‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات اسبوع الالام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات اسبوع الالام. إظهار كافة الرسائل

7 يونيو 2013

المسيح يحاكم امام هيرودس



قد يبدو غريبا ان هيرودس لم ير الرب يسوع من قبل مع ان الرب اقام في الجليل لفتراة طويلة، و لم يخطر قط ببال هيرودس ان يخطو خطوة واحدة ليتعرف على الناصري الذى كانت معجزاته على كل لسان، فقد خلا قلبه من اي اهتمام بالامور الدينية‘ و ربما كبرياؤه منعته من ذلك.
و حينما ارسل بيلاطس اليه يسوع ليحاكم، كم كان سروره عظيما فلقد تحققت له اخيرا رغبته في ان يراه اذ يقول الانجيل:
"‏وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً" (لو23:8).
و يقدم هيرودس للرب بعض الاسئلة التى تدل على الحماقة، لكن الرب لم يعطه جوابا و يظل صامتا. ‏"وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ."
و يظل الملك في تقديم اسئلته، و المخلص مستمر في صمته.. و يشتعل غضب رؤساء الكهنة و الكتبة فيبدأون حملة جديدة من الاتهامات في عنف و شدة .
"‏وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَادٍ" و لكن الرب يعتبرهم انهم لا يستحقون جوابا و يبقى متمسكا بصمته. "وَتَرَجَّى أَنْ يَرَي آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ".
بعد ان رفض الرب ان يحقق رغبة هيرودس وحاشيته فهم اولئك الجبناء من مسلكه انه لا يستطيع ان يصنع معجزة فابتداوا يحتقرونه و يهزأون به. "‏فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ". و ما ابشع الاهانات التى احتملها الرب في محضر هيرودس و بلاطه فقد عاملوه و كأنه ساحر مشعوذ لقد طلبوا اليه ان يعرض فنونه لتسليتهم، و اذوا اذنيه باسئلتهم السفيهة.
 
كم هى امور يرعبنا التفكير فيها عندما يسمح الرب لقوم فاسقين ان يجعلوه هدفا لاستهزائه مع انه في سلطانه ان يطوح بهذه الجماعة المستهترة بمجرد كلمة منه. و لكنه لا يحرك ساكنا و يبقي صامتا لا لانه يعلم انه هنا النار و الحطب و انه هو الحمل للمحرقة.
و ذاب الخصام العميق القديم الذى استمر طويلا بين بيلاطس و هيرودس و تحول فجأة الى شعور بالصداقة لما رآه الاخير من لطف عندما ارسل اليه الوالي المعلم اليهودى المتهم.
"فَصَارَ بِيلاَطُسُ وَهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ قَبْلُ فِي عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا.
فان كان الموقف الموحد ضد الرب يستطيع ان يحول عدوين لدودين الى صديقين حميمين فكم تكون قوة روابط الالفة التى يؤلفها الحب المشتركللفادى الممجد. انني اؤمن بشركة القديسين. فليت الرب يلهب في قلوب اولاده مشاعر الحب الاخوي الصادق بعضهم نحو بعض.

2 يونيو 2013

قبلة الخائن



  امامنا الآن منظر وداع مشحون بالكآبة و الحزن لم ير العالم نظيره فيه يفترق يسوع عن تلميذه يهوذا الى الابد.
وقبل ان نرى في قبلة الخائن ثمرة فساده الداخلى ، دعنا اولا نلقي نظرة على النبوات التي تتحدث عنه "رجل سلامتي الذي وثقت به ، اكل خبزي رفع على عقبه"(مز41) . "لتكن ايامه قليلة ووظيفته ليأخذها آخر . احب اللعنة فأتته و لم يسر بالبركة فتباعدت عنه. و لبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت كمياه فى حشاه، و كزيت في عظامه"(مز69). و في (مزمو69) "لتصر داره خرابا و في خيامه لا يكن ساكن".
انه الآن يقترب من الرب تحت ستار الصداقة الوثيقة، و يرحب به بعبارة "السلام يا سيدي". و يتجاسر ان يلوث وجه ابن الانسان بقبلته الخائنة كأفعى سام تنبعث من شجرة الورد.
آه ، ليت قبلة الخائن كانت هى الاخيرة من نوعها ! لكن يسوع لا يزال حتى اليوم يقاسي من مثيلاتها، فالاعتراف به بالفم بينما ينكره سلوكنا ليس سوى قبلة يهوذا.
و يصيح الخائن "السلام يا سيدي" كانت هذه الكلمات كطعنة خنجر مسمم في قلب القدوس، و بكل هدوء تقبلها و لا يرفض القبلة الخبيثة ذاتها. انه يعرف ان هذا الكدر قطرة مما مزج له في كأسه التي تعينت له بارادة الآب، وان وراء هذا التصرف الاحمق الممقوت تختفي المشورة الازلية. و هنا نجد شهادة عن طول اناة الرب يسوع، لان الخائن ما كان يختار هذه العلامة وسيلة لتسليم سيده لولا علمه بطول اناة السيد التي لا تحد.
يجيبه الرب في حزن و اشفاق "يا صاحب لماذا جئت؟". من يتصور مثل هذه الرقة في مثل هذا الظرف؟ في نظر الكثيرين انه كان الأنسب ان يقول له "اذهب عني يا شيطان" لكننا نسمع صوتا كنبرات صوت اب عطوف اراد ان يرد نفس الابن السائر في طريق الغواية.
"يا صاحب لماذا جئت؟". ان هذ السؤال المرعب كقصف الرعد يهز قلب الخائن، و ينبه الضمير لحظة من سباته العميق،  ويحس الخائن بنفسه محمولا كما بيد قوية ليقف امام دينونة الله. و لكن يهوذا يقاوم ضميره بعنف و يخمد الصوت المبكت في الداخل، و يفلح في اجباره على السكوت و البلادة و فقدان الشعور. و هكذا نجد ان الرب لم يترك وسيلة، بل سمح بقرعة اخيرة على باب قلبه لم تفلح، تكون نذيرا برفض الخائن الى الابد. عندئذ يناديه الرب باسمه "يا يهوذا"، و كأنه لا يزال يريد ان يتأكد من صحة الامر "ابقبلة تسلم ابن الانسان؟"
كان هذا الوداع الاخير للمرتد التعس، ويل لهذا الشقي البائس! لقد انتصرت عليه قوات الجحيم و تخلت السماء عنه، و ظل رعد هذا السؤال يدوى في رأس يهوذا.
ان الجرثومة التي عملت في يهوذا توجد في كل واحد منا، و قد تنمو و تتكاثر قبل ان ننتبه لها، ان كنا لا نضع انفسنا في وقت مبكر تحت حماية النعمة الالهية، فان الشيطان لا يكف عن ان "يجول ملتمسا من يبتلعه". ليتنا نسرع لاجل خلاص انفسنا و نحصن قلوبنا كمدينة تحاصرها الاعداء.
لكننا ينبغي ان نطلب الحمى حيث لا يمكن ان نجده في مكان آخر، تحت اجنحة المسيح، انه هو صخرنا و حصننا، ملجأنا و قوتنا، و عوننا السريع في وقت الشدة.

26 فبراير 2013

باراباس

ان اخطر صرخة سمعت تحت قبة السماء قد انبعثت من الجمع المضطرب اجابة على سؤال بيلاطس "من تريدون ان اطلق لكم يسوع ام باراباس؟" جاءت تقول "خذ هذا و اترك باراباس".
و قد عبر الشعب الذي حركه رؤساؤه، عن ارادته بجسارة، مظهرا رغبته في العفو عن القاتل و تسليم يسوع البار للموت، و منذ تلك اللحظة صارالقاضي يتصرف بغير ارادته، و مما يرثى له ان نراه يغوص في الاعماق في كل خطوة، و لا يكاد يعي ما يقول، فيصيح قائلا:”ماذا افعل بيسوع الذي يدعى المسيح؟"

و تأملوا معي في سؤاله الذى وجهه للجمع الغاضب عما يفعل بيسوع الذي قبل هذا الوقت بقليل قد اجابه بكلام مقنع. ان ضميره و احساسه الداخلي ببراءة المتهم وحرفية القانون الذى يلتزم به، و ايضا الصوت المحذر الذى جاءه في حلم زوجته، كل هذه تعلن له بوضوح عما ينبغي ان يفعله بيسوع، انها تلزمه ان يعلن براءته و يطلق سراحه، و بكل ما تحت يده من سلطان يحميه من غضب الجماهير الثائرة، و لكن انى له هذه الشجاعة؟ و بالحق كانت هذه الكلمات: "ماذاافعل بيسوع؟" لخزيه و عاره الابدي و الشعب لن يتركه طويلا حائرا.

