8 أغسطس 2014

بعض تعاليم الاب زوسيما

 "احبوا بعضكم بعضا ايها الاباء، احبوا ابناء الله. اننا لسنا اقدس من العلمانيين لمجرد مجيئنا الى هذا الدير وانقطاعنا داخل الجدران. ان الامر على نقيض ذلك. فبمجرد مجيئنا الى هذا المكان، يدل على ان كل واحد منا قد اعترف بينه وبين نفسه انه اسوأ حالا ممن سواه، بل واسوأجميع الناس.. وكلما طالت وحدة الراهب، تحتم عليه ان يدرك ذلك، والا لما كان هنالك اي سبب يدعوه الى المجئ والانعزال هنا. اننا لن نبلغ هدفنا الا اذا ادرك كل واحد منا انه ولاشك مسؤول عن جميع الناس وجميع الاشياء على وجه الارض و ليست الخطية الشاملة للخليقة وحدها هى وراء هذه المسؤولية، بل ان الواحد منا مسؤول عن كل المجتمعات البشرية وعن جميع الافراد. بهذه المعرفة تتوج حياة الراهب وكل انسان، لان الراهبان ليسوا صنفا خاصا من الناس، بل انهم المثال الذي يجب ان يكونه كل الناس. وبهذه المعرفة وحدها ترق قلوبنا بالمحبة الدائمة الشاملة اللانهائية وعندها سيجد كل منكم في نفسه القوة على كسب العالم بأسره بالمحبة وغسل خطايا العالم بدموعكم ... فعليكم جميعا ان تقفوا حراسا على قلوبكم و تعترفوا بخطاياكم بلا انقطاع. لا ترهبنكم خطاياكم حتى ولو بدت واضحة لكم، بشرط ان تتوبوا عنها ... واعود فأقول لكم، اياكم والكبرياء، .. لا تكرهوا اولئك الذين ينبذنكم و يهينونكم والذين يسيئون اليكم ويحقرونكم، لا تكرهوا الملحدين، دعاة الشر الماديين، واذكروهم في صلواتكم على النحو التالي : يا رب خلص جميع اولئك الذين لا يصلي احد لاجلهم.. اللهم لا اسألك هذا بدافع الكبرياء لانني احط جميع الناس.."
+++

تشبثوا براية العقيدة وارفعوها عاليا..

لا تخشوا شيئا. ان الاشرار اشبه بسحابة من الغبار فاذا هبت الريح ذرا الغبار...

واذا اثارت شرور الناس فيك استياءا وسببت لك كآبة عظيمة، الى حد تمني الانتقام من الاشرار، فانبذ هذا الشعور قبل اي شئ اخر. اذهب حالا والتمس العذاب لنفسك كأنك انت المسؤول عن جرائمهم: تقبل التعب وتحمله وسيجد قلبك راحة في ذلك وسوف تدرك انك آثم انت ايضا، لانك ربما كنت قادرا على هدايتهم بوصفك الانسان الوحيد الذي لم يخطئ الا انك لم تفعل. فلو انك كنت نبراسا، لانرت سبل اخرين ايضا، و ربما استطاع فاعل الشر ان ينجو من خطيته بنورك. وقد يحدث ايضا ان تكون نبراسا وترى الناس لا يقتدون بنورك، فاثبت على ايمانك و لا يراودك الشك في قوة النور السماوى وكن واثقا بانهم اذا لم يخلصوا الان، فسيكتب لهم الخلاص فيما بعد، و اذا لم يكتب لهم ذلك ذلك، فان اولادهم سيخلصون لان نورك لا يموت بموتك. ان الانسان الصالح قد يموت و يبقى نوره حيا.. 
 
دوستويفسكي 

لقاء مع الناسك زوسيما


ذكرى امه التي فقدها في الرابعة من عمره لم تبرح مخيلته طيلة ايام حياته، فقد ظل يذكر وجهها و مداعباتها كما لو كانت ماثلة امامه الآن، و ربما لازمته منذ كان في الثانية - ولكنها حينئذ لا تكون سوى بقعا من نور في ظلمة حالكة - لا زال يذكر صورة العذراء وقد علقت في زاوية من زوايا الغرفة وامامها سراج مشتعل، وامه راكعة امام الصورة تنشد "مدائح العذراء" او تتوسل طالبة شفاعتها. وربما برزت من ذكريات الطفولة ايضا صورة الدير و امه تحمله معها ..

.. اخذ يجول بنظره وهو خالى الذهن ويحدق في الاضرحة المتناثرة حول الكنيسة الرئيسية بالدير. وحينما اقترب خاطب نفسه:

- " ما اجمل احواض الورد النامية هنا".

لم يكن الوقت انذاك اوان تفتح الورود، فان مجموعة من ازهار الخريف النادرة الجميلة كانت متناثرة في كل فسحة من الارض. وكان واضحا ان يدا ماهرة تعني بزراعة الزهور و تنسيقها. وكانت احواض الزهور تحيط بالكنيسة و تلامس الاضرحة.

عند الرواق خارج الصومعة كان يحتشد حوالى عشرين رجلا وامرأة. لقد بلغهم ان الناسك زوسيما سيخرج الآن، فاحتشدن واخذن يرقبن مجيئه بلهفة. وانضم هو الى هذا الحشد . حين فتح الناسك باب الصومعة لمح بداخلها منضدة للمطالعة عليها صليب وانجيل وفوقها على الحائط بعض الايقونات..

وقد لاحظ ان غالبية الزائرين ان لم يكن كلهم اذا تقابلوا مع ذلك الناسك، انما يقابلونه متجهمين قلقين و لا يلبثوا ان يخرجوا وقد اشرقت وجوههم بالسعادة .. لم يُر هذا الناسك قط صارم المظهر او مقطب المحيا بل دائم المرح والانشراح..

وقد رأى بعينيه اناس يأتون الى صومعته باطفال مرضى و يطلبون ان يضع يديه عليهم و يتلو عليهم صلواته، ثم سرعان ما يبللوا قدمي الناسك بدمع الشكر و العرفان. ويدنين منه رجالهم الذين عليهم ارواح شريرة.

لم يكن في البداية يعجب لحب الناس للناسك ويعتبر ان ارتماؤهم على قدميه وذرفهم الدموع السخينة عند رؤيتهم له امر لا يليق. ولكنه ادرك فيما بعد ان روح الانسان المتواضع الذي ارهقه التعب فضلا عن خطاياه، ان هذه الروح تجد كل العزاء في وجود انسان او شئ مقدس يركع امامه ويتعبد في هيكله وكأن هذا الفلاح يقول في سره : اذا كانت الخطية والظلم والتجارب متغلغلة بيننا، ففي هذا المكان يوجد انسان تحيط به القدسية، و بيده الحقيقة وهو عارف بها ملم باسرارها، ومادام هذا موجودا فان الحقيقة لن تضيع من الارض، وسيأت يوم نعرف فيه الحقيقة فتسود الارض كما وعدتنا الكتب المقدسة.

في البداية كان قد قرر بدافع من مسايرة عادات القوم في الدير ان يلتمس بركة الناسك. لم يكن يريد تقبيل يده ولكن ما ان رأى ما اقدم عليه الرهبان وزوار الدير حتى تراجع عن قراره واحجم عما كان يعتزم القيام به، وحياه بالانحناء حتى لامست انامله الارض ثم قبل يده وطلب بركته. تمّ هذا في جو من الشعور الصادق.


وراح يبارك النسوة اللواتي التففن حوله..

فهذه ام ابنتها اصيبت بشلل جزئي ولم تكن الابنة المسكينة تستطيع الوقوف على قدميها منذ ستة شهور بل كانت تستعمل كرسيا متحرك وضع الاب يده على رأسها وصلى من اجلها واقامها ماسكا بيدها..

واقتيدت اليه امرأة معتوهة فما ان وقع بصرها عليه حتى اخذت ترتعد و تصيح كمن جاءها المخاض فوضع الناسك طرف بطرشينه على جبينها وتلى صلاة قصيرة فاذا هي تهدأ وتسكن.

قالت احدى النساء:

- انني ابكي طفلي ايها الاب، فلقد كان عمره 3 سنوات. ان موته سبب لي هذه الفاجعة. الان ليس لي انا وزجي طفلا يقرّ اعيننا. لا سبيل الى نسيانه لقد حطم موته قلبي فما نظرت مرة الى ملابسه، او الى قميصه الصغير او حذائه، الا و انتحبت. ثم اخرج جميع بقاياه واشيائه الصغيرة فاعرضها امامي وانتحب واقول لزوجي: لقد انقضت حياتي مع موته اذ كيف عساني ان احيا معه منذ الان لست اريد شيئا من هذه الدنيا على الاطلاق".

واذا فرغت المرأة من كلامها خاطبها الناسك قائلا:

- اصغي الىّ ايتها الام، حدث ذات مرة في العصور القديمة ان قديسا مباركا رأى في الهيكل امرأة حالها مثل حالك تنتحب لوفاة وليدها الصغير وكان وحيدها وقد اخذه الله اليه. فجاء اليها وخاطبها قائلا: "هل تعلمين اية جرأة يتحلى بها الاطفال امام عرش الله ؟ حقا ليس في ملكوت السموات جرأة تفوق جرأتهم ، فهم يقولون لله تعالى : "لقد وهبتنا الحياة يا ربنا فما كدنا نسلكها حتى استرددتها منا". ولا يزالون يطلبون ويتوسلون حتى يرفعهم الله الى رتبة الملائكة. وهكذا انت ايتها الام ابتهجي وكفي عن البكاء فان طفللك في جوار الله مع الملائكة. ذلك هو حديث القديس للمرأة الباكية في العصور القديمة. ولذلك ايتها الام اعلمي ان صغيرك قائم عند عرش الله مبتهج سعيد و هو دائم الصلاة لاجلك ابتهجي وكفكفي دموعك.

اصغت المرأة الى اقوال الراهب و هي مطرقة برأسها وتنهدت بحرقة قائلة:

- "اه لو استطيع ان اراه و لو لمرة واحدة.. واراه و هو يلعب في فناء المنزل ويناديني بصوته العذب. انني ما زلت اذكر كيف كان يأتي اليّ راكضا ويصيح بصوته العذب. هذا وشاحه الصغير اما هو فلن اراه بشخصه ولن اسمع صوته ابدا "ورافقت المرأة كلامها وهي تخرج من صدرها وشاحا صغيرا موشّى، فما ان وقع بصرها عليه حتى كان جسمها كله يختلج من نحيبها، فأخفت عينيها بيديها واخذت الدموع تسيل من بين اصابعها.

