19 يناير 2015

لا تغتر ولا تيأس



كان مختار كثيرا ما يقتقد عاطف ويدعوه لحضور الاجتماع الشباب بالكنيسة ولكنه يرفض. وفي احد الايام كان ذاهبا لقضاء خلوة في دير الانبا بيشوى، فرأى ان يمر عليه في بيته ويدعوه للذهاب معه. طرق باب بيته ففتح عاطف مرحبا. بدأ مختار حديثه معه قائلا:

- انا مسافر بعد غد لدير الانبا بيشوي في خلوة. تحب تأتي معي؟ اشعر ان هذه الزيارة ستكون بركة كبيرة لنا.

لم يستغرق مختارا وقتا كثيرا في اقناعه بالذهاب معه ، اذ ان عاطف كان في معظم الايام عاطلا عن العمل، فهو كلما وجد عملا اما تركه، او طرد من اصحاب العمل. تابع مختار كلامه وهو يهم بمغادرة شقة عاطف قائلا:
- فقط يجب ان تعرف امرا. سيأتي معنا شخص ثالث. 
 - من هو؟
- انه يدعى ايمن.
- اعرفه فهو صديق قديم.
- اذا سأفوت عليك بعد غدة الساعة صباحا. الى اللقاء.
في هذه الزيارة اصطحب مختار معه اثنان ايمن وعاطف، كلاهما كانا مدمنين لمخدر "الحشيش" وربما لاصناف اخرى. التقيا في الدير بالاب يونان المسئول عن احدى مزارع الدير وتقع بجوار مزرعة صغيرة للاسماك. دعاهما الاب لشرب الشاي هناك. وكأن ذلك بترتيب الهي لاجل هذين الاثنان. فطوال زيارات مختار للاديرة وهي زيارات كثيرة لم يدعه احد من الرهبان مثل هذه الدعوة. 
بدأ ايمن بالكلام وكأنه احس بتأنيب الضمير عند رؤيته راهب:
- انا لا اذهب الى الكنيسة.
قال الاب يونان:
- ولم تذهب؟
- "ماذا تقول يا ابانا؟"، ربما كان يتوقع وكذلك مختار انه سيؤنبه. كلمات الأب كانت قليلة جدا، ولكن تشعر معه بجو عجيب من الروحانية، سواءا في تقاطيع وجهه الهادئة المرحة، او في جسمه النحيف او حركاته النشطة الخفيفة وكأنها لريشة تطير، او كلماته القليلة. "ليس على الرهبان ان يبشروا وانما على العلمانيين ان يبصروا". عليهم ان يبصروا الانجيل معاشا في حياة الرهبان. انها احد العبارات التي وردت في كتاب يوحنا السلمي وتنطبق على هذا الموقف بالتحديد. 
ثم حكى ايمن عن ذراعه المكسورة. قال انها بسبب شجاره مع "شكوكو" بائع المخدرات بسبب مساومته على عشرة جنيهات.
لم يعلّق ابونا يونان على هذا وبقى صامتا، ولكن تعابير وجهه واذنيه المنصتتان لكلام ايمن لفتت انتباه مختار. ربما كان مذهولا من سماعه هذه الحكايات، فشتان بين الجو الروحي العميق الذي يحيا فيه الرهبان في الاديرة، وبين ما يجري في العالم من صخب. هل كان صمته مصحوبا بالصلاة لأجلهم؟ وهل اعقب لقائهم به صلاة من اجلهم؟ مؤكد، فقد تحول ايمن وترك الادمان بطريقة عجيبة، وهو الذي كان يشعر انه يسير في طريق نهايته المحتومة والمعروفة مسبقا قريبة.
اما عاطف فلم يعترف بخطاياه لابونا يونان، ولا قدم توبة. 
بعد مرور حوالي عام سمع مختار ان عاطف خلع نوافذ الشقة وباعها، وان ذلك سبقه بيعه للثلاجة والسرير والاشياء الاخرى بالمنزل.. وبعد عام اخر عرف بخبر وفاته من بعض الخدام بالكنيسة، فلقد وجد في احد الايام ملقى كجثة هامدة تحت احد الجسور. ذكرني ما حدث بقول القديس اغسطينوس "لا تغتر احد اللصين هلك، ولا تيأس فاللص الاخر خلص"؟

آزان بلا اذان



"عمل اليدين" من الانشطة الاساسية في حياة الراهب: البعض يعمل في الزراعة والبعض مسؤول عن صناعات متعددة، كما انه يذكر في التاريخ ان وادي النطرون بمساحته الهائلة كان عامرا بالاديرة، وكان يدعي باسقيط الرهبان، بل ولقد اطلق على بعض الاديرة في ذلك الوقت اسماء بالنشاط الاساسي الذي تمارسه، مثل "دير الزجاج"، اما عن ضفر الخوص فيبدو من كتاب "بستان الرهبان" انه كان يمارس في كل الاديرة. 

