28 أكتوبر، 2014

السيد والخادم


لف بأصابعٍ مرتجفةٍ لفافة تبغٍ ثم مصها بشغف.. بعد فترة توقف وسحب اخر سحبة من الدخان ورمى بعقب السيجارة وداسها بقدمه ثم لفظ الدخان من خلال شاربيه. ركب الزلاجة منطلقا الى احدى القرى المجاورة لعقد صفقة مع احد التجار.

صاح نيكيتا: ارجوك خذني معك يا سيدي. خذني معك بحق السماء. لابد انك ستحتاج اليّ.

اجابه فاسيلي: ان كنت ستجئ معي فالبس شيئا مدفئا.- ثم صرخ مازحا: لكن لا تسرف في التزين. اسرع!

ذهب فاسيلي الى التاجر واجرى صفقته ثم عاد ادراجه. كان فاسيلي يطرف بعينيه وهو ينحني الى اليمين والى اليسار محاولا ان يتبين الطريق، لكنه كان على الاجمال يترك الحصان و شأنه معتمدا عليه اكثر مما يعتمد على العين. والواقع ان الحصان لم يكن يخطئ، كان يسير منطلقا تارة الى اليمين وتارة الى اليسار متابعا تعرجات الطريق. كان ذلك لمسافة غير كبيرة، اذ اشتدت الريح و تعاظم سقوط الثلج.

اصبحت العاصفة تغشي السموات المظلمة اذ تثير زوابع من الثلج فهي حينا تعوي كما يعوي الوحش وهي حينا اخرى تنوح كما ينوح الطفل. وكان واضحا ان العاصفة الثلجية تهب بعنف اشد من ذي قبل.

فكر فاسيلي: ما اسوأ الطقس! ربما كان من الافضل لنا ان نمكث في المنزل. لكن هذا غير ممكن. الاعمال! ثم اننا قد تهيأنا للسفر. سوف نتخلص من هذا المأزق. وسوف يعيننا الله.

انهم يسيرون في نفس الطريق الذي ساروا فيه مرات قبل ذلك. ومروا امام السنديانة التي انحنت تحت هبات الريح واخذت تصفّر صفيرا حزينا. كانت الريح من القوة بحيث انها اذا هبت من هذه الجهة امالت الزلاجة ودفعت الجواد الى الجهة المقابلة.

مضوا على هذا المنوال عشر دقائق. كانت الثلوج المتساقطة قد اضاعت معالم الطريق، وظلت الغابة غائبة عن النظر. صاح فاسيلي: يبدو اننا قد ضللنا الطريق.

كانت الريح تبدو انها تخمد في بعض اللحظات. لكن فترات الهدوء النسبية لم تدم. فبعد الهدوء كانت العاصفة تعود الى الهبوب باضعاف قوتها، و كأنها تريد ان تستدرك الزمن الذي فاتها. وكانت تكسح الثلج في زوابع بهياج اشد شراسة. وقد انقضت عليهما احدى هذه العواصف في اللحظة التي كان فيها فاسيلي ونيكيتا قد اوقفا الزلاجة وخرجا منها.

قال فاسيلي: ماذا تفعل؟
اجاب نيكيتا و كأنه يعتذر: افك الحصان. ماذا بوسعنا ان نفعل غير ذلك؟ انا منهك.
الا يمكننا متابعة السير؟
والى اين نذهب؟ سنقتل الحصان. انظر اليه. انه لم يعد يستطع الحراك.
واضاف: يجب ان نقضي الليل هنا.
وكأن قضاء الليل هنا كقضاء الليل في النزل،واخذ يفك الحصان.
الا نموت من البرد هنا؟
ربما متنا. لكن ماذا بوسعنا ان نفعل؟

كان فاسيلي يشعر بالدفء بسبب معطفه المصنوع من الفرو. ولكنه بدأ يشعر بالبرد عندما ادرك ان عليهما ان يقضيا الليل في العراء. كا ن يحاول تهدئة نفسه في الزلاجة بينما نيكيتا يفك الحصان وهو لا يكف عن مخاطبة الحصان وتشجيعه. كان يقول له وهو يجره خارج الزلاجة: هيا اخرج. سوف اعطيك شيئا من القش وسأنزع لجامك ( وكان يفعل ما يقوله). فاذا اكلت سوف تشعر بسرور اكبر.

كان واضحا ان كلام نيكيتا لا يفلح في تهدئة الحصان الذي بدأ عليه الاضطراب الشديد. كان يضرب الارض بقدميه ويلتصق بالزلاجة و يفرك رأسه بكم نيكيتا.

تناول الحصان بفمه قليلا من قش الزلاجة وكأنما فعل ذلك لكي لا يحرج نيكيتا ليس غير، لكنه ما لبث ان قرر ترك القش لأن هذه اللحظة ليست للأكل، واستولت الريح في اللحظة نفسها على القش وبددته بعيدا.

قال نيكيتا: اعطني بعض القش. – ثم سحب بعض القش من تحت فاسيلي ومضى الى خلف الزلاجة وحفر حفرة في الثلج وفرشها بالقش. واخذ بدوره يتهيأ للمبيت ففرش في ارض الزلاجة ما بقى من القش. لم يكن يرغب في النوم. كان يفكر في المال الذي سيكسبه. ثم قال: لو كنا نعلم لبتنا في المنزل. لا اهمية لذلك الآن. سنصل غدا بأذن الله.. انني اعمل، ولست كالآخرين الكسالى الذين تلهيهم الحماقات. انا لا انام الليل. وسواء كان الطقس حسنا او سيئا فأنا اسافر لعقد الصفقات. وهكذا يتقدم العمل. يظن البعض ان المال يكسب هكذا: بالمزاح. كلا، عليك ان تعمل وتعمل وتقضي الليل في العراء والا تنام ولفرط التفكير تصبح الوسادة كأنها داخل رأسك. انني اعمل وسيكون الله في عوني. ليعطني الله الصحة فقط.. واخذ يفكر في الماضي ويحلم بالثروات المقبلة ثم تشوشت افكاره واغفى.

