29 يناير، 2015

خلوة في الدير

انزلته السيارة الاجرة على مفرق الطريق عند لافتة مدون عليها عبارة "دير الانبا انطونيوس". كان على اللافتة سهم يشير للاتجاه ومكتوب اسفله "يقع الدير على بعد 22 كم". كان على بداية الطريق مبنى على اسواره علامات الصليب وكذلك على بابه الحديدي، كان يجلس امام الباب على الرمال رجلا عجوزا انه يعمل حارسا بلا شك للمكان. علم منه ان الرهبان غادروا المبنى بسيارة الدير منذ 10 دقائق فقط. وان هذا المبنى مخصص لتجمع الشباب الذي يأتي لقضاء الخلوة في الدير وان اخر موعد للتجمع هو الساعة الرابعة عصرا بعده تغادر سيارة الدير ولا تعود الا في اليوم التالي ظهرا.
كان الجو ربيعي في شهر ابريل لذا تبقى امامه ثلاث ساعات حتى حلول الظلال. هل يستطيع ان يصل الدير قبل الظلام؟ شعر بالنشاط في جسده، لذا استحث خطاه بمقدار ما اعتادت عليه قدماه اللتان لم تتعودا المشي هذه المسافات الطويلة. كان ينظر للخلف يرقب لعل سيارة من السيارات النقل التي يراها كثيرا تذهب للاديرة اما فارغة  لنحميلها بمنتجات الاديرة او مملوءة بمواد البناء وخلافه لزوم حاجة التعمير في كثير من الاديرة. ولكن ليس اثر لاي منها.
مضى يعب نسمات هواء الصحراء عبا ويملأ رئتيه بهذا الهواء النقي الذي يختلف تماما عن هواء المدينة الملوث الفاسد. اخيرا بعد ان قطع نصف المسافة، وجد سيارة نقل ثقيل في طريقها للدير، توقف السائق حينما رآه، رغم انه خطر له ان في هذه الايام –ايام ما بعد ثورة 25 يناير- يخاف السائقين من التوقف في هذه الاماكن النائية. وبالفعل كما علم لاحقا من احد رهبان الدير ان احد سائقي الشاحنات قتل، اذ انه رفض التوقف امام مجموعة ارهابية اعترضته رغبة في سرقة الشاحنة. فما كان منهم الا ان اطلقوا عليه وابلا من الاعيرة النارية، اصابته وارتطمت السيارة اخيرا باحد الاستراحات، على جانبي الطريق، ثم انقلبت، واصبحت كابينة القيادة، كما رآها بالدير فيما بعد، كتلة من الحديد منبعجة وبلا ملامح.
سمح له سائق السيارة ان يركب ليس في الكابينة انما خلفها، حيث وجد موطئا لقدميه، اذا فقد صدق هذا الهاجس عنده. كان الهواء يضرب بقوة وجهه وهو واقف قابضا باحكام على نتوء حديدي. وبعد حوالي 10 دقائق لمح الدير وفكر في نفسه:
-          يا الله! كم انت حنون. هل كنت استطيع قطع كل هذه المسافة؟ لا اعتقد.  
بعد ان استراح قليلا خرج من بيت الخلوة للعمل في مكتبة الدير. كانت بضع حمامات تقف وعندما اقترب من احداها نفرت الحمامة فلامس احد جناحيها احدى وجنتيه اثناء طيرانها، فابتسم لذلك، ثم زفرة زفرة عميقة، فقد تذكر انه لم يأت الى هنا الا ليبكي على خطاياه. ولا تزال ترن في اذنه العبارة التي قرأها، على احدى اللوحات اثناء صعوده لمغارة الانبا انطونيوس، صاحب هذا الدير وشفيعه، كانت العبارة تقول: اوقد سراجك بدموع عينيك.
في اليوم الثاني:
صعد الى مغارة الانبا انطونيوس. تقع المغارة في قمة مرتفعة من قمم جبال البحر الاحمر. و كان الطريق اليها قد تم تمهيده عبر عشرات السنين عن طريق عمل درجات بعضها من الحجر والاخر من الحديد بالاضافة الى درابزين حديدي بسيط لكنه متين يحمي الانسان من السقوط. تعلو المغارة حوالي 1200 درجة سلم. عرف مختار ذلك من كتابة مصنوعة باللحام الكهربي على احد الدرجات الحديدية، كانت الكتابة تقول: "هذه الدرجة رقم 1000"، التقط صورة لهذه الكتابة بكاميرا الموبايل للذكرى، وهو يقول في نفسه: لا اعتقد ان هذا الرقم مبالغ فيه، فنحن نستغرق ما لا يقل عن ساعة في الصعود، لا يتخللها الا دقائق معدودة لالتقاط الانفاس.
كان الطريق للمغارة يحفه على الجانبين لافتات معدنية زرقاء اللون مكتوب عليها بخط ابيض واضح ايات من الكتاب المقدس ولافتات اخرى تحمل بعض من اقوال الاباء. ما ان تفكر في معنى الاية او القول الابائي في لافتة حتى تجذب ناظريك اللافتة الاخرى في الجهة المقابلة، وهكذا طوال الطريق، يبقى الفكر منشغلا بتأملات ععميقة. من اللافتات التي جذبت انتباهه لافتات كان مدون عليها ايات تتحدث عن الجبل مثل:
الجبال تشدو امام الرب بالترنم.
اما يسوع فمضى الى الجبل ليصلي.
ولافتات اخرى بها اقوال للقديس انطونيوس:
أتعِب نفسك في قراءةِ كتبِ اللهِ فهي تُخَلِّصُك من النجاسةِ.
كلُّ عملٍ تعمله فليكنُ لك عليه شاهدٌ من الكتبِ المقدسة.
الزم الحزنَ على خطاياك كمثلِ من عنده ميتٌ.
أَوقِد سراجَك بدموعِ عينيك.
لا تتحدث بأفكارِك لجميعِ الناسِ إلا الذين لهم قوةٌ على خلاصِ نفسِك.
وكان هناك لافتات لقديسين اخرين كثر.. كم انعشت هذه الكلمات نفسي! ان القديسين اتوا عبر الزمن بنفحات كانت تجدد الهواء المكتوم. انها اقوالهم التي هي بمثابة نفحات محيية تنسمتها منذ طفولتي. 
+++
كان مختار يجلس على احد المصاطب الحجرية امام بيت الخلوة حينما جاء الاب المسئول عن بيت الخلوة الساعة التاسعة مساءا. حينما رآه حيّاه ودلف معه الى الداخل. كان هناك اربعة من الشباب المقيمين ببيت الخلوة، يجلسون في الردهة، بادرهم الاب بالسؤال:
-          من منكم يريد ان يخدم القداس في المغارة كشماس؟
بسرعة اجاب مختار: "انا". وكذلك اجاب احد الشباب الاخرين.
-          عليكما اذا ان تكونا الساعة الرابعة صباحا هناك.
ثم انصرف سريعا كما جاء سريعا.
فكر في نفسه:
-          عليّ ان ابدأ الصعود الساعة الثانية بعد منتصف الليل، الساعة الثانية والنصف اصل الى كنيسة "القديس بولس البسيط" في منتصف الطريق، تستغرق التسبحة التي تسبق القداس ساعتين اذا تخللها بعض المقاطع التي تقال باللحن، او ساعة بدونها. هذا مناسب تماما.
-          لم يقل ذلك لزميله جهرا فقد اعتقد ان هذا الموعد امرا بديهيا. فهو يقضي خلوات بالاديرة منذ تخرجه من الجامعة، يفعل ذلك في السنة اربع او خمس مرات. حضر في جميعها تسبحة منتصف فيما عدا مرة او اثنتين فقط، سيطر عليه فيها "شيطان النوم" كما يطلق عليه الاباء، كان رفقاءه في الخلوة يوقظونه مرات لحضور التسبحة، ومرات اخرى كان يوقظهم.