ذهب مختار لقضاء فترة خلوة روحية في احد الاديرة. عند الظهيرة دفعه حب الفضول ان يتجول في ارجاء الدير. وجد نفسه فجأة - بعد ان سار قليلا في طريق غير ممهد - امام مبني بدا من الخارج انه يتكون من ثلاثة غرف. حينما دلف الى الداخل وجد نفسه محاطا بكمية كبيرة من الاواني الفخارية ذات الالوان والاشكال والاحجام المتباينة. رائحة الطين المبلل حديثا بالماء تمتزج مع رائحة الدخان النفاذة التي تحمل عبق اشتعال فروع حطب القطن وبوص الذرة الجاف وتملأ الهواء. كان الدخان الاسود يتصاعد في غرفة الحريق مثل مارد مهول يتسلق الجدران ليصبغها بسواد ثم يتلوى منفلتا بسرعة من فتحات خاصة صنعت خصيصا لذلك.

القى مختار التحية:

-     اغابي يا ابونا.

-     اغابي يا ابني.

- ماذا تصنع يا ابي؟

دون ان تتوقف يداه او رجلاه عن العمل قال:

-     تفضل! ادخل لكي تشاهد بنفسك.

كانت عينا مختار الدامعتين المغبشتين جراء الدخان تجولان ارجاء المكان تتفحصانه. وصوت طرقات ثابتة تناوش برتابة اذنيه. هذه الطرقات الصادرة من ضربات قدم الاب الراهب تثابر في التحرك بانتظام وبزاوية ميل حتى يواصل الدولاب الخشبي الدوران الهادئ الثابت السرعة. انها اصابع فنان حقيقي تعمل بدأب على كتلة طين الموضوعة على القرص المتحرك، تعمل بحنكة وبحذق بالغين، فتارة تداعب بحنو بالغ بعض المناطق الطرية لتشكلها بهدوء، وتارة تضغط بقسوة محسوبة على جزء غليظ لتحدد انبعاجا مقصودا. تارة تتحرك ببطء ثقيل لتصنع حلية معينة متقنة، وتارة تنزلق بخفة سريعة لتحدث استدارة يتطلبها العمل. ودائما كذلك ما تنفض بين الحين والحين بقايا الطين الزائدة او غير المفيدة لها الان في حوض كبير، لا لكي ما تلقيها كنفاية، بل لكي تعيد تشكيلها في عمل اخر.

لبعض الوقت ظل مختار واقفا يرقب الراهب، قطع صمته الاب الذي رفع رأسه واشار بها تجاه الغرفة الاخرى قائلا:

-  -   ادخل، فكثير من المنتجات بالحجرة الاخرى ايضا.

كانت الغرفة الاخرى تمتلئ باواني مختلفة الاشكال والاحجام. فهذا اناءا على شكل كوب كبير خفيف الوزن ذو نقوش بديعة مختلفة الالوان، وهذا اناء اكبر حجما ذو شكل كروي كثير الثقوب ذو فتحات علوية وسفلية حتى يوضع فيه مصباح يوضع في الارض او يمكن تعليقه على الجدار. وهذا اصيص ضخم الحجم ذو حواف سميكة متعرجة ونقش افريقي، يمكن ان يستوعب نبات كبير متشعب الفروع كثير الاوراق يصلح وضعه في مدخل احد القصور او المباني العامة الفخمة. وذاك  زير كبير توضع به المياه. هذا بالاص يعتق فيه الجبن المملح. وفي هذا الركن كان يصطف عددا من القلل يستخدمها بعض اصحاب المحلات للشرب حيث توضع بها المياه في الصيف فيشربون منها ويشرب المارة ايضا فينعمون بالماء البارد. 

ولكن شيئا ما جذب انتباه وجعله يدقق في ذلك الاناء الكبير، للوهلة الاولى لم يعرف ما هو او فيما يمكن استخدامه، فهو جسم كروي ضخم وله رقبة ضيقة متوسطة الطول تنتهي بفوهة صغيرة وبلا اذان تماما، ويعلوه كمية فظيعة من الاتربة. احس فيه بشئ غامض. اراد ان يمد يده ليمسك به ولكن يبدو انه خشى ان تتسخ يداه او ملابسه الثمينة فلم يفعل. ويبدو ان الاب لمح من مكانه امام الدولاب بداية اهتمامه بالاناء فقال:

-     -  انه اناء جيد لحفظ النبيذ او زيت الميرون اللازمين للتقديس قديما.

-    -  ثم ابتسم وهو يقول "انه يدعى آزان رغم انه بلا أذان"، وتابع كلامه قائلا: استعماله نادر حاليا. انه مصنوع من خامة ممتازة وهو غالي جدا عندي، وكذلك عند من يعرف فائدته وقيمته الاصلية، لا تكترث بما يعلوه من اتربة.