لم يملك الناسك نفسه فقال:

- "انها مثل راحيل تبكي على اولادها وليس من شئ يعزيها عن فقدهم. ان هذا هو حظكن في هذه الحياة الدنيا ايتها الامهات، فالعزاء ليس مطلبكن. لا تتعزى وابكي واطلقي لدموعك العنان ولكن اذكري ايتها الام ان ابنك ملاك من ملائكة العرش وانه يراك من علو ويرى دموعك ويشير اليها امام الرب. ان دموع الثكل ستلازمك امدا طويلا ولكنها ستتحول في النهاية الى سرور هادئ. وستصبح دموعك حزنك المرير دموع عاطفة وديعة تطهر الروح سأصلي كي يسبغ الله الراحة على روح ابنك. فماذا كان اسمه؟"

- الكسي ايها الاب.

- انه اسم جميل.

- فليرح الله روحه الطاهرة.
+++

وهذه فتاة بادرها الناسك بسؤاله:

- ما اسمك؟

- ليزا.

- ماذا تعملين؟

- ممرضة

- هل جئت من مكان بعيد

- من اكثر من ثلاثمائة كم.

- هل اعترفت ؟

- نعم لقد اعترفت.

- هل تناولت القربان المقدس؟

- نعم. ولكني خائفة.. خائفة من الموت.

- لا تخش شيئا وليطمئن قلبك ولا تحزني فاذا كنت صادقة الندامة و التوبة غفر لك الله كل خطاياك. فما من خطية على هذه الارض الا و يغفرها الله لمن كان صادقا في توبته! وما من خطية يقترفها الانسان لا تسعها رحمة الله التي لا حدود لها. هل هناك خطية لا تستوعبها رحمة الله؟ اطردي من قلبك شبح الخوف. وآمني بأن الله يحبك بما لا يتصوره عقلك وبأنه يحبك مع خطيتك و بالرغم من خطيتك. لقد قيل في الانجيل ، ان فرح السماء بخاطئ واحد يتوب اكثر من تسعة وتسعون لا يحتاجون الى التوبة.. اذا ندمت فانت تحبين واذا احببت كنت مع الله. ان محبة الله تستطيع فداء الكون بأسره ومحو خطايا الناس جميعا لا خطيتك وحدك".

ولما انهى الناسك كلامه رسم شارة الصليب على جبهتها ثلاث مرات، ثم نزع عن عنقه ايقونة صغيرة ووضعها في عنقها فانحنت المرأة وهي تقول:

- لكنني اتعذب من قلة ايماني.

- قلة ايمانك بالله؟

- كلا. كلا! انني لا اجرؤ حتى ان افكر بذلك، بل قلة ايماني بالحياة الاخرى، انها لغز عظيم! و لا احد يستطيع حل هذا اللغز. اصغ اليّ! ان بيدك الشفاء. أنني اعلم انك تسبر غور النفس الانسانية.

- انني كثيرا ما اتساءل عما اذا كانت قلوب الناس مليئة بالايمان.

- انني كثيرا ما اغمض عيناي وافكر واحلم فاشعر بقدرتي على تخطي العقبات التي تصادفني. فلا تعود الجراح ولا القروح العفنة في الناس ترهبني بل اجد نفسي قادرة على تضميدها.. بل مستعدة للثم تلك الجراح يا ابتي.

- ان هذا لكثير وجميل ان تكون هذه الاحلام غالبة على تفكيرك.

لكن الفتاة تابعت كلامها وهي متدفقة بحماسة وانفعال:

- نعم ان هذا صحيح ولكن ما هو مدى تحملي لمثل هذه الحياة. انني احيانا اغمض عيناي واتساءل "هل تستطيعين يا ليزا المضي طويلا في هذا الطريق؟ واذا لم يقابلك المريض الذي تغسلين جراحه بعرفان الجميل وبدلا من ان يعترف بحسناتك عليه اساء معاملتك .. فماذا يكون موقفك؟ هل يبقى الحب متدفقا في قلبك ام لا؟ هل تدري، لقد توصلت الى تلك النتيجة وهو ان نكران الجميل هو وحده يمكن ان يضعف حبي للبشرية. وباختصار اني خادمة مأجورة واريد ان تدفع اجرتي عاجلا – اي اريد الثناء على والمبادلة بالحب والا عجزت عن حب اي انسان.

- قال الناسك انها القصة نفسها التي سمعتها من احد الاطباء. لقد حدثني بصراحة تشبه صراحتك ولو انه قد تعمد كلمات ساخرة لاذعة.

+++

كان المرض قد عرّضه في الاونة الاخيرة لنوبات من الاغماء بفعل الاجهاد وها هو وجهه علاه ذلك الشحوب الذي يسبق النوبات عادة. ومع ذلك تحامل على نفسه ووجه كلامه الي شخص يعرفه:

- هل قرأت المقالة التي كتبتها اخيرا؟

- ايهم ابتي؟

- التي ارد فيها على كتاب لاحدهم يعارض "فصل الكنيسة عن الدولة"؟

- نعم. و لكني لا اوافق بعض ما جاء بها.

- ولكن من اية وجهة ترى ذلك؟

- لقد كانت حجتي في ذلك التداخل في المبادئ الاساسية بين الكنيسة والدولة سيظل قائما الى الابد رغم تلك الحقيقة وهي انه من المستحيل ان تتمازج.

- استاء الاب وقال: لقد قرأت الكتاب الذي رددت عليه. وقد ادهشني قوله ان الكنيسة مملكة ليست من هذا العالم. ان عبارة "ليست من هذ العالم" الواردة بالانجيل لا يقصد بها ذلك ابدا. ان التلاعب بالكلمات بهذا الشكل مرفوض وغير مقبول. لقد جاء السيد المسيح لكي يبني الكنيسة على الارض. ان ملكوت السموات بالطبع ليس من عالمنا بل في السماء. ولكن الدخول اليه لا يتحقق الا عن طريق الكنيسة التي تأسست واقيمت على الارض.


ثم تطرق الى موضوع الاحكام القضائية والكنيسة، فقال:
 - هل تريد الكنيسة التخلى عن موقفنا الراهن الذي يقضي ببتر عضوها الفاسد في سبيل المحافظة على المجتمع.

- ان جميع هذه الاحكام بالنفي مع الاشغال الشاقة لا تقوّم انسانا ولا تردع مجرما واحدا.. وتكتفي الكنيسة ان تقدم النصائح الابوية و لا تهتم بمعاقبة المجرم عقابا حقيقيا.. وتعامله معاملة الاسير اكثر منها معاملة المجرم السجين. وما عساه يحدث للمجرمين يا الهي لو ان المجتمع المسيحي – اي الكنيسة – رفضهم كما يرفضهم القانون المدني؟ وما عساه يحدث لهم لو ان الكنيسة عاقبتهم بالحرمان اضافة الى عقاب القانون الارضي؟ انهم عندئذ لا يمكن ان يشعروا بتعاسة ما بعدها تعاسة.

دوستويفسكي

لقيط القرية


بينما كان المشيعون يهيلون التراب على قبر ابنهما الصغير الذي ولد مشوها، كان هو ساهما في نظراته حتى انه يخيل الى من يراه انه يحدق في الشخص دون ان يلاحظ وجوده..

لاحظت مارفا ان اهتمام غريغوري بالامور الروحية قد بدأ منذ يوم دفن الطفل وانصرف الى المطالعة مؤثرا في اغلب الاحيان المطالعة الصامتة والجلوس على انفراد وقلما كان يقرأ بصوت مرتفع وكان مغرما بقراءة سفر ايوب وقد اضفت عليه مطالعة الكتب الدينية مسحة من الوقار.

ومن الثابت الى ان تلك القراءات هزته هزا. ولعله كان يميل الى التصوف وقد رافقت ولادة الطفل المشوه حادثة عجيبة تركت – كما قال فيما بعد – اثرا لا يمحى في نفسه وكأنها حدثت لغاية مقصودة. فقد حدثت في الليلة التي تلت وفاة الطفل ان استيقظت زوجته على صراخ طفل رضيع بجوار المنزل وبجواره "بلهاء القرية".

كانت هذه البلهاء كلما تعود الى ابيها يسارع سكان البلدة للاعتناء بها لانهم يجدون في بلهها سببا يقربها من الله، وفي الاعتناء بها سببا يقربهم لله. كانت تسمح لهم بالباسها ثم لا تلب ان تنصرف عنهم الى مدخل الكنيسة حيث تخلع جميع ما اعطيت الخمار والمعطف والثوب والحذاء. وفي احد الايام (وحدث ذات مرة) كان حاكم المقاطعة الجديد يقوم بجولة تفتيشية في بلدتنا فوقع نظره على ليزا وتأثر جدا غير انه قيل له انها بلهاء.

ولكنه اصر على ان تجوال فتاة في العشرين من عمرها في الشوارع بدون ان يستر جسمها شئ سوى ثوب واحد هو انتهاك للاخلاق العامة. غير ان الحاكم صار في طريقه وتركت ليزا على حالتها.. لم يكن هناك في القرية من لا ينفحها بشئ ما.. ولكن حدث ما حدث.. وقد انقذ الطفل اما الام فقد قضت نحبها عند الفجر.

اخذ غريغوري الطفل الى منزله وطلب الى زوجته ان تجلس ووضعه في حجرها وقال:
- "طفل من الله، فاليتيم قريب الجميع ونحن اولى به. لقد بعث الله الينا فقيدنا الصغير بهذا الطفل الذي ولد لاب شرير وام صالحة. ارضعيه وكفي عن البكاء".

دوستويفسكي

6 أغسطس 2014

اللؤلؤة

رواية اللؤلؤة The Pearl من تأليف John Steinbeck

ملخص الرواية:
كينو هو صياد مكسيكي فقير وعلى الرغم من انه غير متزوج رسميا من زوجته جوانا، فانهما انجبا طفلا اسمياه كويوتيتو. ومثل سائر أسر الصيادين الآخرين كانت اسرة كينو فقيرة للغاية و كانوا يعيشون في منزل صغير مصنوع من الخشب وينامون على الأرض، وكانت الثروة الوحيدة لأسرة كينو هي زورق قديم يعمل عليه كينو كصياد للؤلؤ البحر ثم يقوم ببيعه في المدينة ولكن تجار المدينة كانوا يبخسون من اثمان اللالئ اذ انهم جميعا كانوا يتاجرون تحت امرة تاجر واحد. وذات يوم لدغ العقرب فقامت جوانا بمص السم من جسم
كويوتيتو وخشيت يوأنا من موت طفلها الوحيد فحملته إلى الطبيب في البلدة المجاورة ولكن الطبيب كان يرفض مساعدة الناس الفقراء الذين لا يستطيعون دفع ثمن خدمته.