كانت الساعة العاشرة، حينما وجد احد الاباء الرهبان جالسا مع احد الشباب، حياهما وجلس الى جوارهما، ربما اراد ان يسمع كلمات منفعة، لم يطل الحديث اكثر من دقيقتان. كان كلاما عاديا جدا- فقط تبين انه عن الاب لعازر. انه يعرف عن هذا الاب من طريق الانترنت، فقد شاهد فيديو باليوتيوب نشره صحفي عنه، ذكر عنه انه استرالي وانه تحول من كونه استاذا ملحدا يحاضر باحد الجامعات في بلده، الى اب راهب بدير قبطي، يعيش في قمة الجبل، في مكان لا يعلمه احد بالضبط، كل ما يعرف عنه انه مغارة تقع في حضن الجبل وتعلو مغارة الانبا انطونيوس قليلا. ذكر ذاك الاب ان الاب لعازر ذاك سيقوم بخدمة صلاة القداس في المغارة. كان مختار يتوق ان يرى هذا الانسان، ولم يكن لديه رغبة في النوم، لذا فقد ظل مستيقظا، لا يذكر بالضبط فيما قضى هذه الساعات، ربما في الصلاة او القراءة قليلا، على الارجح انه قضاها بدون عمل شئ، ربما اكتفى بالاستمتاع بهدوء الليل في هذا المكان البديع القابع وسط الصحراء.
اعتقد مختار انه سيلتقي بالشاب الاخر الساعة الثانية، لذا فقد ظل منتظرا حتى الساعة الثانية، لم يعثر عليه، فكر في نفسه: لا اعرف غرفته، هل اقرع على باب هذه الغرف الثمانية في بيت الخلوة واوقظ من بها؟ وحتى ان فعلت! لن استطيع تمييز ملامحه، فانا لا اذكر ملامحه بالضبط.. ثم عاد وفكر: ربما يكون قد سبقني الى هناك! انني اشعر بحيوية وخفة حركة، هيا اذا الي المغارة.
وصل الى كنيسة القديس بولس البسيط، لم يجد احدا. وقف على باب الكنيسة المغلق وتلى الصلاة الربانية. ظل منتظرا عشر دقائق. اخيرا قرر ان يصلي التسبحة. فهو يحفظ اجزاء كثيرة منها غيبا، كان يصليها مرتين في الاسبوع لسنوات عديدة: الخميس والسبت، وفي الفترة السابقة اقترح عليه اب اعترافه ان يصليها كل يوم، لذا فقد كان يفعل ذلك في البيت احيانا واحيانا اخرى في الكنيسة حيث يجد شابا او اثنين يشاركانه.   
+++       
يحب الشباب القصص، وخصوصا عن الاباء الرهبان، انها تحمل تراثا عظيما للاباء، كما تفوح بعبق القداسة والنسك الشديد في قلب الصحراء، حيث هناك شح في الطعام والشراب ولكن ليس شحا في المحبة على الاطلاق، و لا تخلو هذه القصص من الاحداث المثيرة والتعاليم النافعة ذات البعد الغيبي الفائق للطبيعة.
في المساء التقى مختار هو واثنان اخران من الشباب باحد الاباء في الدير. حكى لهم الاب قصة مشوقة على لسان احد الرهبان القدامى. ولابد ان نذكر، ان بعض هذه القصص مدون في كتب والبعض الاخر يتناقل شفاهيا وقد تدون في نبذات او كتيبات او قد يطويها الزمن فتنسى، من يعلم؟
بدأ كلامه قائلا:
انتم تعرفون، انه كان من عادة الرهبان ان يتركوا الاديرة ويجولوا في الصحراء خلال صوم الاربعين يوما المقدسة تمثلا بالفترة التي قضاها السيد المسيح صائما بالبرية، حسبما ذكر انجيلي متى ولوقا الاصحاح الرابع في كل منهما. هناك قصة وردت في كتاب "الاباء السواح" سأحكيها لكم. تقول القصة: ان الاب اسطفانوس حين كان يطوف البرية وهو ينظر الى الاودية ويتأمل في الصحراء وجد جمجمة فقال في فكره: ليتني اعلم لمن هذه! ليت لها لسان فأسألها لمن هي! هل هي لاحد القديسين او لاحد المسافرين؟ ليتني اعلم ما نال صاحبها هل هو العذاب ام النعيم؟ فتوجه الى الشرق وصلى لله وسأله ان يطلعه على امرها.
وحين انهي صلاته واذا بصوت يقول:
ايها الاب اسطفانوس اسمع مني واحفظ ذلك وقصه على الاخرين، حتى لا يأتون حيث انا مقيم في عذاب عظيم.
اما قصتي فهي اني كنت تاجرا طماعا اكسب المال بالربا واحسد كل احد ولا اتصدق ولا اصلي وكان لي اولادا صالحين يحبون الغرباء ويصنعون صدقات كثيرة واعمال الرحمة وكانوا يشيرون على فلم اسمع لهم.
وفي يوم سافرت الى بلد بعيد للتجارة واخذت جمالا وغلمانا وتجهزت للسفر واستاجرت دليلا للطريق، وكان معى اموالا كثيرة وتجارة كثيرة فاقمت ثلاث ايام اطوف في الصحراء ولا نعرف الطريق فالويل لمن لا يكون الله دليله. واشتد علينا الحر فماتت الجمال وهرب الغلمان وتركوني وحدي، وحب متاع الدنيا منعني من التظلل تحت الكهوف فاقمت ثلاث ايام اخرى اكل مما فضل من الطعام حتى لم يبق شئ، الى ان ادركت قرب الموت وتفكرت كيف ان الدنيا زائلة عني في مدة يسيرة وليس لي عملا يخلصني، ثم لم يكن لي قدرة على القيام من مكاني، وفي اليوم الثاني ثقلت عيناي فلم انظر ، وبينما انا في اليوم الثالث انفتحت عيناي ورايت ملاكا مهولا وبيده سيف ن نار وفمه يتقد نارا فامر روحي بالخروج وتسلمها وسلمها للمعذبين فخطفوا روحي بسلاسل معهم واتوا بي الى مكان العذاب وطرحوني..
ورأيت في الهاوية معي شيخا كنت اعرفه في العالم وكان فعله رديئا مثلي فقلت له كيف اتيت الى هنا فقال لي ان اعمالي الرديئة  هي لتي اوصلتني الى هذا المكان .. واذا صوت رعد عظيم لا يطيق اهل العالم سماعه واذا هو الملاك الموكل بالعذاب فطرحني الى اسفل الجحيم وحتى هذه الساعة.
ويل لي من تلك الساعة فلم ينفعني المال و لا الاولاد.. اياك يا ابي اسطفانوس ان تكسل عن فعل الخير والصلاة واعلم ان الايمان بالرب يسوع المتجسد من العذراء مريم والصبغة بالمعمودية وتناول القربان المقدس هو الذي يخلص. وقد كنت اعرف هذا جميعه لكتي لم اعمل به، ثم قال ان الموكل بي هو الذي امرني بالكلام لك ثم صمت عن الكلام. فحفر الاب حفرة ودفنها، ومضى الى اخوته الرهبان، واخبرهم بهذا.
حينما عاد الى غرفته فكر في نفسه: ان الصحراء تجعل المرء يعود الى ذاته. طوبى لك ايتها البرية! يا من تمجد فيك الخالق من الوف الشفاه! يا من استحققت ان تدعي اسقيط الرهبان!
ولكنه عاد وتذكر احواله في العالم: اهتماماته العملية، التزاماته العائلية. شعر بغصّة في قلبه في هذه اللحظات. فقد ناهز الثلاثين من العمر. احس ان الحياة تعدو منه سريعا. شعر بحدة ذلك التلاشي الحتمي للزمن الذي يهرب من قبضة اي انسان. الشعور بعدم بقاء شئ من مياه النهر المتدفقة الا قليلا من الماء المر في كف اليد. انه شئ فظيع ان يشعر المرء بأن كل شئ يقبض عليه يتسرب منه.

