28 أغسطس 2014

القديس بضابا


اغصان زيتون  تلوح في الفضاء.. سعف النخيل الابيض يخفق عاليا.. الاف المسيحيين ترتفع اصواتهم بالتهليل.. .. مستحق ايها القديس.. مستحق .. مستحق.. مستحق.
الناس يستقبلونه بالهتاف.. وهو يبكي!
هم يعلنون ابتهاجهم و هو حزين! وجالت في نفسه هذه الخواطر:
انه حمل ثقيل . كيف استطيع ان احمل كل هذا لوحدي؟
انني انسان ضعيف.. "لكن حينما انا ضعيف فحينئذ انا قوي".. انت الذي تعمل كل شئ يارب.
واستلم الاسقف الجديد مهام منصبه.. وفي خطوته احتدمت المشاعر المختلفةو داخله واختلطت بعضها ببعض.. صور متلاحقة .. ورؤى غريبة..
اغصان زيتون .. وصلبان..
مسامير و سعف نخيل.. وجنود.
.. وملاك بيده سيف من نار.. وفي يده الاخرى اكليل من ذهب .
موسيقى خفية تهدر هدير البحر الهائج..
واصوات شياطين ترقص رقصة الموت.
شعب غفير وتضرعات وابتهالات.
وايد ممدودة نحو السماء.. ركب منحنية ودموع..
وفجأة يعم السكون..
رحماك ايها المصلوب..اننا نحيا في دائرة العناية الالهية.
نعم ولا تسقط شعرة من روؤسنا دون اذن منه..

+++
في ذلك الوقت كان الناس يتناقلون الاخبار الجديدة عن الاضطهادات الشنيعة التى اثارها اريانوس والي انصنا الذي قام برحلة تجول خلالها في بلاد الصعيد ليرى مدى تنفيذ اوامر سيده الامبراطور الخاصة بضرورة التبخير للاوثان مع العمل على "تطهير الارض" من المسيحيين.
اجتمع الشعب في الكنيسة للصلاة صباح الاحد و ازدحمت الكنيسة بالمصلين.. وكل يريد ان يسمع كلمات معزية من اسقفه الحبيب "الانبا بضابا".
الانفعالات تعلو على كل وجه.
.. وجو الكنيسة له رهبة شديدة وكأنما الملائكة في حالة طوارئ.. كل ملاك يحمل في يده اكليلا من ذهب.. مستعد لتلبية النداء...
رفع شاب اصبعه مستأـذنا و القى على الاسقف احتجاجا في صورة سؤالا !
-          الاطفال يذبحون امام امهاتهم..
وتعذب النساء بلا رحمة..
الشيوخ يساقون كالنعاج.. والرجال يصلبون
ما الجريمة التي ارتكبها هؤلاء؟
دار الاسقف ببصره في فضاء الكنيسة وقال مخاطبا الجمع ومجاوبا على الشاب:
يا اولادي .. ان كنا نتألم معه فلكي نتمجد معه..
وجميع الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون..
ماذا يفعل بنا الاضطهاد؟
انه قنطرة لنعبر سريعا الى حيث يوجد الرب يسوع..
حيث اكون انا تكونون انتم ايضا..
اتحبون انفسكن كثيرا يا اولادي؟
.. اذن "من يحب نفسه يهلكها.. ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها الى حياة ابدية"
واخذ الاسقف يشجع الشعب ويقويه.. ووذكرهم بقصة الام دولاجي واولادها الاربعة الذين ذبحوا على ركبتها..
....
ظهر التأثر العميق على جموع الشعب وهم يسمعون وزاد من تأثرهم ان هذه الحادثة تمت من اشهر قلائل في البلدة المجاورة ل"قفط" وهي "اسنا".
واستمر الاسقف يقول:
قلت لكم ان الاضطهاد قنطرة نعبر عن طريقها سريعا.. حيث يوجد يسوع.
والان ايها الاحباء استودعكم المسيح.
واجبي ان اكون هناكبجوار اولادي.. اشجعهم ..
سأذكركم جميعا في صلاتي..
وداعا .. سأذهب حيث الاكليل..
وارتفعت اصوات الشعب هادرة..
لا تتركنا يا ابانا..
اجابهم الاسقف:
.. انني سأذهب لاكمل نقائص شدائد المسيح في جسدي لاجل جسد المسيح الذي هو الكنيسة
وارتفع صوت من  بين الجموع:
خذني معك ايها الاب .. شهوتي ان استشهد من اجل المسيح.
والتفت الاسقف الى مصدر الصوتواذ هو القس اندراوس ابن خالته وزميل صباه بصحبته الاب خرستوذلو الذي اعلن عن رغبته هو ايضا في الذهاب معهما الى اسنا!
وبكى الشعب وهو يودع اسقفه الحبيب

