وقتلوه.
إن هؤلاء الناس لا يريدون أن يسعدوا مع إله سعيد، فهم لا يعرفون غير آلهة آلامهم.
..وأغرب من هذا أن كل أصدقاء يسوع وتلاميذه الذين عرفوا فرحه وسمعوا ضحكة يضعون صورة لكآبته ويعبدون تلك الصورة.
وفي مثل هذه الصورة لا يرتفعون إلى إلههم، بل ينزلون إلههم إلى مستوى نفوسهم.
وعلى كل فأنا أعتقد أن الفيلسوف يسوع ، الذي لم يكن مختلفاً عن سقراط، ستكون له السلطة على أمته، وربما على غيرها من الأمم."

" هكذا سيفتح أبي بوابة قصره لمن يقرع عليها من الأمم، كما يفتحها لمن يقرع عليها منكم، لأن أذنه تصغي إلى النغم الجديد بنفس المحبة التي تشعر بها عند سماع الأغنية التي طالما سمعها، وهو يرحب بالنغم الجيد ترحيباً خاصاً لأنه أصغر وتر في قيثارة قلبه."
" ... تذكروا هذا : اللصّ هو رجل محتاج، والكذاب هو رجل خائف، والصياد الذي يصطاده حارس ليلكم قد اصطاده أيضاً حارس ظلمة نفسه. أريد أن تشفقوا على جميع هؤلاء.
فإذا قصدوا منازلكم فافتحوا لهم الأبواب وأجلسوهم إلى موائدكم، وإذا لم تقبلوهم فإنكم لن تكونوا مبررين من أي عمل يعملون ....

" إن جاركم هو ذاتكم الفضلى تقطن وراء الجدار. وبالفهم تسقط جميع الجدران. ومن يدري إذا لم يكن جاركم هو ذاتكم الفضلى لابسة جسداً آخر؟ فانتبهوا أن تحبوه كما تحبون ذواتكم.
..... إن جاركم هو مرآة ترون فيها صورتكم وقد جملها فرح أنتم أنفسكم لم تعلموا به ، وكآبة أنتم أنفسكم لم تشتركوا بها."

قطوف من رائعة جبران "النبي"


1. الصداقة...
ثم قال له شاب: حدثناعن الصداقة.
فأجاب و قال:
إن صديقك هو كفاية حاجاتك.
هو حقك الذي تزرعه بالمحبة و تحصده بالشكر.
هو مائدتك و موقدك.
لأنك تأتي إليه جائعا, وتسعى وراءه مستدفئا.
***
فإذا اوضح لك صديقك فكره فلا تخش ان تصرح بما في فكرك من النفي, او ان تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب.
وإذا صمت صديقك ولم يتكلم, فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه;
لأن الصداقة لا تحتاج إلى الألفاظ والعبارات في إنماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات التي يشترك الأصدقاء بفرح عظيم في قطف ثمارها اليانعات.
وإن فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه;
لأن ما تتعشقه فيه, أكثر من كل شيء سواه, قد يكون في حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره.
لأن الجبل يبدو لمن ينظر إليه من السهل أكثر وضوحا مما يظهر لمن يتسلقه.
ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.
لأن المحبة, التي لا رجاء لها سوى كشف الغطاء عن أسرارها ليست محبة بل هي شبكة تلقى في بحر الحياة ولا تمسك غير النافع.
وليكن أفضل ما عندك لصديقك.
فإن كان يجدر به أن يعرف جزر حياتك.
فالأجدر بك أيضاً أن تظهر له مدها.
وما قيمة صديقك الذي لا تطلبه إلا لتقضي معه ما تريد أن تقتله من وقتك؟ فاسع بالأحرى إلى الصديق الذي يحيي أيامك ولياليك,
لأن له وحده قد أعطي أن يكمل حاجاتك, لا لفراغك ويبوستك.
وليكن ملاك الأفراح واللذات المتبادلة مرفرفاً فوق حلاوة الصداقة.
لأن القلب يجد صباحه في الندى العالق بالأشياء الصغيرة, فينتعش ويستعيد قوته.