فقد صرخ بهذه الكلمات المختصرة و الحاسمة "اصلبه". اما الوالي الذى اذهله ان يرى النتيجة بعكس ما توقع يناديهم بهذا السؤال غير المجدي "واي شر عمل ؟" لكن الشعب لا يتفضل باجابة على صوت القاضي فيكرر بوقاحة اشد "اصلبه اصلبه".

و يظهر بيلاطس و كأنه يريد ان يقول شيئا و لكن الجمع الذى كان يملك الموقف، يرفض ان يعطيه فرصة و يغرق صوت الوالي وسط الصيحات المدوية و عبثا حاول ان يجعل كلماته تبلغ مسامعهم و يلجأ الرجل المستسلم و الخائر النفس الى عمل تقليدي، فيطلب ماءا في وعاء و يغسل يديه امام الجميع و هو يصيح بأعلى صوت الى الغوغاء الثائرين "اني برئ من دم هذا البار، ابصروا انتم"

وهذه الشهادة الجديدة عن براءة رئيس كهنتنا الاعظم كما جاءت من على فم القاضي فيها كل الكفاية لنا، كما ان رغبة بيلاطس الشديدة و محاولته الصادقة ان ينجي نفسه من جريمة الحكم على يسوع البار انما تعمل على تقوية ايماننا، و لكننا في غاية التأثر من منظر الرجل المسكين الكئيب و هو ينوء تحت وخزات الضمير، و يحاول عبثا ان يغسل يديه من بقع الدماء.

و يصيح قائلا "اني برئ" و لكن ماذا يفيد هذا التصريح و الضمير من الداخل لا يوافقه عليه ثم يغسل يديه.. و انى لك بالينابيع التي تفيض مياها تستطيع ان تطهر من البقع التي تتلوث بها يداك؟! و بالحق يوجد ينبوع واحد يستطيع ان يفي بالغرض و لكن بيلاطس يجهله تماما.

و يستطرد بيلاطس "ابصروا انتم" و هو بذلك يلقي تبعة هذا العمل الاثيم على روؤس اليهود، و يرد على الكهنة و الكتبة بنفس الكلمات التي اجابوا بها على يهوذا في قسوة و عدم مبالاة وهو في مرارة يأسه. و تقع هذه الكلمات على نفوسهم ليس بدون تأثير، و لكنهم يعرفون كيف يخفون حيرتهم و خجلهم في طيات صوت مرعب اثيم "دمه علينا و على اولادنا" و بينما يصيحون بايعاز من ابليس يضم الجمع كله صوته معهم.

انه امر مرعب حقا! وما دامت الشمس و القمر فلن تسمعا كلمات اشد هولا من هذه، بها يطلب الانسان اللعنة و الدينونة لنفسه.

لقد اتى دم هذا البار على رؤوس قاتليه عندما حولت مشاعل الرومان المدينة المتكبرة اورشليم الى رماد. و لم تكف الاخشاب الكثيرة التي جلبوها ليصنعوا منها صلبانا ليصلبوا ذرية ابراهيم عليها! كيف اتى عليهم دم رئيس السلام الذى سفكوه عندما تبددوا كالعصافة الى اربعة زوايا الارض و حكم عليهم من ذلك الحين ان يطوفوا هائمين على وجوههم بدون وطن، و موضع ازدراء لكل الشعوب!!

و عندما نراهم اليوم شعبا منفيا طريدا تمت فيهم نبوة هوشع "بلا ملك بلا رئيس و بلا ذبيحة و بلا تمثال و بلا افود و ترافيم".أليس و كأننا نقرأ سر نفيهم على جباههم "دمه علينا و على اولادنا"

و اعلن الشعب ارادته بتصميم شيطاني و ختم على مصيره و جلب اللعنة على نفسه بصورة لم يكن نظيرها في الشر، و لم يعد في مقدور الوالي ان يصمد امام هذا التشديد من جانب الجمع "فبيلاطس اذ كان يريد ان يعمل للجمع ما يرضيهم فحكم ان تكون طلبتهم"

و هذه هى النتيجة التي آلت اليها كل التحذيرات القوية الخطيرة التي قدمت لبيلاطس لقد تأكدت لك براءة يسوع و نقاوته بشهادات قوية، و اتاه تحذير من عالم الرؤى و الاحلام على فم زوجته و من ضميره الذى كان يتكلم اليه من الداخل، و مع ذلك نرى منه هذه الجريمة الشنعاء و هذا التخاذل و الجبن و الاذعان المخجل لارادة السوقة و الغوغاء!

و اصبح باراباس الان حرا رغم انه لا يزال يجهل القرار الذى اتخذ لصالحه خارج جدران السجن، و لا يدري شيئا عن القرعة الحسنة التي قسمت له، و بينما كان في انتظار الجلاد ليقطع رأسه اذا برسول من السلطات المدنية يدخل اليه و وجهه يفيض فرحا، و يعلن له النبأ السار الذي لا يكاد يصدق انه قد اطلق سراحه و ان حياته و انه قد اطلق سراحه و ان حياته قد انقذت و ن ذلك الشخص الكامل قد اخذ مكانه و سار في طريق الصلب عوضا عنه

و نرى في البشير الذى خبر باراباس صورة للمبشر الحقيقي، نعم اعلموا هذا ايها المساكين بالروح يا من تئنون تحت ثقل خطاياكم و تصرخون في طلب الرحمة، اننا نقدم لكم رسالة مماثلة لتلك التي تلقاها باراباس، بل اعظم و امجد بكثير، فبعد ان صنع المسيح المبادلة العجيبة معكم اوصانا الله ان نخبركم في كلمات واضحة، انه من اللحظة التي اخذ فيها يسوع القدوس مكانكم صار لكم ان تتمتعوا بكل الحقوق و الامتيازات التي لرعايا مملكته اذا امنتم بصليبه و بكفارته، و بذلك تصيرون متبررين في نظر الله مقبولين امامه. هذا نعلنه لكم و بالحقيقة ليس نحن و انما كلمة الله الصادقة في عبارات واضحة و ندعوكم باسم الرب ان تؤمنوا بهذه الكلمة و ان تبتهجوا بها لمجد المسيح.

و ماذا فعل باراباس بعد ان تلقى الاخبار السارة؟ و ان كان الكتاب لم يخبرنا لكننا نستطيع ان نتصور بسهولة ماذا حدث، ان قال في نفسه: "من المستحيل ان يكون هذا لمجرم نظيري"، و ابدى مقاومة عندما جاءوا لينزعوا عنه السلاسل، فبماذا نصف مسلكا كهذا؟ قد تقولون انه تصرف من فقد وعيه و لكم حق في ذلك، و لكن ما اخشاه ان ينسب للبعض مثل هذا اللوم، هبوا ان باراباس رفض باحتجاج رسالة البراءة التي جاءته، انه بذلك يكون قد اهان المبشر و السلطات التي ارسلته و اعتبرهم جميعا كاذبين.

و لكن هذه هي حالتك يا صديقي. يا من بشكوكك ترفض نعمة الله التي بالمسيح و انت بذلك لست تشك فقط في رسول بشرى و لكن في الروح القدس الذي يتكلم اليك في الكتب المقدسة، و تشك في رسل الرب الذين يشهدون بوضوح عن رحمة الله، و تشك في المسيح ذاته الذي يؤكد لك ان كل من يؤمن به يخلص، بل انك ايضا تهين مجد الله و كأن الله قد قدم لك خلاصا غير كامل.

و انت يا من تكون مثل بارباس لا تزال تتخبط في ظلمة الجب بسبب القلق الداخلي و الخوف و الحزن اذهب و افعل هكذا آمن برسالة الانجيل و بنعمة المسيح تتحرر ابديا من لعنة و الدينونة لا تصغ فيما بعد لشكايات ابليس و افتراءات العالم بل تلذذ بثمرة شفاعة بديلك و نائبك العظيم. عش في سلام و ابتهج على رجاء مجد الله.

