10 أبريل، 2015

بار اباس

كان يقف بعيدا بعض الشىء عند أسفل المنحدر مائلا الى ناحية، وقد تسمرت عيناه على الرجل الذى يجود بأنفاسه فى الوسط، وظل يراقب آلام موته منذ اللحظة الأولى حتى النهاية . اسمه باراباس. كان يناهز الثلاثين ، متين البنيان ، بشرته شاحبه ، ولحيته محمره ، وشعره اسود ، اما عيناه فغائرتان جدا وكأنهما تودان الاختباء . وكان هناك تحت احدى العينين ، جرح غائر يختفي عن الأنظار داخل لحيته. ها هو الأن يقف فوق التل الذى انتصبت عليه المقاصل محملقا فى الرجل المعلق على الصليب القائم فى الوسط ، عاجزا عن انتزاع عينيه.

منذ اللحظة التى رآه فى خلالها فى فناء القصر وهو يحس بأن ثمة غرابة تكتنفه. ما طابع هذه الغرابة؟ أنه لا يدرى. كل ما فى الأمر أنه يحس بها. وهو لا يذكر أنه التقى من قبل بشخص مثله، ولكن قد يكون السبب فى هذا الاحساس أنه خرج لتوه من الزنزانة ومن المحقق أيضا أن هذه المرأة أمه على الرغم من أنها لا تشبهه ، ولكن من ذا يستطيع أن يشبهه ؟ تبدو وكأنها قروية ، مكدودة وحزينة، وهى قد ظلت تمسح أنفها وعينها بمنديل في يدها ، وكأن أنفها يسيل لايضا، لكنها لم تنتحب، لم يكن حزنها شبيها بحزن الآخرين عليه، كذلك لم تكن تنظر. كان الضياء ينتشر ببطء ، مثلما يحدث وقت الفجر . وشمل ضوء النهار التل وأشجار الزيتون المحيطة بالمكان ، والطيور التي صمتت بدأت تشقشق من جديد . مثلما يحدث وقت الفجر . أما الاقارب الواقفون أعلى التل فشملهم صمت عميق . لم يعد يصدر عنهم صوت بكاء أو عويل . وانما وقفوا لا يبدون حراكا ، متطلعين الى الرجل المصلوب - حتى الجنود فعلوا ذلك . لقد ران السكون على كل شىء . وفكر في نفسه:
- استطيع الأن أن اذهب الى أى مكان اريد، لقد انتهى كل شىء، والشمس قد سطعت من جديد. لكن لا سأسير وراءهم.. وسار باراباس وراء الموكب الحزين على مسافة غير بعيدة ، الرجال يحملون الجسد المدرج في أكفانه ، والنسوة يسرن فى المؤخرة . تبعهم وبينه وبينهم مسافة تجعلهم لا يلمحونه . وفى حديقة غير بعيدة وضعوا الميت فى قبر منحوت فى صخرة . وبعد أن وصلوا بجوار القبر سدوا المدخل بحجر كبير وانصرفوا .
وسار متجها الى القبر ، ووقف هناك فترة . لكنه لم يصل ، ذلك أنه آثم ولن تقبل صلاته . وخاصة أنه لم يعاقب على جريمته . يضاف الى هذا أنه لا يعرف الرجل الميت . ومع ذلك فقد لبث هناك فترة .
ثم مضى بدوره ، متجها الى أورشليم . بعد بوابة داود ، وعلى مسافة غير بعيدة فى الطريق ، التقى بامرأة كانت تسير بمحاذاة جدران البيوت، اكتفى بان سألها عن وجهتها، وهل سمعت أنباء من الجلجلثة . وكانت تجيب في أضيق الحدود ، وتمضغ الكلمات، بحيث كان من الصعب فهم ما تقول، سار في الطريق وانتهى به الامر في حانة، يجلس فيها بضعة رجال وثلاثة نسوة .. ما ان لمحنه حتى أفسحوا له سريعا مكانا على المائدة ، وأخذوا يصبون له الخمر ويتحدثون جميعا فى وقت واحد : يتحدثون عن خروجه من السجن واطلاق سراحه وكيف أنه محظوظ لأنهم صلبوا الرجل الآخر بدلا منه ! واستبدت بهم الخمر، لكنه جلس معظم الوقت شاخصا ببصره إلى الأمام، بعد ذلك بدأ رجلين حديثا هامسا مع باراباس ، ذكرا فيه أنهما سيعودان الى الجبال مرة أخرى هذه الليلة بمجرد أن يخيم الظلام ، وتساءلا : متى يعود هو الى الجبال مرة أخرى ؟ وأبلغاه مكان عرينهما فى الوقت الحالى . وأومأ باراباس برأسه علامة الفهم ، لكنه لم يجب بحرف .