فقاما بلف كويوتيتو في بطانية وركبا الزورق ثم قام كينو بالغوص للبحث عن اللؤلؤ. واستطاع ان يجد "لؤلؤة كبيرة"، اعتقد كينو ان هذه اللؤلؤة الكبيرة هي الوسيلة لحياة أفضل فانه سيبيعها وبثمنها يمكن مداواة
طفله وتعليمه و... يحاول اللصوص سرقة اللؤلؤة، و ينتهي الامر بالقاء كينو اللؤلؤة في البحر ثانية بعد ان تسببت في مقتل طفله واحتراق كوخه وعطب زورقه على يد اللصوص. 
===
المعنى ان ما نظنه سبب سعادتنا قد يكون سبب تعاستنا. 
منقول عن:
http://arabic-bookshop.blogspot.com/

4 أغسطس 2014

شخصية بطرس


لقد تعرف اندراوس على المسيح يوم معموديته، ثم وجد اخاه سمعان وقال له "وجدنا مسيا" وجاء به الى المسيح فقال له "انت تدعى صفا" وهي كلمة ارامية معناها صخرة.. هذه هي طريقة الرب في صنع القديسين "انه يدعو الاشياء غير الموجودة وكأنها موجودة" (رو4: 17). لعل بطرس قال: "اه يارب لعلك لا تعرف طبيعتي.. هل انا صخرة؟!".

كان بطرس متعودا الصيد منذ حداثته. ولاشك انه لم يكن يقبل اي تدخل من اي صياد في عمله. ولكنه الان يجد نفسه وقد صدر اليه امر يتعارض مع كل قواعد المهنة "ادخل الى العمق والقي شباكك للصيد".. لاشك ان كل الصيادين الذين قد يرون سفينته محملة بالشباك في ساعة كهذه من النهار ومتأهبة للصيد يضحكون عليه. ألم يكن هذا هو الحال مع جميع الذين استخدمهم المسيح في اجل الخدمات؟

حينما تتجدد حياة رؤساء العصابات في جيش المسيح يصبحون جنودا اقوياء للمسيح، فأن معرفتهم لحيل الشيطان و مكائده لها قيمتها العظمى . والخاطئ يعرف مرارة اجرة الخطية وهذا ما لا يعرفه الملاك والطفل البريء . انهم يعرفون تماما مواضع الجحور التي يأوى اليها السمك.

"اخرج من سفينتي" امر معناه "ابعد عني" هذا ما صرخ به التلميذ الواقع تحت تأنيب الضمير وكأنه يقول "سأتي بك الى الشاطئ ثم تمضي انت لحال سبيلك وامضي انا في طريقي". سوف تبقى محبتي لك ابد الدهر ولكني لست جديرا بأن ارافقك. اما الرب فأجاب بطرس: كلا فان الخطية طالما قدم عنها الاعتراف الكافي فانها لا تحول دون رفقتي لك و لا تحرمك من خدمتي.

اما جماعة الصيادين فقد رافقت الرب الى المجمع في السبت الاول. وهناك تبين على الفور الفارق العظيم بين حديثه الذي تفيض منه الحياة وبين احاديثهم الميتة السقيمة التي تعودوا سماعها، كالفارق بين مياه الشلال والمياه الراكدة في البركة .. ثم قطع حبل الصمت صراخ رجل به روح نجس في المجمع؟ ان العين الملتهبة قد لا تسبب شيئا من الالم طالما كانت محتجبة عن النور ولكن مجرد تعريضها له يشتد الالم لدرجة لا تحتمل وربما هذا الرجل كان مظهره طبيعيا ..

تاجر اللالئ


كان عملي في تجارة اللالئ يقتضي كثرة الاسفار ولكن على الرغم من مشقة السفر وصعوبته في تلك الايام لكني كنت سعيدا في عملي .. اذ لا يسعد الانسان –وخاصة التاجر منا – اكثر من شعوره بشغف الناس وحبهم للبضاعة التي يجلبها لهم.

الانسان يحب اللؤلؤ عن فطرة، ولا يرجع حبه له الى غلو ثمن اللؤلؤ، بل يرجع الى جمال اللؤلؤ الهادئ..

الماس يتلألأ بقوة، وجماله يبهر العيون..

والياقوت يلمع ويتوهج..

والكهرمان يطفو جماله وينساب برقة..

والمرجان يشتعل.. والخ من الصفات التي تنسب الى بقية الاحجار الكريمة، ولكن اللؤلؤ يشع نورا هادئا رقيقا، و لايحتاج الى نقش او صناعة.

الاسرة الصغيرة:

في احد الاسفار، وبعد ان جمعت عددا كبيرا من اللالئ النادرة رجعت الى بلدتي الصغيرة التى كنت اعيش فيها.. ذهبت لاسأل عن اسرة صغيرة كانت تجاورني، وكانت الاسرة مكونة من اب و ام وطفل صغير.. كنت احب هذه الاسرة حبا عظيما، لانها كانت تمتاز بالوداة والتقوى.. ولكن لسوء حظي لم اجد احدا بالمنزل ثم علمت بعد ذلك ان هذه الاسرة الكريمة تركت المدينة و رحلت الى مكان مجهول.

مرت الايام متثاقلة فعاودني الحنين لرؤية الاسرة الصغيرة فصممت ان اسافر لابحث عنها واخذت معي هداياي التي كنت مزمعا ان اقدمها، وهي ياقوتة حمراء وزمردة خضراءة ولؤلوة ناصعة البياض.

مفاجآت الطريق:

سافرت من مدينة الى اخرى، و لكن لم اجد اثرا للاسرة.. وفي احدى ليالي الشتاء القارس وبينما كنت اسير سمعت اطفالا يبكون..

كان الصوت صادرا من كوخ صغير.. ذهبت لاستطلع الامر فوجدت امرأة جالسة وحولها خمسة اطفالا يبكون وثمة قدر يغلي على النار.. سألت المرأة عن سبب بكاء الاطفال فاجابت: انهم جائعون.. قلت: وما هذا القدر الذي على النار فردت على الفور: ان به بعض الاعشاب جمعتها من الحقل لاوهم اولادي ان بالقدر طعاما، لكي يناموا!

آلمني منظر الاطفال الجائعين، فأجرجت من جيبي الياقوتة الحمراء، واعطيتها للمرأة لتذهب سريعا وتشتري طعاما.. ولم اترك الكوخ الا وقد عادت بالطعام، فأكل الاولاد وشبعوا، وبدأوا يلعبون ويمرحون..

سرت في طريقي ومرح الاطفال يرن في اذني ويغمرني بالبهجة. والامل في العثور على الاسرة التي كنت ابحث عنها يراودني.

الرجل المريض:

ولكن سعادتي لم تدم طويلا، فقد سمعت انينا خافتا، ورأيت رجلا مريضا يئن و يتأوه من قسوة المرض وبجانبه زوجته تبكي.. وعلمت ان الرجل لا يملك ثمن الدواء.. وفي الحال وبدون تردد اخرجت الزمردة الخضراء من جيبي واعطيتها للمرأة لتشتري بها الدواءو مضيت في حال سبيلي..

وفي الطريق علمت ان الاسرة التي ابحث عنها قد رحلت الى مدينة في الجنوب، فاشرق الامل في صدري، واسرعت الخطى لعلي ادركها.

ولكني لم اوفق.. اخيرا يئست وقررت العودة لبلدتي.

السوط:

كان الحزن يملأ قلبي فجلست على الطريق لاستريح قليلا.. لم تمر الا لحظات قليلة اذ سمعت صراخا وعويلا.. ذهبت لاستطلع الامر، فوجدت رجلا مفتول الساعدين وفي يده سوط وكان يضرب به رجلا وامرأة واولادهما.. تقدمت منه و سألته عن سبب ضربه لهم. فاخبرني بأن هذا الرجل قد استدان منه مبلغا من المال و لم يرده وهو مزمع ان يؤدبهم ويأخذ اولادهما له عبيدا.

وبسرعة اخرجت اللؤلؤة من جيبي واعطيتها للرجل، فأخذها وانصرف.. ومضيت انا في طريقي.

المدينة المضطربة:

ولكن هذه المرة لم اذهب بعيدا، فقد كانت المدينة مضطربة، تعج بالناس وسمعت ضجيجا وصراخا، فتقدمت واذ بحشد هائل قد تجمع حول شاب معلق على صليب.

حاولت ان اتبين ملامح الشاب ولكن الظلام كان يغمر المكان كله وبعد برهة سمعت حديثا هامسا بين امرأتين.. كانت واحدة تصف للاخرى قسوة الصالبين وعدم نزاهة المحاكمة وجبن الحاكم ثم ازرفت المراة دموعا سخينة وهي تقول:

ان هذا المصلوب كان يشفي كل مرض وكل سقم في الشعب.

قالت الاخرى بحزن:

يا اختي ان الحق لا يموت ابدا ، و لكن هذا الشاب يموت لكي يدوس الموت، و ينقذ ها العالم البائس الغارق في الخطية..

قلت في نفسي بعد ان سمعت الحديث بينهما: عجيب امر هذا الطبيب؟ انه يشفي كل مرض و كل سقم في الشعب ثم يحكم عليه بالموت صلبا؟ هل يوجد في العالم مثل هذا الطبيب؟

الطبيب كما اعلم ينظر الى المرضى كحالات قابلة او غير قابلة للشفاء ولكن هذا الطبيب العجيب يشفي مرضاه بالمعاناة وسفك الدماء.. باكليل الشوك والجراحات. أيكون هذا الانسان هو ما تنبأ عنه اشعياء النبي "جرح لاجل معاصينا و سحق لاجل اثامنا" وها الظلام يلف الكون الما و حزنا.

اللؤلؤة الثمينة:

وفي تلك اللحظة الحزينة وبدون وعى مني. قفز الى خاطري صورة لؤلؤة ثمينة كان قد اخرجها الغواص من البحر وتهلل بها التجار دون ان يدروا من اين اتت ووقفت اتأملها بذهول..

ولعلي كنت اراها بعيون القلب كما كان يراها القديس مارافرام السرياني..

طيات من النور بلا ظلال..

ورموز بلا لسان..

وكنوز من الاسرار..

جاءت بها من حيث اتت..

من بحر عظيم لا يدرك لججه..

بلا شواطئ و بلا حدود..

ولكن اللؤلؤة امسكوا اللؤلؤة بلا محبة او رحمة وبعنف مررورا بها المخراز.

في الجلجثة:

مرت امامي هذه الصورة وانا ارى المسامير تدق في اليدين الطاهرتين..

وبسبب الامه .. اضاء العلو والعمق..

اضاء نور المعرفة ظلمة الجهل..

والشعب السالك في الظلمة ابصر نورا عظيما..

حتى اللص اليمين رأى في الصليب شجرة حياة..

ربح اللص اليمين بعد ان ربحه الايمان..

رفعه الايمان ووضعه في الفردوس..

وهذه كانت الثمرة.. وكان اللص آكلها..

بدلا من ادم!!

الهدايا:

نظرت الى الصليب وفجأة وقع بصي على ام المصلوب وهي جاثية تحت قدميه باكية فتجمدت مكاني والامل يعتصر قلبي.

هذه الام الحزينة جارتي وهذا المصلوب ابنها..

اخيرا وجدت الاسرة التي ابحث عنها لفترة طويلة..

