4 أبريل، 2015

زكريا واسبوع الالام


القرية خاشعة صامتة، والحزن يملأ كل بيت، لا يحيُّون بنهارك سعيد، ولا يصبِّحون ولا يمسُّون بالخير، سلامهم هو "المسيح مخلصنا"، ورده "جاء وتألم عنا". الكنيسة كخلية النحل، ناس تجيء وناس تروح، القلوب تتأوه، الجدران تتنهد، والقبة تولول مهدودة الحيل، الصلوات خمس كل يوم، وعن الصوم لا تسأل، لا يفطر ولا يأكل البيض واللبن إلا المريض وقليل التدين …
كان زكريا وهو رجل في الاربعين من عمره عرف ببشاشته وبساطته وتقواه، يكون اول الحاضرين الى الكنيسة عند ضرب الناقوس واخر من يغادرها عند سماع البركة الختامية، كانت كنيسة القرية صغيرة، تضم سكان القرية والبالغ عددهم عشرين اسرة. 
في ذلك اليوم، ليلة الاربعاء، دق الجرس عند الغروب دقات حزينة. وصل زكريا الى الكنيسة، سار في ساحة الكنيسة بجلال ووقار كان يمشي بمهل، ثم قبل صورة الصلبوت وهو يتنهد، أخرج من عبِّه مسبحة ليصلي، كان أحيانًا يتأوه وهو ينظر إلى مسبحته ليرى أيَّ مسافة قطع، إن صلاة واحدة بتركيز افضل من عشرة الاف بدونه.... تذكر زكريا التقليد القديم، يوم كان الناس يبقون في الكنيسة الاسبوع كاملا لا يغادرونها، وأخيرًا زمَّ بأنفه فجأة ورد بطرف شفتيه بحدة وتنهد: يا للأيام التي وصلنا إليها، ثم تلى بضعة فقرات من كتاب البصخة بصوت مرتجف ينم عن تأثره مما يقرأ.
لم تمض نصف ساعة حتى امتلأت الكنيسة بالمصلين، لباس الجميع السواد وكأنما استحالت الكنيسة ديرًا والمصلون رهبانا، والكثيرون لم يصلحون من هندامهم إماتة لنفوسهم، وبعض الشيوخ الأتقياء يأتون قبل موعد الصلوات.. الجميع يرشمون علامة الصليب حين يدخلون الكنيسة، بعضهم يُقبِّل الباب، وآخرون زاوية الهيكل، ومن يختصر يتلو الصلاة الربانية في مكانه. الشماس الذي يحضر للصلاة يلثم يد الكاهن أولًا، ثم يضع يده على صدره تحية لاخوته الشمامسة، الذين يلتفون حلقات حول صورة الصلبوت الموضوعة في منتصف صحن الكنيسة.
كانت عظة هذا اليوم عن خوف التلاميذ وقت القبض على المسيح. وقف الكاهن على المنبر ليلقي العظة فبدأها بمعلومة طقسية، فقال:
"في كنيستنا تتكرر ثلاث تسبيحات في كل خدمة طقسية، ولكننا نترك هذه التسابيح الثلاث: هليلويا وذوكصابتري واكسمارؤوت، في هذا الأسبوع بالذات. ولم يأت دون قصد أو على سبيل السهو، بل سنكف عن ترنيم هذه التسابيح الثلاث طوال فترة الآلام، ولهذا مدلول روحي عميق: إذ عندما يكف المؤمنون عن إنشاد ترانيم المجد هذه فإنما يتذكرون أن الله نفسه قد ترك مجده السماوي ونزل إلى أرضنا البائسة التعسة، ولن تجد هللويا طريقها في فترة الآلام إلى قلوب المؤمنين، إذ كيف يرى المؤمنون مخلصهم مجربا باكيا متألما وهم يفرحون وينشدون، أمام مرأى المسيح المتألم تذبل كل صيحة من صيحات الفرح والتهليل، أمام صورة المسيح المصلوب تختنق العبارات وتموت الهتافات...
+++
عقب انتهاء الخدمة ذهب الشمامسة لحضور حصة الالحان من اجل مراجعة الحان الجمعة العظيمة. لكنهم بدلا من مراجعة الالحان استعدادا ليوم الجمعة العظيم راحوا يتحدثون في موضوعات شتى، … ولم ينقطع سياق الحديث، وانجرَّ الكلام إلى تلاميذ المسيح، فتعجب زكريا كيف جبنوا وتركوا المخلِّص بين أيدي اليهود، لم يذكروا خبز العشاء السري وخمره، فما سهروا معه ساعة واحدة، تركوه يبكي وحده في البستان. وبطرس الذي اندفع وادَّعى المحبة القوية، أنكره ثلاث مرات قبل صياح الديك. واحتدم جدالهم، فأمست لهم ضوضاء كأنهم على الجلجلة ساعة الصلب، قال زكريا:
- لو كان ربنا في أيامنا هذه، لكان عرَّف اليهود قيمتهم.