لكنه احس على حين غرة بمثل الصدمة واستيقظ. أهو الجواد يحاول ان يسحب من تحته اعوادا من القش ام انها كانت صدمة داخلية. مهما يكن من امر. فأنه استيقظ من جديد واخذ قلبه يدق بقوة وبسرعة بدا له معها ان الزلاجة اخذت ترتجف تحته.

نهض فاسيلي وعاد الى الاضطجاع نحو عشرين مرة. خيّل اليه ان هذه الليلة لا اخر لها. وقال في نفسه اخيرا وهو ينهض وينظر حوله: حقا. شئ مختلف ان يتمدد المر على فراشه في الدفء!. الصبح يقترب الان. بلا شك. آه، لوسحبت ساعتي. لكني سأبرد لو تكشفت. ودس يده تحت ثيابه، و تلمس طويلا قبل ان تبلغ صدرته التي سحب منها بمشقة ساعته الفضية. ونظر اليها ولكنه لم ير شيئا دون اشعال عيدان الكبريت. اضطجع على كوعيه و ركبته ونجح من اول مرة في اشعال عود كبريت ودس الساعة تحت اللهب ونظر.

كانت الساعة تشير الى منتصف الليل الا عشر دقائق فقط. كان الليل في اوله فقال في نفسه: "اوه. ما اطول هذه الليلة". – وسرت في ظهره رعشة. لكنه عاد واضطجع عازما على الصبر. وفجأة سمع صوتا جديدا. صوتا صادرا من كائن حي. ارتفع الصوت تدريجيا. ثم تناقصت شدته بالشكل المنتظم ذاته. كان صوت ذئب. لاشك في ذلك. اصغى فاسيلي بانتباه. وكان الجواد يصغي ايضا، وهو يحرك اذنيه ثم انتفض الجواد على سبيل التنبيه. وبعد ذلك لم يعد بوسع فاسيلي ان ينام. فخرج من الزلاجة ووقف وظهره للهواء وقال: "مالي انتظر الموت هنا؟ سوف امتطي الجواد، وامضي للامام"

اما نيكيتا فلم يحرك ساكنا منذ اللحظة التي جلس فيها في مؤخرة الزلاجة. كان مثل الذين تعودوا الشقاء فتجده قادرا على الانتظار ساعات واياما كاملة دون ان يستشعر غضبا او قلقا. ومع انه كان ما يزال دافئا الا انه يعلم ان هذه الحرارة لن تدوم طويلا. ومرت بباله فكرة وهي انه المحتمل ان يموت هه الليلة. لكن هذه الفكرة لم تبد له كريهة لأن حياته لم تكن البتة بهجة متصلة، بل كانت على العكس عبودية مستمرة. ولم تبد له هذه الفكرة جد مرعبة لأنه كان يحس دائما انه ان نحّى جانبا السادة الذين خدمهم على الارض، مثل فاسيلي – فانه خاضع للسيد الاعظم الذي ارسله الى هذه الحياة، وهو الله تبارك اسمه. وكان يعلم انه ان مات فسيظل خاضعا لهذا السيد وان هذا السيد لن يسئ اليه مطلقا. وقال في نفسه "انها لخسارة ان نهجر ما تعودناه ولكن ما العمل؟ ينبغي ايضا ان نتعود على الجديد". وتساءل "وذنوبي؟" وتذكر ادمانه على السكر والمال الذي انفقه على الشرب، والمعاملة السيئة التي عامل بها امرأته، وعدم ذهابه الى الكنيسة الا نادرا، وجميع الذنوب التي كان الكاهن يلومه عليها عند الاعتراف، وفكر "نعم، صحيح، ذنوبي كثيرة.. لكن كيف نتجنبها؟". ثم اخذ يفكر في سيده المسكين وقال "انه جد تعس لانه لم يبق في القرية..". جميع هذه الافكار اختلطت شيئا فشيئا ثم غفا ولم يصحو الا على حركة فاسيلي وهو ينطلق بالجواد.

فكر نيكيتا لحظة فيما سيفعله. احس انه عاجز عن السير بحثا عن مأوى. وقد بلغ احساسه بالبرد حدا كبيرا فتنهد قائلا:"ايها الاب السماوي" وهدأه الاحساس بأنه ليس وحيدا، وان هناك من يسمعه و لا يتخلى عنه".

صعد الى الزلاجة و تمدد مكان سيده لكنه لم يتوصل الى الدفء وهزت الرجفة جسمه. ثم انقطعت الرجفة وفقد وعيه شيئا فشيئا. لم يكن يعلم ان كان ميتا او نائما لكنه احس بنفسه مستعدا للموت والنوم على حد سواء.

في هذه الاثناء دفع فاسيلي الحصان وهو يضربه بساقيه و يشد اللجام الى الوجهة التى ظنها صحيحة. سار مسافة وفجأة تهاوى الحصان تحته وغاص في ركام من الثلج وسقط على جنبه وهو يتخبط وما ان خلص حتى انتصب ووثب وثبتين وتوارى عن بصره وهو يصهل.