سمعت صوتا خافتا يناديني باسمي.. كان المصلوب هو الذي يناديني قائلا لي: لا تحزن .. لقد تسلمت هداياك..

قلت بدهشة: متىى واين يا سيدي؟!!

قال: اخذت منك الياقوتة الحمراء في الكوخ الصغير،

والزمردة الخضراء في بيت المريض،

واللؤلؤة في بيت الاسرة التي سددت ديونها.

الحق اقول لك، بما انك فعلت بأحد اخوتي الاصاغر فبي قد فعلت!

6 يناير 2014

في عتمة الليل

في عتمة الليل.. و في بيت لحم،
سرت من شارع الى شارع،
جذبني نور باهر يشع من حظيرة.
عندما دلفت الى الداخل، تعرفت على وجوه مضيئة..
عذراء طهور.. و شيخ وقور.. و طفل الهي.
كان نوره فائقا و بهاؤه اخاذا و جماله ابرع من كل البشر
بعد ان تعرفت عليه ادركت انه هدية السماء للارض.. 
و طريق المصالحة بين الله و الناس.
سجدت امامه،
وقدمت له اغلى ما املك بل كل ما املك.
الانبا موسى اسقف الشباب

4 يناير 2014

محبة الله وخوف الانسان

فى خلال رحلة لمدينة بورسعيد ، جلست فى مكان هادئ، وطلبت شرب فنجان شاى فلما أتى به حامله وضع لى سكر وشاى وكوب ماء.

وبينما اتناول الفنجان وجدت قطة تصعد بهدوء للترابيزة وتقترب بفمها ولسانها من كوب الماء، وابتدأت تلعق بلسانها فى كوب الماء. كانت عطشانة للماء واستمرت تشرب حتى قارب نصف "شوب" الماء الكبير ان ينتهى.

رأيت ذلك فابتسمت وقلت لها أهلاً وسهلاً "على مهلك" .. ظلت تشرب وتنظر الى ، الى ان رأى ذلك اثنان كانا بجوارى فابتسمنا جميعاً معاً . لكن احد الاثنين فكر بإنسانية ان يملأ الكوب الذى بدأ يتناقص بكوب ماء كان بيده ..

ولما هم بالوقوف تحذرت القطة ، ولما اقترب ليزيد لها الماء ويقلل من عنائها فى احناء الرقبة داخل الكوب، دخلها الخوف من طبيعة الانسان الذى اعتادت ان يقابلها بالقساوة، فهربت مذعورة
====
فبينما تعجب حامل كوب الماء كيف انه يفكر خيراً ويقدم خيراً فيستقبل خيره بالذعر والرفض والفرار . تذكرت طبيعة الله تعالى المملوءة خيراً ، والكلية الحنان والرأفة، كم تقدم لنا ونحن نهرب ونرفض ونخاف. 

من كتاب "يوميات تائب" لابونا يوسف اسعد

31 ديسمبر 2013

عند ابواب العام الجديد



At the gate of the new year I asked the Lord: "Please, give me a lamp, so I can trade safely in unknown".
But the Lord said to me: "Give me your hand  and walk beside me in the darkness and unknown, It will be  safer than going in light and well known way without me".~unknown

 عند ابواب العام الجديد صليت الى الرب قائلا: "اعطنى ضوءا لكي اخطو بامان في المجهول".
لكن الرب قال لي: "هات يدك و سر بجانبي في الظلام، فسيكون ذلك اكثر امانا لك من ان تسير في طريق مضاء تعرفه جيدا بدوني". المؤلف غير معروف

لتحميل ملف باوربوينت بعنوان "انا العام الجديد" اضغط هنـــــا

30 ديسمبر 2013

انا العام الجديد

انا العام الجديد.
أنا الورقة التي لم تكتب عليها بعد في كتاب الزمن.
أنا فرصتك المُقبلة في الحياة.
أنا فرصتك لتُشارك ما تعلمته في هذه الحياة خلال الأثنا عشر شهر السابقة.
كل ما كنت تبحث عنه ولم تجده مخفي فيّ، بانتظارك لتبحث عنه، ولكن بمزيد من التصميم.
العام الجديد ككتاب أمامي: على غلافه كلمة واحدة: ”حياتي“،
سافتح الغلاف بيدي وأرى ما بداخله،
كل الصفحات فارغة، الكلمات غير مرئية، لأنني أنا الكاتب، وبيدي القلم.
أنا سأخط صفحات الكتاب بيدي، لتُقرأ جيداً من خلال الناس، تماماً كما أريد أنا أن أكتب اي كتاب.
حياتي مسجلة في هذا الكتاب ليراها الآخرين، وكل يوم تُكتب صفحة بعد الأخرى....
هل ستكون صفحات حياتي غنية ومذخرة بالأمور الجيدة؟
يارب، ساعدني أن أحافظ على صفحات الكتاب نظيفة، عندما أعيش الحياة التي دونتها في الكتاب.
كيرتتد لورا كاست

29 ديسمبر 2013

حلاوة الصبر


    في عشية عيد الميلاد المجيد في احدى السنوات من مطلع القرن السادس الميلادي، حين كانت مصر رازحة تحت الحكم الروماني، وكان الاباطرة قد اخذوا على عاتقهم التنكيل بالاقباط لانهم اصروا على ايمانهم الارثوذكسي، ورفضوا الانقياد الى الاريوسية او الملكانيين. ولكنهم كانوا يتمتعون بالحرية من وقت لاخر. في ذلك الحين لم يكن كيروس- او المقوقس كما يقال احيانا- قد آلت اليه مقاليد الامور ولميكن قد بدأ حملة الاضطهاد المرير الذي راح ضحيته عشرات الاساقفة والوف من الشعب.
    اما المكان ففي احدى القرى الكثيرة الصغيرة التي انتشرت في اطراف الرقعة الخضراء غربي الدلتا. كانت القرية تطل على الصحراء الغربية حيث انتشرت جماعات الرهبان والمتوحدين في نتريا ووادي النطرون وفي الكهوف والمغاور الضاربة في بطن الصحراء .. لم تقع عين احد على هذه الاماكن، ولكن القصص تتواتر عنها وعن قاطنيها تحيط بسيرتهم هالة من القداسة حتى تتحول هذه القصص الى اساطير تتناقلها الالسنة والافواه في الاسواق والمدن القريبة. كان سكان القرية يغبطون انفسهم لانهم يجاورون البرية التي تبعث سفراءها من الرهبان القديسين الى الاسواق يبيعون عمل ايديهم لا يطلبون الربح بل الثمن الذي يفي باحتياجاتهم وما يفيض منه يتصدقون به على الفقراء من اهل القرية.

 سحابة قاتمة
    انطلق ابناء القرية الى كنيستهم في فرح وبهجة لا يعكر صفوها المخاوف والقلق كما يحدث في المدن الكبيرة حيث يتوقعون المخاطر من رجال السلطة او الزيارة المفاجئة التي يقوم بها الاسقف الملكاني بغية الايقاع بهؤلاء المصريين الذين تأصلت فيهم روح ابائهم من الفراعنة. ويظنون في انفسهم انهم سادة الدنيا واصحاب الفضل على العالم في نشر المعرفة والحضارة.
    لقد استعد الكثير منهم للتناول من الاسرار المقدسة حتى يكون فرحهم كاملا، وسعادته لا تشوبها شائبة، فمثل هذه المناسبة السعيدة يلذ لهم ان يتمتعوا الى اقصى درجة، بما يتاح لهم من بركاتها وخيراتها وبدت الكنيسة وقد ارتدت ثوبا قشيبا من النور الذي ينبعث من مئات الشموع التي اتى بها اصحابها في نذورهم وفي تعلقهم بالعذراء الطاهرة التى اطلق اسمها على كنيسة القرية. لقد تميز بناء الكنيسة عن القرية كلها في هذا المساء بما يشع من الضياء وما احاط به من السرج حتى كان يلفت الانظار عن بعد، ويبعث احساسا بالرضا الى قلوب الناظرين.
     ومن اقصى اطراف القرية اقبل مويسيس بقامته المديدة، وخطواته المتئدة، وقد تعلقت بياتريس الصغيرة بذراعه. تقفز وتتحدث ولا تريد ان تكف عن الحديث. ومن حين الى اخر تنشر بيديها فستانها الجديد في احساس بالزهو والاعجاب، ففي رأيها ان هذا الرداء الاحمر لا نظير له بين بنات القرية جميعا. كان مويسيس مع ابنته يكونان لوحة فنية معبرة لا ينقصها تناقض الالوان والاحاسيس : الرجل في وقاره  الذي تكلله تلك العمامة او الطاقية او اذا شئنا الدقة هي لباس الرأس الذى يستمد اصوله من عادات المصريين القدماء والاضافات التي ادخلها الفرس واليونان والرومان. تحت هذه الطاقية يظهر شعر رأسه الذي خطه المشيب. اما ملامحه فقد اتسمت بالصرامة كأنه تمثال منحوت لاله من المعبودات القديمة، زم شفتيه كأنه يكتم ما يدور في نفسه فلا يستطيع احد ن يسبر غوره او يستكشف اعماقه، و سحنته السمراء لفحتها الشمس كثيرا وطويلا مما يقطع بأن حياته ليست هينة او لينة ولكنها حياة رجل يعمل عملا شاقا في المزارع والحقول.
     اما بياتريس فكانت فتاة جميلة، يلمع الربيع في عينيها، و يموج الشباب في دمائها ترتسم على شفتيها ابتسامة جذابة تتحول من حين لاخر الى ضحكة رقراقة كالماء في جدول صغير كانت في ذلك تتقدم نحو شبابها بخطى سريعة، ومعالم الانوثة اخذت تنقلها من سن الطفولة الى النضج.و في براءة هى مزيج من سذاجة الطفولة وطموح الشباب كانت تنقل ناظريها بين حذاءها الجيد، والسوار الذي يتلألأ على معصمها، و الخاتم الذهبي الانيق في يدها. ثم تعود ترفع عينيها الواسعتين الى ابيها: 
   - بابا.. يبدو لى ان هذا العيد  هو اجمل عيد في حياتي حتى الان.. كل شئ جديد. حتى كلامك فيه شئ جديد..
    وانطلقت تثرثر وتتكلم لا تستطيع ان تكتم عواطفها الجياشة في صدرها. كان دبيب الامل واحساس السعادة يملأ قلبها بنشوة غامرة. كان دمها يجري اسرع مما كان يتدفق في ايام حياتها الرتيبة التى لا تكاد يختلف يوما عن اخر. كانت الاحلام الصغيرة تملأ رأسها الجميل وتلمع في نظراتها وهي تنصت الى ابيها يجيب من وقت لاخر : كل سنة وانت طيبة يا ابنتي.
    كانت بياتريس تستقبل عامها الخامس عشر. صغيرة الجسم لكنها كثيرة الحركة تتميز طلعتها بذلك الجمال الهادئ الوديع الذي يتلون بحمرة الخفر والحياء، فيزداد جمالا وجاذبية. البعض يرى فيها صورة العذراء، واخذ هذا اللقب يتداول فيما بينهم. كان شعرها الجميل ينسدل على كتفيها في حبائل طويلة يتكسر عليها ضوء الشمس.. ولكن الشئ الذي لا يمكن ان تخطئه العين تلك المسحة الحزينة التي تسود ملامحها فتبعث في النفس شعورا بالاشفاق والرثاء ... لماذا؟
   ... ليس من السهل ان تجد لذلك تفسيرا او تعليلا شافيا... هل هي الوحدة القاتلة التي تحياها؟ فقد كانت وحيدة ابويها.. او لانها يتيمة الام؟ فقد ماتت امها و هي لا تزال طفلة، و اصبحت في رعاية عمتها التي تتميز بشئ من الشدة. ومع ان قسوتها لم تكن صريحة الا ان معاملتها تنم عن بغض دفين. كثيرا ما كانت بياتريس تجلس مفكرة على فراشها تحاول اماطة اللثام عن هذا اللغز، تحاول لن تدرك كنه هذه الكراهية دون جدوى. ان عمتها لا تقصر في شاردة او واردة من امورها تهتم و تعني بكل صغيرة وكبيرة، و لكن تلك اللمسة السحرية التي يضفيها الحب لا وجود لها فيما تفعل او تقول. رعايتها جافة، نظراتها جامدة، كلماتها جادة لا يلونها الحس، تفتقر الى ذلك النغم العذب الذي ينساب مع الشعور الذي يدغدغه الحب. وحين يعييها التفكير، كانت تستسلم للنعاس  الهادئ حتى الصباح.
    لا شك ان اباها كان يملأ عليها حياتها، بما يتميز به من وفرة في عطاء الحب والعطف.. ما ان يراها حتى يطفح وجهه بالبشر والبهجة، و مع انه لا يتصف بالمرح الا انه قل ان تراه عابس الوجه او مقطب الجبين. و مع ذلك فقد ذاع عنه انه منطو على نفسه، لا يسرع ولا يرحب معاشرة الناس. و لعل هذا هو السبب الذي حدا به ان يختار بيته في اطراف القرية حيث تبدأ الصحراء الواسعة، يمتد فيها البصر فلا يبلغ مداها، و لكنه كان هادئا راضيا باسرته الصغيرة يمتلئ قلبه فرحا كلما اقلت نحوه بياتريس تقفز وتثرثر كعادتها، تحدثه عن كل ما يقابلها في يومها... ينصت اليها في سرور وهي تركن الى صدره وترفع رأسها الى عينيه حتى تستشف مدى استجابته لهذه الاحاديث التي تتدفق على اذنيه.