3 فبراير 2013

تفاصيل المحاكمة



لم تزل ظلمة الليل تغطي اورشليم و معظم اهلها في سبات عميق .. في هذا الوقت من الليل و على غير العادة اجتماع على مستوى عال في قاعة الاستماع الفسيحة. انه مجلس من سبعين من رؤساء اسرائيل يرأسهم رئيس الكهنة وظيفته ان يقرر العدالة بحسب كتاب الناموس و باسم الله العلى. و كان الواجب الاساسي لهؤلاء ان يتأكدوا من اتمام الفرائض، و ان يحكموا في المنازعات القضائية بين الاسباط ، و بلا شك فانه من حقهم ان يحضروا امامهم رجلا قال عن نفسه انه المسيا ليفحصوة بكل دقة، و لم نجد ابدا ان القدوس كان يناقشهم في حقهم ان يفعلوا ذلك.
و امام هذه المحكمة العليا يمثل مخلص البشرية و هو موثق بالسلاسل، و لكنهم كانوا قد عقدوا النية ان يسلموه للموت. لماذا؟ لقد كان يفسد ألاعيب هؤلاء القوم المتكبرين الذين يحاكمونه الآن، و كان يوبخهم على اعمالهم الصادرة عن انانية بغيضة ، و يزعجهم في اوكار خطاياهم و لا يوافق على طريق الضلال التي يسلكونها، و يدين افعالهم الجسدانية الشريرة، و يكشف لهم عن حاجتهم الى ذلك البر الذي به فقط يمكنهم الوقوف امام الله، و من اجل هذه الاسباب يبغضونه و يطلبون شهودا ضده. و ترى اي شهود سيحضرونهم؟ انهم يهود لا يناقضون فقط احدهم الآخر في كل كلمة، بل كانوا يناقضون انفسهم! في حين ان الشهود الذين نستند نحن عليهم ليقفوا في جانب ايماننا هم الانبياء و البشيرون و الرسل و الاف الشهداء الذين رنموا له تسابيح الحمد وسط النيران.
ويحاول المجلس بمشقة ان يلبس جريمته مظهرا من مظاهر العدالة، و يجد صعوبة في ايجاد الشهود ضد يسوع ، و يدفعهم اليأس الى ان يلجأوا الى وسيلة في منهى الضعة، فأغروا جماعة من المرتشين و حرضوهم ليكونوا شهود زور، لكي يلصقوا تهمة كاذبة بهذا القدوس، و لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد فضحوا انفسهم و الذين استأجروهم، و لم يعملوا اكثر من انهم اضافوا براهين جديدة على براءة المتهم، و كل ما اوردوه كان يحكم على نفسه ببطلانه، و حتى ما ذكروه من تهم لم يكن لناموس موسى ان يدينها، و يزداد ارتباك الشهود، و يناقض احدهم الآخر ضد ارادتهم.
و يجد المجلس الموقر نفسه الان في ورطة اليمة و في النهاية يقدم شاهدا زور على امل ان يسدوا النقص في توفر الادلة في كلام الشهود السابقين، بعبارة وردت في كلام الرب قبل هذا التاريخ بعام، و هى الكلمات الواردة في (يو2: 19) "انقضوا هذا الهيكل و في ثلاثة ايام اقيمه" و قد اساء اليهود حينذاك فهم هذه العبارة بارادتهم ليجدوا عليه فرصة ، فقالوا "في ستة و اربعين سنة بنى هذا الهيكل و انت في ثلاثة ايام تقيمه؟" و لكن كما يقول البشير "انه كان يتكلم عن هيكل جسده" و كان الشاهدان يظنان ان هذه العبارة تصلح، ليس فقط في اظهار المتهم بمظهر المفتخر الشرير، بل ايضا بارتكابه جرما ضد عظمة الله بتجديفه على الهيكل.
ومع كل هذا لم يجد رئيس الكهنة الجرأة الكافية لينطق بالحكم عليه مستندا على ادلة واهية و موضع شك كهذه، و كان ضميره لا يزال يعلن له ضعف و تفاهة هذه الشهادات الاخيرة ايضا. و كان يعلم في نفسه ان الشعب لن يقتنع بهذه المحاكمة، كما ان الهدوء العجيب المؤثر الذي ظهر به المتهم عندما واجه الاتهام الخبيث لهذين الشاهدين منع القاضي ان ينطق بالحكم. و في النهاية كان كل ما جرى في المحاكمة في جانب مجد الرب ، الامر الذي جعل قداسته، التى لا تشوبها شائبة، واضحة كل الوضوح امام انظار الجميع، نعم فهو حمل الله الذي بلا عيب.
و يلتفت القاضي بنظرات عابسة اراد بها ان يخفي حيرته و ارتباكه و لو قليلا، ثم يوجه سؤالا الى المتهم "اما تجيب بشئ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟" و يخبرنا الكتاب ان يسوع "كان ساكتا" و ما ابلغه من صمت! و لماذا يتكلم كثيرا بينما شهد له اعداؤه، على غير ارادتهم، بقوة حتى لم تعد بعد حاجة الى ان يبرر نفسه؟!
فبقى ساكنا.