ظل فاسيلي لوحده. اراد ان يندفع وراء دابته لكن الثلج كان شديد العمق وكان رداء الفرو ثقيلا حتى انه لم يستطع ان يسير اكثر من عشرين خطوة وهو يترنح. فتوقف وقد ضاقت انفاسه.

وتساءل "أليس هذا حلما؟" واراد ان يستيقظ لكن هذا الثلج كان حقيقيا وهو يلسع وجهه. انه في انتظار موت محتم. فصرخ "ايتها الام العذراء!" وتذكر قداس البارحة في الكنيسة والايقونة في اطارها المذهب والشموع التي امامها. وفكر "لا ينبغي ان ادع نفسي تنهار. يجب ان اسير على اثار الحصان". – واخذ يركض وهو لا يزال يسقط و ينهض ويعود الى السقوط. ثم ابصر بقعة سوداء. كان ذلك الجواد والزلاجة. اذا لقد عاد به الحصان الى الزلاجة. كان على بعد خمسين خطوة فقط منها.

بعد ان استرد انفاسه نزع حذائه ونفضها ليخلصا من الثلج الذي انسل اليها وكذلك فعل بقفازه الايسر، اما الايمن فقد ضاع ولا سبيل الى استرداده بعد ان دفن تحت الثلج. كان اول عمل بعد ان عاد انه ربط الحصان الى الزلاجة ولكنه رأى في الوقت نفسه شيئا يتحرك في الزلاجة. انتصب رأس نيكيتا من تحت طبقة الثلج التي كانت تغطيه.

قال نيكيتا بصعوبة و بصوت متقطع: ها انذا .. اموت. المال الذي لي عندك .. اعطه لولدي.. او لزوجتي. سيان.

سأله فاسيلي: ماذا .. هل تجمدت؟

قال نيكيتا: انه الموت.. وانا احس به.

ظل فاسيلي بضع ثوان ساكنا صامتا. ثم شمر كم معطفه الفرو واخذ يرمي بيديه الثلج الذي غطى نيكيتا. ثم دفع نيكيتا الى صدر الزلاجة واستلقى عليه وغطاه هكذا بجسمه. وظل مضطجعا هكذا على صدره و رأسه مستندا الى مقدمة الزلاجة. لم يعد يسمع الآن لا حركات الحصان ولا صفير العاصفة لكنه كان يصيخ السمع الى انفاس نيكيتا.

بقى نيكيتا في البدء ساكنا لا يبدي حراكا بعض الوقت ثم تنهد وتحرك تحركا خفيفا. ثم قال: يكفي، اني احس بالدفء.

رد فاسيلي: نعم، يا اخي، الامر هكذا. كدت اهلك. كنت سأموت من البرد، وانت ايضا..

قال فاسيلي: تلك هي حالنا!. انت كنت تقول: انني اموت. ابق هادئا. ادفأ. اما انا.. لكن ما اعظم دهشة فاسيلي لأنه لم يستطع ان يتم كلامه لأن عينيه امتلأتا بالدموع. واخذ فكه الاسفل يرتجف بتشنج فكف عن الكلام وفكر: لقد ضعفت ضعفا شديدا. بيد ان هذا الضعف لم يكن فقط خاليا من الازعاج بل انه اشعره على العكس بفرح شديد لم يشعر به من قبل. فكر فاسيلي في نفسه قائلا: "ليس هذا ذي بال. اني اعرف جيدا ما اعرفه". و صمت، وظل طويلا هكذا.

ان دفء جسد نيكيتا المتمدد تحته والفراء الذي غطى ظهره بعثا فيه الحرارة. بيد ان يدي فاسيلي اللتين كانتا تمسكان باطراف الفراء وقدميه اللتين كان الهواء يتكشفهما بدون انقطاع اخذتا تبردان. لكنه لم يكن يفكر بقدميه و لا بيديه. لم يفكر الا بتدفئة الرجل الذي كان مضطجعا تحته.

انقضت هكذا ساعة ثم اثنتان ثم ثلاث. لم يلاحظ فاسيلي سير الزمن. في البدء رأى في خياله العاصفة والحصان. كان يفكر ايضا في نيكيتا المضطجع تحته ثم امتزجت بهذه الصور ذكريات: تذكر القرية و زوجته. ثم رأى فلاحين يبيعون ويشترون.. ثم اختلط كل شئ وامتصت الصورة الصورة الاخرى، وكما ان الوان قوس قزح المختلطة اذا تمازجت اعطت اللون الابيض، هكذا تلاشت جميع انطباعاته حين اختلط بعضها ببعض ونام.

نام طويلا. نوما لا رؤى فيه. لكنه حلم حلما عند الصباح، ونسيه عند اليقظة.

انه يستيقظ لكنه يستيقظ مختلف تماما عما كان عليه حين نام ويريد ان ينهض فيعجز عن النهوض ويريد ان يحرك يديه فيتعذر عليه ذلك ايضا. ويريد ان يحرك رأسه فلا يقدر ايضا. ويدهشه ذلك كثيرا لكنه لا يحزن البتة. انه يتذكر ان نيكيتا مضطجع تحته وانه دافئ وانه حي ويخيل اليه انه هو فاسيلي، ليس سوى نيكيتا، وان نيكيتا هو فاسيلي. وان حياته هو ليست فيه وانما هي في نيكيتا . انه يستمع فيسمع تنفس نيكيتا بل يسمع غطيطا خفيفا، فيقول في نفسه بفرح: نيكيتا يحيا. وهذا يعني انني انا نفسي احيا.

وبعد ذلك لم يعد فاسيلي يرى او يسمع او يحس بأى شئ في هذا العالم. لقد مات.