لقد اتته في هذا اليوم ودموعها في عينيها، فحدجها بعينيه مستفسرا، و بادرته هي بسؤالها:
-          صحيح يا بابا انك كنت في الدير؟
كان السؤال مفاجأة لا يتوقعها، ودارت رأسه وهو لا يعرف بماذا يجيب. و لكنه تمالك قواه وحاول ان يسألها بصوته القوي ولكن لم تفتها لهجته الواهنة وصوته المنخفض وهو يقول:
-          و لماذا تسألين؟
واسرعت تجيب، وقد تعلق نظرها بعينيه: كنا نأخذ درسا عن القديسين مكسيموس و دوماديوس اولاد الملوك، الذين تركوا العالم و الثروة والملك، واتوا لكي يعيشوا في البرية المجاورة لنا. وعند هذه النقطة نظرت الى ادونيس بنت العمدة بنظرة احتقار، و هى تقول:
-           انهما لم يرجعا عن نذرهما او يطلبا امور العالم كما فعل .. ابوك!!
 وتجهم وجه مويسيس واضطربت ملامحه وتسارعت دقات قلبه وقد احس ان الارض تميد عند قدميه واخذت تخيم على وجهه سحابة داكنة هي مزيج من الغضب والالم .. حاول بسرعة ان يستبدلها بالهدوء والبشاشة ولكن بياتريس لم تستطع ان ترى اباها على هذه الصورة، فاسرعت ترتمي على صدره تدفن فيه رأسها و هى تقول:
-          هل غضبت يا ابي ؟ سامحنى و اغفر لي.
ولكنه ربت على رأسها ومسح بيده على شعرها ورفع وجهها بيده وهو ينظر الى عينيها الدامعتين و هو يقول: لا تغضبي. غدا سأذهب الى المدرسة واقابل المعلم واتفاهم معه في هذا الموضوع.
ثم مد يده في حنان لكي يمسح الدموع التي بللت وجهها، وامسك بيدها الصغيرة التي اختفت في يده الضخمة، وقادها الى حجرتها حيث فارقها مودعا عند الباب . ودلف منفردا الى حديقة بيته الصغيرة لكي ينفرد بنفسه و يلم شتات ذهنه . ولكنه قبل ان يغلق الباب عادت بياتريس تسأله في شئ من الدلال :
-          بابا .. هل تتركني الليلة اصلي وحدي؟
وخفف من سرعته ، و استدار اليها يجيب في رفق وحنان : لا يا حبيبتي، سوف نصلي معا ثم نذهب الى الكنيسة معا، غدا عيد الميلاد. كل سنة وانت طيبة.
وحين استقر به المقام في الحديقة، جلس في ركنها القصي يسرح ببصره بين اشجار النخيل التي تفصل بين الصحراء و بيته..وتسللت اشعة الشمس بين الاغصان المدلاة من اغصان الشجر والتي تجلل حافة الاوراق بهالة من الضوء الاحمر.. ثم هبت نسمة من الهواء البارد اصطدمت بجسمه النحيل فسرت رعشة في اعضائه ولكنه لم يشعر برغبة في مغادرة المكان.. كأنه لم يحس وكأن روحه قد انسحبت من جسده و تجرد من كيانه.. لم يكن هذا هو جسده الذي يرتعش من للفحات البرد وهبات الريح. لقد انتفض جسده من قمة الرأس الى اخمص القدم و لكنه لم يبرح مقعده، و لم يتزحزح من مكانه و كأنه تمثال من حجر تثبتت عيناه في محجريهما يمد بصره الى الامام و لا يرى شيئا.
لم ير براكسيا شقيقته وهي تقبل نحوه، متشحة بثيابها السوداء كالمعتاد. اتت وانكمشت عند قدميه جالسة ثم قالت بصوت اقرب الى البكاء : ماذا بك يا اخي؟ ونظر اليها ولم يتكلم. ولكنها عادت تقول : لقد سمعت ما قالته بياتريس.. لقد مضى زمان طويل على ها التاريخ.. ماذا نعمل؟ .. هذا قضاء الله وارادته.
ولم يدعها تستفيض في هذا الحديث، فقال : اسمعي يا اختي! ان الماضي لا يؤلمني.. ولكن ما ذنب هذه المسكينة البريئة حتى يعايرونني بخطيتي؟ لماذا تصبح حياتي عثرة لها.
ثم خفض رأسه و هو يردد : يارب ارحم.
وعادت براكسيا تجيبه في نبرات حادة صارمة: ألم اقل لك من البداية ان تتركها و شأنها؟ اما يكفيك العار الذي جلبته امها عليك؟ مسكين يا اخي .. برئ بلا ذنب. كما اثق في وجودي الآن، انا متأكدة ان الام ارتكبت جرمها مع شخص اخر.. وانت الذي تجني الثمر المر.. لماذا لم تترك هذه البنت .. انت غير مسؤول عنها..
وتحرك مويسيس في ضجر، ورفع يده مقاطعا وقد ارتفعت نبرات صوته في غضب: اسكتي.. لا تعودي الى هذا الحديث. ولكنها عادت في اصرار تقول: اما يكفيك المحاكمة .. والاتهام .. لطخوا اسمك بالخطية .. اهانوك واحتقروك. حتى رئيس الدير الذي كان يحبك و يقدرك لم يقبل ان تصلي معه شماسا.
وفي لهجة حازمة صارمة : براكسيا .. كفاك هذا الحديث. قلت لك لا داعي لاثارة الشجون والاوجاع. صدقيني لست حزينا من اجل ما حدث .. فلتكن ارادة الله.. لقد اعطاني العزاء في هذه الصغيرة. اعطاني بياتريس لكي تكون ابنتي.. اي عزاء هذا و اي نعمة هذه من الله!! صحيح ان امها ماتت حزينة النفس منسحقة الروح . وعلى فراش الموت اعترفت بالحقيقة وطلبت ان سامحها واصفح عنها.. واشكر الله لقد غفرت لها .. فليرحمها الله ويرحمني انا ايضا. لقد تركت ابنتها وديعة بين يدي. اصبحت ابنتي واحببتها من كل قلبي .. عند كثرة همومي في قلبي تعزياتك يارب تلذذ نفسي. انها تشاركني في كل شئ. امتزج قلبها بصلواتي، فتداركتنا مراحم القدير وامتلأ قلبي بالسلام.. سمعتها تصلي من اجلي ومن اجلك. تطلب من القدير ان يحفظني ويحفظك. هذا القلب النقي الطاهر هو عزائي في هذه الحياة. تعلمت امورا ما كان يمكن ان اعرفها في حياة الوحدة والبرية.
واخذت براكسيا تقلب يدها في يأس وفي عجب، و في رأسها تدور التساؤلات مع الحيرة. كيف يستطيع مويسيس ان يحتمل كل هذا؟! اما كان يمكنه ان يترك الفتاة لعائلة امها ويتزوج بامرأة اخرى من عائلة محترمة لها مكانتها؟ لماذا لم يرجع الى مجمع الرهبان بعد موت الفاجرة؟! عجيب ان يرفض نصحها ولا يقبل اقتراحاتها.. ويشكر الله على ما حدث ؟! ويسرع الى بياتريس يضمها الى حضنه كأنه يخشى ان تختطف منه ويأخذ رأسها الصغير بين يديه و يقبلها في حنان بالغ يكاد يمتزج بدموعه.
ولم يشأ ان يسترسل في هذا الحديث المض، فقد كان صدره يضيق كلما تواردت هذه الذكريات . كان الألم والحزان يعصران قلبه فيستسلم للدموع يغسل فيها وخزات الالم. ثم يعود فيرفع عيناه الى السماء ويتمتم ببعض الكلمات يسكب فيها روحه وقلبه امام الله في صلاة، لا هي بالكلمات ولا هي بالصمت.. لعلها مزيج من هذا و ذاك.. همهمة لا يدركها من يسمعها بل لعلع هو نفسه لا يستطيع ان يقدم لها معنى او تفسيرا.. هي انغام تنساب مع الاحاسيس التي تغمر كيانه كله..
نظر الى براكسيا نظرة طويلة فاحصة ردتها صرامتها عن معاودة الكلام و بعثت فيها شئ من الرهبة. كانت نظراتها بعيدة تأتي من بعيد وتمتد الى افق مجهول لا نهاية له. ليس لها مدى و لا غاية، ليست تائهة و لا شاردة و لكنها لا تستطيع متابعتها او تقصيها. لقد حاولت ان تسبر غوره وتصل من عينيه الى قلبه وتفهم ما يعتمل في صدره.. كانت تريد ان تتحسس جراحه وان تحدد معالم صبره وايمانه ورضاه ولكنه كان امها سرا مغلقا، لغزا غامضا لا تعرف كيف تميط عنه اللثام.. لا يردد الا كلمات الشكر حتى في احلك الظروف.