-2-
مدينة اسنا والوقت ظهرا. الشمس كقطعة ملتهبة من الجمر احالت الجو جحيما لا يطاق.. تشتاق الى نسمة هواء واحدة فلا تجد .. وهروبا من وهدة الشمس لجأ الناس الى الظل الذي لا تستطيع ان تحتمله هو الاخر..
همس .. وكلام حذر.. وعيون تتلفت هنا و هناك..
اريانوس الوالي يقبض على المسيحيين ويزج بهم في السجون.. ويعذبهم عذابات وحشية.. يقطع اوصالهم و يصلبهم على جذوع الشجر ويتفنن في تعذيبهم.
سار القديس بضابا في شوارع اسنا بحثا عن اولاده.. انه يعرفهم من ملامحهم..
وفي الطريق رأى جنديا خشن المظهر يسوق امامه بعض المسيحيين ويعاملهم بفظاظة .. فاقترب منه القديس و سأله :
-          ما الجريمة التي اقترفها هؤلاء حتى تعاملهم هذه المعاملة القاسية؟
ظهرت علامات الدهشة على الجندى الذي رفع صوته ليرد على الشيخ.. وقبل ان يهوى على وجه السائل توقف فجأة وارتعشت يداه.. وفي هدوء اجاب على السؤال –بالكلام هذه المرة:
-          انهم مسيحيون..
-          وهل هذه جريمة ؟انهم يعبدون الله الحى خالق السماء والارض!
-          ولكنهم يرفضون السجود لمعبوداتنا!
-          مصنوعات الايدي.. معبوداتكم؟! او هل يسجدون لما يصنعه – البشر- بأيديهم؟
-          منهم انت؟ اذن تعال.. مهمتي ان اقبض عليكم!
وانضم القديس الى هذه الجماعة .. مهمته ان يشجع امثال هؤلاء .. ويصلي لاجلهم.
وعندما مثل الجنود امام اريانوس الوالي بهذا العدد الضخم .. سر بالاكثر لوجود اسقف بين هذا العدد الكبير!
-          اه من هؤلاء الاساقفة .. احضار اسقف واحد افضل من الف من هؤلاء. واشار الى المسيحيين!
ودارت في مخيلة الوالي على الفور ذكريات انصنا واسقفها الانبا اباديون فتملكه الغيظ وتمنى لو يثأر لنفسه الف مرة في اليوم!
قال له الانبا اباديون اثناء مناقشة دارت بينهما:
-          احترس على هذه الاوثان لئلا يسرقوها منك ويبيعوها؟
احس الوالي ان الاسقفه هزمه..
ونظر الوالي فوجد الانبا بضابا ماثلا امامه فصرخ في وجه الجنود:
خذوه الى السجن .. قيدوه بالسلاسل من يديه ورجليه..
اتركوه خمسة ايام بلا طعام ولا شراب لعله يرجع الى صوابه.
وبعد خمسة ايام احضروه امام الوالي واذا بوجهه يضئ بلمعان شديد .. كوجه ملاك.
ايها الساحر ؟ خمسة ايام بلا طعام و لا شراب وتبدو بهذا المنظر؟
رويدك ايها الوالى اعمى البصيرة .. ان هذا الاسقف يمارس الصوم الانقطاعي لايام عديدة بين الحين والاخر.
+++
حضر جندي ضخم الجثة وبعد ان ادى التحية العسكرية قال:
كل شئ على ما يرام يا سيدي الوالي
خرج الوالي بصحبة الحرس الخاص الى مكان فسيح خارج مدينة اسنا كان يستخدم سوقا وقد ازدحم المكان بالاف المشاهدين. واقبل موكب المسيحيين المقيدين بالسلاسل يحرثهم الجند شاهرين سيوفهم.. وفي وسط المكان كانت هناك نار مشتعلة ترتفع السنتها الى عنان السماء، و ترى بعض الجنود يلبسون ملابس خاصة تحميهم من وهج النيران ويمسكون باسياخ حديدية يتأكدون من وقت لاخر من شدة فعاليتها.
وفي مكان اخر بالقرب من النيران المشتعلة توجد الات التعذيب المختلفة..
جلس الوالي في المكان المخصص له وجال ببصره حتى وقع على الاسقف فطلب ان يؤتى به.
-          هه ، اما زلت في عنادك؟
-          عنادي.. في سبيل الحق ايها الوالي
-          اتمشي وراء رجل صلب على خشبة؟ اتركه وهلم قدم القرابين للالهة الخالدة..
-          هذا لا يكون . الهتك الخالدة هذه .. هل تستطيع ان تحمي نفسها لو اراد احد سرقتها؟
وهنا تقدم جندي ولطم الاسقف على فمه وهو يقول:
-          كيف تجرؤ ان تكلم الوالي بهذه الوقاحة؟
اما الوالي فقد استشاط غضبا وصرخ مخاطبا الجنود:
-          خذوه . و لكن لا .. فلينتظر حتى يرى بعينيه كيف سأعذب اتباعه..وصاح الوالي في الجند:
-          اريد وسائل جديدة في التعذيب .. اتسمعون؟
   وبدأت عملية التعذيب بوحشية .. ونظر الاسقف الى جموع المسيحيين وصاح يشجعهم:
-          الرب يحمل الالام عنكم .. والنار تتحول الى ندى!
وتهلل وجه الاسقف وهو يشير في كل اتجاه ويصيح:
-          الملائكة تملأ المكان ..ها انا ارى المسيح فاتحا احضانه ..
وصاح الوالي مخاطبا الجند:
-          اسكتوه – مشيرا على الاسقف – لم اعد احتمل صوته.. اخرسوه!
وتقدم على الفور ثلاثة جنود، اثنان منهما امسكا بيدي القديس والثالث امسك بشعر لحيته  وبكل ما اوتى من قوة  نزع جزءا كبيرا منها حتى سال الدم غزيرا ولكي يمنع الجندي الدم المتدفق امسك بحفنة من الجير الحي ومزجها بالخل ووضعها مكان الشعر المنزوع!
وتقدم الجنود ممسكين بالقس اندراوس والاب خرستوذولو وساروا بهما للبدء في عملية التعذيب وعندما راهما الانبا بضابا صاح :
-          طوبى لكما .. انكما تسبقاني الى الاكليل .. اذكروني امام الرب يسوع.. الذي سبق فتألم من اجلنا!
وصرخ الوالي في الجنود: الا يستطيع احدكم ان يسكته؟
وتقدم ثلاثة من اقسى الجنود واعتاهم، اثنان منهما امسكا يدى الاسقف والثالث كان يحمل سيخا محمى وبكل قسوة وضعه على فم القديس وانتظر حتى انتشرت رائحة لحم الشفتين المحترق. و ملأت المكان!
-          انجحت ايها الوالي في ان تجعل الاسقف الا يتكلم .. انكواهم .. فالصمت قد يكون ابلغ من الكلام!
-          يا لعناد هؤلاء المسيحيين .. لا يرهبون قوة دقلديانوس العظيم؟ اذن من يرهبون؟
  وهنا خرجت كلمات متقطعة من فم القديس :
-          انهم يرهبون الله خالق السموات و الارض..والمسيحي البسيط اقوى من دقلديانوس!
تملكت الوالي رغبة ان يثأر لكرامة دقلديانوس وفي الواقع هو يريد ان يثأر لكرامته هو فقد احس انه اهين، فقال للاسقف: اترى كيف اعامل المسيحيين؟ .. الذي رأيته الان شيئا لا يذكر ، سترى طرق تعذيب جديدة ابتكرت خصيصا لاجلك انت .. انت بالذات!
قال الاسقف محاولا ان يكون كلامه واضحا خلال شفتيه المحترقتين:
-          مسكين ايها الوالي .. تهديداتك لا ترهبني، ان كل ما تفعله بجسدي هذا يشبه الندى الرطب الذي ينبت الورد والفاكهة!
ولم يطق الوالي ان يسمع اكثر من هذا، فقام وضرب عنق الاسقف بسيفه الخاص..!
وسار بضابا في موكب القديسين الشهداء في الكنيسة المنتصرة!
  

25 أغسطس 2014

متفرقات

العهد الجديد
كان شئ عجيب
كيف يكون عود الصليب
موت الحبيب ثمن الحياة

ازاي اله يترك علاه
لاجل البعيد قبل القريب
كان شئ عجيب
ولان هدفه كان مجيد
وحبه من نوع فريد

واللي قلبه شكّل التاريخ
هو الوحيد اللي بحياته و مماته
انتهى العهد القديم وابتدى الجديد
+++
صوت بعيد
وانا لو خلص منى الكلام
تقبل سكوتي يكلمك!
وان غناي اصبح نشاذ
ممكن دموعي تسبحك!