-     -  وكيف يحمل هذا الاناء يا ابي ان كان بلا اذان؟

-    -  نهض الاب واخرج من احد الادراج بمكتب عتيق رباطا جلديا عتيقا اسود اللون ومضفرا بطريقة بديعة تتخلله صلبان بيضاء عديدة وقال: هذا الرباط يوثق باحكام من حوله ومن ثم يمكن تحريكه وحمله بسهولة شديدة.

انحنى مختار عليه ومد يده نحو الاناء، لمسه برقة. احس انه يعرفه تماما ومنذ زمن طويل. دارت يداه تتحسس جوانبه برقة. اضطر بعد لحظات ان يجثو على ركبتيه على الارض بجانبه – غير عابئ بالتراب- كي يستطيع ان يراه بدقة، وحينما عاد الى غرفته ببيت الخلوة، خاطر له هذا الخاطر:

كلانا اناء فخاري، صنعتنا يدا الفخاري الاعظم. لم يهتم بنا احد. ولكن يداه في ملء الزمان امتدتا بحنان لتزيل اتربتي وتمسحني وتنظفني، وغاص في تفكير عميق- لقد شعر في تلك اللحظة ان يدا المسيح تحمله بحب فائق ويقول له: انك اناء خاص بي. اناء عزيز في عيني، ثمين عندي، غير محتقر ولا مهمل. بل شعر به يحمله في حضنه وهو يقول: لقد صنعتك يدايّ لهدف عظيم وهو ان تحمل نبيذي داخلك طوال حياتك.  