نظرة الى الوراء
منذ اعوام طويلة وبالضبط منذ خمسة عشر عاما عندما ولدت الصغيرة بياتريس التهبت القرية بشعلة من الثورة والغضب واجتاحها فيض من الحنق والسخط على مويسيس ذلك الشاب الذي كان يتميز بالهدوء والدعة. و مع انه كان قد انتظم في سلك الرهبنة فقد اتهمه العمدة في ذلك الحين بالاعتداء على الارملة المسكينة تاييس. وقيل في هذه المناسبة انه تذرع بصورة الرهبنة وسمات الهدوء والدعة حتى تنفتح امامه الابواب ويكرم الناس وفادته ويطلبون دعواته و صلواته. و قبل ان تثور القضية لم يدر في خلد احد شك او ريبة في زياراته لهذه الاملة او غيرها ولكن التعليقات القاسية اخذت تطارده من ذلك الحين وتؤكد ان الشيطان كان ثالثهما عندما يجتمعان.
وهناك قلة من الناس لم تستطع ان تقبل الاتهام ولكنهم لم يستطيعوا ايضا ان يدافعوه فقد كان يعوزهم الدليل. كانوا يعرفون عنه ورعه وتقواه بل لعله اخذ نفسه بالوان قاسية من النسك وبالغ في التشدد والتدقيق مع انه كان لا يزال تحت الاختبار كطالب رهبنة بين فريق من اترابه الذين لجأوا الى برية شيهات يتتلمذون على شيوخ الرهبنة التي أسسها القديس مقاريوس الكبير. وكما جرت العادة كان لابد له ان يتمم عملا يدويا واستطاع ان يتقن ضفر السعف في فترة قصيرة. وسمح له مرشده الروحي ان يبيع انتاجه في سوق القرية ويبتاع احتياجاته. ووضع مويسيس في قلبه ان يخصص قدرا معلوما من ال مال الذي يكون معه على الفقراء والمساكين. ولما كان لا يعرف احدا فقد عول على الاستعانة بشماس من الكنيسة لكي يرشده الى هؤلاء ولكن الظروف تكفلت بهذا الامر دون ان يطلب هذه المعونة فبعد ان باع عمل يديه احس ان هناك حركة غير عادية في القرية. كان الناس على عجل من امرهم وعرف بعد ذلك انهم على حقلا في تسرعهم لانهم كانوا على موعد في الكنيسة للصلاة على رجل في مقتبل العمر قيل انه لم يمض على زواجه سوى اشهر قليلة وانه ذهب الى المدينة لامر ما و في زيارته لاحدى الكنائس فوجئ بجند الرومان يطوقونها ثم يعملون السيف في رقاب المصلين فاخذت الحيرة بتلابيبه ولكن السيف كان اسرع اليه وهكذا ترك الارملة تاييس تجتر مشاعر الحزن ولوعة الفراق وغصة الحداد و سأم الوحدة.
ومنذ ذلك الوقت دأب على زيارة الارملة بعد الفراغ من شئون يومه يواسيها ويعزيها ويترك لها ما يساعدها على مواجهة اعباء الحياة حتى كان هذا اليوم –عشية عيد الميلاد- حين حمل اليها بعضا من مستلزمات العيد عسى ان يدخل الى قلبها شيئا من الفرح فـ "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب فلنفرح و نبتهج فيه بالله مخلصنا". ولم يكد يدخل بيت الارملة حتى احس شيئا من الوجوم يسود البيت ولكنه نسب ذلك الى عادات النساء الثكالى في ليالي الاعياد.. ورغم هذا السكون العميق و الوجوم الثقيل فلم يفته ان تاييس قد اعتنت بمظهرها اكثر من المعتاد فرانت على شفتيه ابتسامة راضية لانه احس ان هذا التغيير ان دل على شئ فهو يدل على شئ من العزاء وان تاييس الحزينة المرة القلب قد اخذت تسدل ستائر النسيان على احزانها وان جروحها قد بدأت تندمل. ثم ان العيد على الابواب وجميل منها ان تستقبل العيد بالفرح.
لقد لاحظ انه حتى في حديثها سرت نغمة من المرح المغتصب لم يألفه من قبل وغاب عنه جفاف الكلمة والتصنع وهي تقل : اذا امنتظرت الى ما بعداس فسوف اقدم لك كأسا من الخمر المعتق لعلك لم تذق مثله طول ايام حياتك.
وفي هدوء اجابها باتزانه المعهود باقتضاب: لو...!
     ثم اخرج من جيبه بضع وريقات كان قد نسخ فيها جزءا من رسالة القديس يوحنا الاولى، و بدأ يتلو اياتها حتى توقف حين سمع صوت طرقات عنيفة يمزق الهدوء السائد، وترامت الى اذنيه اصوات الغضب و صياح الساخطين و قد اختلطا بطرقات الايدى و ركل الارجل على الباب و لكنه استطاع ان يتبين كلمات متناثرة بعضها نداء على تاييس و بعضها سباب وشتائم مفزعة تقترن باسمه هو ... واخذ منه العجب كل مأخذ والتفت الى تاييس في نظرة متسائلة.. لم تجبه بكلمة، بل اربد وجهها وامتقع واستحالت تلك الحمرة من بشرتها البيضاء الى صفرة الموت واختفت من وجهه نضرة الحياة و اتسعت حدقتاها فزعا  و رعبا واندفعت نحوه تتشبث باكمامه الواسعة تطلب الحماية و الامان. و ماتت الكلمات على شفتيه و اخذ يردد في صوت خفيض : "لا تدخلنا في تجربة".
وانهار الباب تحت ايدي الطارقين و ارجل الراكلين ووجد مويسيس امامه جمهرة من الرجال.. اراد مويسيس ان يسألهم عما يريدون ولكنه قبل ان ينبس ببنت شفة كانوا قد التفوا حوله و امسكوا بتلابيبه و قادوه الى بيت العمدة.. داروا به شوارع القرية .. رأى كثيرا من الوجوه التي يعرفها ولكن احدا لم يجرؤ على التعرض لهذا الوكب.. اراد ان يفكر فيما عسى ان يقول، اراد ان يقدح زناد فكره لعله يصل الى قول يهدئ ثائرتهم.. عجز  عن هذا تماما و شعر ان رأـسه يكاد ينفجر فاستسلم لمشيئة القدير .. و سار معهم كحمل وديع او كشاة تساق الى الذبح.. لا لن يتكلم او يدافع عن نفسه.. و ان تكلم فهل هناك من يصدق قوله؟ .. و ان دافع فمن الذي سيبرره؟ الله وحده يعلم الحقيقة كلها و هو وحده يستطيع ان يبرره اذا شاء.. و متى شاء! لتكن ارادته اذا.. لن يجاوب بخير او شر.. اما عن العواقب فسيقبلها مهما كانت.
وفي دار العمدة تشكلت محاكمة ساذجة برئاسة العمدة وكان العمدة هو الذي وجه اليه تهمة الزنى .. كانت التهمة قاسية وكانت شهادة الشهود اقسى فقد كان بعضهم على صلة بمويسيس ويعرفون الكثير عن اموره المستترة وخدماته الخفية لهم و للاخرين.. ولكن لم يقل اي منهم كلمة انصاف.. نظر اليهم يشهرون به، حتى خدماته وصدقاته كان لها تصوير شائن روع له قلبه و انخلعت ضلوعه. في بعض الاحيان كانت تتحرك في قلبه كوامن الحقد و الغضب و يفكر في الدفاع عن نفسه. ولكن هل يتحدث عن مزاياه و احساناته؟ هل يعلن خدماته الطيبة التي ينكرونها ويتنكرون له بسببها؟
هل يذكرهم بكلمات السلام التي رد بها السعادة الى بيوتهم؟ هل يعلن كم من المال قدم لمعونتهم؟ هل يعيد الى ذاكرتهم كيف كان يسهر على مرضاهم يعالجهم؟ و اخذت تتراءى امامه وتراود عقله اعمال محبته لهم.
حتى تاييس! حضرت و اعترفت امامهم ورأسها مطاطئ الى الارض ان هذا الرجل اغواها و استهواها حتى اخطأت معه!! لقد اوشك ان يطلب من الله في هذه اللحظات ان تفتح الارض فاها و تبتلعه و تخفيه عن وجوه الناس وعيونهم التي تقتحمه في حقد وكراهية وازدراء لكنه اثر الصمت ورفع عينيه الى السماء في ضراعة وللحال اشرقت اساريره و غمر روحه سلام عميق.
واراد العمدة ان يحسم الامر، وقرر انه سيستعمل الرأفة مع مويسيس فلا يرفع امره الى السلطات الرسمية وقرر الاكتفاء بأن يصلح الرجل والمرأة اثمهما وان يكفرا عن خطأهما بالزواج. وصعق مويسيس .. كيف يتزوج و قد نذر التبتل؟ و كيف يستأنف حياته في البرية؟ .. انه سيحرم من حياة الوحدة. هل هذا مصيره.. يعود الى العالم و تكون له زوجة و اولاد؟ هل ينقض عهده مع الله؟ مستحيل! و لكن ماذا عساه يفعل ازاء كل ما حدث وازاء كل هؤلاء؟ فخاخ الشيطان و مكائد العدو.. يحيط به شرذمة من الاشرار كل منهم ينظر اليه شذرا ويمسك بيده حجرا يريد ان يرجمه به. ويكون حجره هو الاول.
كان مويسيس مسلوب الارادة تحت رحمة هؤلاء العتاة.. و لكن شيئا ما كان ليهدئ روعه. الشعور بالسلام لم يفارق قلبه . و لم تمضي دقائق قليلة حتى حضر القسيس العجوز ليقيم مراسم الزواج. وحين سأله القسسيس عما اذا كان الزواج قد تم بناءا على رغبته خرج من فمه صوت كفيح الافعى ، نغمة طويلة بلا معنى و لكن الجميع فهموا انه اجاب بالايجاب.. كان يحيا تلك الدقائق في غيبوبة وربما كان فاقد الوعى.. تمت مراسم الزواج و انطلق مويسيس مع عروسه الى بيت الزوجية مذهولا .. ومضى الوقت طويلا يحلق بروحه بعيدا عما حوله لا يتكلم و لا يتحدث . رفع عيناه الى تاييس في نظرة طويلة فاحصة مستفسرة فخفضت عيناه وحولت وجهها عن نظراته الملتهبة.. واغرقت عيناه بالدموع ثم انهمرت كالسيل .. اخيرا نهض الى فراشه و هو يتمتم بصوت مسموع: الله يسامحك.. لكن اسمعي ان لا يمكن ان انقض عهدي مع الله . عهد البتولية.
و مضت حياتهما في صمت ثقيل . لم يفاتحها في هذا الامر ثانية حتى ولدت تاييس مولودها وكانت فتاة جميلة اسمياها بياتريس وغمرها مويسيس بحب ابوي دافق واعتنى بتربيتها . كان يكد و يشقى، يعود كل يوم في اخر النهار مكدودا و لكنه ينسى تعبه و شقاءه حين يحتوي بياتريس في حضنه ويصلي صلاة الغروب. كانت الصغيرة لا تفهم شيئا من الهمهمة التي تنفرج عنها شفتاه ولكنها كانت تتشبث به بذراعيهاوتطوق عنقه وهو يواصل صلاته العميقة الحارة. كانت ترى الدموع تسيل على وجهه فتمد اصابعها الصغيرة لتمسحها او بالحرى تنشرها على وجنتيه.كان جسدها الرقيق يرتفع و يهبط مع صدر ابيها و تتلامس مع قات قلبه واناته المحرقة توشك ان تمزق صدره فتمد ذراعيها الصغيرين حول كتفيه ثم تدفن رأسها في عنقه و تضمه اليها كأنها تريد ان تحمى اباها من خطر داهم.. حتى ينتهي من صلاته و يفتح عيناه فتنظر الصغيرة اليهما ثم تنخرط في البكاء فيضمها الى صدره و يحاول جاهدا ان يغتصب قهقهة عالية فلا يخرج الا صوت اقرب من البكاء منه الى الضحك.
حتى اتى اليوم الذي سقطت فيه الام قريسة للحمى و في صبر وجلد اخذ مويسيس يسهر على رعايتها ويبقى الى جوارها يداعب الصغيرة حتى تغمض عيناها و تستسلم للنوم الهادئ و الاحلام الساذجة. لم يفكر في الشكوى او الانين و لم يطلب معونة من احد الا شقيقته براكسيا التي اتت و اقامت معه حتى تعينه على هذه المشقات. طالما جلس الى جوار زوجته يستمع الى هذيانها و هي محمومة فيأخذ الالم و الرثاء بمجامع قلبه وهي تردد في كلمات ومقاطع لايبدو بينها رابطة او علاقة: مظلوم يا مويسيس.. اخطأت سامحني.. سامحني.. كان كل شئ رغم انفي.
اعتراف كاذب.. اسأل العمدة .. آه العمدة.. سامحني يا ابي. ثم تذهب في غيبوبة عميقة صامتة. و مويسيس بجوارها يرقبها تتلوى من الالم حينا و تخلد الى الراحة حينا اخر. ذهبت نضارة وجهها وعلتها صفرة باهتة شاحبة. غارت عيناها و انطفأ منها بريق الحياة. كان جسدها الواهن حلبة من الصراع بين الموت والحياة . لم تكن الحمى وحده التي تكتكم انفاسها ولكن رغبتها في الحياة كانت تلفظ انفاسها الاخيرة. لم يجرح مويسيس احاسيسها يوما ولكن صمته الهادئ كان يجثم على صدرها كحجر رحى.
واسرع مويسيس الى قسيس القرية لكي يعود هذه المسكينة و يتمم لها "مسحة المرضى". و عندما افاقت قليلا واستردت وعيها غادر مويسيس الحجرة حتى ييتيح لها فرصة الاعتراف.. بعد قليل عاد مع بياتريس عندما دعاهما الكاهن و مسحهما بـ "الزيت المقدس" ايضا. ولم يفت مويسيس اثار الدموع في عيني القسيس وقد تعلقت باهدابه كما لم تغب عن ملاحظته قول الكاهن: الله يسامحني و يسامحها.
ومع غروب شمس ذلك اليوم انطلقت روح تاييس الى باريها ووقف مويسيس امام الجثمان المسجى على الفراش وبكاها و هو ينظر الى السماء يطلب راحة لها ونياحا مع القديسين.. يارب التمس رحمتك لها ولي و للصغيرة بياتريس..
السحاب
واتجه بعد ذلك الى رعاية بياتريس يقدم لها كل ما يملأ قلبه من حب وعطف وحنان، حتى انه بعد ايام قليلة بدأت تنسى محنتها. كان ابوها هو كل شئ في حياتها، وامتزجت حياتها بحياته. وصارت بياتريس مصدر عزائه، في صحبتها كان يشعر وكأن نسيما هادئا يتهادى في اعماقه و يملأه بالسلام.
حين كان يجلس الى اخته،وكانت براكسيا لا تنفك تصب جام غضبها على هذه المحبة العجيبة التي تلحظها في علاقة مويسيس بالصغيرة بياتريس. كان مويسيس حازما في انتهارها مذكرا اياها ان نعمة الله التي يلمسها كل يوم في رزقه وعمل يديه انما مرجعه الى هذه الصغيرة. كان يردد الدعاء لها كلما سنحت الفرصة لذلك، حين يودعها قبل ذهابها الى المدرسة وعند عودتها و بعد صلواتها وكلما قامت بعمل يريح قلبه ويثلج صدره. في صلواته كان يستودعها في حضن القدير فلا يمسسها سوء.