+++
حب مجاني
راعيت اثما في قلبي اعواما
خبأت مكرا في عيني شهورا واياما
مارست فنون الزيف
اشكالا و الوانا
تظاهرت بالبر وصنعت الشر
سرا .. وعيانا

اظهرت وجها غير وجهي
ولبست ثوبا غير ثوبي
وزرعت لنفسي اثما
وحصدت هوانا

في داري و عقر بيتي
وجد نبتا ملتويا و زوانا
اشبعني يوما اوهاما
وربما اضحكني زمانا
واسعدني احيانا

فلما حل الميعاد..
وحان وقت الحصاد
افزعني دهرا و اشقاني زمانا

آه.. ويحي انا
انسانا شقيا
حفرت لنفسي حفرة
وهويت فيها مرارا و تكرارا

ويحي انا..
انسانا شقيا منهارا
اجرتي موتا و ذلا و هوانا

يارب لست اريد الا الفتات
من حبك عطفا و احسانا
تغمرني عونا وسلاما

احتاج صوتك يحييني
يملأني املا وايمانا

اكاد اسمعك تهمس في اذني قائلا..
بل هاتفا..
اجرة الخطية موت واما هبتي
فحياة ابدية و حبا مجانا
+++

مد يدك
مد يديك كي اتحرر من عبودية الشك
كي اتعلم هول الفرق بين الزيفف و بين الحق
كي يتحول شكي يقينا
وسبيي عتق

مد يديك واسطع نورا ..
اشعل نارا..
هز الارض ورج جبالا
كن لي ملاذا
كن لي خلاصا..

فها هوذا قد حان الوقت..
كي اتبين هذا الصوت!!
أهذا الصوت.. حقا لك؟

كل ما قيل وكتب عنك
احقا ان ظلام الليل اسطع نورا يوم ولدت!
وان نهاره تحول ليلا يوم صلبت

احقا انت شفيت المرضى بلمسة يد!
احقا ان رياحا تعلو تخبو بأمر منك!
وان بحور الارض والجبال والانهار
تخضع لك!
احقا ان قلوب ملوك بين يديك!
وانك مبدع الكون وخالق تلك الارض!

سألت كثيرا
سألت مرارا وتكرارا
سألت الارض والسموات
سألت نساءا و رجالا
ودوما اسمع هذا الصوت
هذا الصوت حتما لك
انت الله.. حقا انت
+++
عيد ميلاد
مش مجرد عيد ميلاد وذكريات..
فرحوا قلوب الولاد
مش مجرد يوم سعيد
ولبس عيد..
وشمعة انارت من جديد

مش مجرد فسحة حلوة
ونور وشجرة..
وضى قمرة
دي الليلة دي بالف ليلة
والتهارددة بالف عيد

هو يوم غير كل يوم
وعام غير اي عام
لما كان ملء الزمان
نور بعيد في الضلمة بان

بانت نجمة في السما
قالت كل الكلام
قالت فيه ملك هنا
النهاردة بيتولد
في ارضنا

ده كان وعد ربنا
عشنا كتير نستناه
مش بس احنا وحدنا
دي اجيال من قبلنا
ياما حلمت برؤياه

ولانه يوم غير كل يوم
وعام غير اي عام
القلب نال غايته ومناه
لما الرب فتح سماه..
وارسل وليده.. ابنه ووحيده..
عشان ننال فيه الحياة

شفنا نور بدد ظلام
شفنا خير يشفي السقام
شفنا حب غفر الاثام
شفنا رب المجد عشانا اتولد
وعشانا برضو مات وقام

ولانه يوم غير كل يوم
لابد نيجي كل عام
نترك همومنا و نمسح دموعنا
ونطير نرفرف ف العلالي
نهتف نغني بحس عالي
نشهد ان طفل جميل وغالي
النهاردة بيتولد

والليلة دي الدور علينا
شبكوا ايديكوا ف ايدينا
ويلا نهتف.. يلا بينا
نشهد بميلاده ف اراضينا
ونهز الارض بغناوينا
ما هو اصله يوم غير كل يوم
+++
هارمي الشبك
الوقت فات من غير حصاد
والقلب من حيرته ارتبك
ومهما طال الليل وزاد
على كلمتك هارمي الشبك

يا بحر ليه قاسي و عنيد؟
ده الرب بالبركة امر
رفعت راسي بشوق جديد
وانا شايف وعده من بعيد

زي نور الفجر شقشق و ظهر
قادر يخرج من جفاك حلاوة
ومن قسوتك خير و ثمر
ده الرب بالبركة امر

من امتى كان بيعدي يوم من غير نهار؟
ولا ليل من غير قمر!
ده لولا وعد الرب حتى ايوب زمان..
ما كان صبر

ولا كان داود برباب وعود
على اعداءه فاز وانتصر
+++
معاك اكون
فوق الجبال والتلال
انا نفسي افرد جناحي لفوق واطير.
اكيد هناكالقى في سماكحياة غير الحياة.
ده انا من سنين و سنين
وف قلبي ربي حلم وحنين
اغمض عيني وافتحها الاقي نفسي في محضرك
والقى نفسي باحضنك
والاقي فيك بر الامان
وواحة وراحة وسلام

طوفان يارب من الحنان
ساعتها اكيد هلاقي فيك لنفسي مكان
اكيد افضل مكان

اكيد في حضنك يا يسوع
مافيش هموم ..مافيش دموع
مافيش قلوب بتتجرح
اكيد هناك كل البيبان راح تنفتح
اكيد معاه تمحلى الحياة

+++
مريم لو تتحدث
لو تسألونني يوما عنه فماذا اقول؟
هو نبض من نبض قلبي
هو ربي وهو ولدي
وريدي وشرياني وجسدي
امومتي.. ومجدي
وهو الباعث في الكون نورا
والنابض في احشائي دفئا
هو خالق الخلق دهرا وابدا
وقد جاء قبلي .. وباق بعدي
لو تسألونني يوما عنه فماذا اقول؟
وجه طفل صغير يشبهني..
ويداه الشافيتان كم كانت تداعبني
واصابع كفه الصغير تحتضنني
واليوم جئتم عنه تسألون فماذا اقول؟
هو ميلادي.. وقيامتي من بعد موتي
والمعنى الباقي في صوتي.. وحنجرتي
لم يأت ابني الى عالمي الصغير..
كأى طفل وليد..
يلهو حولي..
بل جاء ابني للعالمين
جاء يهدي .. يد تشفي.. ويد تبني
+++
وسقطت من عينيه دمعة
مزقت ثيابي وقلبي امام ربي
عاما من بعد عام
وخاصمت الزاد والزواد والناس وحلو الايام
وكما الحب الاول ارتعشت اطرافي وانامل اليدين
واحمرت وجنتاي وتلعثمت شفتاي