استيقظ نيكيتا عند الفجر. ايقظه احساس بالبرد الذي استولى عليه مرة اخرى. هتف بحذر: فاسيلي! فاسيلي!

لكنه لم يجب. ففكر "يا الهي! ايها الآب السماوي! انا ايضا سأرجع اليك! لتكن مشيئتك المقدسة! الامر مؤلم مع ذلك. لكن الانسان لا يموت مرتين".

ويغلق عينه من جديد ويغفو مقتنعا هذه المرة بأنه سيموت حقا.

في اليوم التالي، في ساعة الغذاء، اخرج الفلاحون فاسيلي و نيكيتا من تحت الثلج. على بعد تسعين ذراع فقط من الطريق وعلى بعد نصف فرسخ من القرية.

قضى نيكيتا شهرين في المستشفى،واستطاع ان يعود الى العمل. وعاش بعد ذلك عشرين عاما، واشتغل اولا خادما في مزرعة. وفيما بعد، عندما اصبح عجوزا اشتغل حارسا ليليا. وقد مات في بيته كما كان يرغب، تحت الايقونات وفي يده شمعة. لقد مات سعيدا بصدق لأنه يهجر نهائيا هذه الحياة - التي سئم منها - الى حياة اخرى كانت تبدو له، كلما انقضت السنون، اكثر جلاءا وجاذبية.

تولستوي

16 أكتوبر، 2014

اسئلة ينبغي ان يعرف اجاباتها كل انسان

لعلك سألت نفسك هذه الاسئلة:

لماذا انا هنا على الارض؟ كيف بدأ العالم؟
لماذا يموت الانسان؟.. هل استطيع ان اعرف الله؟
هل يهتم الله بي؟
هل قبلت الرب يسوع؟ 

كيف بدأ العالم؟
من صنع الشمس والقمر والنجوم و سائر المخلوقات؟ يقول البعض: لم يكن شئ مطلقا. لا يمكن ان يكون هذا هو الصواب، لانه لا يمكن ان يتكون شئ من لا شئ. يقول البعض الاخر: كانت هناك ذرات من بعض المواد تحولت بالتدريج الى العالم الذي نراه اليوم . ليست هذه ايضا الاجابة الصحيحة . فاننا اكبر من مجرد اشياء مادية. انك تستطيع ان تحب وان تفكر وتستطيع ان تعبر عن افكارك بكلمات تنطق بها . لا يستطيع الحجر او الوردة ولا القرد ان يقوموا بذلك. نحن بشر اذا هناك اجابة صحيحة على هذا السؤال وهى : في البدء كان هناك كائن.

هذا ما يقوله الكتاب المقدس وهذا الكتاب على الصواب حين يقول: "في البدء خلق الله السموات والارض". لا شئ يعمل نفسه تلقائيا. البيت لا يبني نفسه، يبدأ الانسان بالتفكير ويرسم الخرائط- هذا ما يعمله المهندس المعماري – ثم يقرر ان يبني البيت. وكل من يرى البيت ويعجب بالبيت يدرك ان مهندسا معماريا بناه حتى لو لم يكن قد رأى هذا المهندس.

الله ايضا فكر ثم قرر ان يخلق السموات و والارض وهذا ما فعله "لانه قال فكان . هو امر فصار"(مز33: 9). "ايها الرب.. انت خلقت كل الاشياء وهي بارادتك كائنة وخلقت "(رؤ4: 11). لقد صرح اول رائدى فضاء ذهبا الى القمر انهما لم يريا الله . لذلك لا يمكن ان يكون الله موجود.

يا له من تفكير ساذج! لو ان فأرا جرى في طريق، وقال: انني لم ارى انسانا، لذلك فلا يمكن ان يكون الناس موجودين. لا يسعنا الا ان نقول: ايها الابله : ان كلامك لا يغير من حقيقة كون الناس موجودين.

هل يهتم الله بي؟
ان الاشياء التي حرصنا على صنعها ثمينة لدينا. اننا نهتم بها. لقد خلقنا الله واعطانا الحياة . فنحن خاصته (ننتمي اليه) فهو يهتم بنا. "هو صنعنا و له نحن. شعبه.."(مز100: 3). يقول الكتاب المقدس "لأن الله على صورته عمل الانسان"(تك1:21). ليس الله كائنا بشريا ، ونحن لا نشبهه في ملامح وجوهنا و لكننا نشبهه في عدة صفات:

الله حى الى الابد ،و لقد وضع في اجسادنا ارواحا تحيا الى الابد.
نحن نستطيع ان نفكر ونتكلم ونحب ونخترع ونصنع اشياءا مثل الله.
ولكن ما يعمله الله و لا نستطيع نحن ان نعمله هو انه يستطيع ان يخلق من العدم .
لم يعمل الله شخصين متشابهين تماما. ليس هناك انسان يشبهك تماما فأنت فريد و هذا سبب اخر يجعلك مميزا و ثمينا عند الله.
"لأن منه و به وله كل الاشياء"(رو11: 36) خلقك الله لنفسه ولديه خطة رائعة لك وقصدا عظيما من خلقتك.