الاحتفال بعيد الميلاد
في ذلك اليوم اتجهت صوبه وهي تقفز وتحجل وتناديه: بابا.. بابا.. هلم لقد اعددت كل شئ. واجابها في ذهول:
- كل شئ! .. كل شئ عن ماذا؟
وامسكت بيده ووضعتها في كلتا يديدها و هي تجلس الى جواره وتهز قدماها في مرح وهي تقول: كل سنة وانت طيب يا بابا .. غدا عيد الميلاد. . تعال و انظر ما اعددته لوليمة الميلاد التي سيحضرها بنات الكنيسة .. ألم نتفق على ذلك؟
وسارع يجيبها على الفور: آه.. صحيح.. لقد تذكرت.. شكرا لك يا حبيبتي.
ثم نهض قائما وهو يقبلها وتبعها الى حيث اخذت تحكي له عما صنعت وما اعدت. وكانت هذه هي المرة الاولى التي يتبع فيها هذا التقليد. في السنوات الخالية كانت بياتريس تزور صديقاتها في العيد وترى بيوتهم مزدحمة، يتجمع كل اطفال الاسرة يمرحون ويلعبون طوال يوم العيد، اما هي فكانت تعود الى بيت ابيها فارغا موحشا لا احد فيه سوى مويسيس وبراكسيا في وجوم وصمت. وعندما تدخل هي يداعبها قليلا ثم يتركها اما عمتها فلا تزيد على التحية الرسمية "كل سنة وانت طيبة" ثم يخيم السكون القاتل فيجثم على انفاسها.
وفي احد الاعياد عادت من عند صديقتها هيلانة بعد ان قضت يوما سعيدا مرحا . اشتركت مع بقية الاطفال في الاحتفال بالعيد وانشدت معهم اغاني الميلاد المبهجة وكانت بياتريس تمتاز بصوتها الرخيم الجميل، فناداها ابو هيلانة ورفعها لكي تقف على المائدة وطلب اليها ان تغني بعض الحان الميلاد. واحاط بها الجميع صغارا وكبارا في صمت وهدوء يستمعون وينصتون ويرددون معها القرار حتى اذا ما انتهت من الانشاد لم يملك الجميع انفسهم من التصفيق وهتافات الاستحسان. فلما عادت الى البيت في ذلك اليوم سألت و ألحت في السؤال عن اسرتها و اقاربهم عن اصدقائه ومعارفه واخذ يحاورها و يداورها ونجح في ان يحول اهتمامها الى الشياء اخرى.. ماذا كان يمكنه ان يقول لها؟
هل يصارحها انهم قاطعوه واحتقروه واهانوه..؟ كأنه مجرم اثيم .. انه لا يستطيع ان ينسى كيف يتحاشوه حتى لا يردوا تحيته وسلامه.. حتى مرشده الروحي في الدير انقطع عنه ورفض زيارته بعد ما كان من امر محاكمته وزواجه ونقض رهبنته. لقد ذهب يوما يسعى الى مرشده فلم يقبله..
وعندما استعاد مويسيس هدوءه قال لبياتريس: ولكن قولي لي من هو قريبك، كما يعلمنا الكتاب  ؟
ولمعت عينا بياتريس وهي تقبل التحدي واجابت على الفور: هو كل انسان مهما كان..
وابتسم مويسيس وعاد يسألها : وماذا تقولين عن الايتام؟
فاجابت بياتريس: هؤلاء هم اخوة الرب نفسه. كما قال الرب "كل ما فعلتموه باحد اخوتي الاصاغر فبي قد فعلتم"
وبدت على مويسيس علامات الرضا والارتياح. ومر بيده النحيلة على جبهته ثم على رأسه الاشيب وهو يقول: اذا فيمكنك ان تحتفلي بالعيد معهم. وبدأت المشاورات حتى اتفقوا على الاسماء التي يمكنهم دعوة اصحابها الى الاحتفال بالعيد معهم.
كانت بياتريس ما زالت تثرثر كعادتها عما اعدته من طعام وتتحدث عن مذاق ومزايا كل صنف .. ثم عن برنامج العيد.. وعن التراتيل والاناشيد الجديدة.
وطاب قلب مويسيس ثم اشترك معها في صلاة الغروب.
وبعد ان ارتدت ثياب العيد اصطحبها هى و شقيقته وتوجهوا الى الكنيسة.
وفي ركن من الكنيسة انزوى مويسيس يشترك بقلبه وروحه في صلاة القداس الغريغوري الذي كان يرتله الكاهن في فرح وابتهاج. لم يستطع مويسيس ان يجلس في الصفوف الاولى او يقف وسط فرقة المرتلين ..
وعندما انتهى القداس خرج من الكنيسة تتأبط ذراعه بياتريس وتسير الى جواره براكسيا وحولهم جموع الناس من اطفالهم يجرون ويقفزون و يمرحون يتبادلون التهاني وحلو الاماني. قليل من الناس وجهوا التحية اوالتهنئة لمويسيس حتى اقاربه وابناء عمومته لم يكلفوا انفسهم بذلك. ولكن اصدقاء وصديقات بياتريس التفوا حوله في فرح وبهجة. واخلى مويسيس يدها حتى تنطلق ولم يفته ان ينبه عليها الا تذهب بعيدا ..