كنت اعمى

كنت اعمى واليوم ابصرت
ماعدت اذكر لون الظلام
كأنه ابدا ما كان
وكأنني صحيحا ولدت 
بلا دموع و لا احزان

اليوم وقد ابصرت
تبهرني ابسط الاشياء
يبهرني لون السماء
وضي الصباح و غيم المساء

فالشمس عند المغيب سحرا
وعند الشروق حياة
والقمر ايضا يبهرني رؤياه

ووجوه الناس من حولي
عيون وانوف و اجباه
كل طفل يشبه اباه

كلمات وابتسامات على
 كل شفاه وشفاه..
منها ما يعكس ملهاه
ومنها ما يفضح مأساة
وفاء الصالح

احببناه

احببناه
احترت كثيرا في وصف هذا الانسان
فسألت عنه الرجال
صمتوا قليلا وقالوا..
 احببناه

وسألت عنه النساء
فعلى الفور قلن جميعا..
احببناه

عدت فسألت الاطفال
اجابوا سريعا ودون انتظار
وقلن...
احببناه

فاحترت كثيرا في وصف هذا الانسان
ورفعت عيني نحو العلاء
سألت ربي ان يلهمني
الكلمات التي تليق برثاه

ومهما كنا لا نلقاه
وان غاب عنا
سيبقى دوما
في ذكرى قلب نقي
لا ننساه

عظاته كانت كلمات من وحى الاله
بين سطور التكوين
او لاويين او المزامير
في هذه جميعها سنراه
حتما يوما سنراه.

===
رحل ابونا بيشوي عوض عن عمر 77 عاما ،
وهو الذي طالما حدثنا عن العدد 7،
 وهو رمز الكمال في الكتاب المقدس.
كنا ننصت بتأثر الى صلاته في رفع بخور عشيةوهو يقول:
 "اعطنا يا رب الكمال الذي يرضيك امامك".
اوسمة من الحب كللت صدر ذلك القديس ،
في حياته وعند فراقه، وما اعظمها من اوسمة.
كلماته ستسطر بحروف من نور ومداد من عنبر،
وسيرته ستتكلم من بعد رحيله،
بنبضات الحق لتمﻷ افق الحلود،

قلبه كان يسع الجميع،
روحه كانت شجرة وارفة الظلال،
حانية الاغصان، دائمة الثمر،
متجددة العطاء،
تضرب بجذورها في باطن الارض،
وترتفع فروعها عاليا الى السماء،
فاجتمعت و تآوت اليها طيور السماء.

8 أغسطس 2014

بعض تعاليم الاب زوسيما

 "احبوا بعضكم بعضا ايها الاباء، احبوا ابناء الله. اننا لسنا اقدس من العلمانيين لمجرد مجيئنا الى هذا الدير وانقطاعنا داخل الجدران. ان الامر على نقيض ذلك. فبمجرد مجيئنا الى هذا المكان، يدل على ان كل واحد منا قد اعترف بينه وبين نفسه انه اسوأ حالا ممن سواه، بل واسوأجميع الناس.. وكلما طالت وحدة الراهب، تحتم عليه ان يدرك ذلك، والا لما كان هنالك اي سبب يدعوه الى المجئ والانعزال هنا. اننا لن نبلغ هدفنا الا اذا ادرك كل واحد منا انه ولاشك مسؤول عن جميع الناس وجميع الاشياء على وجه الارض و ليست الخطية الشاملة للخليقة وحدها هى وراء هذه المسؤولية، بل ان الواحد منا مسؤول عن كل المجتمعات البشرية وعن جميع الافراد. بهذه المعرفة تتوج حياة الراهب وكل انسان، لان الراهبان ليسوا صنفا خاصا من الناس، بل انهم المثال الذي يجب ان يكونه كل الناس. وبهذه المعرفة وحدها ترق قلوبنا بالمحبة الدائمة الشاملة اللانهائية وعندها سيجد كل منكم في نفسه القوة على كسب العالم بأسره بالمحبة وغسل خطايا العالم بدموعكم ... فعليكم جميعا ان تقفوا حراسا على قلوبكم و تعترفوا بخطاياكم بلا انقطاع. لا ترهبنكم خطاياكم حتى ولو بدت واضحة لكم، بشرط ان تتوبوا عنها ... واعود فأقول لكم، اياكم والكبرياء، .. لا تكرهوا اولئك الذين ينبذنكم و يهينونكم والذين يسيئون اليكم ويحقرونكم، لا تكرهوا الملحدين، دعاة الشر الماديين، واذكروهم في صلواتكم على النحو التالي : يا رب خلص جميع اولئك الذين لا يصلي احد لاجلهم.. اللهم لا اسألك هذا بدافع الكبرياء لانني احط جميع الناس.."
+++

تشبثوا براية العقيدة وارفعوها عاليا..

لا تخشوا شيئا. ان الاشرار اشبه بسحابة من الغبار فاذا هبت الريح ذرا الغبار...

واذا اثارت شرور الناس فيك استياءا وسببت لك كآبة عظيمة، الى حد تمني الانتقام من الاشرار، فانبذ هذا الشعور قبل اي شئ اخر. اذهب حالا والتمس العذاب لنفسك كأنك انت المسؤول عن جرائمهم: تقبل التعب وتحمله وسيجد قلبك راحة في ذلك وسوف تدرك انك آثم انت ايضا، لانك ربما كنت قادرا على هدايتهم بوصفك الانسان الوحيد الذي لم يخطئ الا انك لم تفعل. فلو انك كنت نبراسا، لانرت سبل اخرين ايضا، و ربما استطاع فاعل الشر ان ينجو من خطيته بنورك. وقد يحدث ايضا ان تكون نبراسا وترى الناس لا يقتدون بنورك، فاثبت على ايمانك و لا يراودك الشك في قوة النور السماوى وكن واثقا بانهم اذا لم يخلصوا الان، فسيكتب لهم الخلاص فيما بعد، و اذا لم يكتب لهم ذلك ذلك، فان اولادهم سيخلصون لان نورك لا يموت بموتك. ان الانسان الصالح قد يموت و يبقى نوره حيا.. 
 