فأحسَّ المعلم بغصة قليلًا، ولكنه بلعها، وقال بحدَّة:
- اسمع يا زكريا، هذي إرادة ربنا يسوع المسيح له المجد، وهو لو اراد كان محى أثر اليهود من الدنيا. ألم تسمع قول الإنجيل اليوم، حينما قال المسيح "أنا هو"، هذه الكلمة قلبتهم على ظهورهم.
وأعجب المعلم برده هو، بينما قال زكريا:
- هذا صحيح يا معلمي.
وسمع المعلم جرجس هذا الكلام فتهيأ واستعد لبداية حصة المراجعة، كانت الحصة تضم الشمامسة من جميع الاعمار، من سن 7 سنوات الى سبعين، فحفظ الالحان لا يتوقف على عمر، فبعض الصغار يفوق الكبار في الحفظ وحلاوة الصوت ايضا، وبعض الكبار يحفظ الالحان من صغره، لكنهم مجتمعون فقط لضبط اصواتهم فيما بينهم: ضبط عدد الهزات وطولها وطبقة الصوت وتختم ببعض التعليمات من المعلم بخصوص الحضور والوقوف في خورس الشمامسة... وما ان امسك المعلم بكتاب "خدمة الشماس" حتى سأل سامي عن سبب ظهور المسيح للنساء أولًا ثم للتلاميذ، فأجاب رامي بخبث:
- حتى يشيع الخبر حالًا … النساء لسانهم ...
تلفظ رامي بهذا القول الشائع، لكن زكريا تداركه برفع صوته فطمر الكلمة الاخيرة وهو يغمز، لكن رامي شد جبته وهو يصرخ: اتركني.
ولم ينتبه المعلم لهذا؛ لأنه كان يقلب صفحات كتاب "خدمة الشماس"، حتى سأل فادي :
- هل صحيح يا معلم اننا اتولدنا خطاة في هذا العالم؟
- نعم، فآدم يخلّف نسلاً بنفس طبيعته الساقطة. نحن نحتاج أن نعلّم أولادنا الصواب، لكنهم يفعلون الخطأ بطبيعتهم بدون تعليم قال داود النبي: "بالخطية ولدتني امي".
- لكن، ألا يوجد بعض الصالحين قط؟
- هذا يتوقف على ما اذا كنت تنظر من وجهة نظر الله أم الإنسان. الله لا يجد صلاحاً في الإنسان يؤهّله ليجد مكاناً في السماء، لقد شوهت الخطية الانسان تماما، وبالنسبة الى البر والكفاءة لدخول السماء يقول الله: لا أحد. يستحق، الجميع زاغوا وفسدوا.
- ولكن ألا يوجد خطاة أسوأ من خطاة؟
- لا شك في ذلك. لكن لا يحق لنا مقارنة ذواتنا مع الآخرين. نحن لن نُدان بالمقارنة مع الآخرين، وانما في نور قداسة وكمال الله . 
- بما اننا كلنا خطاة، لماذا نقول عن القديسين انهم قديسين؟
- هم كانوا يقولون عن انفسهم انهم خطاة، ولكن نظرا للمسيح الذي يسكن داخلهم هم قديسين. خذ مثلا، تلاميذ الرسل كلهم استشهدوا على اسم المسيح ولم يرهبوا لا مكائد اليهود ولا اضطهاد الرومان.
قال رامي:
- لكن خوفهم كان واضح يا معلمي، هذا مار يوحنا حبيب المسيح كان أول الهاربين، ثم لاحظ كم مرة فزعوا من المسيح عند ظهوره بعد القيامة. أؤكد لك أنهم كانوا يفزعون من خيالهم، مساكين!
فمطمط المعلم وقال:
- لقد ظنوه روحا ولاجل هذا قال لهم "جسوني وانظروني فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي"، ثم ان الأمر لا يخلو من الضعف البشري، عندهم شيء من الضعف مثلما هو عندنا. لو كانوا كما يجب، ما قال عنهم مار بولس الرسول: اختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء.
فصاح زكريا:
- صحيح يا معلم.
اما رامي فانه رمى رمية جديدة، فقال:
- معلمي، يا ترى لو ظهر لك المسيح تفزع منه مثل التلاميذ؟
فابتسم المعلم وقال: ما قولك أنت؟
فقال رامي: قولي أنا؟ يا جبل ما يهزك ريح.
فأجاب المعلم: هذه نعمة بعيدة عني، أنا عبد خاطي.
ثم تنهد تنهيدة عظيمة وقام إلى صلاة الختام وهو يقول: يا رب ارحم! ودخل الكنيسة ثانية ليلحق بلحن الختام في نهاية الطلبة المسائية ويقول في نفسه: من يعلم؟ من يدري؟ ربما يظهر لنا المسيح فعجائبه كثيرة.
أما زكريا فنهض وهو يقول: إيه! كلنا خطاة. أما الباقين فكانوا معجبين بفصاحة المعلم في الردود وطرافة الاسئلة المطروحة.