2 نوفمبر 2012

الحديث في الطريق



تركنا الرب آخر مرة و هو في طريقه الى البستان الموحش الذي اعتاد ان يميل اليه في ظلام الليل و سكونه ، و كان ذهنه منحصرا في الموت الذي يقترب منه، و يلتف حوله التلاميذ كما هي العادة حين تحين ساعة الافتراق، عندما يطغى الحزن على الذهن المثقل ، و يصبح الحديث نادرا، و الكلمات قصيرة المقاطع تتخللها فترات طويلة من الصمت المطبق ، و لم يكن الرب يفكر في نفسه او في الامه التي اوشكت ، فهذه يضعها في مؤخرة ما يهتم به ، و لكن ما كان يؤثر فيه اكثر من كل شئ هو محبته و اهتمامه بالقطيع.
و يحول الرب نظره الى بطرس الذي بدا اكثر الكل حزنا ، و يعد اقربهم الى نفسه، فيقول له "سمعان، سمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة" (لو22: 31). ما ارهب هذه الكلمات التي زاد من رهبتها ظلام الليل و الظروف التي قيلت فيها! ففي نفس اللحظة عندما كان سيفترق عنهم معينهم و قائدهم الوحيد ، يتلقون هذا النبأ ، ان اشد الاعداء رعبا يقترب منهم، و اثارت كلمات الرب دهشتهم ، و ادخلت الروع في قلوبهم "الشيطان قد طلبكم".
يسمح الرب احيانا ان يستخدم الشرير قوته ليجرب المفديين الى درجة معينة ، و يفعل الرب ذلك لكي يثبت لقوات الظلم الحصانة التي يتمتع بها الذين يستودعون ذواتهم له؟ و في هذا تمجيد لاسمه، كما انه مرات يريد ان ينقي اولاده في بوتقة التجارب ليصبحوا لامعين كالذهب و بذلك يدخلهم الى شركة اعمق.
هذه هي المحنة التي تعرض لها التلاميذ، و كان المجرب قد راهن من البداءة انه لو اعطى الفرصة ، لجعلهم جميعا يرتدون على اعقابهم.
و كأن الرب يرى الدوامة الجهنمية التي تدور حول رؤوسهم، و لم يرض ان يخفي الامر عنهم لئلا يؤخذوا بالهجوم المباغت، فيقول لهم في كلمات لا يشوبها الشك، موجها نظره بنوع خاص الى بطرس ، الذي كان هدف هجوم العدو "سمعان ، سمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة".
لقد اصبحوا الآن على علم بخطة العدو، و ليتهم يضعون على قلوبهم كل مقطع من هذه الكلمات، التي نرى فيها انذارا و تعزية يختلطان معا بكيفية عجيبة، فيقول لهم انهم "كالحنطة" سيغربلون، و هذه العملية كما هو معروف تفرز التبن بعيدا بينما تبقى حبوب الحنطة الثمينة ، و على ذلك فالنتيجة على خير ما يرام، و سوف يسفر الامر عن تنقية و تطهير ، ليس بحسب خطة الشيطان، و لكنه يعزى تماما لتدخل النعمة الالهية. فالذين يغربلون هكذا ، يغلبون حقا و لكن بعد ان يجتازوا في الضيق و يحسوا بضعفهم، و من ثم يعرفون بالتحقيق الى من يعزى اكليل انتصارهم.
و دعونا الآن ننصت الى الرب و هو يكمل حديثه، الذي يكشف لنا عن عظمة و عمق محبته، فبعد ان نطق بهذا التحذير المرعب، نظر الى التلاميذ باشفاق و كأنه يريد ان يشجعهم، و قال سمعان "ولكني طلبت من اجلك لكى لا يفنى ايمانك" لقد تعودت البشائر ان تقودنا كثيرا الى مناظر اعمال الرب و معجزاته الفريدة، و كثيرا ايضا ما كشفت النقاب عن احاديثه الهادئة مع تلاميذه المحبوبين، و الاوقات التي مارس فيها وظيفته الكهنوتية، و لكننا هنا نظفر بنظرة الى الرب في عزلته فيب مخدعه، فلم يكد الرب يحس بالهجوم المدبر على التلاميذ و خاصة على بطرس، حتى طلب الاعتزال، و استودع في صلاته التلميذ المعرض للخطر، لحماية و حفظ الاب السماوي ، و كان هدف صلاته الا يفنى ايمان امام حدة عصف التجربة.
و لا يجب ان نظن ان سمعان بمفرده هو الذي حظى بهذا الامتياز دون غيره من المؤمنين، عندما كان سمعان هدف المحبة المتأججة ، و لكنك اذا نظرت الى صلاة الرب الشفاعية في (يو17) سوف نقتنع بغير ذلك ، فاسمعه و هو يصلي "ايها الاب القدوس ، احفظهم في اسمك الذين اعطيتني لكي يكونوا واحدا كما نحن"، "اسأل الا تأخذهم من العالم بل ان تحفظهم من الشرير"، "انا فيهم و انت فيّ، لكي يكونوا مكملين الى واحد" لا تحسب هذه الكلمات بما فيها من جمال هي فقط لاجل تلاميذ الرب انئذ، بل اسمع تكملة صلاته "ولست اسأل من اجل هؤلاء فقط ، و لكن من اجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكونوا واحدا كما انت ايها الاب في و انا فيك".
ان الايمان الذي يعمله الروح القدس في نفوسنا له وعد بالبقاء و الاستمرار بشفاعة مخلصنا، فقد يجرب الايمان و يهتز لكنه لن ينقرض او يمحى، و اراد الرب ان يعرف سمعان هذه الحقيقة مقدما، حتى اذا ما وقع له الهجوم يكون لديه واق، و في حالة الاستسلام يبقى له هذا الحق كقصبة يقفز بها فوق بالوعة اليأس.
       "طلبت من اجلك لكى لا يفنى ايمانك" ، لقد علم الرب ان بطرس سيسقط، و هو يرى فيه الان التلميذ الضعيف الايمان الذي سينكر سيده، و مع ذلك فان احشاءه نحوه احشاء ام رءوم، و كان جل اهتمام المخلص الا يقع بطرس فريسة لليأس بعد سقطته، و اراد ان يشجعه ليرجع اليه في الوقت المناسب، فقال له في اشفاق بينما كان يتطلع الى المستقبل "وانت متى رجعت ثبت اخوتك" فبعد انكارك يمكنك ان تعود لتتعزى براعيك الصالح، اجل بل انك في رجوعك ستكون اكثر قوة، لانك في عودتك ستقوي اخوتك، و ستبقى كما انت تلميذه الذي سيرعى خرافه.
      "متى رجعت ثبت اخوتك" ، لا يمكننا ان نكف عن سماع هذه الكلمات، التي يظهر منها ان بطرس سيصبح فقط تلميذا بالحق بعد ان يسقط، هذه هى الحقيقة و الا لما سمح الله بالسقوط، ان الصفة اللازمة لمن يبشر بالانجيل هي قلب تائب منكسر تماما، لأنه بعد ان ننال الرحمة و تغفر ذنوبنا و تعدياتنا نكون في وضع يهيئنا لكى "نقوي اخوتنا"، و بعد ان نكون انفسنا قد اختبرنا يقينا انه بدون المسيح لا نستطيع ان نعمل شيئا، فعندئذ فقط نستطيع ان نكون مبشرين قادرين ايضا ان "نجبر كسر القلوب"، و ان نشدد الركب المخلعة.
       اما سمعان فلم يدخل في روح كلمات السيد، فنراه يصيح بغضب و كأن تهمة قد الصقت به، او جورا قد لحقه، "وان انكرك الجميع انا لا انكرك، انا مستعد ان اذهب معك الى السجن و الى الموت" جميل جدا ، و لكن ما اكثر الثقة بالذات! و مع ذلك فكانت غيرة اشتعلت في قلبه نحو سيده اود لو انها تعمنا بالمثل.
كانت رغبة مقدسة هي التي املت على بطرس كلماته ، و لكن كم فيها من المبالغة في الوعود! ألم يصل يسوع لاجله لكي لا يفنى ايمانه؟ بلى ، و لو كان بطرس قد اقام ثقته على هذا الاعتبار لظل امينا مخلصا في عهده حتى الموت، لكن سمعان تباهى بقوته، و كان يعنى ان يقول "ان محبتي لك دليل على اني لا انكرك" آه ان قلب الانسان اخدع من كل شئ ، و الذي يعتمد على المشاعر انما يستند على عكاكيز مكسرة، فمهما يكون شعورنا و احساسنا بما لنا من قوة و غنى روحي، لا ينبغي ان نعد بشئ في اعتماد على الذات، و لا ان نضع اقدامنا على المياه حتى يدعونا الرب و يأمرنا بان نفعل ذلك، و يمد لنا يده بالمعونة، فالرب لا يعرض ايماننا للخزى و لكنه ملجأ امين لنا وسط العاصفة.
و لم يكد بطرس يعلن في سذاجة ، تصميمه البطولي حتى سمع تحذيرا آخر من فم السيد ، فأخبره الرب في صراحة "اقول لك يا بطرس، لا يصيح الديك قبل ان تنكر ثلاث مرات انك تعرفني".
لقد سبق الرب فرأى انكار بطرس، و امر الديك ان يحفزه للتوبة، ليعود اليه ثانية، و يجعله يذرف دموع التوبة، و هكذا امتدت محبة الرب المشفقة ابعد من التجربة و اعدت بلسما للجراح التي سببها الانكار.
بعد ان فرغ الرب من الكلام مع بطرس، و بعد ان اعد العدة لرجوع التلميذ الغيور في زمان التوبة، تحول للتلاميذ و قال لهم "عندما ارسلتكم بلا كيس و لا مزود و لا حذاء هل اعوزكم شيئ؟" لم يتذكر التلاميذ ان شيئا ما اعوزهم، و بكل سرور اعترفوا بما فيه كرامة سيدهم و قالوا "لا" لقد تصرف الرب معهم كما يفعل عادة مع اولاده عندما يقودهم برفق و عناية ابوية.
و يقول مشيرا الى حياتهم المستقبلية "والان من له كيس فليأخذه و مزود كذلك، و من ليس له، فليبع ثوبه و يشتر سيفا"
و ماذا تعني هذه الكلمات ؟ انه يعلن للتلاميذ ان الحروب و المخاطر، الضيقات و التجارب المتنوعة تنتظرهم، و ينبغي ان يستعدوا لها، و لكن ينبغي عليهم ان يستودعوا نفوسهم له بالتمام، فهو صديقهم الذي لمسوه امينا دائما في وقت الشدة، فيلزمهم بجانب الصلاة و انتظار مجيئه، ان يستخدموا وسائل الحياة العادية، فمن كيس لا ينبغي ان يطوح به، بل يجب عليهم ان لا يحتقروا الامكانات البشرية من عزيمة و شجاعة، و حكمة و تدبير و بعد نظر.
و يذكرهم الرب ان طريقه سيفضي به الى احتمال الالم "لأني اقول لكم انه ينبغي ان يتم فيّ ايضا هذا المكتوب و احصى مع اثمة، لأن ماهو من جهتى له انقضاء".