25 يناير، 2015

انا القناع


يوجد شئ شائع جدا لدينا، وهو اننا كلنا نريد الظهور بشكل جيد امام الاخرين. لكي نترك انطباعا جيدا لديهم، وان كل شئ فينا منضبط ويسير على ما يرام، حتى لو لم نكن كذلك. والطريقة الوحيدة لكي نفعل هذا، هو ان نرتدي شئ اضافي، وهذا الشئ هو ما يسمى القناع.
اننا نستخدم اقنعتنا لكي نبهر الناس، فمثلا يقول احدهم: انا لديّ تلفاز 25 بوصة شاشة مسطحة. انه باهظ الثمن جدا وهو افضل نوعية بالسوق. ثم يصرخ: يا الهي! لقد تراكمت الديون جدا عليّ.
حتى انه يمكن ان نستخدم الاقنعة لكي نحمي مشاعر من نحبهم:
تقول هي: هذه كانت اغنية جميلة يا حبيبي. ثم تقول سرا (انا متأكدة تماما انك لا تفهم في الموسيقى).
تقول هي: انك شخص جيد، ثم تقول سرا (كيف يفكر هذا الانسان؟ ان افعاله كلها مريعة).
شئ ما يجعلنا نرغب دائما ان نظهر بأحسن مظهر. ومن ثم نتظاهر بأن كل شئ على ما يرام. لكن وراء كل قناع ممتاز توجد حياة خربة وخاوية.
كثيرون قلوبهم خاوية، وفي حيرة شديدة، بلا رجاء، مجروحين، والبعض يقول: ربنا لا يمكن ان يحبني، او انهم لن يقبلوني، او لن يغفروا لي.
لكن الشئ الهام هي ان نوعية هذه الحياة هي بالضبط التي يود ان يظهر الله عمله فيها.
اصلاح الفوضى هو تخصصه، تقويم الاعوج، تجبير الكسور، اصلاح العيوب، علاج نتائج اخطاءنا شئ يريد الله ان يعمله.
لكن اولئك الذين لا يستطيع الله ان يعمل معهم وفيهم هم من يرتدون الاقنعة.
من اجل هذا نستطيع القول: ليست مشكلة ان تكون لست جيدا، فلا يوجد احد كامل. لكن المشكلة ان تكون مرائيا.
هل تريد ان تترك انطباعا جيدا امام الناس، حسنا! ولكن مع ربنا افضل امر تعمله، هو ان تأتي الى الله كما انت وتطلب منه ان يصلحك.

+++
انا القناع.
انا الوجه الذي تضعه على الدوام،
لتظهر بمظهر القوة و الجمال،
لتخدع كل المحيطين بك،
لتتجنب ما لا تستطيع بمفردك تجنبه،
لتخفي الواقع المشين،
لتحمي مشاعر الاخرين من واقعك الصادم.

انا القناع.
انت ترى ما اظهره لك،
ترى صديقا سعيدا زكيا،
ولكن يختفي خلفي روح مكسورة،
خلف هذه السعادة الساحرة،
يختفي جسد واهن يرتعش بل يحتضر.

انا حزين ولكني اخفي ذلك خلف وجه غاضب،
لأنه اسهل ان تشكو من ان الامور تسير بشكل سئ،
من ان تشعر انه لا امل في الاصلاح.
انا وحيد ولكن اخفي ذلك بالمرح،
انه سهل ان تضحك لوحدك،
عن ان ترى الكل يضحكون بدونك.
انا خاوي ولكني اخفي ذلك خلف قناع السأم،
لأنه من الاسهل ان لا تجد شئ تفعله،
من ان تشعر انك لا قيمة لك على الاطلاق.

 الحقيقة التي لا تقدر ان تواجهها،
 موجودة في صندوق وستبقى،
الاسرار التي لا يعرفها احد سواك.
في مكان مظلم في رف خلفي،
مثل شكوك ورذائل،
اشياء يخجلك ان يعرفها الاخرين،
الاخرين لا يرون الا ما تظهره انت،
قناع الثقة بالنفس والقوة،
يخفي خلفه عدم الامانة، الحقد، الغيرة،
تزيد وتنمو يوما بعد يوم،
حتى يأتي يوم حين لا يستطيع ان يخفي القناع اكثر،
فيسقط قناعك وتسقط معه.