وبدأت احدى النساء تتحدث عن الرجل الذى صلب بدلا من باراباس . وهى قد رأته مرة ، وان كان ذلك فى أثناء مروره أمامها ، وقال الناس : انه رجل متفقه فى الكتب المقدسة ، وانه يسير بين الناس يتكهن ويأتى بالمعجزات، وقالت امرأة أخرى : انها لم تراه قط لكنها سمعت أنه قال : ان الهيكل سينهار ، وان أورشليم ستندثر بسبب زلزال ، وأن النار ستلتهم السماء والأرض بعد ذلك، ليس غريبا اذن أن يصلبوه بسبب ذلك .
لكن المرأة الثالثة قالت : انه كان يختلط معظم وقته بالفقراء وأنه اعتاد ان يعدهم بدخول مملكة الرب ، حتى العاهرات ! أضحكهن هذا كثيرا ، لكنهم رحبن بالفكرة اذا كانت صحيحة .
أخذ باراباس ينصت اليهن ، ولم يعد شاردا ، برغم أنه لم تبدر منه أية بادرة ، لم تبدر منه حتى ابتسامة . 
سألته المرأة:
- هل تعتقد انه المسيح؟
- المسيح ؟ ... لا ، انه لم يكن المسيح ، تمتم بهذا لنفسه .
وقال أحد الرجال : لا ، لا يمكن أن يكون المسيح بالطبع ، والا عجزوا عن صلبه . ولو كان المسيح لخر هؤلاء السفلة على الأرض مصعوقين . الا تعرف كيف يكون المسيح ؟
- لا بالطبع ! ولو كان المسيح لنزل من فوق صليبه ولذبحهم جميعا !هل يعقل أن يدعهم المسيح يصلبونه !
لكن باراباس ظل شاردا.
- أوه ، فلتشرب الآن يا باراباس ولا تجلس هكذا تكلم نفسك ... قالها أحد أعوانه وهو يوخزه فى ضلوعه .. وبالفعل تناول باراباس جرعة من الوعاء الفخارى ، ثم اعاده الى مكانه وهو شارد . وسرعان ما ملأنه النسوة من جديد وجعلنه يتناول جرعة أخرى . لابد أن الخمر فعلت فعلها. ومع ذلك بدا أن أفكاره لا تزال تحوم فى مكان آخر . ووخزه الرجل بكوعه مرة أخرى .
- ما هذا ، اشرب وامرح ! ألا يفرحك أنك نجوت ، وأنك تجلس هنا متمتعا وسط أصدقائك ، بدلا من أن تتدلى من صليب ويدب فيك العفن ؟ أليس هذا أفضل ، هه ألا تقضى هنا وقتا طيبا ؟ تصور يا باراباس ! لقد نجوت بجلدك ، أنت حى ! أنت حى يا باراباس!
في تلك الليلة ظل راقدا وعيناه مفتوحتان، وقد طار منه النوم . ومن خلال أوراق الشجر الجافة التى تظلل السقف استطاع أن يلمح السماء ، لابد أنها السماء على الرغم من أنه لا يلمح أى نجوم، لا شىء غير الظلام . فالظلام يخيم الأن على جولجوثة ، وعلى كل مكان .
وفي الصباح انطلق في طريق وادي قدرون، ببعض الرجال يجلسون ويتحدثون عن هذا الرجل نفسه .. شىء غريب. ما شأنهم بيسوع؟ ولماذا يتهامسون دائما؟ كان الرجل الاكبر سنا هو الشخص الوحيد الذى يصدر صوتا مسموعا يين حين وحين ، هل يقولون شيئا عن الظلمة .. عن الظلمة التى خيمت حينما مات .. ؟