اذا كان الله صالحا، لماذا يوجد الشر ولماذا يتألم الناس؟
ورأى الله كل ما عمله فاذا هو حسن جدا"(تك1). اجل. عمل الله كل شئ جميلا وحسنا. ولكن جاء واحد لكي يفسد عمله. ان الشر لا يأتي من الله، انما يأتي من ابليس او الشيطان، انه عدو الله و عدو الانسان.
كان الشيطان مخلوقا رائعا من مخلوقات الله وله بهاؤه ، لكنه اراد ان يكون اعظم من الله، وجذب كثيرين من الملائكة الى جانبه. كما حاول ان يسقط ادم وحواء ونجح في ذلك.
في البدء كان الله والانسان يعيشان معا في علاقة حب رائعة. قال الرب للانسان كل شئ خلقته من اجلك لكي تكون سعيدا، تستطيع ان تتمتع به. انما هناك شئ واحد ليس لك: ثمرة شجرة معرفة الخير والشر
يجب ان لا تأكل من ذلك الثمر . انه من حقي ان اقرر ما هو خير وما هو شر. يمكنك ان تطيعني او لا تطيعني. قد جعلتك حرا. اذا كنت تطيعني لانك تحبني ستكون سبب فرح عظيم لي ولكن يجب ان تتأكد من هذا : اذا لم تطيعني فاننا لا نستطيع ان نمكث معا بعد. انا الحياة. وانفصالك عني يعني الموت.
في الجنة الجميلة حيث وضع الله ادم وحواء .. اختارا الاثنان العصيان. و بذلك دخل الشيطان قلبيهما، وانفصلا بعيدا عن الله . ومن ذلك الوقت دخل الشيطان في قلب كل انسان . و بالتالي دخل الى العالم : الخوف والحزن والشر والحواجز بين البشر والصراعات والكراهية والموت. لم نعد في حاجة الى ان نذهب الى المدرسة لكي نتعلم كيف نغضب او نكذب.. او نعصى او نكون قساة وكسالى او انانيين، لان الشر دخل قلوبنا يوم ان ولدنا "عدو فعل هذا"(مت13: 28).

هل قبلت يسوع؟
ان قصة يسوع التي سطرت في الانجيل ينبغي ان تغير شيئا في حياتك. الله يحبك.. اجل.. يحبك شخصيا. يحبك حيث انت. كما انت الآن. وقد اعلن ذلك بأن ارسل ابنه ، يسوع لكي يخلصك. هو يريد ان تكون له ابنا.
يأتي وقت في حياة كل انسان حيث يختار فيه لنفسه ان يتبع يسوع او لا يتبعه. انه امر يخصك. "وكل الذين قبلوه اعطاهم سلطانا ان يصيروا اولاد الله"(يو1). صل بك بساطة:
"يا رب .اشكرك لاجل مجيئك لتخلصني انني اقبلك. طهرني بدمك من كل خطية واخلق في داخلي قلبا جديدا. شكرا لك لانك جعلتني ابنا لك. وبروحك تهبني قوة لكي اتبعك كل ايام حياتي. امين. "
عندما نسأل يسوع ان يدخل قلوبنا.. فهو سيدخل بكل تأكيد، كما يدخل النور الى حجرة عندما تكون النوافذ مفتوحة . سوف يهبك الروح القدس اليقين ان لك حياة ابدية. وسيكتب الله اسمك في سفر الحياة.
ماذا يحدث بعد هذا؟
حينئذ تبدأ حياة جديدة مع يسوع. تعلم ان تصلي. قل:
"اشكرك" يارب لاجل كل شئ.
"اخطأت اغفر لي" عندما تعمل خطأ.
"ارجوك" عندما تريد شيئا.
هذه الكلمات الثلاثة تشبه مفاتيح صغيرة. تحتاج ان تستعملها كل يوم. ستفتح لك كنوز الفرح.
لا تستطيع ان تعمل بنفسك ما يريده الله. سيارة بدون سائق لا يمكنها ان تذهب الى حيث اريد. لكن لو قمت بقيادة السيارة سيختلف الامر. وبنفس الطريقة . يسوع فيك بروحه. ويستطيع ان يساعدك لان تعمل ما يرضيه(غلا2: 20).
سيستمر الشيطان محاولا ان يجعلك ان تخطئ. لكن قاومه وهو سيهرب منك"(يع4: 7)
كن على اتصال باتباع يسوع: تحتاج قطعة الخشب او الفحم المشتعلة الى القطع الاخرى في النار لتظل مشتعلة و الا فانها ستخمد. لذلك من الافضل لك ان تنضم الى المسيحيين الاخرين قدر استطاعتك. استمع الى كلام الرب. اعبده بفرح. تعلم ان تخدمه وتكون له شاهدا بتصرفاتك.
لا تقل يوما : اني اخشى ان لا اثبت في الاستمرار مع يسوع. انه هو الذي يمسك بك . انه كلى القدرة. لقد وعد "لا احد يقدر ان يخطفهم من يدي"(يو 10: 28)