2. المحبة...
حينئذٍ قالت المطرة: حدثنا عن المحبة.
فقال:
إذا المحبة أومت إليكم فاتبعوها,
وإن كانت مسالكها صعبة متحدرة.
إذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها,
وإن جرحكم السييف المستور بين ريشها.
إذا المحبة خاطبتكم فصدقوها,
وإن عطل صوتها أحلامكم وبددها كما تجعل الريح الشمالية البستان قاعاً صفصفاً.
***
لأنه كما أن المحبة تكللكم, فهي أيضا تصلبكم.
وكما تعمل على نموكم, هكذا تعلمكم وتستأصل الفاسد منكم.
وكما ترتفع إلى أعلى شجرة حياتكم فتعانق أغصانها اللطيفة المرتعشة أمام وجه الشمس,
هكذا تنحدر إلى جذورها الملتصقة بالتراب وتهزها في سكينة الليل.
***
المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار حنطة.
المحبة على بيادرها تدرسكم لتظهر عريكم.
المحبة تغربلكم لتحرركم من قشوركم.
المحبة تطحنكم فتجعلكم كالثلج أنقياء.
المحبة تعجنكم بدموعها حتى تلينوا,
ثم تعدكم لنارها المقدسة, لكي تصيروا خبزاً مقدساً يقرّب على مائدة الرب المقدسة.
كل هذا تصنعه بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم, فتصبحوا بهذا الإدراك جزءاً من قلب الحياة.
غير أنكم إذا خفتم, وقصرتم سعيكم على الطمأنبنة واللذة في المحبة.
فالأجدر بكم أن تستروا عريكم وتخرجوا من بيدر المحبة إلى العالم البعيد حيثما تضحكون, ولكن ليس كل ضحككم; وتبكون, ولكن ليس كل ما في ماقيكم من الدموع.
المحبة لا تعطي إلا ذاتها, المحبة لا تأخذ إلا من ذاتها.
لا تملك المحبة شيئاً, ولا تريد أن أحد يملكها.
لأن المحبة مكتفية بالمحبة.
***
أما أنت إذا أحببت فلا تقل: "أن الله في قلبي", بل قل بالأحرى: "أنا في قلب الله".
ولا يخطر لك البتة أنك تستطيع أن تتسلط على مسالك المحبة, لأن المحبة إن رأت فيك استحقاقاً لنعمتها, تتسلط هي على مسالكك.
والمحبة لا رغبة لها إلا في أن تكمل نفسها.
ولكن, إذا أحببت, وكان لا بد من أن تكون لك رغبات خاصة بك, فلتكن هذه رغباتك:
أن تذوب وتكون كجدول متدفق يشنف آذان الليل بأنغامه.
أن تخبر الآلام التي في العطف المتناهي.
أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك, وأن تنزف دماؤك وأنت راض مغتبط.
أن تنهض عند الفجر بقلب مجنح خفوق, قتؤدي واجب الشكر ملتمساً يوم محبة آخر.
أن تستريح عند الظهيرة وتناخي نفسك بوجد المحبة.
أن تعود إلى منزلك عند المساء شاكراً:
فتنام حينئذ والصلاة لأجل من أحببت تتردد في قلبك, وأنشودة الحمد والثناء مرتمسة على شفتيك.


3. الزواج...
وقالت المطرة ثانية: حدثنا عن الزواج؟
فقال:
ولدتما معاً,وتظلان معاً.
حتى في سكون تذكارات الله.
ومعاً حين تبددكما أجنحة الموت البيضاء.
ولكن, فليكن بين وجودكم معاً فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض, حتى ترقص أرياح السموات بينكم.
أحبوا بعضكم بعضاً; ولكن, لا تقيدوا المحبة بالقيود, بل لتكن المحبة بحراً متموجاً بين شواطئ نفوسكم.
ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه; ولكن, لا تشربوا من كأس واحدة.
أعطوا من خبزكم كأس رفيقه; ولكن, لا تأكلوا من الرغيف الواحد.
غنوا وارقصوا معاً, وكونوا فرحين أبداً; ولكن, فليكن كل منكم وحده, كما أن أوتار القيثارة يقوم كل واحد منها وحده ولكنها جميعاً تخرج نغماً واحداً.
***
ليعط كل منكم قلبه لرفيقه; ولكن, حذار أن يكون هذا العطاء لأجل الحفظ, لأن الحياة وحدها تسطتيع أن تحتفظ بقلوبكم.
قفوا معاً; ولكن, لا يقرب أحدكم من الآخر كثيراً, لأن عمودي الهيكل يقفان منفصلين, والسنديانة والسروة لا تنموالواحدة منهما في ظل رفيقتها.