1 نوفمبر 2012

في الطريق الى جثسيماني

لقد فرغ الرب من تقديم عشائه المقدس الى التلاميذ، ثم رنم مع تلاميذه في سكون الليل تسبحة الشكر التي تتألف من المزامير (115- 118)، كما جرت العادة في اعياد الفصح، و هذه هي المرة الاولى التي نرى فيها السيد يرنم . لقد قدس الرب الموسيقى في الكنيسة، فالترنيم هو عطية السماء الثمينة للارض، هو لغة الوجدان و نفحات النفس التي تشعر بالسرور و السعادة. انه كنسمات الربيع عندما تهب على السهول الثلجية فتجعل القلوب الصخرية تذوب كالشمع و تحولها الى بقعة خصبة صالحة لنمو بذرة الحياة.
وبعد ان سبحوا "خرجوا الى جبل الزيتون" و يسير المخلص في سكون الليل و ظلامه يرافقه التلاميذ في تأثر عميق بما جرى في العلية ، و لكن في نفس الوقت كانوا في غاية الابتهاج بكلمات النعمة التي فاه بها السيد و المعلم السماوي . و عندئذ قطع الرب حبل الصمت العميق و قال لتلاميذه "كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لانه مكتوب اضرب الراعي فتتشتت الرعية"، و في هذه الكلمات يوضح الرب وجهة النظر التي استوحى منها الامه التي كان مقبلا عليه.
كانت ترتسم امامه بوضوح نهاية الامه و غايتها "استيقظ يا سيف على راعيّ و على رجل رفقتي يقول الرب ، اضرب الراعي فتتبدد الغنم و ارد يدي على الصغار"(زك13: 7).
ان الرب كان يعلم جيدا ان الامه ستثير الافكار، و اذ ذاك قال "كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة". يخطئ الفكر و يعجز عن ادراك الامور الالهية الى ان يحصل القلب على البصيرة الحية كأمر لازم لا غنى عنه، ينبغي اولا ان نشتهي الخلاص، كما فعل زكا و اللص على الصليب، و عندئذ ترن هذه الكلمات في اذنيك بنغمة جديدة "اني اضرب الراعي".
و يخبرهم الرب ان الكتب المقدسة و من وراءها مشورة الله سوف تتم من جهة الآمه، و يا لها من دعامة قوية سند الرب بها تلاميذه لايام الحزن، و بها حفظ ايمانهم من ان يتحطم تماما، اخبرهم انه على الرغم من ان غنم القطيع سيتشتت لكنهم سيظلون كما هم قطيعه، و لن يتركهم بسبب عدم امانتهم، و اعلن لهم انه عندما يخرج ظافرا من الآمه، فانه سيعود و يجمعهم حوله في سلام و فرح. آه، كم نكون في امان عندما نستودع نفوسنا لعنايته الفائقة؟ قد يحدث احيانا ان يساورنا الشك ، فنفترق عنه الى حين لنتبع طرقنا الخاصة ، و لكنه لا يتركنا طويلا شاردين بل يعود فيطلبنا لان كلامه يبقى كما هو لكل غنم قطيعه "لن تهلك الى الابد و لا يستطيع احد ان يخطفها من يدي".
و يقول الرب "ولكن بعد قيامي" انه يتطلع بثقة و ابتهاج الى المستقبل القريب، ليرى عبر بحر الامه الخضم النصر الذي سيحرزه سريعا.
"ولكن بعد قيامي اسبقكم الى الجليل" فالجليل اذا هو مكان الالتقاء حين يعود يجتمع بهم، و هناك لن تكون له بعد كأس الالم يتجرعها، و لا اتباعه يشكون فيه، و هو ليس بعد رجل الالام و انما سيكون متسربلا بالبهاء، فيقابل اتباعه المحبوبين و يحييهم تحية السلام.
"ساسبقكم الى الجليل" حتى نحن لنا شئ في هذه الكلمات ان كنا نستطيع ان نقرأ بين السطور "بعد قيامي"، بلا شك ان هذه القيامة ننتظرها لا تتأخر، فسيأتي الوقت عندما عندما يرفع ملكوته من الارض و يستعلن ذاك الذي على رأسه تيجان كثيرة، بعد ان اكتنفه الحزن طويلا، فبعد ان يضع اعداءه موطئا لقدميه، و يجمع مختاريه من الرياح الاربعة ، ويقيد الشيطان و يغلق عليه في الهاوية ، فعندئذ نمضي نحن الى جليل السلام و الفرح حيث نعاين وجها لوجه ذاك الذي و ان كنا لا نراه الان لكننا نحبه، و سوف نقابله بترانيم الابتهاج.
و على الرغم من اننا نشاهد لمحات من هذا المجد و نحن على الارض ، لكننا ننتظر جليلا آخر حيث سبقنا هو اليه، و الذي قد يكون اقرب الينا من الاول، اعني به ذلك الجليل الذي على شواطئه يلقي كثيرون من السياح المتعبون مراسيهم. و هناك يمسح يسوع آخر دمعة من عيون المسافرين الذين يحطون رحالهم هناك حيث يشيدون بترنيمة "الحمل المذبوح" على الدوام و يبتهجون بالدم الذي فيه قد اغتسلت ثيابهم و تبيضت.
ايه ايها الجليل الذي فوق السحاب حيث في ربوعك يتم اتحاد كامل بيسوع موضوع محبتنا. و كم يجعلنا التفكير فيك سعداء مبتهجين و نحن نعبر في سياحتنا وادي الدموع! ايها الجليل الرابض فوق السحاب طوبى لمن سبقه يسوع ليعد له مكانا في اوديتك الدائمة الاخضرار. و فوق روابيك التي لا تنحسر عنها الشمس.
و قد تقول : طوبى حقا. فقط لو كنا واثقين من اننا سنرسو هناك اخيرا. ان كنت لست واثقا بعد فلا تتوانى عن طلب التأكيد من الرب، ففي كل زمان و مكان يميل اذنيه اليك حيث يسبقك الى هناك ليتقابل معك و يباركك. ان كلمته تعلن لك اننك ستراه وجها لوجه و هو يريد الان ان يمتعك بباكورة من المجد العتيد، اقترب منه اذا و اقبل من ملئه نعمة فوق نعمة، تأكد و ابتهج بحضوره و ثق في رغبته ان يأخذك اخيرا الى بيته الابدي حيث ملء الفرح الى ابد الابدين.

26 أكتوبر 2012

طعنة الحربة


اذ نعود الى مشهد الالام فوق الجلجثة، نجد تغييرا عظيما قد حدث، الصمت المطبق يخيم على الصلبان الثلاثة، و الموت نشر اجنحته السوداء على المصلوبين، و تفرق الجمع الذي كان محتشدا في مكان الصليب، و هم في تأثر عميق وندم بالغ، و يبدو انه حتى الرفقة القليلة من النسوة المخلصات، بعد ان كدن يقعن حائرات من فرط الحزن و الالم، قد رجعن الى المدينة، و لذلك لا نجد هناك سوى الحراس الرومان، و معهم التلميذ الذي كان يسوع يحبه، الذي بعد ان آوى مريم في بيته الآمن، لم يستطع ان يقاوم الرغبة الشديدة في العودة ثانية للمكان، حيث كان من تحبه نفسه معلقا على الصليب، ومن تريده ان يكون شاهدا للمشهد الاخير في الجلجثة  افضل من هذا التلميذ اليقظ الذي له العواطف المقدسة؟ انه يدوّن لنا بكل بساطة كل ما رآه.
اما الكهنة و الفريسيون الذين اعتادوا ان يصفوا عن البعوضة و يبلعون الجمل، فانهم ينصرفون عن الجريمة الدموية التى ارتكبوها الى الاهتمام بعادة كانت سائدة في اسرائيل تقضي برفع اجساد المذنبين من على الصلبان، ليدفنوا قبل ان تغيب الشمس، و هذه العادة كانت تستند الى وصية الهية تقول "واذا كان على انسان خطية حقها الموت فقتل و علقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة بل تدفنه في ذلك اليوم لأن المعلق ملعون من الله، فلا تنجس ارضك التي يعطيك الرب الهك نصيبا"(تث21: 22، 23).
و هذه الوصية الغريبة كان يصعب علينا كثيرا تفسيرها لو لم يقدم لنا روح الرب المفتاح لها، و اذ ان الله يعد الذين يعلقون على الخشبة انهم ملعونون منه، فقد دفعت هذه الحقيقة المعتبرين في اسرائيل ان يستنتجوا ان الوصية ترمز الى شئ معين، لأن الانسان الشرير الذي لا يقدم للموت بهذه الوسيلة لا يمكن اعتباره انه اقل لعنة من آخر يعلق جسده علنا امام الجميع، ومن هنا نجد ان الوصية الالهية يدفن الجسد والوعد المتضمن فيها: ان توارى اللعنة من على الارض بدفن الجسد، قد اماطت اللثام عن رجاء معز انه بالحق في الامكان محو الخطية و ازالتها.
لكن، بديهي ان الامر لا يمكن ان يتم بمجرد دفن المذنبين الذين قضوا نحبهم، لذلك خطرت بالبال الفكرة ان زوال اللعنة، بحسب المشورة الازلية، سيتحقق في المستقبل بموت و دفن شخصية بارزة يحيطها الغموض، و هذه الافكار التي خطرت للمؤمنين من اليهود كانت تتفق مع فكر الله الذي لم يكن يقصد بالوصية الخاصة بدفن المذنبين الذين يقتلون و يعلقون، الا اشارة عن فداء المسيح في المستقبل "المسيح افتدانا من لعنة الناموس اذ صار لعنة لاجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة لتصير (بدلا من اللعنة) بركة ابراهيم للامم في المسيح يسوع"(غلا3: 13، 14).
ولهذا فكم يبدو لنا المشهد في الجلجثة عميقا في معانيه! والقوم الذين يقومون بدورهم هناك، انهم في الحقيقة لا يعلمون ما هم يفعلونه، و لكن هذا لا يمنع من ان يكونوا منقادين بيد العناية الالهية. و هكذا نراهم يمضون بنفس واحدة الى بيلاطس و يطلبون اليه ان تكسر سيقان المذنبين الثلاثة.
و لا يتردد بيلاطس ان يجيبهم الىطلبهم و يرسل للفور مجموعة من العسكر الى ساحة الصليب، ليكسروا سيقان المذنبينو يتأكدوا انهم قد ماتوا فعلا و كان هذا يعد عمل رحمة للمصلوبين، ليعجلوا بموتهم بأن تكسر سيقانهم بقضيب من الحديد، و بعد ذلك يضربونهم على صدورهم الضربة القاضية، و بعد ان اتموا هذا العمل مع المذنبين الآخرين جاءوا الى يسوع، و كانت الادلة تشير بوضوح انه قد مات، و لم تعد بعد حاجة الى كسر ساقيه خاصة وان واحدا من العسكر طعن جنبه بالحربة.
ويبدو ان هذا العمل ليست له اهمية تذكر ، و لكن يوحنا البشير الذي حرص على تدوينه ينظر اليه نظرة مختلفة، فهو يرى في هذه الحقيقة المزدوجة عدم كسر ساقي المخلص و طعنه بالحربة في جنبه، تدخلا الهيا تمت به نبوتان من العهد القديم، فيقول "لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه" و هذا قد ذكر عن خروف الفصح (خر12: 46).
وفي طعنة الرمح يرى البشير اتمام نص كتابي آخر، فيستطرد قائلا "وايضا يقول كتاب آخر سينظر الى الذين طعنوه" اذ تأتي الى ذاكرته كلمة الرب على لسان النبي "وافيض على بيت داود و على سكان اورشليم روح النعمة و التضرعات فينظرون الى الذين طعنوه"(زك12: 10).
والمعنى الوحيد الحقيقي لهذه الكلمات التي ذكرت بروح النبوة، قد صار واضحا للكثيرين، و سيكون هكذا لكثيرين غيرهم بل للعالم كله، اما في يوم النعمة او في يوم الدينونة، فالذين انكروا على المسيح حقه في الاكرام اللائق به اما ان يستنيروا بالروح القدس و ينظرون اليه بعيون باكية وقلوب ضارعة و الا فانهم سيختبرون ما سبق و اعلنه الرسول في سفر الرؤيا "هوذا يأتى مع السحاب و ستنظره كل عين و الذين طعنوه و ينوح عليه جميع قبائل الارض، نعم امين".