18 يناير 2015

عند الغروب


زحف الظلام حثيثاً نحو الارض ، ولكنه أخفق في أن يكسو الدير كله بلباسه الوقور، فقد انبثقت بعض أنوار خافتة عبر أسافل بعض الأبواب وشبابيك القلالي.. وبين الفينة والفينة، كانت تسمع بعض أصوات تشبه الأنين.. فمن كلمات ضُمّخت بالدموع إلى تسبيح هادئ رزين.. إلى تلاوة لسفر من الأسفار .. وهذه هي العادة في كل ليلة.. لا يفرغ الدير من التسبيح والصلاة.. وأما الساعة فقد حققت الدورة الأولى بعد منتصف الليل.
ولكن البواب- أعني الراهب المكلف بالإهتمام بالباب- كان النعاس قد داعب اجفانه فأسلم نفسه للنوم ، ولا نظلمه، فقد حرم من النوم خلال اليومين السابقين لتلك الليلة المباركة ، فرقد منهك القوى ..
واما ناقوس الباب فقد صدر إليه أمراً .. فأخذ يدق ثلاث دقات .. ثم بعد فترة صمت عاد ليدق مرة أخرى ثلاث دقات ، وإنتبه الأب شيرامون ، وجعل يفرك عينيه ، ولكنه سرعان ماغاب عن الوعي ، وعاد الناقوس.. وصوت أعقبه يناديه بإسمه (يا أبونا شيرامون .. يا أبونا شيرامون).
وتقلّب البواب في رقدته، وتعجب! فالصوت فيه عجلة ، والناقوس مصّر على تأدية واجبه، ونهض شيرامون في غير تكاسل وقفز من فراشه وهو يرشم ذاته بعلامة الصليب، ويردد ( خير .. كل الأشياء للخير .. ياربي يسوع إعطني حكمة ..) .
ولما كان قد وصل إلى الباب أسفل قلايته سأل عن الطارق؟
فاجاب (أنا أورانيوس).
وهنا زال تعجب الأب شيرامون وذابت دهشته وسرت الطمأنينة في قلبه .. وامتدت يده لتسحب المزلاج.
وأورانيوس هذا، راهب بلغ السادسة والأربعون من عمره .. يحيا حياة الوحدة في مغارة على مقربة من الدير، وقد إعتاد المجئ إلى الدير بين وقت وآخر وفي جعبته خبر غريب أو سر خطير أو تحذير هام وكان الآباء ينظرون إليه نظرة حب ممزوج برهبة ، كما اعتادوا منه المفاجآت التي يطرحها امامهم كلما حضر إلى المجمع. قال الأب شيرامون وهو يصافح أورانيوس ويقبّله .. ويدعوه للدخول: (خير يا ابونا أورانيوس).
ـ لا، لن أدخل فإني في عجلة ، وسأعود حالاً إلى مغارتي ، فقط أرجو أن تبلغ الأب بيشوي أنه سوف يتنيح بعد غروب اليوم ، واسأله أن يصلي عني حينما يبلغ المجد العتيد أن يكون، ثم استأذن ومثل جندي ابلغ رسالة خاصة وقت الحرب، عاد أدراجه إلى محرابه ..
وتقلص حاجبا شيرامون ، وقذفت عيناه دموعاً ، وتناول مزلاج الباب ليعيده إلى موضعه ، ثم راح يبكي وهو لا يدري هل هو لفراق أخيه المزمع أن يكون هذا اليوم أم لأنه لم يستحق بعد أن يمضي إلى أخوته الذين سبقوه!.. ام ماذا ؟! ( لا شئ .. لا شئ)، هكذا تمتم وجفف دموعه وتحسس القلنصوة على رأسه ، ثم تذكر انه حافي القدمين ، ولكنه لم يأبه لذلك ..
واتجه لفوره نحو قلاية الاب بيشوي ، واطمأن عندما رأى الضوء الخافت ينبعث في خطوط متعامدة حول الباب والشباك ، فوقف برهة يستجمع شيئاً من الشجاعة قبلما يصدر أمراً إلى أصابعه لتطرق الباب في رقه ثلاث دقات يعقبها القول (أري أغابي) أي إصنع محبة.
وانقطع الصوت الذي في الداخل .. وخبا نور السراج ، وتعوّق الأب بيشوي قليلاً قبل أن يفتح الباب في هدوء، متظاهراً بالنوم ..
سلم أحدهما على الآخر وقبّلا بعضهما البعض، ثم مال شيرامون على بيشوي قائلاً في همس: أبشر وافرح! اليوم تمضي إلى العرس، وتلتحف بالمجد، ثم أردف قائلاً: أنبأني بذلك الطوباوي أورانيوس منذ دقائق ، جاء خصيصاً من مغارته ، ليخبرك انك ستنتقل اليوم بعد الغروب .. ولم ينتظر جواباً بل قال : أتركك الأن ، وسوف نتجمع عندك بعد القداس الإلهي .. لنصلي معك كيما يكمل فرحك .
+    +    +
بيشوي .. بيشوي .. حان الوقت لتنصرف .. ابتهجي يانفسي وتهلل يا قلبي "هكذا بدا مسروراً " .
وأول ما فكر أن يعمله ، هو أن يقف ليكمل صلاته فقال : أشكرك يا إلهي بكل مافيّ وتشكرك عني حواسي .. من أجل دعوتك لي في هذا الصباح المبارك ، لكي أرتفع إلى جوارك .. مبارك هذا اليوم ، مبارك مجيئك إليّ ومبارك ذهابي إليك، بعد ان كنت أبحث عنك في وسائط مختلفة وأتردد على اماكن متعددة ليقوى احساسي بك فيها، اليوم أنطلق لأكون فيك ولا شئ آخر يجذبني عنك ، وأما جسدي هذا (وتحرك قليلا في مكانه كأنه يشير إليه) الذي ائتمنته على روحي التي هي نسمتك فأرجو أن يكون أمامك سليماً طاهراً خلواً من النجاسة ودنس العالم .