دوستويفسكي 

لقاء مع الناسك زوسيما


ذكرى امه التي فقدها في الرابعة من عمره لم تبرح مخيلته طيلة ايام حياته، فقد ظل يذكر وجهها و مداعباتها كما لو كانت ماثلة امامه الآن، و ربما لازمته منذ كان في الثانية - ولكنها حينئذ لا تكون سوى بقعا من نور في ظلمة حالكة - لا زال يذكر صورة العذراء وقد علقت في زاوية من زوايا الغرفة وامامها سراج مشتعل، وامه راكعة امام الصورة تنشد "مدائح العذراء" او تتوسل طالبة شفاعتها. وربما برزت من ذكريات الطفولة ايضا صورة الدير و امه تحمله معها ..

.. اخذ يجول بنظره وهو خالى الذهن ويحدق في الاضرحة المتناثرة حول الكنيسة الرئيسية بالدير. وحينما اقترب خاطب نفسه:

- " ما اجمل احواض الورد النامية هنا".

لم يكن الوقت انذاك اوان تفتح الورود، فان مجموعة من ازهار الخريف النادرة الجميلة كانت متناثرة في كل فسحة من الارض. وكان واضحا ان يدا ماهرة تعني بزراعة الزهور و تنسيقها. وكانت احواض الزهور تحيط بالكنيسة و تلامس الاضرحة.

عند الرواق خارج الصومعة كان يحتشد حوالى عشرين رجلا وامرأة. لقد بلغهم ان الناسك زوسيما سيخرج الآن، فاحتشدن واخذن يرقبن مجيئه بلهفة. وانضم هو الى هذا الحشد . حين فتح الناسك باب الصومعة لمح بداخلها منضدة للمطالعة عليها صليب وانجيل وفوقها على الحائط بعض الايقونات..

وقد لاحظ ان غالبية الزائرين ان لم يكن كلهم اذا تقابلوا مع ذلك الناسك، انما يقابلونه متجهمين قلقين و لا يلبثوا ان يخرجوا وقد اشرقت وجوههم بالسعادة .. لم يُر هذا الناسك قط صارم المظهر او مقطب المحيا بل دائم المرح والانشراح..

وقد رأى بعينيه اناس يأتون الى صومعته باطفال مرضى و يطلبون ان يضع يديه عليهم و يتلو عليهم صلواته، ثم سرعان ما يبللوا قدمي الناسك بدمع الشكر و العرفان. ويدنين منه رجالهم الذين عليهم ارواح شريرة.

لم يكن في البداية يعجب لحب الناس للناسك ويعتبر ان ارتماؤهم على قدميه وذرفهم الدموع السخينة عند رؤيتهم له امر لا يليق. ولكنه ادرك فيما بعد ان روح الانسان المتواضع الذي ارهقه التعب فضلا عن خطاياه، ان هذه الروح تجد كل العزاء في وجود انسان او شئ مقدس يركع امامه ويتعبد في هيكله وكأن هذا الفلاح يقول في سره : اذا كانت الخطية والظلم والتجارب متغلغلة بيننا، ففي هذا المكان يوجد انسان تحيط به القدسية، و بيده الحقيقة وهو عارف بها ملم باسرارها، ومادام هذا موجودا فان الحقيقة لن تضيع من الارض، وسيأت يوم نعرف فيه الحقيقة فتسود الارض كما وعدتنا الكتب المقدسة.

في البداية كان قد قرر بدافع من مسايرة عادات القوم في الدير ان يلتمس بركة الناسك. لم يكن يريد تقبيل يده ولكن ما ان رأى ما اقدم عليه الرهبان وزوار الدير حتى تراجع عن قراره واحجم عما كان يعتزم القيام به، وحياه بالانحناء حتى لامست انامله الارض ثم قبل يده وطلب بركته. تمّ هذا في جو من الشعور الصادق.


وراح يبارك النسوة اللواتي التففن حوله..

فهذه ام ابنتها اصيبت بشلل جزئي ولم تكن الابنة المسكينة تستطيع الوقوف على قدميها منذ ستة شهور بل كانت تستعمل كرسيا متحرك وضع الاب يده على رأسها وصلى من اجلها واقامها ماسكا بيدها..

واقتيدت اليه امرأة معتوهة فما ان وقع بصرها عليه حتى اخذت ترتعد و تصيح كمن جاءها المخاض فوضع الناسك طرف بطرشينه على جبينها وتلى صلاة قصيرة فاذا هي تهدأ وتسكن.

قالت احدى النساء:

- انني ابكي طفلي ايها الاب، فلقد كان عمره 3 سنوات. ان موته سبب لي هذه الفاجعة. الان ليس لي انا وزجي طفلا يقرّ اعيننا. لا سبيل الى نسيانه لقد حطم موته قلبي فما نظرت مرة الى ملابسه، او الى قميصه الصغير او حذائه، الا و انتحبت. ثم اخرج جميع بقاياه واشيائه الصغيرة فاعرضها امامي وانتحب واقول لزوجي: لقد انقضت حياتي مع موته اذ كيف عساني ان احيا معه منذ الان لست اريد شيئا من هذه الدنيا على الاطلاق".

واذا فرغت المرأة من كلامها خاطبها الناسك قائلا:

- اصغي الىّ ايتها الام، حدث ذات مرة في العصور القديمة ان قديسا مباركا رأى في الهيكل امرأة حالها مثل حالك تنتحب لوفاة وليدها الصغير وكان وحيدها وقد اخذه الله اليه. فجاء اليها وخاطبها قائلا: "هل تعلمين اية جرأة يتحلى بها الاطفال امام عرش الله ؟ حقا ليس في ملكوت السموات جرأة تفوق جرأتهم ، فهم يقولون لله تعالى : "لقد وهبتنا الحياة يا ربنا فما كدنا نسلكها حتى استرددتها منا". ولا يزالون يطلبون ويتوسلون حتى يرفعهم الله الى رتبة الملائكة. وهكذا انت ايتها الام ابتهجي وكفي عن البكاء فان طفللك في جوار الله مع الملائكة. ذلك هو حديث القديس للمرأة الباكية في العصور القديمة. ولذلك ايتها الام اعلمي ان صغيرك قائم عند عرش الله مبتهج سعيد و هو دائم الصلاة لاجلك ابتهجي وكفكفي دموعك.