22 يناير، 2015

دعوة إلى وليمة



   فى بطء شديد خرج الراهب الشيخ من باب قلايته الملاصقة للكنيسة، خرج يتحسس طريقه ، يحمل عبء الستين عاما ، ويجر ما خلفت له من أمراض مختلفة. يلوح بعصاه بلطف ذات اليمين وذات اليسار، علّها ترتطم بشئ فيتعرف إلى طريقه .. وربما ليتأكد أنه ليس هناك ما يصطدم به .
   وقبل أن يحقق بضع خطوات، هرع إليه راهب شاب ، لثم يده وسأله إلام يحتاج؟ ثم قاده فى إشفاق ، وابتسامة على ثغره ، حتى وصل إلى ( مصطبة) قريبة أجلسه فوقها برفق، ثم استأذنه فى الإنصراف وهو يطلب إليه أن يدعو له ، وقال الشيخ عبارته المشهورة : ( الله يساعدك على خلاص نفسك ) .
   وفى جلسته لا يبد حراكا .. لا شئ سوى صوته الذى يرتفع بين الفنية والفنية ، مرددا مديحة قديمة ورثها عن الذين سبقوه، أو ترتيلة حملها معه من قريته ، وهو فى ذلك له طريقة مؤثرة ، فقد جمع صوته الحانى بين رنتى الحزن والفرح معا ، ويشعر كل من يسمعه أن الصوت قادم من بعيد ، بعيد جدا، من الأبدية ، يشعر أنه يرنم هناك فوق في السماء، ثم يصل الصوت إلى الذين يسمعون عبر كثافة ثقيلة من الزمن والمادة.
   ثم أنه لا يهدى مديحه إلى أخر ، ولا يروم إلا لذة التسبيح ، يدخل بها فى هدوء إلى المحفل الإلهى .
   كما أن لترتيله خاصة عجيبة ، فهو يبكت ويشجع فى أن .
   ويمضى الوقت .. وهو لا يعرف الساعة .. ولا المواعيد، ولا يستطيع أن يفرق بين الليل والنهار ، فإذا دق ناقوس الكنيسة ، صحبوه إلى هناك ، وإذا دق ناقوس المائدة ، صحبوه إلى المائدة ! لايسأل عن الساعة! ثم أنه لا يعرف مكانا فى الدير ، أقصد لا يعرف كيف يصل إلى أى مرفق من مرافق الدير دون مساعدة أخر.
   إنه محمول على عناية الله ورعايته..
   وتطول  جلسته على( المصطبة) فينهض بنفس البطء والهدوء ويتأهب لرحلة الرجوع ، وطولها عشرون مترا فقط ! حتى يصل إلى قلايته ، نفس العمل الشاق ! ويلمحه راهب أخر ويتطوع بمرافقته إلى القلاية..
   فإذا جاء موعد النوم ، أتى راهب شاب يعينه رئيس الدير لخدمته، يفتح هذا باب قلاية الشيخ فى هدوء ليطمئن إلى مرقد الشيخ ، ثم يطلب بركته وصلواته ، ويخرج ثم يغلق الباب من الخارج.
   إلى أن يحين موعد ناقوس صلوات وتسبحة نصف الليل ، فيعود إلى القلاية ليصحبه إلى الكنيسة ، يضع يده فى يد الأب الشيخ ويقتاده فى صمت مطبق إلى هناك ، والشيخ فى هذا وذاك مطمئن ، لا يسأل ولا يستفسر .. فهو يعرف أنهم يقضون له حاجاته عندما يحين موعدها، وهو موقن أنه بين أيدى أخوته التى سبقت فأيدتها يد الله الأمينة..
   كل وجبة طعام ، عندما يدق الناقوص، يأتى الراهب ويصحبه من يده ويتجه به نحو المائدة، يجلس ويأكل من يده فى صمت، ثم يذهب معه ليغسل يديه وفمه، ويناوله فنجان الشاى، ثم يرجع مصحوبا به إلى قلايته، أو إلى جلسته فوق المصطبة ، كذلك عندما يحين الوقت
الاسبوعى  يحضر نفس الراهب ويعد له حمّامه ، ويغسل له ملابسه .
وبالجملة يصبح الراهب الذى يخدم الشيخ بمثابة عين له .
+         +         +
ويدق ناقوص نصف الليل ذات يوم ، كعادته الساعة الرابعة من كل صباح ، ويمضى الراهب إلى قلاية الشيخ ، ويدفع بابها برفق إلى الداخل ويناديه :
هيا يا أبى ، فقد دقّ الناقوص ، بنا إلى الكنيسة لنسبح .
أى ناقوص و أية تسبحة؟
الراهب فى صبر واضح :
ناقوص تسبحة نصف الليل .
باركك الله يا ولدى ، لعلك نسيت أو تحلم !
أبداً يا أبى.
كيف ذلك يا إبنى ، وقد دقّ الناقوص منذ ساعات وذهبت إلى الكنيسة .
الراهب الشاب مداعباً :
أى ناقوص و أية كنيسة؟
لقد سبحت ، وصليت القداس .
رباه .. انك تحلم مافى ذلك من شك .
ابداً صدقنى ، لقد كان القداس جميلاً ، لا أذكر أننى تعزيت مثلما شعرت بالتعزية هذا الصباح ، ولكن قل لى ألم تأت أنت إلىّ وصحبتنى إلى الكنيسة ؟
و أسف الراهب الشاب فى نفسه ، ورشم ذاته بعلامة الصليب ، و اعتقد أن الشيخ قد لفحه هوس مفاجىء ، أو أن الأمر اختلط عليه ، إنه لم يسأل مرة واحدة عن الساعة (الوقت) أو الناقوس ، بل قد تمضى ساعات وهو جالس لا يدرى كم مضى من الوقت ..
ومدّ يده ليلتقط يد الشيخ ، ولكن الشيخ سحب يده ، وزجره فى براءة ، وعاد ليقول:
كان القداس جميلاً ، وكذلك الأب الذى صلى كان صوته ملائكياً، ألا تصدقنى ؟! لقد تناولت من السر المقدس .
وتذرع الراهب بالصبر الذى تعلّمه من بطء الشيخ، وهمّ أن يعيده إلى صوابه ، ولكن الشيخ مد يده فى هدوء ، فشدّ طرف ثوبه ، ليفسح ليده مكاناً فى جيبه ، ثم بعد مجهود قليل أخرج قطعة (أولوجية)1 ثم دفعها إلى الراهب  ، الذى إنحنى بدوره و إلتقطها بأصابعه ، فإذا بها طازجة ، فى حين أنهم حتى تلك الساعة من الصباح ، لم يكونوا قد قاموا بصنع القربان بعد .
واندهش أيمّا اندهاش ، وصمت قليلاً، ثم عاد ليقول للشيخ: أرو لى ما حدث بالتدقيق.
أجاب الشيخ : ليس هناك أكثر مما قلت لك ، ولكن لماذا لم تأت معنا ؟ واضح أنه صحبنى راهب آخر غيرك ، لماذا نمت حتى الآن؟ ..
ولم يرد الراهب ، ولكنه انطلق إلى أب الدير يروى له ما سمعه وهو يلهث ، ويفطن الأب إلى ما حدث ، فيصحب بعض الآباء إلى الكنيسة الأثرية الكائنة تحت الأرض ، ليفاجأوا هناك بالبخور يعبّىء المكان ، و الأوانى متروكة على المذبح دون أن تجمع ، وقطرات من الماء فوق المذبح أمام كرسى الكأس .
وعاد الآباء وقد غمرتهم الفرحة ،  وشملتهم التعزية إلى قلاية الشيخ ، يشرحون له ما حدث ، ويتلقّى الشيخ الكلام بهدوء عجيب وصمت مطبق ، خال من الدهشة ولم يسأل عن شىء بل هز رأسه قليلاً .
هذه الواقعة رواها لى الشيخ نفسه قبل نياحته بعشر سنوات .
واسم الشيخ : الأب الراهب / اندراوس الصموئيلى.

الانبا مكاريوس
_________
1أولوجية كلمة يونانية معناها "كلمة حلوة"، وقد أطلقت على لقمة البركة التى يوزعها الكاهن على الشعب عقب القداس، لأنها كانت توزع مع  كلمة منفعة لكل أحد.