       اليوم أسلمك وديعته، ومنذ اليوم لا مرض ولا حزن قلب لا شهوات ولا شيطان.. ولا غضب يتحرك داخلى .. الآن أشعر أن سنى حياتى مرت كلحظات قصيرة .. شكراً يا روح الله القدوس .. هلّل يا كل ما فى باطنى بالرب .. وبالنصرة التى يلبسك إياها الرب مخلص نفسى.
      آه .. كم أشتقت إليك يا أبى أنطونيوس ويا أبى موسى .. ويا سحابة الشهود جميعاً.
      ثم قرر أن يخلى القلاية من محتوياتها، ثم عاد وانتبه إلى أنها خالية إلا من الحصير الذى ينام عليه والبطانية التى يتغطى بها وسبعة كتب مقدسة وضعت بعناية فى طاقة بالحائط البحرى لقلايته، وأما الطبق الذى يأكل فيه فقد كان يضعه خارج القلاية .. يدخله كلما أراد أن يأكل .. هكذا تعود منذ جاء الدير ..
    ثم راح يمشى هنا وهناك فى قلايته الضيقة يكاد يرقص طرباً .. وجاءه فكر أن يخرج من القلاية ويتبارك من الآباء، ولكن الوقت كان غير مناسب، إذ لم يكن ناقوس نصف الليل قد دق بعد. ومع ذلك خرج .. ولكن إلى الطافوس، فلما وصل إليه راح يقبل الحائط، وطفرت الدموع من عينيه أنها دموع الفرح فعما قريب يفك أسره بعد أن عاش يرقب هذه الساعة .. متذكرا قول مار اسحق السريانى "التاجر عينه نحو البر والراهب يرمق ساعة الموت"، وتذكر الأب شيشاى - آخر راهب تنيح منذ خمسة شهور – وقال هامساً (أنا جاى لك يابونا شيشاى).
    وأدار ظهره للطافوس واتجه نحو الكنيسة، ولم يستطع أن يمسك نفسه من الفرح، فراح يرتل لحن القيامة – اخرستوس آنيستى – بصوت أجش فيه حشرجة ودموع.
 ودق ناقوس تسبحة نصف الليل، وخيّل إليه أنه الناقوس الذى سيقرعه عصر اليوم على باب الفردوس فيفتح له الملاك .. ويأخذه من يده إلى صفوف المنتصرين فى الداخل!
 وتوافد الآباء وحداناً على الكنيسة، حتى اكتظ بهم الخورس الثانى، وراح بيشوى يحملق فى وجوههم واحداً فواحداً، دون أن يجذب أنظارهم إليه، ثم وقف هادئاً يصلى ويسبح معهم .. ولمح الأب شيرامون يقف إلى جواره ..
فما انتهى القداس .. حتى خرج الآباء من الكنيسة وقد انتشر الخبر بينهم أن الأب بيشوى جاءه الوقت لينطلق، فتبعوه إلى قلايته..
هذه هى المرة الأخيرة التى فيها يتحدثون إليه ويستمعون إليه، يملأون أعينهم من منظره الملائكى ويوصونه بوصايا متعددة غريبة.
وبيشوى منطلق الأسارير .. يحس بتعزية قوية تسرى فى كيانه ومع أنه قد عرف عنه أنه قليل الكلام، فقد تكلم كثيراً فى ذلك اليوم. وقد ضمن أحاديثه إليهم طلبة: أن يبتهلوا إلى الرب كيما يقبله إليه متغاضياً عن هفواته وسقطاته.
وسأله أحد الآباء كلمة منفعة، فقال له .. نعم، لن أحجم عن ذلك وأنا ماض إلى مشتهاى .. فقد عشت حياتى كلها وأنا أعرف أن المسيح منتظرنى فى السماء، لكى يفرح معى وأفرح معه، ويعوضنى عن كل ماكابدته فى زمان غربتى، وكنت أقول لنفسى : من العبث والجهل أن أنشغل بأمور أخرى حولى، بينما السيد المسيح يرنو إلىّ من سمائه بشوق وحب، كنت كلما وقفت لأصلى أقول له : نعم يا ربى .. ولى نفس الشوق ونفس اللهفة، ولتكن لا إرادتى بل إرادتك ..
وأما فيما يتعلق بسقطاتى وخطاياى، فقد كان الرجاء المفعم به قلبى يدفعنى إلى اصلاح ما فسد، دون أن يضيع وقتى فى التنهد واليأس.
                                          +           +           +
 وكانت الساعة حينئذ قد قاربت الثالثة بعد الظهر، حين لم يستطع أحد الآباء إمساك دموعه فسالت منهمرة، وتبعه فى ذلك آخرون، وسادت فترة صمت قطعها الأب بوليكاربوس داعياً إلى الصلاة والتسبيح .. فسبحوا بقوة وتهليل كما لم يسبحوا من قبل وارتفعت الطلبات والتنهدات، والكل يأمل فى أن يحظى قريباً باللحاق بالأب بيشوى ...
ولما انتهوا .. أشار الأب افلوجيوس إلى الآباء، فخرجوا وبقى هو وحده معه ليسمع منه آخر اعترافاته ويصلى له صلاة التحليل، ويقبّله مراراً، ثم يتركونه ويخرجون على أن يعودوا إليه بعد قليل ..
وعلى بعد سمعت فى قلاية بيشوى أصوات قبيحة وشتائم وصراخ .. كانت على ما يبدو محاولة من الشيطان لإفساد فرحته  بالانطلاق بعد أن هُزم وأفلت بيشوى من يده.
وبعد أن انتهى الآباء من صلاة الغروب، مضوا جميعاً إلى قلاية المغبوط ليجدوه قد رقد ووجهه نحو الشرق وقد ابتسم ابتسامة حلوة ويديه على صدره بمثال الصليب ..
وشوهدت حمامة بيضاء تحوم فى الدير .. واختفت لتظهر .. بين آن وآخر قرب المكان الذى كان يسكن فيه بيشوى.
كان يوماً مشهوداً .. فرح .. وفرصة للتأمل .. ووقفة مع النفس.
هذه الواقعة جرت فى أوائل هذا القرن مع أحد الآباء الطوباويين الذين عاشوا فى هذا الدير، سردناها بتصرّف فى أسلوب قصصى.