وأخذ يرهف السمع ، ويلغ من شدة حماسه أنهم لحظوا ذلك دون شك . وفجأة ران عليهم صمت تام، وظلوا - لفترة طويلة - لا ينبسون ببنت شفة. كانوا أربعة ، وبعد هنيهه استأذنوا الرجل الاكبر سنا. ووجد باراباس نفسه وحيدا معه، نازعته نفسه فى التحدث معه ، لكنه لم يعرف كيف يبدأ؟ وظل الرجل جالسا وقد زم شفتيه، يهز رأسه الضخم من حين لآخر. وكما على عادة الناس البسطاء، أخذ يعبر عن متاعبه بحركات خاصة برأسه . وفي النهاية سأله باراباس - بشكل مباشر - ماذا يحزنه. وتطلع اليه الرجل فى اضطراب، بعينيه الزرقاوين المستديرتين ، دون أن يجيب في الحال . ثم قال: - أوه . ألم تسمع بمن صلبوه أمس فوق تل جولجوثة؟
- نعم، لكن لماذا صلبوه ؟
- لأن وقوع هذا الآمر كان محتوما .
- محتوما ؟ هل كان صلبه محتوما ؟
- بكل تأكيد . ورد هذا فى كتب الانبياء ، يضاف الى ذلك ان المعلم اخبرنا بأنه سيصلب.
لكنه سيعود ليتجلى فى مجد . انه سيقوم من موته ! نحن على يقين من هذا .
- يقوم من موته ! كلام فارغ ! 
- أنت لم تعرفه قط . لكن الكثيرين منا يؤمنون . و لماذا لا يحيا من جديد وهو الذى أحيا كثيرين بعد موتهم ؟
فلماذا تركهم يصلبونه اذا كان يتمتع بكل هذه القدرة ... ؟
- نعم ، نعم ، مفهوم .. ليس من السهل ادراك ذلك ، أنا أوافقك على هذا .انني ، كما ترى، رجل بسيط ، وليس من السهل فهم كل هذا، لكن عليك ان تثق بابن الله.
- وهل تتصور أن يهبط ابن الله للأرض؟! وهل تتصوره يأتي من الناصرة؟
- أوه ! لم لا ؟ ان هذا ممكن. صحيح أنه مكان متواضع ولكنه هكذا تنبأ الانبياء.
- لكن لم اكتفي بأن يجول في قرانا ويعظ دون ان يقهر اعداءنا الرومان؟  
- ان الخلاص من الخطية اهم من الخلاص من الاعداء المنظورين بما لا يقاس.
كان الرفيق الشيخ جد مخلص قى قوله لدرجة جعلت باراباس يبتسم، وكان أكثر من متحمس لذا استطرد قائلا:
- و العجائب التى حدثت حين موته ، هل فكرت فيها؟
- اى عجائب ؟
- ألا تعرف أن السماء أظلمت حينما مات؟
أشاح باراباس بوجهه وفرك عينيه لحظة، لقد اعاد الى ذهنه ما رأته عيناه واذهله جدا.
- لقد تزلزلت الأرض و انشق تل جولجوثة الى نصفين فى البقعة التى كان فيها الصليب .
وضع يده على ذراع باراباس وهو يقول :
- اسمع ... لم أكن مع المعلم حين تعذب ومات . لقد وليت الأدبار فى ذلك الحين . تخليت عنه وهربت . وقبل هذا أنكرته . تلك هى أكبر مصيبة . لقد انكرته . كيف يعفو عنى ، اذا هو عاد ؟ ماذا أقول له ؟ بم سأجيب ان هو سألنى ؟ لقد سألتني : ماذا يحزنني . أنت تعرف الآن . أنت تعرف الآن اى نوع من الرجال أنا .. وان سيدى ومعلمى ليعرف أكثر . أنى انسان مسكين تعس منكود ! هل تعتقد أنه سيغفر لى ؟
وأجاب باراباس بأنه يعتقد ذلك . لم يهمه - بصفة خاصة - سؤال الرجل، لكنه أجاب عنه بالايجاب، من باب الموافقة من ناحية ، ومن ناحية أخرى، لأنه لم يعد في وسعه الا ان يحب هذا الرجل الذى أخذ يتهم نفسه وكأنه مجرم ، مع أنه لم يرتكب خطأ . من ذا الذى لم يتخل عن انسان آخر بأى شكل؟
وفى تلك اللحظة مرت بهما مجموعة من الرجال يسيرون فى الطريق، خارج الأعمدة . ولما لمحوا الرجل الضخم الأحمر الشعر ورأوا من الشخص الذى يتحدث اليه ويمسك بيده حملقوا وكأنهم لا يصدقون ما يرون . واندفعوا الى الأمام ، وعلى الرغم من أنهم اقتربوا من الرجل الرث الثياب في احترام يسترعى النظر فانهم انفجروا قائلين :
- ألا تعرف هذا الرجل ؟!
وأجاب بصدق : لا ، لست أعرف ، لكنه رجل طيب القلب ، وقد تجاذبنا أطراف الحديث معا .
- ألا تعرف أن المعلم صلب بدلا منه؟!
كان باراباس قد نهض واقفا، ولبث هكذا وظهره ناحيتهم وبذلك لم يعد وجهه ظاهرا . ثم التحف باراباس بعباءته ومضى الى الطريق وحيدا دون أن ينظر خلفه .

بار لاجير كفست
===
موضوعات ذات صلة:
باراباس .. انا وانت
يسوع ام باراباس