20 يناير، 2015

نعم حرب يا راهب


  اسمه موسى
موسى المسعودى
أو موسى البموسى
عشق الحياة النسكية منذ كان صغيراً، وروت له أمه الكثير من قصص الآباء المجاهدين ونوادرهم داخل الأديرة وصراعاتهم مع الشياطين، وظهور الملائكة لكثيرين منهم.
وأحب الرهبنة والرهبان، وحالما كان ينزل راهباً لأى أمر فى قريته، ينطلق فى إثره، يلازمه مثل ظله ويرقب كلماته وتعليقاته وتصرفاته، ويسجلها على صفحة عقله، بفخر وإعجاب وسرور لا يقدر على إخفائه.
وكان ينتظر بصبر فارغ، ذلك اليوم الذى فيه ينطلق من بيته إلى الدير، ولعله سمع أيضاً فى ذلك الوقت عن القمص عبد المسيح المسعودى الكبير الذى ترهب بالدير المحرق وانطلق بعد ذلك ليحيا فى دير البرموس، وكان يعتبر كل يوم له فى العالم – بعيداً عن الدير – هو يوم ضائع!، إلى أن استطاع أخيراً أن يفلت من قبضة عاطفة أمه و اخوته، حيث سمحوا له بأن يحقق ما يصبو إليه، فانطلق إلى برية شيهيت، وعرج هناك على دير البرموس ..
بدا مطيعاً فى كل شئ ولكل أحد، عاش صغيراً يتعلم من الذين حوله، وتنقل بين أعمال متعددة فى الدير واقتنى فضائلاً كثيرة، وتتلمذ على آباء مباركين كثيرين، وأما الشئ الذى برع فيه فهو محبته الفائقة للصلاة, فقد كان يقضى فيها من الوقت أكثر مما يقضى فى أى شئ اخر, كان يصلى بفهم وبلا حدود, وتجاوز قانونه الروحى إلى ما فوق بكثير جداً, ودرب نفسه على صلب الجسد فى الصلاة, بل أقر مرة إلى أحد الآباء بأنه يشعر بوقوف المسيح معه حالما يقف ليصلى.
وفشل الملل فى الوصول إليه, وعندمات لحق به, أخفق فى الحرب معه, فقد كان يصلى مرة وهو راكع على ركبتيه ويداه مبسوطتان لأعلى, ودفعة أخرى وهو منتصب القامة ويداه مضمومتان نحو صدره, ودفعه ثالثة وهو مغمض العينين هامساً, وهو يصلى مرتلاً بصوت أعلى قليلا.
كان ينسى كل شئ وهو واقف على مذبح الصلاة, كانت الحضرة الإلهية تسبيه لدرجة أنه لا يشعر بقدميه تلامسان الحصير الواقف فوقه, و إذا ناداه مناد من الخارج فما كان يسمعه, كذلك إذا طرق بابه طارق, شعر وكأنه فى حلم..
ويمضى الوقت, ويزداد وجهه إشراقاً وملائكية، ويزداد شغفه بالصلاة ، ولزم قلايته،  فصار نادراً مايُرى فى الخارج ، لدرجة أن الآباء عندما كانوا يعرضون عليه الخروج للاشتراك فى عمل ما، كان يعتذر، متعللاً بأن الصلاة لذيذة وحلوة وفيها كفاية عن كل شئ ، وما كان يقول ذلك تباهياً وإنما فى براءة كمن يتحدث مع نفسه.
وكثيرا ما انشغل عنهم بالصلاة، وهم يعملون معاً، دون قصد منه ويعود ليتظاهر بميله إلى النوم.
واحترم كل الآباء مشاعره، ولكن ابوه الروحى كان يرقب هذه التطورات فى حذر وبين آن وأخر كان يلفت نظر الاب موسى إلى ضرورة الاعتدال.
وجدير بالذكر أن المسئولية تنتقل من المعترف إلى أب الاعتراف إذا توافر شرطين اساسين:
أولهما: أن يصارح أب اعترافه فى كل شئ ولا يخفى عنه شيئاً.
وثانيهما: أن يطيعه فى كل شئ. ولكن كما هو معروف الاعتراف ُيقبل ولا ينتزع!.
وحدث فى سهرة الاحد الثاتى من شهر كيهك، أن لاحظ الآباء أن الأب موسى غير موجود بالكنيسة، الأمر الذى يعد خروجا عن المألوف, فإن الآباء جميعا ً اعتادوا حضور سهرات شهر كيهك وأسبوع البصخة معاً، بمن فيهم أولئك الذين لهم تدبير خاص والمتوحدون.
وقام ليلتها القمص مينا المحلاًوى رئيس الدير، ليفتقده فى قلايته.. وفوجئ عندما اقترب منها، بأصوات غريبة صادرة منها، شئ يجمع بين القبح والهمس، وبدلا من أن يطرق الباب، أصاغ السمع وما أشد دهشته حين أحس بأصوات تشبه فحيح الأفاعى. وتقزز الأب مينا واستاء وأيقن أن هذا ماهو إلا (نذير شؤم) ولم يحاول أن يفسر مايسمع أو يحلل ما يحدث، وإنما عاد  أدراجه إلى الكنيسة، ساهماً شارداً، يحس بضيق وعدم ارتياح. وعاد مرة أخرى قرب انتهاء السهرة، دون أن يلحظه أحد، إلى قلاية موسى، وأرهف أذنيه ، ولكنه سمع صلاته وكأنه يزغرد، وتعجب وحفظ الأمر فى قلبه.
وفى الصباح قابله يمشى كعادته، بطيئاً بملابسه المتهرئة، ونعليه المرتقين، يهتز بجسده النحيل، وسأله لماذا لم يأت إلى الكنيسة البارحة ليصلى ويسبح مع إخوته؟ فاعتذر فى أدب راهب بأنه كان يشعر ببعض التعب، ولم يتخلص منه إلا عندما دق الناقوس يعلن بدء رفع بخور باكر، وأنه حرم بركة المجمع (يقصد إخوته) ثم قال وهو يحك فى لحيته:
-         بإذن المسيح السبت القادم..
ولم يعلق الأب مينا، على الرغم من أن الشك كان ينهش صدره والخوف يؤرقه تجأه هذا الأب، ومضى من فوره إلى القمص سمعان يسر له بمخاوفه ، ويلتمس منه التدخل لانقاذ ابنه.
كان الأمر يبدو طبيعياً، أن راهباً يصلى ويحب الصلاة، ويقضى معها أغلب وقته ، كما يفعل الأب موسى فينسى طعامه، ويتهرب من العمل مع أخوته، ويصلى بطريقة مطولة، ملحناً الكلمات فى بطء غلب المألوف والعادة..
بل أن كثيرا من الآباء تبكتوا من ضمائرهم بسبب المقارنة التى يعقدونها فيما بينهم وبين هذا الأب ، وأصيب بعضهم من المبتدئين بصغر النفس.
ولكن الذين جاهدوا وغلبوا فى الحياة الروحية، ودخلوا فى حرب مع الشياطين ، وغلب المسيح لحسابهم ، وأصبحوا لا يجهلون حيل المحتال - بعد أن تمرسوا فى البرية بالحنكة والخبرة- هؤلاء أطلقوا صفير الإنذار، وأضاءوا النور الأحمر.
وشهدت ليلة السابع عشر من شهر كيهك، حديتا مطولاً بين الأب موسى أبيه الروحى القمص سمعان، تخلله خلاف غير حاد لم يلبث أن تحول خالأً إلى عتاب ثم وعد بالأعتدال.
فى تلك الليلة قال له أبوه الروحى فيما قال:
- اتفقت معك على أن تصلى صلاة باكر،  ونصف الليل فقط، ثم يحفظ فكرك نقياً بقية الوقت، وهذا يكفى.
- ولكنى أحب أن أصلى أكثر فما الضرر من ذلك.
- الضرر ليس فى الصلاة ، وإنما هو فى عدم طاعتك.
- أنا كسرت الطاعة لكى أصلى.
- الخوف لئلا تكون صلاتك لأجل الصلاة فقط.
- لا أفهم..
- أخشى أن تكون صلاتك ، بدافع أن تكون راهباً مصلياً يرضى غروره فحسب ، بأنه وصل إلى مرتبة عالية فى الصلاة ، ومعروف أن الصلاة هى حب وانسحاق ، وتوبة.
هذا صحيح وهكذا أؤمن ولم نختلف.
- لوكان إيمانك هو هذا ، لما حزنت وغضبت عندما نصحتك بتعديل تدبيرك فى الصلاة..
- ولكن مارأى قدسك فى أننى أسمع أصواتاً مشجعة ، فى بعض الاوقات؟
- مبارك،  ولكن قد لا تكون أصواناً إلهية بالضرورة فى كل مرة.
- كما أنى أشعر بتعزية فى الصلاة ..الصلاة بكثرة على وجه الخصوص.