اصغت المرأة الى اقوال الراهب و هي مطرقة برأسها وتنهدت بحرقة قائلة:

- "اه لو استطيع ان اراه و لو لمرة واحدة.. واراه و هو يلعب في فناء المنزل ويناديني بصوته العذب. انني ما زلت اذكر كيف كان يأتي اليّ راكضا ويصيح بصوته العذب. هذا وشاحه الصغير اما هو فلن اراه بشخصه ولن اسمع صوته ابدا "ورافقت المرأة كلامها وهي تخرج من صدرها وشاحا صغيرا موشّى، فما ان وقع بصرها عليه حتى كان جسمها كله يختلج من نحيبها، فأخفت عينيها بيديها واخذت الدموع تسيل من بين اصابعها.

لم يملك الناسك نفسه فقال:

- "انها مثل راحيل تبكي على اولادها وليس من شئ يعزيها عن فقدهم. ان هذا هو حظكن في هذه الحياة الدنيا ايتها الامهات، فالعزاء ليس مطلبكن. لا تتعزى وابكي واطلقي لدموعك العنان ولكن اذكري ايتها الام ان ابنك ملاك من ملائكة العرش وانه يراك من علو ويرى دموعك ويشير اليها امام الرب. ان دموع الثكل ستلازمك امدا طويلا ولكنها ستتحول في النهاية الى سرور هادئ. وستصبح دموعك حزنك المرير دموع عاطفة وديعة تطهر الروح سأصلي كي يسبغ الله الراحة على روح ابنك. فماذا كان اسمه؟"

- الكسي ايها الاب.

- انه اسم جميل.

- فليرح الله روحه الطاهرة.
+++

وهذه فتاة بادرها الناسك بسؤاله:

- ما اسمك؟

- ليزا.

- ماذا تعملين؟

- ممرضة

- هل جئت من مكان بعيد

- من اكثر من ثلاثمائة كم.

- هل اعترفت ؟

- نعم لقد اعترفت.

- هل تناولت القربان المقدس؟

- نعم. ولكني خائفة.. خائفة من الموت.

- لا تخش شيئا وليطمئن قلبك ولا تحزني فاذا كنت صادقة الندامة و التوبة غفر لك الله كل خطاياك. فما من خطية على هذه الارض الا و يغفرها الله لمن كان صادقا في توبته! وما من خطية يقترفها الانسان لا تسعها رحمة الله التي لا حدود لها. هل هناك خطية لا تستوعبها رحمة الله؟ اطردي من قلبك شبح الخوف. وآمني بأن الله يحبك بما لا يتصوره عقلك وبأنه يحبك مع خطيتك و بالرغم من خطيتك. لقد قيل في الانجيل ، ان فرح السماء بخاطئ واحد يتوب اكثر من تسعة وتسعون لا يحتاجون الى التوبة.. اذا ندمت فانت تحبين واذا احببت كنت مع الله. ان محبة الله تستطيع فداء الكون بأسره ومحو خطايا الناس جميعا لا خطيتك وحدك".

ولما انهى الناسك كلامه رسم شارة الصليب على جبهتها ثلاث مرات، ثم نزع عن عنقه ايقونة صغيرة ووضعها في عنقها فانحنت المرأة وهي تقول:

- لكنني اتعذب من قلة ايماني.

- قلة ايمانك بالله؟

- كلا. كلا! انني لا اجرؤ حتى ان افكر بذلك، بل قلة ايماني بالحياة الاخرى، انها لغز عظيم! و لا احد يستطيع حل هذا اللغز. اصغ اليّ! ان بيدك الشفاء. أنني اعلم انك تسبر غور النفس الانسانية.

- انني كثيرا ما اتساءل عما اذا كانت قلوب الناس مليئة بالايمان.

- انني كثيرا ما اغمض عيناي وافكر واحلم فاشعر بقدرتي على تخطي العقبات التي تصادفني. فلا تعود الجراح ولا القروح العفنة في الناس ترهبني بل اجد نفسي قادرة على تضميدها.. بل مستعدة للثم تلك الجراح يا ابتي.

- ان هذا لكثير وجميل ان تكون هذه الاحلام غالبة على تفكيرك.

لكن الفتاة تابعت كلامها وهي متدفقة بحماسة وانفعال:

- نعم ان هذا صحيح ولكن ما هو مدى تحملي لمثل هذه الحياة. انني احيانا اغمض عيناي واتساءل "هل تستطيعين يا ليزا المضي طويلا في هذا الطريق؟ واذا لم يقابلك المريض الذي تغسلين جراحه بعرفان الجميل وبدلا من ان يعترف بحسناتك عليه اساء معاملتك .. فماذا يكون موقفك؟ هل يبقى الحب متدفقا في قلبك ام لا؟ هل تدري، لقد توصلت الى تلك النتيجة وهو ان نكران الجميل هو وحده يمكن ان يضعف حبي للبشرية. وباختصار اني خادمة مأجورة واريد ان تدفع اجرتي عاجلا – اي اريد الثناء على والمبادلة بالحب والا عجزت عن حب اي انسان.

- قال الناسك انها القصة نفسها التي سمعتها من احد الاطباء. لقد حدثني بصراحة تشبه صراحتك ولو انه قد تعمد كلمات ساخرة لاذعة.

+++

كان المرض قد عرّضه في الاونة الاخيرة لنوبات من الاغماء بفعل الاجهاد وها هو وجهه علاه ذلك الشحوب الذي يسبق النوبات عادة. ومع ذلك تحامل على نفسه ووجه كلامه الي شخص يعرفه:

- هل قرأت المقالة التي كتبتها اخيرا؟

- ايهم ابتي؟

- التي ارد فيها على كتاب لاحدهم يعارض "فصل الكنيسة عن الدولة"؟

- نعم. و لكني لا اوافق بعض ما جاء بها.

- ولكن من اية وجهة ترى ذلك؟

- لقد كانت حجتي في ذلك التداخل في المبادئ الاساسية بين الكنيسة والدولة سيظل قائما الى الابد رغم تلك الحقيقة وهي انه من المستحيل ان تتمازج.

- استاء الاب وقال: لقد قرأت الكتاب الذي رددت عليه. وقد ادهشني قوله ان الكنيسة مملكة ليست من هذا العالم. ان عبارة "ليست من هذ العالم" الواردة بالانجيل لا يقصد بها ذلك ابدا. ان التلاعب بالكلمات بهذا الشكل مرفوض وغير مقبول. لقد جاء السيد المسيح لكي يبني الكنيسة على الارض. ان ملكوت السموات بالطبع ليس من عالمنا بل في السماء. ولكن الدخول اليه لا يتحقق الا عن طريق الكنيسة التي تأسست واقيمت على الارض.


ثم تطرق الى موضوع الاحكام القضائية والكنيسة، فقال:
 - هل تريد الكنيسة التخلى عن موقفنا الراهن الذي يقضي ببتر عضوها الفاسد في سبيل المحافظة على المجتمع.