4. الأولاد...
ثم دنت منه إمرأة تحمل طفلها على ذراعيها وقالت له: هات حدثنا عن الأولاد.
فقال:
أولادكم ليسوا لكم
أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها, بكم يأتون إلى العالم, ولكن ليس منكم.
ومع أنهم يعيشون معكم, فهم ليسوا ملكاً لكم.
أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم, ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم, لأن لهم أفكارأً خاصةً بهم.
وفي طاقتكم أن تصنعوا المساكم لأجسادكم.
ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم.
فهي تقطن في مسكن الغد, الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم.
وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم.
ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم.
لأن الحياة لا ترجع إلى الوراء, ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس.
أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم.
فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهاية, فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى.
لذلك, فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة.
لأنه, كما يحب السهم الذي يطير من قوسه, هكذا يحب القوس الذي يثبت بين يديه.

5-العطاء
ثم قال له رجل غني : هات حدثنا عن العطاء
فأجاب قائلا:
إنك إذا اعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك
و لكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك لأنه أي شيء هي ثروتك .
أليست مادة فانية تخزنها في خزائنك و تحافظ عليها جهدك خوفا من أن تحتاج إليها غدا ؟
و الغد , ماذا يستطيع الغد أن يقدم للكلب البالغ فطنة الذي يطمر العظام في الرمال غير المطروقة و هو يتبع الحجاج إلى المدينة المقدسة ؟
أو ليس الخوف هو الحاجة هو الحاجة بعينها ؟
أو ليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ ملآنة هو العطش الذي لا تروى غلته ؟
من الناس من يعطون قليلاً من الكثير عندهم وهم يعطونه لأجل الشهرة و رغيتهم الخفية في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم
و منهم من يملكون قليلاً و يعطونه بأسره
ومنهم المؤمنون بالحياة و بسخاء الحياة هؤلاء لا تفرغ صناديقهم و خزائنهم ممتلئة ابدا
ومن الناس من يعطونه بفرح و فرحهم مكافأة
و منهم من يعطونه بألم و ألمهم معمودية لهم
و هنالك الذين يعطون ولا يعرفون معنى الألم في عطائهم و لا يتطلبون فرحا و لا يرغبون في إذاعة فضائلهم هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبيره العطر في ذلك الوادي
بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله و من خلال عيونهم يبتسم على الأرض
جميل أن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه
ولكن أجمل من ذلك أن تعطي من لا يسألك و أنت تعرف حاجته
فإن من يفتح يديه و قلبه للعطاء يكون فرحه بسعيه إلى من يتقبل عطاياه و الاهتداء إليه أعظم منه بالعطاء نفسه
وهل في ثروتك شي تقدر أن تستبقيه لنفسك ؟
فإن كل ما تملكه اليوم سيفترق ولا شك يوما ما , ذلك أعط منه الآن ليكون فصل العطاء من فصول حياتك أنت دون ورثتك
وقد طالما سمعتك تقول متبجحاً : إنني أحب أن أعطي و لكن المستحقين فقط
فهل نسيت يا صاح أن الأشجار في بستانك لا تقول قولك و مثلها القطعان في مراعيك ؟
فهي تعطي لكي تحيا لأنها إذا لم تعط عرضت حياتها للتهلكة
الحق أقول لك إن الرجل الذي استحق أن يقتبل عطية الحياة و يتمتع بأيامه و لياليه هو مستحق لكل شيء منك
و الذي استحق أن يشرب من أوقيانوس الحياة يستحق أن يملأ كأسه من جدولك الصغير
لأنه أي صحراء أعظم من الصحراء ذات الجرأة و الجسارة على قبول العطية بما فيها من الفضل و المنة ؟
و أنت من أنت حتى أن الناس يجب أن يمزقوا صدورهم و يحسروا القناع عن شهامتهم و عزة نفوسهم لكي ترى جدارتهم لعطائك عارية و أنفتهم مجردة عن الحياء ؟
فانظر أولا هل أنت جدير بأن تكون معطاء و ألة عطاء
لأن الحياة هي التي تعطي الحياة في حين أنك و أنت الفخور بأن قد صدر العطاء منك لست بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك
أما أنتم الذين يتناولون العطاء و الإحسان و كلكم منهم فلا تتظاهروا بثقل واجب معرفة الجميل لئلا تضعوا بأيدكم نيراً ثقيل الحمل على رقابكم و رقاب الذين أعطوكم
بل فلتكن عطايا المعطي أجنحة ترتفعون بها معه
لأنكم إذا أكثرتم من الشعور بما أنتم عليه من الدين فإنكم بذلك تظهرون الشك و الريبة في أريحية المحسن الذي أمة الأرض السخية و أبوه الرب الكريم .