الانبا مكاريوس اسقف المنيا 

16 يناير 2015

التجارة بالحب

جلست على حافة البئر القديم و فى يدها سبحة، وكانت تصلى قائلة:
   "يا ربى يسوع المسيح ابن الله ارحمنى انا الخاطئة ..."، هكذا علمتها الام الرئيسة عندما قدمت للرئيسة فتاة فى السابعة و العشرين ربيعا سلبها نسكها نضارة جسدها و رضيت (بالصفقة) اذ بودل الجسد بالبصيرة الروحية.
   كانت تصلى بشفتيها بينما قلبها المفعم حبا يلهج غبطة و سرورا .
وخطر لها خاطر, ان تتمشى و لكنها عادت لتأمر نفسها بالهدوء فى موضعها, تنظر الى السماء الملبدة بالغيوم القطنية و المخصبة بلون الدم ثم تعود ليصطدم ناظريها بسور الدير العتيق و قد برزت بعض قطع منه هامة بالانفصال عنه و قد بدت كشفاة ممطوطة و كانها تتردد تود الاستئذان قبلا .
   وعادت لتخفض بصرها نحو الارض  حيث لاحظت كومة صغيرة من الرمال و نملة تود الصعود عليها، و امعنت النظر فاذا النملة كلما قاربت القمة فى صعودها عادت لتهوى من حيث بدات.
     ياربى يسوع ارحمنى انا الخاطئة ...
     واستهوتها مراقبة النملة، ولكنها عادت لتؤنب نفسها بأن الذين ذاقوا الحب الالهى تعلموا ان ينشغلوا بالله عما حولهم لا ان ينشغلوا عن الله بما حولهم.. ولكن أليست كل الخليقة تمجد الله؟ أليس الانسان هو كاهن الخليقة يقدم التسبيح عنها للخالق؟ ... افما نردد كل صباح فى الهوس الثالث, سبحى الرب ايتها الوحوش و التنانين و كل ما يتحرك فى المياه؟
    آه.. ولكنى ضعيفة و مبتدئة فى الحب الالهى, احتاج ان اسبح انا اولا و اود ان انهل من النبع الذى ارتوى منه قبلى الابرار الذين سبقونى الى المجد .
    ياربى يسوع المسيح اعنى .. انى اسبحك ياربى يسوع المسيح ..
و لكن مهلا فهم تعبوا سنوات و سنوات, حفروا و عمّقوا حتى وصلوا لهذا النبع وما حفرهم و تعميقهم الا الاتضاع اللذى تدثرت به حياتهم ...
ياربى..
    من لى بهذا الحب و من لى بهذا الاتضاع؟ هل المحبة هى التى تقود الى الاتضاع ام الاتضاع هو الذى يولد الحب؟ قالت لى الام ان المحبة هى الفضيلة الام، لها اولاد و بنات كثيرين اولهم اتضاع الفكر...
    وانتبهت ماكرينا على وضع اقدام، فاذا باثنتين من الراهبات- هما الام ميلانة و الام ثيؤدورة - تمران مقابلها، كانتا كشبحين مرا فى هدوء و هما فى سيرهما لا عجرفة و لا انحلال ...
    ما اجمل حياه ملائكة الارض ..
    ياربى يسوع المسيح ارحمنى انا الخاطئة ...
    اعطنى ان احبك و ان افيض من محبتك على الذين هم حولى ...
ابادلهم حبا بحبا .. ازرع الحب فى كل مكان حتى فى الاماكن المجدبة و ارويها بالصبر و طول الرجاء و تنميها انت ياربى .. و تصبح شجرة عظيمة وافرة فى ديرنا كما اراد ذلك و صلى لاجله كثيرا شفيع ديرنا الانبا بفنوتيوس..
    وانتبهت مرة اخرى فاذا بالناقوس يدق يدعوهن الى المائدة و لكنها عادت الى خلوتها فهى لها تدبير خاص فى الاكل ...
  اننى محمومة و مريضة بحبك .. ما اجملك و ما اروعك , من لى بقلب يستوعب كل هذا الحب .. يا الهى انى لا احتمل كل هذا الحنو فلطالما احسست بيدك تربت فى حنو فوق ظهرى و تسالنى ان اثق فى عنايتك و رفقتك ...
  ياربى يسوع المسيح ارحمنى. 
  ياربى يسوع المسيح اعنى .
  أنا أسبحك ياربى يسوع المسيح.
  ورفعت يدها لتمسح باناملها قطرات من الدموع تسللت من مقلتيها لتسيل فوق وجنتيها وهي تكمل قائلة: ما رأيتك يا رب تغضب منى او تعاقبنى بل تتعقبنى فى كل موضع لتسبغ عليّ نعمتك .. حتى فى الاوقات التى كانت فيها الغيرة من الاخت افدوكية تكاد تنهش صدرى، كنت تعزينى و تهمس فى اذنى وقلبى قائلا انا عريس نفسك، انا كل ما تريدينه. متى يارب اشعر انه لا هدف لى سواك؟ و متى تصبح انت كل رغباتى مجتمعة معا؟ نعم يارب يسوع المسيح اعطيت سرورا لقلبى اوفر من الذين كثرت حنطتهم و خمرهم و زيتهم .. ياربى يسوع المسيح ارحمنى انا الخاطئة ..