- ان جميع هذه الاحكام بالنفي مع الاشغال الشاقة لا تقوّم انسانا ولا تردع مجرما واحدا.. وتكتفي الكنيسة ان تقدم النصائح الابوية و لا تهتم بمعاقبة المجرم عقابا حقيقيا.. وتعامله معاملة الاسير اكثر منها معاملة المجرم السجين. وما عساه يحدث للمجرمين يا الهي لو ان المجتمع المسيحي – اي الكنيسة – رفضهم كما يرفضهم القانون المدني؟ وما عساه يحدث لهم لو ان الكنيسة عاقبتهم بالحرمان اضافة الى عقاب القانون الارضي؟ انهم عندئذ لا يمكن ان يشعروا بتعاسة ما بعدها تعاسة.

دوستويفسكي

لقيط القرية


بينما كان المشيعون يهيلون التراب على قبر ابنهما الصغير الذي ولد مشوها، كان هو ساهما في نظراته حتى انه يخيل الى من يراه انه يحدق في الشخص دون ان يلاحظ وجوده..

لاحظت مارفا ان اهتمام غريغوري بالامور الروحية قد بدأ منذ يوم دفن الطفل وانصرف الى المطالعة مؤثرا في اغلب الاحيان المطالعة الصامتة والجلوس على انفراد وقلما كان يقرأ بصوت مرتفع وكان مغرما بقراءة سفر ايوب وقد اضفت عليه مطالعة الكتب الدينية مسحة من الوقار.

ومن الثابت الى ان تلك القراءات هزته هزا. ولعله كان يميل الى التصوف وقد رافقت ولادة الطفل المشوه حادثة عجيبة تركت – كما قال فيما بعد – اثرا لا يمحى في نفسه وكأنها حدثت لغاية مقصودة. فقد حدثت في الليلة التي تلت وفاة الطفل ان استيقظت زوجته على صراخ طفل رضيع بجوار المنزل وبجواره "بلهاء القرية".

كانت هذه البلهاء كلما تعود الى ابيها يسارع سكان البلدة للاعتناء بها لانهم يجدون في بلهها سببا يقربها من الله، وفي الاعتناء بها سببا يقربهم لله. كانت تسمح لهم بالباسها ثم لا تلب ان تنصرف عنهم الى مدخل الكنيسة حيث تخلع جميع ما اعطيت الخمار والمعطف والثوب والحذاء. وفي احد الايام (وحدث ذات مرة) كان حاكم المقاطعة الجديد يقوم بجولة تفتيشية في بلدتنا فوقع نظره على ليزا وتأثر جدا غير انه قيل له انها بلهاء.

ولكنه اصر على ان تجوال فتاة في العشرين من عمرها في الشوارع بدون ان يستر جسمها شئ سوى ثوب واحد هو انتهاك للاخلاق العامة. غير ان الحاكم صار في طريقه وتركت ليزا على حالتها.. لم يكن هناك في القرية من لا ينفحها بشئ ما.. ولكن حدث ما حدث.. وقد انقذ الطفل اما الام فقد قضت نحبها عند الفجر.

اخذ غريغوري الطفل الى منزله وطلب الى زوجته ان تجلس ووضعه في حجرها وقال:
- "طفل من الله، فاليتيم قريب الجميع ونحن اولى به. لقد بعث الله الينا فقيدنا الصغير بهذا الطفل الذي ولد لاب شرير وام صالحة. ارضعيه وكفي عن البكاء".

دوستويفسكي

6 أغسطس 2014

اللؤلؤة

رواية اللؤلؤة The Pearl من تأليف John Steinbeck

ملخص الرواية:
كينو هو صياد مكسيكي فقير وعلى الرغم من انه غير متزوج رسميا من زوجته جوانا، فانهما انجبا طفلا اسمياه كويوتيتو. ومثل سائر أسر الصيادين الآخرين كانت اسرة كينو فقيرة للغاية و كانوا يعيشون في منزل صغير مصنوع من الخشب وينامون على الأرض، وكانت الثروة الوحيدة لأسرة كينو هي زورق قديم يعمل عليه كينو كصياد للؤلؤ البحر ثم يقوم ببيعه في المدينة ولكن تجار المدينة كانوا يبخسون من اثمان اللالئ اذ انهم جميعا كانوا يتاجرون تحت امرة تاجر واحد. وذات يوم لدغ العقرب فقامت جوانا بمص السم من جسم
كويوتيتو وخشيت يوأنا من موت طفلها الوحيد فحملته إلى الطبيب في البلدة المجاورة ولكن الطبيب كان يرفض مساعدة الناس الفقراء الذين لا يستطيعون دفع ثمن خدمته.

فقاما بلف كويوتيتو في بطانية وركبا الزورق ثم قام كينو بالغوص للبحث عن اللؤلؤ. واستطاع ان يجد "لؤلؤة كبيرة"، اعتقد كينو ان هذه اللؤلؤة الكبيرة هي الوسيلة لحياة أفضل فانه سيبيعها وبثمنها يمكن مداواة
طفله وتعليمه و... يحاول اللصوص سرقة اللؤلؤة، و ينتهي الامر بالقاء كينو اللؤلؤة في البحر ثانية بعد ان تسببت في مقتل طفله واحتراق كوخه وعطب زورقه على يد اللصوص. 
===
المعنى ان ما نظنه سبب سعادتنا قد يكون سبب تعاستنا. 
منقول عن:
http://arabic-bookshop.blogspot.com/

4 أغسطس 2014

شخصية بطرس


لقد تعرف اندراوس على المسيح يوم معموديته، ثم وجد اخاه سمعان وقال له "وجدنا مسيا" وجاء به الى المسيح فقال له "انت تدعى صفا" وهي كلمة ارامية معناها صخرة.. هذه هي طريقة الرب في صنع القديسين "انه يدعو الاشياء غير الموجودة وكأنها موجودة" (رو4: 17). لعل بطرس قال: "اه يارب لعلك لا تعرف طبيعتي.. هل انا صخرة؟!".

كان بطرس متعودا الصيد منذ حداثته. ولاشك انه لم يكن يقبل اي تدخل من اي صياد في عمله. ولكنه الان يجد نفسه وقد صدر اليه امر يتعارض مع كل قواعد المهنة "ادخل الى العمق والقي شباكك للصيد".. لاشك ان كل الصيادين الذين قد يرون سفينته محملة بالشباك في ساعة كهذه من النهار ومتأهبة للصيد يضحكون عليه. ألم يكن هذا هو الحال مع جميع الذين استخدمهم المسيح في اجل الخدمات؟

حينما تتجدد حياة رؤساء العصابات في جيش المسيح يصبحون جنودا اقوياء للمسيح، فأن معرفتهم لحيل الشيطان و مكائده لها قيمتها العظمى . والخاطئ يعرف مرارة اجرة الخطية وهذا ما لا يعرفه الملاك والطفل البريء . انهم يعرفون تماما مواضع الجحور التي يأوى اليها السمك.