- ربما لا تكون تعزية ، ولكنها شعور بالرضا عن النفس ، ومن يعمل هواه فقد أفسح للشيطان- شيطان المجد الباطل- مكانا معه، وأما من يخضع لتدبير أبيه الروحى، فهذا قد أثمر تمرة التضاع الشهية.
- سأحاول.. ولكن تذكر قدسك أننى على مضض أطيعك.
- تذكر يا إبنى أن الطريق الوسطى خلصت كثيرين.
  اغفر لى وحاللنى، فالطريق طويل وشاق وأنا معدوم الخبرة ، ليًن العظام.
 وصلى له صلاة التحليل، وخرج وهو يبتهل لله فى أمره لكى يرفع عنه الحرب التى أعلنها الشيطان، وكان يشعر أن عدو الخير قد التقطه، عندما وجده كغنمة شاردة عن القطيع.
 أما موسى فقد عادت الأفكار لتقلقه ، وعادت الشياطين لتهجس فى فكره، أن أبيه الروحى ما قال له ذلك، إلا لغيرته منه، لأنه لم يصل إلى ما وصل إليه هو.. وعاد يقول لنفسه محتجاً:
 - من أوصى بألا نصلى ، وبدلاً من أن نتقدم فى الصلاة،  نقلل ما نصليه؟
 ثم لوى شفتيه عجبا!
 وبعد عامين انتقل ليسكن فى قلاية أخرى، بأمر من رئيس الدير، لعل الحرب تهدأ، ولم تهدأ الحرب ، ولم يعتدل موسى فى سلوكه، بل لاحظ الكل إنعزاله المرضى عنهم، ولم يعد بظهر مطلقاً فى ساحة الدير، ولم ير إلا ليأخذ قليلا من الخبز أو البقول أو ليملأ زلعته العتيقة المكسورة, يحملها وهو يمشى على مهل, بينما يطفح وجهه سروراً و زهواً وعيناه تقولان لكل من يقابله: (أين أنت منى يا مسكين).
وبكى أبوه, وقصد قلايته مرة أخرى..
وفى هذه المرة, سجد أمامه وحاول تقبيل قدميه, وتوسل إليه أن يترك قلايته ويأتى ليسكن معه لفترة, ولكن موسى صمت طويلاً حتى هدأ أبوه, ثم قال كمن ضاق بكتمان سر خطير:
- أتعلم يا أبى أن الملائكة قد جاءوا الىّ وباركونى؟
- وماذا أيضا يا مسكين؟
- باركونى فحسب.. وأضاءوا الموضع حولى, وشجعونى بكلمات كثيرة.
- كم مرة حضروا اليك؟
- ثمانى أو تسع مرات.
- ألم يقولوا لك شيئاً؟ شيئاً غير عادى؟
- لا لم يقولوا.. فقط كانت مناظرهم مبهجة.. وكلماتهم معزية..
وزفر الأب سمعان زفرة محرقة, وهو منكس الرأس تحمله راحتيه, وبعد فترة من الصمت قال فى مرارة:
- أرجوك إذا حدث ذلك مرة أخرى فأخبرنى أولا بأول..
وشوهد ذات مرة, وهو أت من ناحية الهوكارية ( قرية قريبة من الدير) وفى يده كيسا به دجاجة مذبوجة.. ثم دخل إلى قلايته, واعدها هناك مع شئ من الطبييخ, وخرج من القلاية ليدعو إليه بعض الآباء, فأتوا وأكلوا معه, وصنع لهم أقداحاً من الشاى, وتكلم معهم بافراط على غير عادته فى الفترة الأخيرة.
وانتهزوا هم هذه الفرصة, وحاولوا أن يناقشوه, ويتناولون حالته وطفراته بالحديث, ولكن تهرب من ذلك, فلما ضيّقوا عليه الخناق, استأذن منهم و خرج من القلاية, ولم يرجع إليها إلا فى اليوم التالى, حيث كان كل منهم قد عاد إلى قلايته.
ولكن الأب هدرا, وهو من المقربين منه, اقتحم هذا السياج الذى ضربه موسى حول نفسه, ودار بينهم - ذات ليله - الحديث التالى:
قال الأب هدرا: لعلك تصلى لأجلى, فأنا محتاج إلى طلبات ودموع كثيرة فى هذه الأيام.
أجاب الأب موسى: الرب يعيننا جميعاً, صدقنى ليس أفضل من الصلاة, فهى الطريق إلى الله, وهى السلام.. وهى عربون الملكوت الأبدي.
- نعم .. ولكنى ضعيف, وبالكاد أصلى متمما تدبيرى, أتعلم ماذا قال لى أبى الروحى؟
- ماذا قال...؟
- قال .. متى كنت فى قلايتك, وطرق بابك طارق فاترك ما تعمله وحتى إذا كنت تصلى, وافتح له واستقبله, واقضى له حاجته, ثم عد بعد ذلك إلى ما كنت عليه..
- هراء..
نعم, فما حسبهم يقولون لنا ذلك, إلا لحرصهم على إتمام أعمال الدير, من عجن وخبز وطحن وزراعة واستقبال الضيوف وغيرها, تلك التى هى خدعة من الشيطان لكى يلهينا عن الصلاة.
(ثم بانفعال, ويدين تطوحان فى الهواء)
- كل المسئولين يسلكون هكذا, لهم نفس المنهج, لا يتحدثون إلا عن الطاعة, إن اللاهوت الذى يدرسونه ويدرّسونه هو لاهوت السلطة!, طاعة عمياء, يريدوننا آلات فى أيديهم..
- مهلك يا أخى وعفوك, هم يعملون لأجل منفعتنا, ويعلمون أننا نحتاج إلى تعليم, ويخافون علينا من الضربات اليمينية, ويودّون أن تسير الأمور رويدا رويدا, يخشون من الطفرات, ويؤمنون بالكيفية لا الكمية..
- هراء .. كذب و خداع..
ربما لا نعلم, كيف يود أبى أن يكبلنى ويحد من انطلاقى, لغيرته منى, نعم محض غيرة, وقلب مفعم بالحقد.. ولكن لا بأس, فالله نظر إلى صبرى, وشجعنى, وأعلن لى ذلك مراراً.
وبدا للأب هدرا أن الأب موسى مسبى بهذا الفكر فعاد ليقول له:
- إن الطاعة أفضل من الذبيحة, و الاستماع أفضل من لحم الكباش, و أن التلميذ بطاعته يصبر أفضل من معلمه.
ولكن موسى عزف عن الاذعان, ورفض أية مشورة, إلا تلك التى تأتى على هواه, وتختم على رغباته..
وعرض الأب هدرا على الأب موسى أن يستأذن رئيس الدير, فى أن يأتى ليعمل معه فى الزراعة, ولكن موسى اعتذر بأنه يتعثر فى العمل مع الآخرين.
وتركه الأب هدرا وهو مكسور الخاطر, يطلب سراً إلى أن يعتق أخاه المسبى.
وفى الفترة التى أعقبت هذا, قلّ خروج الأب موسى من القلاية, أكثر من ذى قبل.
واعتاد آباء من أديرة أخرى المجئ الى الدير للسؤال عنه, فقد أشيع أن أصابعه تضئ, وبأنه يقف معلقاً, أى لا تلامس قدماه الأرض, وبأنه يختفى كثيراً من قلايته و من الدير, فهو سائح, وبأن قلايته اختفت ذات مرة بجملتها من الدير ثم عادت مرة أخرى  إلى موضعها..و ... و ....
وبدا هو مكفهر الوجه, منحنى القامة, جادا فى أحاديثه القليلة جدا, وكأنه يحمل فوق كاهله مصائب الشرق و الغرب إلى ان كانت ليلة..
حين جاءته الملائكة, الذين حكى لأبيه عنهم, جاءوا بعد ان صلى صلاة نصف الليل, فى الساعة الثانية و الربع صباحا, ومدحوه بكلام كثير, كمن يزفوا إليه بشرى رضا السماء عنه, قالوا:
إن الله أمر بمكافأتك لأجل جهادك وتعبك وسهرك وصبرك, أكثر من كل المجاهدين, وذلك بنفس الطريقة التى أخد بها إيليا النبى..
وفغر موسى فاه دهشة, وهو لا يصدق من هول المفاجأة فعادوا يؤكدون له ذلك, وبأنه يستحق كل هذا المجد, وبأنه سوف يصل إلى بيعة الأبكار.
ثم بلهجة هامسة محذرة وبصوت مملوء بالمكر:
ولكن إحذر أن تخبر أباك بذلك, فإنه لن يصدقك لكونه لم يصل إلى قامتك وقداستك, وإذا سمع منك ما سمعته الآن فإنه يمنعك, وتحرم أنت من تلك المكافأة, وهذا الشرف, وقد تحاربك الشياطين, ويسقطونك عن رتبتك, ويتطرق التوانى - بعد ذلك - إلى قلبك, فتفقد إكليلك..
فقال بسرعة:
لا .. لا يقلقكم هذا الامر.