    وجاء عصفور و حط على الشجيرة المقابلة لها و راح يصدح فى طفولة و طلاقة كأنه يشاركها تسبيحها للرب القدوس .. هى تشكر و تطلب حبا يتأجج فى داخلها و هو يشكر الحياة ، وهمّت بالوقوف, وعندها تذكرت نملة الرمال و رجاءها و انحنت لترى فوجدتها تصعد للمرة الاخيرة حيث استقرت فوق القمة تنظر هنا و هناك.
وخيل لماكرينا ان النملة لم تفرح بنصرتها على الرمال المفككة و لكنها تبحث عن شىء اخر. ان النملة كل حياتها عمل و كل دقيقة لها ثمنها بالنسبة لها..
  "دعنى من النمل و الرمال الان".
  ياربى يسوع المسيح اعنى.
  ثم وقفت و انتصبت قامتها ومشت فى هدوء متجهة نحو لا شىء ..
افدوكية .. افدوكية.. تلك الفتاة السمراء القصيرة، كم كنت اكرهها، و هى تصغرنى بثلاث سنوات .. كم كنت احقد عليها حاسدة اياها على محبة الام الرئيسة و باقى الامهات لها و كم كنت انظر اليها شذرا، و لكنها مع كل ذلك كانت تقابل جفاوتى بقلب متسع و محبة تخجلنى.. ياربي يسوع المسيح ارحمنى انا الخاطئة.. ترى متى يارب احب كل احد ولا اكره شيئا.. متى اصل بالحب الى عدم الكراهية اي كائن حتى من كان خاطئا بل امنحه شيئا من الرثاء؟!
   ثم تنهدت.. بينما المسبحة تدور بين اصابعها..
  متى اصبح الكل اطهارا فى عينى, لا افحص احدا ولا احاكم احد بفكرى.. ان الحقيقة التى لا اريد ان ابلّها واداوم غض الطرف عنها هي ان الكل افضل منى .. كذلك عندما يضيق صدرى بأحد فاللوم كل اللوم علىّ انا وحدى.. انا الخاطئة .. انا الشريرة الديّانة..
   إنى اسبحك ياربى يسوع المسيح.
وجاءت قطة صغيرة بيضاء وقفزت بجوارها تبحث عن الدفء.. وراحت ماكرينا تمرر اصابعها عليها فى حنو بينما القطة جالسة تلعق فروها بلسانها..
   أعاهدك يارى منذ هذه اللحظة.. لا, بل اشتهى ياربى و اتمنى منذ الان ان احب الكل تلك المحبة التى احببتنا بها.. المحبة التى لا تطلب ما لنفسها.. غير المغرضة.. احب الكل لكى اتمتع انا نفسى بحبك.. ثم اعطيه انا لقريناتى فى هذه البرية.. لهذا جئت ياربى الى ارضنا.. ولهذا جئت انا ايضا الى هذا الارض لآمارس الحب واتاجر به واربح وافرح. لكنى خاطئة فتحنن على عبدتك..
    ياربى يسوع المسيح ارحمنى انا الخاطئة..
    لاشىء لى هنا اشتهيه وليس هناك ما يستهوينى..
    ألم اعاهدك بهذا فى اليوم الاول لدخولى هذا الدير.. أننى اذكرذلك اليوم ولن انساه ما حييت.. يوم ان حاربت انت عنى.. حاربت وانتصرت لحسابى.. وتركت لى تلك النصرة رصيدا اسحب منه فيزداد يوما بعد يوم.
    أنا اسبحك يارب يسوع..
+        +           +
   وتذكرت ماحدث منذ ثلاث سنوات..
   فقد تقدم شابا لخطبتها وكان قريبا لها.. وفرحت امها ومعها كل افراد اسرتها.. وانتظر الجميع حتى عادت من خدمتها بالكنيسة, حيث زفت لها الام هذه الشرى ظانة انها بذلك تدخل البهجة الى قلبها.. واما هى فبعد انا اطالت السمع لهم, قالت فى وداعة انها قد عقدت النية على ان تحيا بقية حياتها فى الدير.. تعوض مافاتتها من تقصير وتهب كل امالها للمسيح الذى احياها واسلم ذاته عنها.. وطال النقاش ما بين حدة ولطف.. ووعد ووعيد, فلما نشرت امامهم لواء الاصرار، صمتوا وقد بيتوا فى انفسهم امرا!
   وفى صباح الثلاثاء توجه الاب والام ومعهما ذلك الشاب الى الدير. فى ذلك اليوم استقبلتهم الام سوتيريا - مديرة الدير- بحفاوة.. ووقتها كانت ماكرينا تمضى بعض ايام كخلوة فى الدير.
وجمعتهم حجرة الاستقبال المتواضعة , وقال الاب مفتتحا النقاش :
- نحن انما جئنا اليك لكى تعيننا فى اقناع ماكرينا فى العدول عن رأيها.
الأم سوتيريا: ولم؟