23 أكتوبر 2012

الاعتراف العظيم


نعود الآن الى قاعة اجتماع السنهدريم حيث تدور محاكمة يسوع، لحظة ساد فيها صمت عميق مطبق، و لكن حتى هذه الفترة من السكون كان لها معناها، فقد ملكت الحيرة و الارتباك على كل عقل، و شهود الزور قد فرغوا من اداء دورهم المشين ووقفوا بلا حياء، و آلت شهادتهم المتناقضة الى خزيهم وعارهم، وطول اناة المتهم التي تدل دلالة واضحة على براءته، اخجلت اعداءه تماما.
وتتجه الانظار الآن الى رئيس المجلس الذي يجد نفسه في موقف محرج، معذبا من جراء القلق لاجل حفظ هيبة وظيفته، و الخوف من عواقب هذه الامور كلها، و يحاول في ذهن مشوش ان يتغلب على العقبة، و يخرج من المأزق.
كانت هذه هى الصورة التي انتهت بها المحاكمة التي اجريت ضد قدوس اسرائيل. و انني اتساءل الآن من خسر القضية يسوع ام قضاته؟ ان موقف العالم ضد يسوع سوف ينتهي بطريقة مماثلة، و ستكون النهاية اليأس المطبق و الارتباك لكل الذين يقفون ضده.
ان رئيس الكهنة الآن في حيرة شديدة وتدور الافكار برأسه كدوامة عميقة، و فجأة تتبادر الى ذهنه فكرة يعتبرها مخرجا من المأزق، فيخطو بضع خطوات للامام و يطلب منه باسم الله العلى ان يشهد ان كان هو حقيقة المسيا كما اعلن عن نفسه، او انه مجرد نبي كاذب و منافق، ان هذا يدعو لسرورنا نحن، وان كان هذا الاجراء قد جاء نتيجة لليأس اكثر من كونه تفكيرا هادئا، الا ان الجمع اعطى اهتماما احرى لان اخطر لحظة في كل هذه المحاكمة قد حانت، و يفتح رئيس الكهنة فاه لينطق باعظم سؤال فيقول ليسوع "استحلفك بالله الحى ان تقول لنا هل انت المسيح ابن الله؟" تلك كانت صيغة القسم القانوني ويطلب رئيس الكهنة من يسوع ان يقدم شهادته، و هو بذلك قد جعل اساس الديانة المسيحية محور السؤال.
كان على يسوع ان يشهد ان كان هو المسيح – المسيا المنتظر، و كان قيافا يعلم ان هذا الاسم الذي هو موضوع النبوة، ستتحقق فيه كل النبوات، و انه سيكون انسانا كما هو "الرب من السماء". كان يعلم ان المسيا سيكون ابن الله، و ليس غيره في السماء و على الارض يتسمى بهذا الاسم، و هو لن يكون فحسب مشابها ليهوة، بل مساو ليهوة، و من ثم فهو الله نفسه، و من وجهة النظر هذه يقدم قيافا سؤاله قائلا "هل انت هو؟" و هو ينوي انه ان اجاب يسوع بالايجاب، فسيكون له الحق ان يوجه له تهمة التجديف.
هل وجه ليسوع سؤال اعظم واخطر من هذا؟ لو ان سؤال رئيس الكهنة اجيب عنه بالنفي اما كان في ذلك زوال وفناء لكل رجاء لنا، وكان كصاعقة تنقض فوق حصن تعزياتنا، واما كان صرح خلاصنا قد انهار، وطوح بنا بين انياب اليأس؟!.
وفي هذا المشهد يقف يسوع امام مجلس الامة اليهودي، و يبدو لكل عين انه "دودة لا انسان"، و العظمة و الكرامة تبدو انها تستقر فقط على كل الذين حوله، و لكن عليه لا نلاحظ شيئا سوى الاتضاع و الفقر، انه يقف هناك و رأسه مطأطأ و يداه مربوطتان، كأنه لص يحيط به قوم مسلحون، و يمثل بينهم و يكاد يصيبه الخوار بسبب الاعياء و الالام التي احتملها حتى تلك الساعة، متروكا عن الاصدقاء، يعيره و يسبه الاعداء، وكأنه ضالة الارض، ولهذا الانسان المحتقر و المرذول يقدم السؤال من الرجل الاول بين شعبه رئيس المجلس، ان يحلف باسم الاله الحي هل هو ابن الله؟
وفي هدوء تام يفتح فاه، و بهيبة يقدم شهادته امام عرش الله الحى "انت قلت انا هو".
هنا يقدم يسوع الاعتراف العظيم، و يا له من تصريح! انه يرفعنا فوق كل شك و خوف، و يثبت ايمانا على اساس ابدي، و فيه ضمان و ختم لفدائنا، وحتى لا يدع الرب ظلا من الغموض يكتنف المعنى الحقيقي لشهادته، يستطرد قائلا "من الآن تبصرون ابن الانسان جالسا عن يمين القوة و اتيا على سحابة السماء" و بذلك يزيح النقاب عن المستقبل.
فان كان ما قرره في شهادته هو حقيقي، فانه حق ايضا ان كل من لا يؤمن به سيهلك، و لن يبقى امام كل من يرفض ان يحنى الركبة امامه الا انتظار دينونة مخيف، و غيرة نار عتيدة ان تأكل المضادين، و ان كل من لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله، فالذي اجاب على السؤال امام المجلس قائلا "انا هو" هو الذي يشهد بذلك، و ان كان الاول حقيقيا فكذلك الاخير. فاسرعوا اذا لتخضعوا ذواتكم تحت يده، هلم الآن ، في استناد على قسم المخلص المقدس، و القوا بانفسكم بين ذراعي الوسيط الوحيد.
اجاب يسوع قائلا "انا هو" ، وان لم يكن هو في نفس الوقت حمل المحرقة المزمع ان يتألم لاجل الجنس البشري، لكانت ملايين الاصوات قد ختمت شهادته قائلة "امين"، و لكان السيرافيم بقيثاراتهم الذهبية قد رفرفوا فوقه صارخين "يا يسوع انت هو"، و لكانت الارض التي وضع هو اساسها قد رددت صدى هذه الشهادة.
و بعد ساعات قليلة تغلق ابواب الهيكل ، و تأتي امام الله نهاية تقديم الحملان و التيوس، و يغادر رب السماء و الارض قدس الاقداس الى الابد لانه مصنوع بالايادي، ليجعل مسكنه في كل قلب تائب منكسر.
ويمزق رئيس الكهنة ثيابه و يقول "ما حاجتنا بعد الى شهود" و للانسان حق في ذلك، فلو كان يسوع قد اعلن عن نفسه انه هو ابن الله و ديان العالم بدون حق، لاعتبر مجدف، و لكن يا قضاة اسرائيل هل من المحتم ان تكون شهادته عن نفسه كذبا وزورا؟! و لماذا يعد عندكم امرا لا يصدق ان يكون هو الرب من السماء الذي تكلمت عنه النبوات؟! و هل يوجد في حياته ما يناقض هذا الاعلان الصريح؟
هذه هى الاسئلة التى نضعها امامكم يا قضاة اسرائيل ، و لكنكم لم تريدوا ان ها يملك عليكم.
و يتساءل رئيس الكهنة قائلا "ماذا تريدون؟" فيجيب المجلس بصوت واحد "انه مستوجب الموت".
واضع امامكم  هذه الكلمات التي سجلها الكتاب، فاما ان ترفضوا يسوع موافقين على حكم السنهدريم المتعطش للدماء، و اما ان تصرخوا قائلين "اوصنا" للناصري المتواضع، فهو الله الظاهر في الجسد. ان شهادة يسوع التى اعلنها بقسم امام رئيس الكهنة هي الصخر الراسخ الذي عليه يتأسس ايماننا.