+++
في صباح يوم الجمعة تنافس الكثيرون في احضار الأزهار، ووضعها قرب الباب الملوكي أشكالًا وألوانًا، جاءوا يطرحونها على قدمي الصليب المنصوب بجانب المقصورة. وفي الغروب بعد الانتهاء من قراءات الساعة الحادية عشرة، رددوا كلمة "كيرياليصون" اربعمائة دفعة، ثم طافوا بصورة الصلبوت ثلاث مرات في صحن الهيكل وهم يرتلون لحن "غولغوثا"، ثم قبَّلوا الصورة واحدًا واحدًا مودعين المصلوب، وفي خروجهم ارتشفوا قطرات من الخل. وفي الساحة علي باب الكنيسة الخارجي كانت تنتظرهم الاغابي.
في مساء الجمعة الحزينة، نزعت الكنيسة ثيابها السوداء، وتزينت بالستائر البيضاء ذات الصلبات المشغولة بخيوط ذهبية، ابتهاجًا بقيامة الذي وهب الحياة لمن في القبور، فصلُّوا صلاة طويلة زحزحت الحزن عن صدرهم، وعادوا إلى بيوتهم فرحين بعد ترتيلهم مردات تتخلل قراءة سفر الرؤيا نصفها الاول حزايني ونصفها الاخر فرايحي.أما المعلم جرجس فظل في الكنيسة يستريح في غرفة خاصة بالغفير، منتظرًا قداس نصف الليل، كان بعض الناس يأتون للكنيسة ويمكثون بها، يطوون يوم السبت كله صوما، لأنه الرفاع ويجب صومه انقطاعا عن الطعام.
 +++
وما ان غربت الشمس حتى قرع الناقوس، واقبل الشعب إلى الكنيسة، وانقسم الشمامسة الى جوقتين يخدمون القداس: الكبار في الجانب البحرية، والصغار في القبلي. وفي مثل الساعة التي تدحرج فيها الحجر عن القبر بعد قيامة السيد، أقبل الكاهن على باب الهيكل الاوسط من الداخل ليصلي (تمثيلية القيامة) وبدايتها باليونانية "اخرستوس انيستي" وترجمتها "المسيح قام"، تطفأ الانوار ويسجد الجميع الى الارض ويصلي الكاهن ببعض عبارات المزامير ممجدا من غلب الموت بالموت، وصارخا في ابواب الفردوس الدهرية ان تنفتح ليدخل ملك المجد، الرب العزيز الجبار، الرب القاهر في الحروب. وفيما هو يطلع من امام المذبح، ولحظة اضاءة الانوار ثانية - وهي اللحظة التي قام فيها المسيح من الاموات وينتظرها الاولاد بشغف، ويحدقون بأبصارهم ببساطة طفولية لعلهم يرون المسيح- صدر صوت مدو في ساحة الكنيسة، اجفل الجميع: صرخ الأولاد والنساء، ووهل الرجال، واستبق البعض باب الكنيسة للخروج ظانين انه زلزال او تفجير ارهابي، كان المعلم راكعا امام ستر الهيكل المغلق، وحين نهض بعد لحظات بدا وكأنه افاق للتو من غيبوبة، فرأى أمامه رامي، لم يكن مدركا بعد ما حدث، فراح يستخبر قائلا: ما الذي صار يا رامي؟ أين راح الشمامسة والناس؟
فأجابه رامي: هربوا، ظهر لهم المسيح.
فضرب بيديه وقال : يه، يه، فيه حد يظهر له المسيح ويهرب؟..  وأين ابني تيموثاوس؟
- راح معهم.
ثم تفكر قليلًا وقال موبخا: عيب يا رامي، هذا ليس وقت مزاح!
- اخطأت سامحني.
اما زكريا فكان يغمغم بكلمات غير مسموعة قائلا:
خلاصك من عند الرب يا إسرائيل!
بينما هدج المعلم جرجس موبخا الشمامسة، فسمع زوجته وكانت بالصف الاول تقول: لو كان لنا حظ، كان ظهر لنا المسيح.
وتقدم الكاهن ولم يكد يخطو بضع خطوات في الممر الاوسط، حتى عاد الذين خرجوا خجلين، فوقف بباب الهيكل وهو يردد قائلا:
- صوت يعمل فينا كل هذا! ماذا لو كان تفجيرا ارهابيا، ثم التفت الى المعلم سائلا:
- هل تعرف ماذا حدث؟
- يمكن ده كان صوت صاروخ لعبة، واحد من الاشقياء قذفه من الخارج.
قال رامي:
- ربما احدثه احد الشباب، لكي يماثل صوت الزلزلة.
- وهل احد عاقل يفعل هذا؟
- لا، لكن من المحتمل ان يكون صاروخ كبير، وما يعرف انه هيعمل كل الصوت ده.
- كيرياليسون..
ثم التفت الى المعلم قائلا: كمِّل الحانك يا معلم.
أما زكريا فظل واقفًا عن يمين مذبح البخور كالملاك، تخبر عيناه الخاشعة عن أشياء كثيرة …