الشاب: الزواج انسب للفتيات، وماكرينا انسانة فاضلة ستكون الزوجة الفاضلة والام الحنون , المدبرة ليتها حسنا.
الأم سوتيريا: الزواج بناسبها, ولكن خلاصها هو القضية الاخطر. واخشى ان هى تزوجت رغما عنها و عاشت فى العالم، ان تفقد خلاصها.
الأم وقد لاح فى عنيها التحدى والضيق : او تقصدين ان كل الزوجات لا خلاص لهن؟
الأم سوتيريا فى بشاشة : عفوك .. لا اقصد ذلك.. وانما لكل رسالتها فى هذه الحياة, فنحن نحتاج الى الزوجة والام , والى الخادمة البتول و الى الراهبة سجينة الحب فى مخدعها.
الأب مستفهما: ولكن ماكرينا فتاة حنونة فيها عاطفة الامومة..
الأم سوتيريا: ومن قال ان الرهبات تجردن من العاطفة؟.. بل انهن استطعن ان يوجهن عواطفهن.
الشاب: وماكرينا فتاة جميلة يشتهيها اى شاب, ومن الخسارة ان تتردى فى هذا المجهل..
الام سوتيريا: الزواج من اجل الجسد فقط, هو امتهان لذلك السر العظيم ولمعة الجمال تتحول الى سأمة ودمامة مع الوقت, ومع ذلك فاذا كانت لها رغبة فى الزواج فانى اوافق واشجعها, حينئذ هزت ماكرينا رأسها بالرفض.. وكانت تسمع صامتة طيلة هذا الوقت..
    فأردفت الام قائلة, دعوها و شأنها, لا تحزنوا قلبها, ثم وجهت الحديث الى الشاب قائلة: وانت يا ابنى ثق ان الله سيرسل لك الفتاة التى تناسبك و تفرح قلبك وتعينك فى حياتك، اما اذا كنت تحب ماكرينا محبة حقيقيه روحية، فلتفرح بفرحها، ولا تدفعها إلى ما رغبة لها فيه.
الشاب: ولكن أليست هذه هي الأنانيه بعينها؟ أن تسعى فتاة في طلب سعادتها وحدها، بينما يمكنها أن تؤدي دوراً ايجابياً في الحياة؟ إن الواجب فيما أرى أن نشترك معاً في صنع نسيج الحياة لا أن ننسحب إلى هامشها ..
 الام وقد تذرعت بالصبر: نعم يا إبني فإننا أيضاً في نسيج الحياة، نضيف إلى هذا النسيج لونا خاصا وضروريا يضفي جمالاً وبهجة على الرقعة كلها، حقيقي أنني أنا متكاسلة خاطئة، ولكن بقية الأمهات كزهور فى حديقة هذا العالم الواسع..
إن الرهبنه فيما أعتقد هي خط الدفاع الأول عن الكنيسة .. لها الدور الخفي، تحارب حربا خفية غير منظورة..
والفتاة التي تسعى في طلب العزلة عن العالم .. ليست أنانيه كما يحلو لك أن تتهمها، لأن الأناني هو ذاك الذي يحب ما لنفسه ، واما تلك فقد تركت ما لنفسها، من محبة الزوج ومتعة الأطفال والراحة التي يوفرها لها ذلك الزوج ، وخرجت تلتمس الغربة والجوع والوحدة ..
الراهبة التي تصلي لأجل كل المتزوجات لكي تتحول البيوت إلى كنائس والقلوب إلى مذابح، ويجد الله موضعاً في كل منزل يستريح فيه ويقول: هذا هو موضع راحتي ..
ثم أردفت الأم الرئيسة تقول .. بينما بدا الشاب وقد اعترته الدهشة وفغر فاه مشدوها وكله آذاناً صاغية :
-         وماذا عنك؟ كيف ترى الحياة؟ وما هو موقع المسيح بالنسبة لحياتك واهتماماتك؟
وهز سؤالها أعماقه، وكأن الأم قد أصابت بسؤالها فيه عمقاً من أعماقه .. وراحت تحدثه عن الخلاص الثمين الذي أهداه الله إلى البشرية وكيف التفاعل مع هذا الفداء الإلهي .. ثم عن محبة الله ثم محبة القريب ..
وبهت الشاب .. وإتخذت كلمات الأم  موضعها في قلبه ، ولما كانت مائدة الأغابي قد أعدت .. قاموا وقامت معهم ماكرينا .. يتناولون طعامهم .. صامتين ..
وبعد قليل غادروا الدير غير ناقمين ولا حاقدين .. قالوا لها ليكن لك ماتريدين ، فقط تضرعي لأجلنا مع بقية الأمهات ..
+     +    +
ياربي يسوع المسيح ابن الله أرحمني أنا الخاطئة ..
أذكر أنني لم أنم في تلك الليلة .. فلم يسع قلبي الفرحة ورحت ابكي من شدة العزاء .. وانا أشكر مسيحي .. أشكرك ياربي يامن تهتم بخلاصي وحياتي ..
ياربي ..
واقتربت منها الأم أفدوكية فقامت لتقّبلها .. ثم يتجه اثنتيهما نحو قلاية الأم العجوز يوستينا يعودانها ..