المسيح امام حنان


يسوع موثق بالاغلال! هل نستطيع ان نصدق عيوننا؟ الاقتدار يقيد بالاغلال و الخالق تربطه خليقته، رب الخليقة اسير بين صنعة يديه! ما كان ايسر عليه ان يحطم تلك الاغلال اسرع مما فعل شمشون قديما! لكنه لا يفعل ذلك و يرتضي ان يسلم نفسه الى ايدى اعدائه، كانسان ليس له قوة مغلوب على امره. ان هذا الخضوع و التسليم الاختياري لابد وله هدف عظيم.
تأملوهم وهم يسيرون في احساس بالنصر ، و اسير في ايديهم، و يمضون به اولا الى حنانيا رئيس الكهنة المتقاعد ، حمى قيافا، خاطئ في المائة من العمر.
و يمثل الرب للمحاكمة امام قاض من اشر الناس و اتعسهم، تباعد عن حق الله، و يحمل على جبهته سمة اللعنة، و مما لا شك فيه انه لم يكن هينا على نفس القدوس ان يمثل ليحاكم امام انسان كهذا تجرد تماما من كل شعور نبيل. و تأملوا هذا الخاطئ الاشيب و هو يتسلط في غطرسة على رب المجد، و رغم انه لم يكن هو رئيس الكهنة الفعلي، و مع ذلك فنرى يسوع يتحمل في اذعان كل الاهانات التي تعرض لها.
و بعد ان يسمع حنانيا تفاصيل القضية، يسأل يسوع عن تلاميذه و عن تعاليمه، و هو يرجو ان يجد في اجوبته ما يمكنه ان ينسب الى التلاميذ تهمة تكوين اجتماع سياسي خطير، و ان يوجه للسيد تهمة بانه شخص خطير مبتدع ومجدف. وبهذه الاسئلة كان مصمما على اعتبار يسوع متآمرا و زعيم جماعة سرية بصرف النظر عن انه علم جهارا و سار في كل مكان في وضح النهار.
و يجيب الرب على اسئلة رئيس الكهنة بخصوص تعليمه، فهو لا يهمه هنا ان يدافع عن نفسه، و لكنه يرى من واجبه ان يبرر تعاليمه التي هي في نفس الوقت تعاليم الله. و اراد ايضا ان يعلن لكل الاجيال انه قد حكم و عليه و صلب لا لشئ سوى اعلانه انه ابن الله، فيقول "انا كلمت العالم علانية"
و يستطرد قائلا "انا علمت كل حين في المجامع و في الهيكل حيث يجتمع اليهود دائما" ولم يوجد بين اليهود من استطاع ان يثبت انه ينادي بامور لا تتفق مع ما كتب في العهد القديم، او ان تعاليمه لا تمجد طبيعة الله القدوس وصفاته. ان معلمي اسرائيل اضطروا ان يقفوا صامتين امام احاديثه و تعاليمه.
"في الخفاء لم اتكلم بشئ" كلا فلم يكن في كلامه غموض، وما كان فيه من اسرار يتكشف معظمها على مر الزمن، بينما يبقى بعضها مغلق عليه الى هذه الساعة، ينتظر ان تفك ختومه، و الرب يعلم ان هذه الامور ستبقى غامضة و لن يفهمها شعبه، و لكن هذا لم يمنعه ان يتكلم بها. و هذا برهان جديد على انه كان يعلم كل العلم ان تعاليمه هي من الله، و هى لذلك ستبقى الى اواخر الدهور.
ثم قال الرب في ختام كلامه "لماذا تسألني انا، اسأل الذين سمعوا ماذا كلمتهم، هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت انا". و ليس من دليل يشهد بقوة عن نقاوة تعاليم الرب و على انها تعاليم الهية، من انه يطلب الى القاضي ان يستدعي امامه كل الذين سمعوه ، اصدقاء كانوا ام اعداء، ثم يسألهم ان كان لهم ان يقدموا شيئا ضده كاثبات للاتهام. و حتى الى هذا اليوم لا يقدم الرب شهودا من عنده، و لكنه يطلب الى كل من يسمعون كلمته و يقبلونها ان يقدموا شهادتهم، و هؤلاء بنفس واحدة يؤكدون و يثبتون ان تعاليم يسوع هى من الله، و انه لم يتكلم شيئا من نفسه.
و بينما كان الرب يتكلم ، اذا بواحد من عبيد رئيس الكهنة يقوم و يلطم يسوع على وجهه قائلا "او هكذا تجاوب رئيس الكهنة؟" فلم يخف على العبد ان سيده افحم من جواب المتهم البسيط. و كانت هذه اللطمة الوضيعة هي الوسيلة الوحيدة لتخليصه من الورطة المشينة المخزية.
ونحن كثيرا ما نواجه بنفس هذا التصرف ، عندما يعجز اهل هذا الدهر عن مقاومة الحق الذي نعلنه لهم، و لا يكون امامهم الا ان يصفونا بالعناد و الكبرياء، و في مثل هذه المواقف ليس علينا الا ان نستخدم كلمات السيد التى قالها "ان كنت تكلمت رديا فاشهد على الردي ، و ان حسنا فلماذا تضربني".