  الكلمة الاخيرة
وفي باكر العيد ولم تكن الشمس قد طلعت بعد والسماء تسبح في بحر من السواد تحف به غلالة رقيقة من الضوء الخافت والسكون يشمل الكون كله وقطرات الندى تلمع فوق اوراج الشجر.. ولا يقطع هذا السكون سوى كلمات مويسيس الهادئة عندما قام مع بني النور ليسبح رب القوات. ينظر من نافذته فيرى يوما جديدا فتبتهج روحه بالشكر ولا يجد الكلمات التي تتوافق مع شعوره فيصمت ويستغرق في النظر الى هذا الجمال.. السماء تتحجث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه.
وتملمت بياتريس  في فراشها وفتحت عيناها لترى اباها وقد اولاها ظهره فصار ككتلة من الظلام في مواجهة النور وتسحبت في هدوء ووقفت الى جواره تنظر الى السماء ثم مدت يدها لتمسك باطراف اصابعه وهي تركع على الارض. وجثت وهي ترشم علامة الصليب وتقول: هلم نسجد.. هلم نسأل المسيح الهنا.
ثم نهضت من سجدتها والتصقت بابيها الذي طوقها بذراعه وهو يرفع عيناه الى السماء ويطلب بركة اليوم المقدس..
ولم تكد الشمس تغمر الارض بنورها حتى سرت الحرارة والدفء وامتلأ البيت بالاولاد والبنات يحملون اللعب في ايديهم ويتبادلون الهدايا وترتفع قهقهتم بسبب وبدون سبب. يضحكون لانهم سعداء. يموجون بالفرح في انحاء البيت و يستقبلهم مويسيس بوجهه البشوش وابتسامته الراضية وبياتريس تقفز بينهم تصافح هذا وتعبث مع ذاك وتعطي اخر من حلواها وتأخذ اخرى الى عمتها براكسيا لكي تصلح من هندامها وزينتها. حتى براكسيا تخلت عن صرامتها وخشونتها لكي تفسح مجالا للمرح و السعادة وبدأت بياتريس ترتب الاطفال حولها وسرعان ما  ارتفعت اصوات التهليل .. واهتز البيت كله بانغام التسبيح.
ولكن.. ران على وجه بياتريس سحابة من الضيق بعد فترة. ولم يغب عن عيني ابيها المدربتين ما ألم بها من قلق. فتقدم نحوها و سألها :
ما بك يا بنيتي ؟ ماذا يقلقك؟ هل بك شئ؟
واخذ يدها بين يديه واحس ان حرارتها مرتفعة واضطرب قلبه و هو يسألها في قلق: 
- هل تحسين بشئ؟
- - ابدا. لا شئ على الاطلاق. كل ما هنالك ان ايلارية تأخرت عن الحضور و لا اريد ان نتناول الكحك والحلوى الا اذا اكتملنا.
فوجئ مويسيس وهو يسمع اجابتها ولكنه قال:
- -  وهل دعوت ابنة العمدة ايضا؟ هل نسيت ما قالته لك من يومين وكيف اتيت غاضبة؟  
ولكن بياتريس ضحكت وقالت:
-  - هذا صحيح ولكن هذا لا يمنع ان نسر ونفرح بهذا اليوم الذي صنعه الرب. هل نسيت يا بابا نشيد الملائكة : المجد لله في الاعالي..
وعاد يسألها:
-   - و لماذا لم تحضر؟
   قال هذا السؤال وقلبه يخفق خوفا من ان يتطرق الحديث الى الماضي و مآسيه. و لم يسترد هدوءه حتى قالت:
- - يقول الاولاد ان اباها مريض.
وتذكر مويسيس انه لم ير العمدة في الكنيسة كالمعتاد. فهل يذهب لزيارته..؟!! انه الرجل الذي حاكمه بعنف وقسوة، و ظلمه. بسط اليه يده يطلب الدفاع عن نفسه فلم تلن له قناة. هو الذي وصمه بهذا العار بين اهل القرية جميعا..
وهز مويسيس رأسه يرفض هذا الفكر ويطرد هذه الخواطر الشريرة. أليست هذه تذكار الشر الملبس الموت.. لقد مضى وقت طويل منذ ان صفح عن كل هذا و غفر للعمدة من كل قلبه. فليذهب اذا الى دار العمدة. واحس برغبة جارفة لفعل ذلك، فنادى على بياتريس وبادرها قائلا: بياتريس. افرحى والعبي مع اخوتك اما من جهة صديقتك فسأذهب الى العمدة لاطمئن على صحته .. ما رأيك؟ ولم ينتظر حتى يتلق جوابا بل انحنى و قبلها في جبينها وهو يردد كل سنة وانت طيبة.. ثم مضى الى حال سبيله .. لا يلوى على شئ .. يداهمه خوف مجهول وقلق لا يفارقه.
ووصل الى البيت الكبير وقد ازدان بالزينات ولكن اصوات الفرح كانت خافتة هزيلة. وعندما ولج الباب كان البيت يغص بالضيوف والوافدين من اهل القرية وغيرها من القرى المجاورة ورفع يده بالتحية وعيناه صوب حجرة النوم حيث كان المريض راقدا ومع انه لم يجل بعينيه وسط الضيوف فقد شعر من حركاتهم انهم يفسحون له الطريق نحو حجرة المريض ووجد نفسه يتجه اليه ويقف عند عتبة الباب . في الحجرة الفسيحة والى جوار الفراش جلس القسيس العجوز وقد اصاخ السمع للمريض. الا انه كان يقاطعه من حين لآخر لكي يتحدث اليه في لهجة آمرة حاسمة.
لقد اندهش بعض الضيوف لمقدم مويسيس فعهدهم به انه يحيا في عزلة بعيدا عن الناس وتغامز بعضهم يسترجعون الماضي، ولكن البعض اقبلوا في لهفة واضحة الى  مويسيس قائلين: ان العمدة كان يطلبك من لحظات، ولعل الخادم الذي ارسله في طلبه يدق بابه في نفس الوقت. تعجب مويسيس وتساءل عن السبب . لقد مضت خمس عشرة سنة منذ ان جرت محاكمته وكان هذا هو اللقاء الاخير مع العمدة، و انقطعت كل رابطة بينهما.. بل لعل العمدة كان لا يحب بل يرفض ان يلتقيه. فالعمدة كان معروف عنه الصرامة.
واتجه مويسيس الى العمدة .. فوجئ الكاهن برؤياه فنهض من مقعده وهب العمدة من فراشه مذعورا كالملسوع او كأن ملاك الموت قد هبط عليه ليأخذ روحه على عجل. ولكن مويسيس تحدث في نبرة هادئة وصت رقيق موجها كلامه للقسيس ثم للعمدة: السلام لك يا ابي .. كل عام وانتم بخير .. الرب يعيد عليكم هذا العيد بالفرح والسلام.
كان من الواضح ان العمدة في حالة اعياء شديد، لا يستطيع القيام من فراشه. خفت صوته وضعفه حتى صار اقرب الى الهمس.ولكنه الان تحامل على نفسه ونهض متثاقلا من فراشه واخذ يخطو بعض خطوات مترنحة بعيدا عن الفراش حتى توسط ابناء القرية في مواجهة مويسيس واطال النظر .. فخيم على القاعة صمت عميق  وكأن على روؤس الواقفين الطير و تعلقت عيونهم بالعمدة ومويسيس و امسكوا انفاسهم. ماذا يمكن ان يحدث؟
 وعقدت الدهشة السنة الجميع حين جثا العمدة على ركبتيه وانحنى برأسه على قدمي مويسيس وانفجر باكيا وهو يصرخ: اخطأت اليك.. سامحني. ظلمتم. اغفر لي.
اخذ يهي بهذه الكلمات كالمحموم بينما وقف مويسيس مصعوقا وقد تسمر مكانه من هول المفاجأة وفي سرعة البرق لمعت في ذهنه الحقيقة.وعادت الى ذاكرته كلمات تاييس وهى تحتضر، فتقلصت عضلات وجهه وانطبعت الصرامة على ملامحه.. لقد ادرك اخيرا انه كان يحتمل اثار الخطية التي ارتكبها العمدة.. العمدة الذى ادانه وحكم عليه.
ولكن العمدة تشبث بثياب مويسيس ورفع وجهه مخضبا بدموعه وهو يكرر في اصرار: اخطأت اليك .. سامحني. سأعترف امام الجميع انك برئ.. انت قاسيت الكثير .. لقد ظلمتك.. سأعترف امام الجميع ببراءتك مثلما ادنتك امام الجميع..
ولكن مويسيس اشار اليه بيده، ولم يدعه يكمل حديثه بل امسك به بيديه ورفعه لينتصب قائما وه يقول: لا عليك يا رجل.. فليرحمنا الله. ليغفر لي ولك..
بعد ساعات قليلة من هذا اللقاء العاصف. وكان مويسيس بمعونة الضيوف قد حملوا العمدة الى فراشه وهو عاجز عن الكلاموالحركة ثم اغمض عيناه وغطّ في نوم عميق ولم يفتح عيناه بعد ذلك.
اخذ مويسيس ابنته بياتريس الى الكنيسة و اشتركا معا في الصلاة من اجل الراحل العزيز .. صليا بدموع من اجله وعندما شاعت احداث ذلك اليوم ذهب كثير من رجال القرية لزيارة مويسيس لكي يطلبوا صفحه عنهم وغفرانه لاساءتهم ولكنهم فوجئوا بالمنزل فارغ. لقد مضى الى حيث لا يعلمون. 
 

16 ديسمبر 2013

بيقولوا عليّ نبات شــيـطاني

بيقولوا عليّ نبات شــيـطاني.. اصل انا بطلع كده ربانــــــــي
لا بتزرعـــني ايد فــــــــلاح.. ولا يحتاجني حتي الجانــــــــي
قلب الصحرا هـــو مكــــاني.. مانا طول عمري بقاسي وأعانـي
شمس بتحرقني في نــهـاري.. وفي ليلي الساقعة هلكانـــــــي
هتموتوا من الــضــحك عليّ.. لو قلتلكو بصاحب ميـــــــــــن
عارفين العقرب والــحــيــــة.. هما أصحابي الطيبيـــــــــــــن
عرفتوا أنا مين يا بني أدمـين.. ولا لسه مش عارفـيــــــــــــن
أنا الشوك المحـتـقـــــــــــــر.. بين النبات وكل شيء مزروع
أنا النهارده  بفــتخـــــــــــــر.. عملوني تاج فوق جبينك يا يـسوع
ما بقتش اخجل أنــي شـــوك.. وانا فوق جبين ملك الملــــوك
ده كل شوكة انغرست في جبينه.. نزفت سيول من الدم بتحكي
ده حبه فاق كل الــعقـــــــول.. كل المعاني والــحـــــــــــــدود
لو كان لي صوت هاصرخ وأقول.. هو الإله رب الــوجــــــــــــود
لكن حقيقي ما كان بأيــــــدي.. أني اجرحه وتسيل دمــــــــــاه
ده الـــذنب مش ذنبـــــــي أنا.. ده ذنبكو انتو الخـطـــــــــــــاة
الشاعر ميلاد ثابت اسكندر