فأكملوا حديثهم قائلين:
بعد غد, وفى منتصف الليل حوالى الساعة الواحدة من صباح السبت: وبعد أن تصلى طويلا كعادتك, إصعد إلى السور البحرى للدير وفى الركن الشرقى منه, ثم انتظرنا هناك حيث نجئ إليك بالمركبة فتأخذك إلى المجد.
وإحذر أن تخبر أحد كما قلنا لك.
ثم اختفوا كما جاءوا....
واهتزت الدنيا أمام عينيه, ومادت الارض تحت قدميه, وراح فى غيبوبة لدقائق, وأفاق.. لا يدرى ماذا يصنع؟ هل يفرح؟.. أم يبكى..؟
هل هو موت, أم ارتفاع إلى المجد حقا؟..
هل يقول لأبيه أم لا؟
ولكن لماذا يتحير, ولماذا يقول لأبيه.. وأبوه لن يفهمه! بل سيحاول إعاقته..
ثم كيف يعصى امراص إلهيا؟ وكيف يتشكك تجاه ما يشتهى البشر قاطبة فى الحصول عليه و الفوز بيه..
ولم ينم تلك الليلة.
وطيلة النهار التالى .. لم يأكل . بل لم يصلّ ! ولماذا يصلى! والصلاة للمبتدئين فقط فى الطريق الروحى ، و أما هو فقد وصل إلى أن دعاه الله إليه بكيفية لم تحدث قبلاً إلا لواحد فقط ، هو القوى فى الأنبياء ، ايليا التشبى .
يالها من كرامة .. كم كانوا يحتقروننى ويؤنبوننى ، ولكنى صمدت وكافحت و ثابرت ، و أخيراً كلل الله جهادى ..
ثم نقر بأصبعه على باب القلاية من الداخل .. وهو يغمغم مسروراً كمن يغنى "فاى بى بى إيهوؤو (أى هذا هو اليوم .. وهى آية فى المزمور117)، ولم يعلم المسكين أنه كانت طغمة شريرة، تردد بأصوات قبيحة، وفى نفس اللحظة .. نفس الأغنية ولكن فى موضع آخر ..
فاى بى إيهوؤو      فاى بى بى إيهوؤو
هو يرددها فى حالة طرب بلا وعى ..
وهم فى وعى كامل .. وفى شماتة ، وعلى أبواب نصر أكيد .
+     +       +
كانت ليلة ليلاء ، قارسة البرد ، شديدة العواصف .. مظلمة الصفحة.
فى تلك الساعة كان ثلاثة من الرهبان يحضرّون عجينة القربان، فى بيت لحم استعداداً للقداس ، بمناسبة أحد أعياد القديسين .
وفى حوالى الواحدة والنصف من صباح هذا السبت ، سمعوا صوت إرتطام شديد ، أعقبه صرخات عظيمة تفتت الكبد ، ثم فى لحظات هدأ كل شيىء ..
     وانتفض الآباء من مكانهم، وهم يرشمون ذواتهم بعلامة الصليب المقدسة، ويصلون صلوات سريعة قصيرة ، وما عسى أن يكون الأمر؛ واتجهوا حيث كان مصدر الصوت وفى طريقهم إلى الباب البحرى للدير، سمعوا أصوت قهقهة قبيحة ..عالية ومقززة مالبثت أن خفقت، ثم عادت لتعلو من جديد بنفس القبح ، ثم تلاشت تماماً بعد ذلك وصار هدوء .
وما أن فتح الآباء الثلاثة الباب وخرجوا ، حتى سمعوا أنيناً خافتاً متقطعاً ، عرفوا مصدره .. جثة راهب متكومة غارقة فى بقعة كبيرة من الدم، و أشعلوا أعواد الثقاب، فندت عنهم صرخة ، شقت سكون الليل .
أنه الأب موسى!
وفى لمح البصر، تعاون ثلاثتهم .. وحملوه مثل الميت .. إلى داخل الدير، وقد لحقهم رهط من الرهبان ، كانوا يصلون ساهرين فى قلاليهم ، حين سمعوا الصراخ فجاءوا ..
وذهبوا به إلى قلايته .. ولحقهم هناك الأب مكارى – وله دراية بالطب – وراح يمر بأصابعه على جسمه، واكتشف كسوراً مضاعفة فى اليدين والساقين .. والضلوع .. واشتباه فى نزيف داخلى وارتجاج بالمخ ..
وأسرع يعمل له (جبيرة) فى مواضع الكسور .. وأراحوه على لوحة كبيرة من الخشب، و سقوه – بصعوبة بالغة – كوباً من عصير الليمون ..
و أفاق قليلاً ليئن أنيناً يقطع نياط القلوب .. ما لبث هذا أن تحوّل إلى صراخ .. وتجمع باقى الآباء حوله .. وخارج قلايته ، وهم يتساءلون عما حدث ..
وجاء القمص مينا رئيس الدير ، وطلب إلى الآباء – فى لطف وتوسل – أن يتركوه ليستريح، على أن يقيموا صلوات لأجله، ثم جلس هو و اثنين آخرين منهم الأب مكارى ، يخففون عنه ، ويرشون وجهه بالماء ، ويبدلون من وضعه على الفراش .. وهو لا يكف عن أنينه ..
ولم يلبث أن راح فى غيبوبة.
وجلس الآباء حوله ، تلّفهم الدهشة ، ويعتصرهم الألم والقلق عليه ، وخرجت حيرتهم فى أسئلة وجهوها بعضهم لبعض .. ولكن لا أحد منهم يملك الاجابة .. ورفعوا قلوبهم بالصلاة ..
وعاد موسى من غفلته ، وراح يئن .. ولكنه مع الأنين طلب السماح والحل من كل الآباء ، وهم بدورهم طمأنوه، وقال: أخطأت ولم أذعن لتحذير أبى ، وانسقت لغواية الشيطان .. خدعونى ..
واختنقت عبراته، وحاول أن يبكى ، ولكنه لم يستطيع ، وتحول البكاء إلى أنين موجع مرة أخرى ، وصرخات خافتة متقطعة ، والآباء يهوّنون عليه ويطلبون له الحل والغفران من الله .
وجاء الأب سمعان مسرعاً منزعجاً ، ثم بكى و أخفى وجهه بكلتا يديه ، ولكن موسى لم يكن يراه أو يسمعه فقد راح مرة أخرى فى غيبوبة .
وزهاء ذلك النهار تأرجحت حالة الأب موسى ، ما بين يقظة يقضيها فى الصراخ والأنين وطلب السماح والحل من الآباء ، وغفلة يغيب فيها عن كل ما حوله .. وكل من حوله ..
فى اليوم التالى ، ازداد الألم ...والأنين والصراخ .. ورغم كل المسكّنات التى أعطيت له .. ورغم ما يعرف عنه ، من احتماله الشديد ... كان واضحاً أنه فى ساعاته الأخيرة .
وجاءت القافلة، وربضت الجمال الخمسة عشر أمام نفس الباب الذى سقط الأب أمامه ، ولم يلتفت إليها أحد من الرهبان ، ولم يهتموا بأن يدخلون ما تحمله من مؤن غذائية انتظروها شهراً كاملاً، حتى الجمّالون أنفسهم، قد سرت القشعريرة فى ابدانهم عند سماعهم ما حدث ..
وعند الظهر أشار الأب موسى بيده للآباء ، فخرجوا وتركوه مع الأب سمعان ، وحكى له ما حدث ، بكلمات متقطعة وبطريقة مؤثرة أبكت أباه ، ودخل أحد الأباء فى تلك الأثناء ، يحمل طعاماً وشراباً أعدّوه له ، ولكنه لم يستطع أن يأكل أويشرب .. وخرج الأب مرة أخرى .
وعاد موسى يكمل .. وفى النهاية صلى له الأب سمعان صلاة التحليل وشجعه وطمأنه وشكرا الله الذى وهب له فرصة يقدم توبة ..
وعند الغروب كان كل جسمه قد تورم ، و إسود لون وجهه ، وإنقطع عن الكلام ، ولكنه بين آن و آخر كان يفتح عينيه يطلب بهما السماح فى توسل ، ثم راح فى غيبوبة استمرت حتى مطلع فجر اليوم الثالث ..
ولم يستطع الآباء أن يحملوه إلى أى مستشفى لئلا يموت فى الطريق من عناء السفر .. ولما أحس القمص مينا بقرب النهاية ، دعا كل الأباء ليتباركوا منه .. ويصلون لأجله ، وصلوا جميعاً فى قلايته صلاة الشكر ، أعقبها طلبة طويلة مؤثرة لأحد الشيوخ جعلتهم يبكون ، ثم قبلوه جميعا واحدا واحدا.. ومضوا إلى قلاليهم..
   وما هى إلا ساعة ونصف أى حوالى التاسعة والنصف حتى شق سكون البرية البرية ناقوس يعلن انتقاله..