جثسيماني...الجهاد و الانتصار



الوقت ليل، و قد ترك الرب اورشليم مع الاحد عشر، و هو عالم بكل ما سيأتي عليه، ثم ينزل مع تلاميذه الى بستان جثسيماني، لقد كان المخلص يتأمل ما تشير اليه الرموز و هو يدخل البستان. و من المعروف ان الرب اعتاد ان يختلي في هذا المكان لذلك يذكر لوقا البشير ان الرب "مضى كالعادة" الي جبل الزيتون.
لقد مضى الآن وقت غير قليل منذ سبح الرب مع تلاميذه و على اثر ذلك غادروا العلية في اورشليم ، انه الآن يبدو في صمت و نفسه مثقلة للغاية. واحس كل واحد من التلاميذ بالتغير الذي طرأ على مشاعر السيد ، و لذلك لم يكن غريبا انه على اثر وصولهم باب البستان سمعوه يقول لهم في نغمة من التأثر الشديد "اجلسوا ههنا حتى امضي و اصلي هناك".
و يجلس التلاميذ عند مدخل البستان طاعة لامر سيدهم، بينما يصطحب معه بطرس و يعقوب و يوحنا ، فقد رأى من اللازم ان يكون هناك شهود عيان لمشهد جهاده، و لعل ما دفعه ايضا ان يأخذ معه التلاميذ هو شعور بشري مقدس بحاجته الى رفقة من المعزين المحبين يشجعونه في صراعه .
ان الآب الازلي بنفسه يشرف من علاه على هذا المشهد، و مرة بعد الاخرى يلقي الابن بنفسه بين يدى الآب في تضرع و لجاجة, و لا تزال كأس الاهوال تعبر عن المخلص الغارق في الآلام بل على النقيض تزداد مرارتها لحظة بعد الاخرى و يزداد الصراخ و تعلو الزفرات و يشتد الصراع في الصلاة و لكن الآب صامت و السماء تبدو كما لو كان احكم غلقها بالآف المصاريع و يسجل البشير لوقا القول "واذ كان في جهاد كان يصلي باشد لجاجة و صار عرقه كقطرات دم نازلة على الارض".
و لننظر ايضا الى تلاميذه الذين ملأوا مكيال حيرتنا امام هذه الامور الغامضة، فبينما كان السيد يصارع في جهاد لا يوصف نراهم قد غلب عليهم التعاس، و يوقظهم السيد و يطلب اليهم ان يسهروا معه، و لكنهم يغطون في النوم مرة اخرى غير عابئين به، تاركين السيد لآلامه، وواحد منهم هو الذي صرخ قائلا "لو شك الجميع فيك فانا لا اشك، و لو اضطررت ان اموت معك" و الآخر هو التلميذ المحبوب و الثالث هو الذي سبق و اعلن استعداده على تحمل الآلام عندما اتاه السؤال من السيد "اتستطيعان ان تشربا الكأس التي اشربها انا ، و ان تصطبغا بالصبغة التي اصطبغ بها انا؟".
و لنعود الآن و نتأمل عن اكثر قرب في هذا الصراع المرير في جثسيماني فلم يكد يسوع يخطو بضع خطوات داخل البستان مع تلاميذه الثلاثة ، حتى "ابتدأ امام عيونهم يحزن و يكتئب"، و في هذه الكلمات نجد اشارة الى ان شيئا لم يكن من قبل قد اتى عليه ، و يعطينا مرقس البشير بوصفه الدقيق لتفاصيل المشهد الرهيب فكرة اوضح عن الحزن الذي جاء على المخلص في قوله "ابتدأ يدهش" و هذه الكلمة في الاصل تتضمن حزنا مفاجئا بسبب شئ مخيف، و يريد البشير ان يعلن ان حزن يسوع كان بسبب مناظر من الخارج قد اقتحمته.
و عقب هذا يعود يسوع الى تلاميذه الثلاثة، و يتكلم اليهم بكلمات تلقي ضوءا على مقدار ما كان متثقلا به "نفسي حزينة جدا حتى الموت"، و هذه لا تكشف فحسب عن مقدار احزانه و لكن ايضا عن طبيعتها و نوعها، فنقرأ انه "كان في جهاد" او كما تترجم احيانا "كان يصارع مع الموت".
نلاحظ ايضا كيف يزداد حزنه كما يبدو من هذا الاعتراف الصريح "نفسي حزينة"، ثم يسرع الى تلاميذه الثلاثة كانسان يرحب باقل شئ يبعث على التعزية، و يتكلم مع تلاميذه كأخوة له قد يكون في مقدورهم ان يقدموا له معونة ، فيقول لهم "امكثوا هنا و اسهروا معي".
و بعد ان وجه اليهم هذه الكلمات افترق عنهم نحو رمية حجر، ثم جثا على ركبتيه، و خر على وجهه، و كانت تصعد منه انات و تضرعات من نفسه المثقلة بالحزن "ايها الاب كل شئ مستطاع لك، فاجز عني هذه الكأس، و لكن ليكن لا ما اريد بل ما تريد انت".
و قد يتساءل البعض "كيف يسأل المسيح عن امكانية فداء البشرية من غير الصليب، و بدون سفك دمه؟" لم يكن هذا ما يقصده المسيح، لقد كان سؤال الرب يختص بالاهوال الحالية، كأس جثسيماني ، فقد جرد نفسه من استخدام صفاته الالهية، و خاصة مقدرته التي لا تحد لكي يكون في وضع يجعله يسلك نفس طريق الايمان معنا، و على حد تعبير الرسول "ليتعلم الطاعة مم تألم به".
ان صلاة القدوس المتألم قد طرقت باب السماء بكل قوة، لكن لم تظفر اذنه بصدى فقد لزمت السماء الصمت، فنهض من تضرعه في حزن بالغ و اسرع الى تلاميذه لكنه وجدهم في سبات عميق، فأيقظهم موجها كلامه الى بطرس "يا سمعان انت نائم! اما قدرت ان تسهر معى ساعة واحدة؟!" سؤال حير التلميذ الجسور الذى امتلأ فمه منذ قليل باقسام الامانة حتى الموت، ثم يوجه الرب تحذيرا الى ثلاثتهم "اسهروا و صلوا لئلا تدخلوا في تجربة، اما الروح فنشيط و اما الجسد فضعيف".
ان الدافع الذي جعل الرب يسرع الى تلاميذه، ليس فقط شعوره بالحاجة الى من يواسيه، بل كان ايضا عطفه الشديد عليهم، اذ كانوا نظيره تحيط به قوات الظلمة و قد حانت الساعة التى قال عنها سابقا محذرا "ساعة الظلمة"، وكان من الضروري ان يجمعوا كل قواهم الروحية و الذهنية حتى لا يخوروا امام التجربة و يتعرضوا للشك و الانكار ثم الارتداد.
و يعود الرب مرة اخرى تحت ظلال البستان الكثيفة، و يصلي ثانية بطريقة تختلف قليلا عن الاولى "يا ابتاه ان لم يمكن ان تعبر عني هذه الكأس فلتكن مشيئتك"، و يذكر البشير انه في هذه المرة "كان يصلي بأشد لجاجة".
و بعد ان قام من الصلاة و رجع الى تلاميذه وجدهم "نياما من الحزن"، و كما يقول الكتاب "اذ كانت اعينهم ثقيلة من الحزن"، و في هذه الغيبوبة "لم يعلموا بماذا يجيبونه".
و للمرة الثالثة تركهم و مضى بمفرده و صلى نفس الكلمات و اذا بملاك يتراءى للمخلص، و يقترب منه "ليقويه"، و كان هذا الظهور سبب تعزية ليست بقليلة.
و ربما كانت ارسالية الملاك لاجل تقوية جسده المهدود و لانعاش روحه المغشى عليها، اذ نقرأ عنه انه بعدما اختفى الملاك "اذ كان في جهاد كان يصلي باشد لجاجة و صار عرقه كقطرات دم نازلة على الارض" يا له من منظر عجيب!.
و نود ان نشير مرة اخرى الى تلك الصلاة التي كثيرا ما يتعثر العالم بها، فمن الصعب جعلها تتفق مع محبة الرب للجنس البشري، و مع خضوعه لارادة الاب، ومع سابق علمه بكل الاشياء، ومع الهدوء الذي بدا عليه عندما اعلن عن الامه التي تنتظره، فكيف يرغب فجأة ان تعبر عنه الالام؟
اولا: بالنسبة لسابق علمه بكل الاشياء نكرر ما سبق ان ذكرناه ان الابن الازلي عندما اخلى نفسه في خضوع للاب كان هذا يتضمن انه اثناء تجواله في الارض عليه ان يتخلى و يجرد نفسه من الاستخدام غير المحدود لصفاته الالهية، و ان يسلك في طريق طاعة الايمان معنا، و يكمل نفسه فيه باعتباره رأسنا و رئيس كهنتنا ووسيطنا و "كعبد الرب" – وهذا هو لقبه في العهد القديم – كان عليه ان يخدم لا ان يأمر ، و ان يتعلم الطاعة لا ان يحكم، ان يصارع و يناضل لا ان ان يملك في راحة بعيدا عن اي ألم اوجهاد. و كيف يمكن ذلك لمن هو معادل لله، من غير ان يحد نفسه هكذا؟ ان كل الامه وو تجاربه كانت تعد خيالية و ليست حقيقية. انه لم يكف لحظة عن ان يكون هو الله حقيقة ، و لكنه منع نفسه من ممارسة كمالاته بحسبما كانت ارادة الاب السماوي.
ثانيا: نلاحظ ان الرب في جسيمانى لم يطلب ان يتخلص من الامه الشديدة عامة. و انما ان تعبر عنه الاهوال التي كان يمر بها انئذ، فكيف يرغب في شئ لا يتفق مع مشورة الاب، و هو  نفسه الذي عندما اراد التلاميذ اقناعه بالعدول عن تسليم نفسه، انتهرهم بشدة؟ و لكنه كان يسأل فقط ان كان ممكنا ان تعبر عنه الكأس، و كان يعني فقط تلك الكأس التى كانت مرارتها على لسانه.
ثالثا: هل كانت صلاة المسيح تتفق مع محبته للخطاة و مع خضوعه للاب السماوي؟ لقد طلب الرب ان تعبر الكأس عنه دون تعطيل لعمل الفداء. ووضع لامكانية عبور  الكأس عنه شروطا و حدودا، فلم يطلب ان تتدخل القدرة الالهية غير المحدودة لنجاته.
و بعد ان تأكد من تمسك الاب بالصمت المستمر، ان العالم لا يمكن فداؤه بطريقة اخرى سوى ان يشرب الكأس الى نهايتها، لم يعد يعبر بعد عن رغبته في ان تعبر الكأس عنه. و لم يعد يكرر هذه الصلاة.
وفرغت الكأس حتى ثغلها، و نهض المخلص من صلاته و اسرع الى تلاميذه! و قد تغيرت الآن تعبيرات وجهه و نغمة كلامه، و كل حركاته بما يشير الى القوة التي نالها، و الى احساسه بالانتصار، فقد خرج ظافرا من الصراع مستعدا لكل ما سيأتي عليه فيقول لتلاميذه "ناموا الآن و استريحوا، يكفي".
ثم يقول في ختام كلامه "قوموا هوذا الذي يسلمني قد اقترب". ان بطل اسرائيل يتقدم نيابة عنا ليقهر الموت و الجحيم و الشيطان. فدعونا نجثو له بكل اجلال و اكرام و نسير وراءه بالتهليل.