ثلاث أسئلة



كان هنالك ملكا في قديم الزمان، يعتقد انه إذا ما تمكن من معرفة الوقت المناسب للبدء بأي شيء، و عرف لمن يصغي من الناس، ومن لا يلقي بالاً لكلامهم، و قبل كل شيء، إذا ما عرف دوماً ما هو العمل الأهم، سوف لن يفشل في أي شيء يقدم عليه.
وقد راودته هذه الأفكار، معلناً عنها في أرجاء مملكته بأنه سوف يمنح جائزة كبيرة لمن يعلمه ما هو الوقت الملائم لأي عمل، ومن هم الناس المهمين، وكيف يمكنه معرفة أهم فعل للقيام به.
قدم الرجال المتعلمين إلى الملك، لكن أجابتهم على أسئلته كانت كلها متباينة.
قال البعض في الإجابة على السؤال الأول، أنه لمعرفة الوقت الملائم لكل عمل، على المرء في البدء، أن يرسم تقويماً للأيام، الأشهر والسنوات، وعليه أن يعيش وفقاً له بدقة. وبهذا الشكل فقط، قالوا، يمكن لكل شيء أن يتحقق في الوقت المناسب. آخرون أوضحوا بأنه من المستحيل تقرير الوقت المناسب لكل فعل مسبقاً، لكن ذلك، لا يعني ترك النفس مستغرقة في التسلية والتراخي، على المرء دائماً أن يولي أهمية لكل ما يجري، ومن ثم يبدأ بالأكثر إلحاحاً. آخرون ثانية، قالوا بأنه مهما كان الملك منتبهاً لما يجري، فأنه من المستحيل لرجل أن يقرر على نحو صحيح الوقت الملائم لكل عمل، لكن ينبغي أن يكون لديه مجلساً من الرجال الحكماء يساعدونه على معرفة الوقت المناسب لكل شيء.
لكن من ثمَّ قال آخرون مجدداً بأن هناك بعض الأشياء لا يمكن أن تنتظر حتى ينظر بها من قبل المجلس، سوى بشأن أي عمل كان عليه أن يقرر حالاً ما إذا سيشرع به أو لا. لكن كي يتمكن من تقرير ذلك، على المرء أن يعرف مسبقاً بما سيجري. إن السحرة فقط يعلمون ذلك، وبناء عليه، لمعرفة الوقت الملائم لكل عمل على المرء استشارة السحرة.
وأجاب العديد على السؤال الثاني بشكل مشابه، قال البعض أن أكثر الناس الذين يحتاجهم الملك هم المستشارون، آخرون، الكهنة، آخرون، الأطباء، بينما قال البعض المحاربون هم الأكثر ضرورة.
أما على السؤال الثالث، عما هو العمل الأكثر أهمية: أجاب البعض بأن العلم هو أكثر الأشياء أهميةً في العالم. قال آخرون بأنها مهارات الحرب، وآخرون، مجدداً العبادات الدينية.
كانت الأجوبة جميعها متباينة، لم يتفق الملك مع أياً منها، ولم يمنح الجائزة لأحد. لكنه لم يفقد الأمل بإيجاد الأجوبة الصحيحة على أسئلته، وقرر أن يستشير ناسكاً، كثيراً ما اشتهر بحكمته.
عاش الناسك في غابة لم يهجرها أبداً، ولم يستقبل أحداً سوى بعض أقاربه. لذا لبس الملك ثياباً بسيطة، وقبل الوصول إلى صومعه الناسك ترجَّل عن حصانه، وترك مرافقيه خلفه، ذهب وحيداً.
كان الناسك ينقب الأرض قباله كوخه عندما اقترب الملك. وحالما رآه، حياه وواصل الحفر. كان الناسك ضئيلاً وضعيفاً،  يتنفس بصعوبة في كل مرة يضرب فيها بمعوله الأرض ويقلب قليلاً من التراب.
ذهب الملك إليه وقال: ” لقد أتيت إليك، أيها الناسك الحكيم، لأسألك أن تجيبني على ثلاثة أسئلة: كيف لي أن أتعلم القيام  بالأعمال الحسنة في الوقت المناسب؟ من هم الناس الذين أحتاجهم  أكثر من غيرهم، ومن هو الذي ينبغي علي أن أهتم به عدا عن سواه؟ و ما هو الفعل الأكثر أهمية، ويحتاج أن يكون في أولى اهتماماتي؟”
استمع الناسك إلى الملك، لكن لم يجب بشيء. تفل فقط على يده وعاد مجدداً  للحفر.
” أنت متعب،” قال الملك، ” دعني آخذ المعول وأعمل بدلاً منك لمدة.”
” شكراً!” قال الناسك، و أعطى المعول للملك، جلس على الأرض.
توقف الملك معيداً أسئلته، عندما انتهى من حفر مسكبتين. مرة ثانية لم يجب الناسك ، لكن نهض، مد يده إلى المعول وقال:
” استرح فترة الآن ودعني أعمل قليلاً.”
لكن الملك لم يعطه المعول، وتابع الحفر. مرت ساعة، وأخرى. بدأت الشمس بالغرق خلف الأشجار، وشكَّ الملك في النهاية المعول في الأرض، وقال:
” أتيت إليك، كي تجيب على أسئلتي. فإذا كنت لا تستطيع أن تفيدني بشيء، أخبرني بذلك، و سأعود إلى بيتي.”
” ها هو شخص يتقدم راكضاً” قال الناسك، ” لنرى من يكون.”
تلفَّت الملك من حوله، ورأى رجلاً ملتحياً يخرج راكضاً من الغابة. يضغط بيديه على معدته، و الدم ينفر من تحتهما. وقع على الأرض مغشياً عليه عندما وصل نحو الملك، متأوهاً بوهن. خلع الملك والناسك عنه ثيابه. كان هناك جرح كبير في معدته. نظف الملك الجرح بأفضل ما يستطيع وضمده بمنديل وبمنشفه كانت لدى الناسك. لكن الدم لم يتوقف عن النزيف، أزال الملك الضمادات الملوثة بالدم الدافئ أكثر من مرة، نظفها وأعاد تضميد الجرح. استعاد الرجل وعيه عندما توقف الدم أخيراً وطلب أن يشرب. جلب الملك ماء وأعطاه. في هذه الأثناء كانت الشمس قد غربت وأصبح الجو بارداً، لذا حمل الملك بمساعدة الناسك الجريح إلى الكوخ ووضعاه في السرير. ما أن استلقى على السرير، أغلق الرجل عينيه وكان هادئاً. لكن الملك كان متعباً من المشي وبسبب العمل الذي قام به، ولهذا جثا على العتبة و غرق في النوم أيضاً ونام نوماً عميقاً خلال ليلة الصيف القصيرة. عندما استيقظ في الصباح، احتاج لبعض الوقت كي يتذكر أين كان أو من كان الرجل النازف المستلقي على  السرير، محدقاً بتركيز نحوه بعيون براقة.
عندما رأى أن الملك كان صاحياً وينظر نحوه،  قال الرجل الملتح بصوت ضعيف: ” سامحني!”.
 “أنا لا أعرفك، وليس لدي شيء لأسامحك من أجله، ” قال الملك.
” أنت لا تعرفني، لكن أنا أعرفك. أنا هو عدوك الذي أقسم أن ينتقم بنفسه منك، لأنك أعدمت أخيه وصادرت ملكيته. علمت بأنك ذهبت وحيداً لترى الناسك، و عزمت على قتلك في طريق عودتك. لكن النهار مر و لم تعد. لذا أتيت من مكمني لأجدك، ومررت بحراسك الذين عرفوا من أكون، وأصابوني بجرح. هربت منهم، كنت سأنزف حتى الموت لو لم تضمد جرحي. تمنيت قتلك، وأنت أنقذت حياتي. الآن، إذا ما عشت، وتمنيتَ ذلك، سأخدمك كعبد أمين، وسوف آمر أبنائي أن يفعلوا المثل. سامحني!”
كان الملك سعيداً جداً بصنعه سلاماً مع عدوه بهذه السهولة، ولكونه فاز به صديقاً، هو لم يسامحه فقط، لكن قال بأنه سوف يرسل خدمه ومعالجيه ليعتنوا به، ووعد بإعادة ملكيته.
ذهب الملك نحو الرواق وبحث عن الناسك، مانحاً نفسه استراحة من الرجل الجريح. تمنى مرة أخرى قبل أن يذهب بعيداً أن يتوسل جواباً على أسئلته التي وضعها. كان الناسك في الخارج، على ركبتيه، يبذر البذار في المساكب التي حفرت في اليوم السابق.
اقترب الملك منه، وقال:
” للمرة الأخيرة، أتضرع  إليك أن تجيب على أسئلتي، أيها الرجل الحكيم.”
“أنت فعلت للتو!” قال الناسك، وهو لا يزال منحنياً على ساقيه النحيلتين، ونظر نحو الملك، الذي وقف قبالته.
” كيف أجبت؟ ما الذي تعنيه؟” سأل الملك.
”  ألا ترى،” أجاب الناسك. ” لو لم ترثِ لضعفي البارحة، لم تك لتحفر تلك المساكب من أجلي، ومضيت في طريقك، ولكان هاجمك ذلك الرجل ، وكنت ستتأسف لأنك لم تبق معي. لذا فالوقت الأكثر أهمية كان عندما حفرت المساكب، وكنت أنا الرجل الأكثر أهمية، وبفعلك الخير معي كان عملك هو الأكثر أهمية. فيما بعد عندما ركض ذلك الرجل نحونا، كان الوقت الأكثر أهمية عندما كنت تعتني به، لو لم تكن قد عالجت جراحه كان سيموت بدون أن يصالحك. لذا فقد كان الرجل الأكثر أهمية، والذي فعلته من أجله كان عملك الأكثر أهمية. تذكر إذن: هنالك وقت وحيد مهم—الآن! هو الوقت الأكثر أهمية لأنه الوقت الوحيد الذي نملك فيه القوة. الرجل الأكثر أهمية هو من يكون معك، لأن ما من رجل يعلم ما إذا كان سوف يتعاطى مع أي شخص آخر: والفعل الأكثر أهمية هو، أن تنفذه بشكل جيد، لأن لهذا الغرض وحده أرسل الانسان إلى هذه الحياة.!”