+  +  +

وعلى السلم المؤدى إلى الكنيسة الأثرية فى الدير ، جلس الأب مينا مع الأب سمعان يستمع منه إلى ماحدث .. قال الأب سمعان:
   قالوا له - أعداء البر والخير- سنأتى إليك من فوق ، وتنتظرنا على السور- بجوار المطعمة – وفى الوقت المحدد، وكان المسكين فى انتظارهم، سمع أصوات رعد وعواصف وبرق يظهر ويختفى ، ثم خيالات كثيرة ، وأصوات مختلفة ، وخيّل إليه أن المركبة قد جاءت ، كبيرة وسريعة ، يطير بها أربعة خيول من نار ، ثم أصبحت ملاصقة للسور ، وسمع هو من يقول له: تقدم.. اخطو نحو المركبة
أ
   وأذعن للصوت، ورفع قدمه اليمنى ليخطو نحو المركبة ، فإذا بقدمه تزل، وينزلق من فوق السور ، ويتلاشى كل شىء، بينما هوى كحجر عظيم على الأرض من ارتفاع تسعة أمتار، وسمع بنفسه قهقهتهم وسخريتهم ، بينم هو يصرخ من الألم.
   ثم قال الأب سمعان مستطردا :
   نعم لقد اعترف بكل شىء.. وكشف كل أفكاره ، ولعل الرب لم يسمح بأن يضيع تعبه وجهاده.. وقد ترك له فرصة يقدم فيها توبة لئلا يفقد أبديته..
   وأما الأب فليمون، وكان رجلا بارا تصرخ حياته قداسة وشهادة حية للرب، طوال أيام حياته فى الدير، فقد خرج من بعد عدة أيام ليجلس على احدى المصطبتين أمام الباب.
   وحدث نحو منتصف الليل ، أن سمع صوت جلبة وضوضاء أتية نحو الدير ، وإذا بطغمة من الشياطين ، قبيحة المنظر، أتت لتتفقد الموضع الذى هزموا فيه الأب موسى ، وفى نفس التوقيت.
   وكأن الأب قد جاء خصيصا لهذا الغرض! ، إذا ما أن اقتربوا من الباب ، حتى صرخ فيهم باسم الرب أن لا يتحركوا من أماكنهم فتسمروا فى مواضعهم وراح يصلى بصوت عال ، بزكاوة قلب وقداسة سريرة ، وبدالة شديدة لدى الله .
   وصرخت الشياطين، ولكنه لم يأبه بهم، وازداد عويلهم وصراخهم، وراحوا يضربون الأرض بأقدام من حديد، ولكنه أهملهم وأطال فى الصلاة ، وهم يتعذبون ، وطلب من الرب بصوت مسموع أن يخزيهم ، ويلحق بهم العار..
   وازدادوا صراخا، وطلبوا إليه بتوسل أن يطلق سراحهم.. وقال لهم كيف تتجرأون على خليقة الله أيها الأشرار وأنتم تعلمون أن مآلكم هو البحيرة المتقدة بالنار..
   فأجابوه بمناظرهم البشعة وأصواتهم القبيحة بأنهم لم يحققوا مأربهم .. لأنه لم يمت قبل أن يتوب وهم لذلك أسفون، ووعدوه أن لا يعودوا إلى هذا المكان مرة أخرى..
   فرشمهم بعلامة الصليب المقدسة ثلاث مرات .. وهو يقول ليخزيكم الرب عنا ، فإذا بهم يتحولون إلى دخان قذر ويختفون..
   هذه هى أخر لقطة من حياة الأب المبارك المتنيح القمص موسى المسعودى البرموسى الذى ولد عام 1566 ش الموافق 1850 م بإسم بشاى مرقص بقرية الشيخ مسعود بطهطا وجاء للرهبنة فى عهد القمص يوحنا الأول عام 1589 ش الموافق 1873 م وقد رسم قسا فى عام 1594 ش الموافق 1878 م فى عهد القمص يوحنا الثانى ثم قمصا فى عام 1616 ش الموافق 1900 م فى عهد القمص مينا الأول . ثم تنيح فى عهد القمص مينا المحلاوى رئيس الدير عام 1636 ش الموافق 1920 م
سردناها( بتصرف) فى قالب قصصى .

الانبا مكاريوس