27 أبريل، 2015

الاخت تريزا

الاخت تريزا راهبة نحيفة الجسم، ملامح وجهها صارمة الى حد ما، تعمل كمعلمة في احدى المدارس الخاصة بالاثرياء في الهند. وهي رشيقة الحركة تتنقل بين التلاميذ والتلميذات في الفصل كثيرا، وبين الحين والاخر تمسك باصبع الطبشور، لتكتب شيئا او ترسم رسما توضيحيا. كانت الحصة على وشك الانتهاء حين هتفت بالتلميذات قائلة :
- هل تعلمون انه بعد ان يرحل المحتل الانجليزي عن الهند ستقسم الى بلدين؟ هل ترغبون في معرفة ماذا سيطلق عليهما من اسماء؟
قال الجميع بصوت واحد:
- نعم، نعم نريد ان نعرف.
- سوف تقسم الهند الى الهند حيث يعيش اغلبية الهندوس، وشرق وغرب باكستان حيث سيحكم المسلمون.
رفع احد التلاميذ اصبعه، التفتت المعلمة اليه وقالت:
- نعم يا سونيتا، ماذا تريد؟
- اريد ان اعرف، هل هذا الامر يريده الهنود ام الانجليز؟
- الاراء منقسمة على الجانبين: البعض ضد التقسيم، والبعض يعتقد ان الطائفتين الاكبر في الهند لا يستطيعان العيش في بلد واحد.
رفعت فتاة اصبعها تستأذن في السؤال.
- نعم، اليس.
- وما رأيك انت ايتها الاخت تيريزا؟
امسكت باصبع الطبشور وراحت ترسم قلبا، ثم التفتت الى التلاميذ وقالت ماذا يحدث لو قسمنا القلب الى نصفين، ورسمت خطا في المنتصف.
-  بالتأكيد  سينزف كثيرا.
- هل فهمتم رأيي؟
- نعم ، لقد فهمنا، لقد فهمنا.
شردت المعلمة لبرهة وفكرت في ذلك: في الذي يكون الصغار قد فهموه، وهل يدركون بعقولهم الصغيرة البريئة عمق المأساة التي تتعرض لها الهند، هذا البلد الحبيب الى قلبها، والذي غادرت بلادها منذ ما يقرب من عشر سنوات لتخدم فيه. ثم قطع شرودها اصبع صغيرة ارتفعت في نهاية الفصل، وحينما اذنت للتلميذة بالكلام، سألت في حيرة:
- ولكن ماذا علينا ان نعمل؟ اقصد ماذا على الكبار ان يعملوا حتى يمنعوا ذلك؟
ابتسمت المعلمة وهي تقول:
- يوجد سبب لكوني راهبة، هو انني لا استطيع التفكير في السياسة.
دق الجرس معلنا انتهاء الحصة. انها الان الساعة الرابعة، فقالت وهي تجمع كتبها:
هيا ايها الطالبات، لقد انتهى درس اليوم، هيا، والا ستتأخرون على الطعام.
،،،،،

جاءت لويز وعلامات القلق قد غيرت ملامحها الى حد كبير، قالت في ارتباك:
- ايتها الاخت تريزا، ليس لدينا طعام.
- ماذا تعنين يا لويز؟
- لم نتسلم الطعام منذ اسبوعين.
توجهت مسرعة الى المطبخ،  سألت الطباخ بحيرة:
- هاردي، الا يوجد ما نطهيه للطالبات؟
- لا. لا يوجد شئ على الاطلاق.
وقعت اجابة الطباخ منها وقع ضربات السوط على الظهر وقالت، وفمها يرتعش رعشة تعتري الفم الذي يهم بارتشاف جرعة من كأس من الماء المتجمد. ولكنها تابعت قائلة:
- لكننا يجب ان نطعم 200 فتاة.
- يوجد اضراب في الشوارع، والكثيرون لايستطيعون الخروج من منازلهم. وانت تعرفين ان منطقتنا هذه ليست منطقة امنة للعيش، الاضطرابات بين الهندوس والمسلمين في اوجها هنا. لم تبالي بكلامه وخرجت - و لويز تتبعها - لشراء ما تستطيع شرائه من الاطعمة. بين الفينة والأخرى، كان يصل الى اسماعهما بعض الصرخات المرعبة لاناس يجرحون او يقتلون، تحملها الرياح آتية بها من كل مكان. عندما اقتربا من المكان اشارت لويز باصبعها:
- ايتها الاخت تريز، لابد ان مخزن السيد براديش هنا ، ثم صاحت وقد اقتربت من المخزن: هذا هو مخزن السيد براديش.