ليو تولستوي


ميمر لمارافراهاط السرياني



المقالة السادسة عن الرهبان
لنلبس ثياب العرس
[صادقة هي الكلمة التي أقولها ومستحقة القبول، لنستيقظ من نومنا (رو 13: 11). ولنرفع قلوبنا وأيادينا إلى الله نحو السماء، لئلا يأتي رب البيت فجأة، حتى متى جاء يجدنا ساهرين (لو 12: 37).
لنترقب ساعة العريس المجيد (مت 25: 4، 10).
لندخل معه في حجاله. لنعد زيت سراجنا، فنخرج إلى اللقاء معه بفرحٍ.
لنُعد الزاد في مسكننا، لأن الطريق ضيق وعسر..
لنتاجر بالفضة التي نتسلمها، فنُدعى عبيدًا مجتهدين (مت 25: 21).
لنثابر في الصلاة. فنعبر مكان الخوف.
لنطهر قلوبنا من الشر فنرى العلي في كرامته.
لنكن رحومين، كما هو مكتوب لكي يكون الله رحيمًا بنا (مت 5: 7).
ليكن السلام حالاً بيننا، فندُعى إخوة المسيح.
لنجوع للبٌر فنشبع (مت 5: 6) من مائدة ملكوته. لنكن ملح الحق، فلا نصير طعامًا للحية.
لننقي زرعنا من الأشواك، فنأتي بثمرٍ مئة ضعف (لو 8: 7-8).
لنُقم بنياننا على الصخرة (مت 7: 24)، فلا يتزعزع بسبب الرياح والأمواج.
لنكن آنية للكرامة (2 تي 2: 21)، فيطلبنا الرب لاستخدامنا له.
لنبع كل مالنا ونشتري لأنفسنا اللؤلؤة (مت 13: 46)، فنغتني.
لنضع كنوزنا في السماء (مت 6: 20) حتى حين نذهب نفتحها ونسُر بها.
لنفتقد ربنا في أشخاص المرضى (مت 25: 33-35)، فيدعونا لنقف عن يمينه.
لنبغض أنفسنا ونحب المسيح، كما أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا (يو 12: 25، أف 5: 2).
لنكرم روح المسيح، فننال نعمة منه.
لنتغرب عن العالم. (يو 17: 14) كما كان المسيح ليس من العالم.
لنكن متواضعين ولطفاء، فنرث أرض الأحياء (مت 5: 4).
لنكن أمناء في خدمته، فيجعلنا نخدم في مسكن القديسين.
لنصلي صلاته بنقاوة، فندخل أمام رب الجلال.
لنكن شركاء في آلامه، فنقوم في قيامته (2 تي 2: 11-12).
لنحمل علامته على أجسادنا، فنخلص من الغضب الآتي. فإنه مخيف هو يوم مجيئه، من يقدر أن يحتمله؟ (يوئيل 2: 11) غضبه شديد وملتهب، سيهلك الأشرار.
لنضع على رؤوسنا خوذة الخلاص، لكي لا نُجرح ونموت في المعركة.
لنمنطق أحقاءنا بالحق، فلا نوجد ضعفاء في القتال.
لنقوم ونوقظ المسيح، فيهدئ الأمواج عنا.
لنأخذ الترس تجاه الشرير، كاستعدادٍ لإنجيل مخلصنا (أف 6: 15-16).
لنقبل من ربنا السلطان أن نسود على الحيات والعقارب (لو 10: 19).
لنلقي عنا الغضب مع كل حدةٍ وشرٍ.
لا تخرج تجاديف من أفواهنا التي بها نصلي لله.
لا نلعن حتى ننجو من لعنة الناموس. لنكن عاملين مجتهدين، فنحصل على مكافأتنا مع الأولين.
لنحمل ثقل اليوم، فنطلب أجرًا أوفر. لا نكون عمَّالاً بطالين بعد أن استأجرنا ربنا لكرمه (مت 20: 1).
لنُغرَسْ ككرومٍ وسط كرمه، فإنها الكرمة الحقة (يو 15: 1). لنكن كرومًا مثمرة فلا نُقتلع من الكرمة.
لنكن رائحة طيَّبة، فتفوح الرائحة على كل المحيطين بنا (2 كو 2: 15).
لنكن فقراء في العالم، فنُغني الكثيرين بتعاليم ربنا.
لا ندعو أحدًا أبانًا على الأرض (مت 23: 9)، فنكون أبناء الآب الذي في السماوات.
وإن كنا لا نملك شيئًا، لكننا نملك كل شيء (2 كو 6: 9-10). وإن كان لا يعرفنا أحد، لكننا معروفين لكثيرين.
لنفرح في رجائنا في كل وقتٍ (رو 12: 12)، حتى يفرح بنا ذاك الذي هو رجاؤنا ومخلصنا.
لندين أنفسنا بالحق، ونحكم عليها حتى لا نحني وجوهنا أمام القضاة الذين سيجلسون على الكراسي ويدينون الأسباط (مت 19: 28).
لنأخذ لأنفسنا سلاحًا للمعركة (أف 6: 16)، هو الاستعداد للإنجيل.
لنقرع باب السماء (مت 7: 7)، فيُفتح أمامنا وندخل فيه.
لنسأل الرحمة باجتهاد، فننال ما هو ضروري لنا. لنطلب ملكوته وبره (مت 6: 33).
لنتأمل في ما هو فوق، في السماويات، حيث المسيح صاعد وممجد.
لننس العالم الذي هو ليس لنا، حتى نبلغ الموضوع الذي نحن مدعوون إليه.
لنرفع أعيننا إلي العلا لنرى الضياء المتجلي. لنرفع أجنحتنا كالنسور، لنرى حيث يكون الجسد (مت 24 28).
لنُعد القرابين للملك ثمارًا شهية هي الصوم والصلاة.
لنحفظ بالنقاوة عربونه لكي ما يأتمنا على كل كنزه. لأن من يغش في عربونه لا يُسمح له بالدخول في خزانته.
لنهتم بجسد المسيح، فتقوم أجسادنا عند صوت البوق.
لننصت إلي صوت العريس فندخل معه في خدره.
لنعد هدية العُرس في يوم عرسه، ونخرج للقائه بفرحٍ.
لنرتدي الثوب المقدس فنتكئ في الموضع الرئيسي للمختارين. من لا يرتدي ثوب العرس يُطرح في الظلمة الخارجية (مت 22: 13).
***
من يستعفي من العرس لا يذوق الوليمة (لو 14: 18).
من يحب الحقول والتجارة يمُنع من مدينة القديسين.
من لا يحمل ثمرًا في الكرمة يُقتلع ويُطرح في العذاب.
من ينال وزنات فليردها إلي معطيها مع زيادة (مت 25: 16)...
من تربى على القتال فليحفظ نفسه من العالم؛
من رغب في نوال الإكليل، فليركض في الجهاد كمنتصرٍ (1 كو 9: 24)...
من أخذ شبه الملائكة يصير غريبًا عن البشر...
من أحب البيت السماوي، فلا ينزل ليعمل بناءً من طين.
من ينتظر أن يُخطف في السحاب، لا يصنع لنفسه مركبات مزينة.
من ينتظر وليمة العريس، لا يحب ولائم هذا العالم...
من يحب السلام، فليتطلع إلي سيده كرجاء الحياة[1].]