دهماء يجوبون الشوارع .. تظهر السماء الزرقاء محملة ببعض الغيوم المتشحة بلون داكن مميز.
توقفت سيارة تابعة للجيش الانجليزي، نزل القائد وهو يصيح بنبرة بها مزيج من اللطف والحزم في ان واحد:
- ماذا يجعل راهبتان هنا في وقت كهذا؟
- اننا من دير لوريتو، ولدينا مائتين فتاة جائعة ولا يوجد لدينا طعام.
تلفت حوله واشار الى جثة على مسافة ليست بعيدة، وقال:
- لا يوجد هنا الا طعام للجوارح، كما ترين.
- ولكني لا استطيع ترك الفتيات جائعات.
- حسنا سأفتح المخزن.، - قال وهو يصوب طلقة من مسدسه الى قفل على الباب الموصد، واردف:
- ها هو الطعام. خذا منه ما يكفيكما يا سيدتي، ثم سأوصلكما الى الدير.
حملت تريزا بعض اجولة الدقيق ونقلتها الى السيارة ثم حملت كرتونة من زجاجات الزيت للويز وهي تقول:
- هل سرقناه؟
- لا، بل استعرناه ايتها الاخت.
قال القائد وهو يتعجلهما للمضي:
- هيا ايتها الاخوات. ثم اردف وهم يستقلون العربة:
- كما ترين. لقد اعطيناهم كل شئ بذلنا ما بوسعنا، وهم يريدون الاستقلال.
ابتسمت ابتسامة متغصبة وشردت بذهنها، ففي تلك الاجواء الصعبة، هذا البلد الذي تصارع فيه الحياة مع الموت. يجعلك ايضا تقف مذهولا، بعد ان تفقد احساسك بالزمان والمكان وبكل شئ اخر، بل لا تشعر انك تقف امام اخوتك في الانسانية بل امام ساحة معركة، ليسوا بشرا ضد بشر، بل وحوشا مفترسة تطارد فرائسها في غابة فسيحة.
كان الطريق يغص بالبشر، لم يتوقف القائد عن الصياح :
- ابتعدوا عن الطريق.
ولكن اكثر ما اثر بتريزا هو منظر امرأة نحيفة تحمل طفلها وهي تمد نحوها يدها وتقول بتوسل وبصوت واهن :
- من فضلل ساعدينا.. ارجوك، سنموت.
لكن القائد يصرخ بها:
- لا تنظري ايتها الاخت اليهم، فهؤلاء هم اسوأ شعب جاء في التاريخ الهندي.. ابتعدوا ايها الغوغاء، ثم صاح بالجندي الذي يقود العربة:
قد السيارة بسرعة، اسرع.
كانت الشوارع تغص بالبشر، جثث ملقاة على جوانب الطرق، مصابين يئنون و جموع هادرة كامواج البحر. شقت السيارة طريقها بسرعة وسط بعض البشر المساكين الذين يتقاتلون لا لسبب سوى غياب الحب وانتشار الجهل. الجثث ملقاة في الشوارع. اقتربا من بوابة حديدية التي تفصلهما عن الدير، حين صاح القائد بالعسكري المرافق:
- افتح يا دوجلاس البوابات. هيا، تحرك!
عندما دخلت تريزا الى المطبخ صاحت بالطباخ:
- هيا، اعد الطعام بسرعة للطالبات، لقد احضرنا الكثير معنا.
- شكرا لله.
وعندما غادرت المطبخ رأت احد الرجال يتسلق السور، ثم يرميت في حديقة الدير كالقتيل.ما هذا؟ انه ينزف بغزارة، اصيب الفتيات الواقفات في فناء المدرسة بالهلع، وحدث هرج ومرج. صاحت بالحارس:  
- هيا، احمله الى العيادة.
عندما وضعوه على السرير، نظرت اليها لويز بحيرة قائلة:
- انه ينزف، انا لا اعرف كيف اساعده؟
- يا الهي .. حسنا  لنضغط على جروحه لانه فقد الكثير من الدماء.
- يجب ان تستمري في الضغط لنوقف النزيف.
- هل تستطيعين عمل ذلك؟
- انا مدرسة جغرافيا ايتها الاخت، ولست ممرضة.
في اثناء كلامهما حرك المصاب رأسه التي علاها الشيب قليلا، ثم فتح عيناه فارتعشت نقطتا ضوء عينيه الواهنتان، كان منظره منظر شخص يلفظ انفاسه الاخيرة، شعرت الام تريزا حينها ان البرودة تسربت الى جسدها الناحل الواهن، ارتجفت ومن ثم اسرعت الى غرفتها، صعدت الدرج الموصل لها، ودخلت الغرفة الصغيرة المظلمة، غرفتها التي تشبه الخزانة المغلقة وجلست على الفراش. جلست هناك لبعض الوقت. ثم نهضت في وحشة الظلام وسجدت الى الارض، استغرقت في صلاة عميقة، قضت ليلتها ساجدة على ركبتيها تصلي، تتخللها تنهدات عميقة لا تنقطع، من اجل هؤلاء البشر المساكين، لم تفق الا في الصباح حين دق جرس المدرسة معلنا بدء طابور الصباح.
،،،،

عند الظهر حضر الاب سامي ليلتقي بالام تريزا:
- ايتها الاخت تريزا، هل استطيع التحدث اليك؟
- نعم، بالتأكيد ايها الاب.
- لقد اخبرتني الاخت جابرييلا عن المعاناة التي تعرضتما لها.
- نعم، كان الامر مخجلا.
- مخجلا، لابد ان السبب قوي.
- نعم، لقد رأيت الاطفال خارج المدرسة يتضورون جوعا ايها الاب، لم استطع ان افعل اي شئ لمساعدتهم. 
- المهم انك عرفت كيف توفرين الطعام لبناتنا.
- لكني رأيت بنات هناك ايضا ايها الاب، انهن جوعى وهن اكثر عددا من بناتنا.
- لكن واجبنا الاول نحو مدرستنا ايتها الاخت. لا نستطيع ان نساعد الجميع.
- ولكن كيف يمكننا ذلك؟ كيف نهتم بأنفسنا فقط ونترك الاخرين؟
- لابد ان الله يهتم ايضا بالذين يعيشون خارج هذه الاسوار. نحن نعاني جميعا من الضغوط ايتها الاخت. لقد تحدثت مع الرؤساء ونشعر انك يجب ان ترتاحي قليلا، فانت بحاجة لوقت لتفهمي الاشياء على حقيقتها، ولتكتشفي الفائدة في عملك.
ثم ودعها. بينما ظلت تريزا جالسة و جال في ذهنها هذ الفكر: ان الاب محق، ولكني لا استطع نسيان ما رأيته بالخارج. انني اؤمن بانني يجب ان افعل شيئا لاساعد هؤلاء الفقراء.
قطعت تلميذة  شرودها قائلة:
- صديقتي ماري لا تستطيع النوم ايتها المعلمة، انها تعاني من الاحلام المزعجة. اصطحبت الفتاة الى حيث ترقد ماري. عندما جلست بجوارها احتضنتها هذه الفتاة ذات الستة اعوام وهي تهمس قائلة:
- ماري، حبيبتي ماري اريد ان اخبرك بشئ.
- تفضلي يا امي.
- عندما كان عمري تسعة اعوام مات والدي في بلدي البانيا، حيث ولدت. كانت هناك اضطرابات سياسية كثيرة ، ولعدة اعوام، لم افهم ما حدث، لماذا لا يعود ابي للمنزل، واعتدت ان اقول لنفسي شعرا مرات كثيرة. هذا الشعر نقوله لكي نؤمن بوجود الحب، حتى لو بدا كان كل شئ حولنا ملئ بالكراهية والدمار.
- ان قلبك ينبض بالحب يا امي لنا. اشكرك كثيرا.
 ضغطت برفق على يدها وهي تقول:
- هيا، استرخي الان يا ماري.
قبلتها في جبهتها وهي تفرد الغطاء عليها وتقول:
- اعتقد انك ستكتبين الشعر مثلي. ثم التفتت للفتيات الاخريات في الغرفة قائلة:
- ليلة سعيدة يا فتيات. ليبارككم الرب.
- ليلة سعيدة يا امنا