"اخرج من سفينتي" امر معناه "ابعد عني" هذا ما صرخ به التلميذ الواقع تحت تأنيب الضمير وكأنه يقول "سأتي بك الى الشاطئ ثم تمضي انت لحال سبيلك وامضي انا في طريقي". سوف تبقى محبتي لك ابد الدهر ولكني لست جديرا بأن ارافقك. اما الرب فأجاب بطرس: كلا فان الخطية طالما قدم عنها الاعتراف الكافي فانها لا تحول دون رفقتي لك و لا تحرمك من خدمتي.

اما جماعة الصيادين فقد رافقت الرب الى المجمع في السبت الاول. وهناك تبين على الفور الفارق العظيم بين حديثه الذي تفيض منه الحياة وبين احاديثهم الميتة السقيمة التي تعودوا سماعها، كالفارق بين مياه الشلال والمياه الراكدة في البركة .. ثم قطع حبل الصمت صراخ رجل به روح نجس في المجمع؟ ان العين الملتهبة قد لا تسبب شيئا من الالم طالما كانت محتجبة عن النور ولكن مجرد تعريضها له يشتد الالم لدرجة لا تحتمل وربما هذا الرجل كان مظهره طبيعيا ..

تاجر اللالئ


كان عملي في تجارة اللالئ يقتضي كثرة الاسفار ولكن على الرغم من مشقة السفر وصعوبته في تلك الايام لكني كنت سعيدا في عملي .. اذ لا يسعد الانسان –وخاصة التاجر منا – اكثر من شعوره بشغف الناس وحبهم للبضاعة التي يجلبها لهم.

الانسان يحب اللؤلؤ عن فطرة، ولا يرجع حبه له الى غلو ثمن اللؤلؤ، بل يرجع الى جمال اللؤلؤ الهادئ..

الماس يتلألأ بقوة، وجماله يبهر العيون..

والياقوت يلمع ويتوهج..

والكهرمان يطفو جماله وينساب برقة..

والمرجان يشتعل.. والخ من الصفات التي تنسب الى بقية الاحجار الكريمة، ولكن اللؤلؤ يشع نورا هادئا رقيقا، و لايحتاج الى نقش او صناعة.

الاسرة الصغيرة:

في احد الاسفار، وبعد ان جمعت عددا كبيرا من اللالئ النادرة رجعت الى بلدتي الصغيرة التى كنت اعيش فيها.. ذهبت لاسأل عن اسرة صغيرة كانت تجاورني، وكانت الاسرة مكونة من اب و ام وطفل صغير.. كنت احب هذه الاسرة حبا عظيما، لانها كانت تمتاز بالوداة والتقوى.. ولكن لسوء حظي لم اجد احدا بالمنزل ثم علمت بعد ذلك ان هذه الاسرة الكريمة تركت المدينة و رحلت الى مكان مجهول.

مرت الايام متثاقلة فعاودني الحنين لرؤية الاسرة الصغيرة فصممت ان اسافر لابحث عنها واخذت معي هداياي التي كنت مزمعا ان اقدمها، وهي ياقوتة حمراء وزمردة خضراءة ولؤلوة ناصعة البياض.

مفاجآت الطريق:

سافرت من مدينة الى اخرى، و لكن لم اجد اثرا للاسرة.. وفي احدى ليالي الشتاء القارس وبينما كنت اسير سمعت اطفالا يبكون..

كان الصوت صادرا من كوخ صغير.. ذهبت لاستطلع الامر فوجدت امرأة جالسة وحولها خمسة اطفالا يبكون وثمة قدر يغلي على النار.. سألت المرأة عن سبب بكاء الاطفال فاجابت: انهم جائعون.. قلت: وما هذا القدر الذي على النار فردت على الفور: ان به بعض الاعشاب جمعتها من الحقل لاوهم اولادي ان بالقدر طعاما، لكي يناموا!

آلمني منظر الاطفال الجائعين، فأجرجت من جيبي الياقوتة الحمراء، واعطيتها للمرأة لتذهب سريعا وتشتري طعاما.. ولم اترك الكوخ الا وقد عادت بالطعام، فأكل الاولاد وشبعوا، وبدأوا يلعبون ويمرحون..

سرت في طريقي ومرح الاطفال يرن في اذني ويغمرني بالبهجة. والامل في العثور على الاسرة التي كنت ابحث عنها يراودني.

الرجل المريض:

ولكن سعادتي لم تدم طويلا، فقد سمعت انينا خافتا، ورأيت رجلا مريضا يئن و يتأوه من قسوة المرض وبجانبه زوجته تبكي.. وعلمت ان الرجل لا يملك ثمن الدواء.. وفي الحال وبدون تردد اخرجت الزمردة الخضراء من جيبي واعطيتها للمرأة لتشتري بها الدواءو مضيت في حال سبيلي..

وفي الطريق علمت ان الاسرة التي ابحث عنها قد رحلت الى مدينة في الجنوب، فاشرق الامل في صدري، واسرعت الخطى لعلي ادركها.

ولكني لم اوفق.. اخيرا يئست وقررت العودة لبلدتي.

السوط:

كان الحزن يملأ قلبي فجلست على الطريق لاستريح قليلا.. لم تمر الا لحظات قليلة اذ سمعت صراخا وعويلا.. ذهبت لاستطلع الامر، فوجدت رجلا مفتول الساعدين وفي يده سوط وكان يضرب به رجلا وامرأة واولادهما.. تقدمت منه و سألته عن سبب ضربه لهم. فاخبرني بأن هذا الرجل قد استدان منه مبلغا من المال و لم يرده وهو مزمع ان يؤدبهم ويأخذ اولادهما له عبيدا.

وبسرعة اخرجت اللؤلؤة من جيبي واعطيتها للرجل، فأخذها وانصرف.. ومضيت انا في طريقي.

المدينة المضطربة:

ولكن هذه المرة لم اذهب بعيدا، فقد كانت المدينة مضطربة، تعج بالناس وسمعت ضجيجا وصراخا، فتقدمت واذ بحشد هائل قد تجمع حول شاب معلق على صليب.

حاولت ان اتبين ملامح الشاب ولكن الظلام كان يغمر المكان كله وبعد برهة سمعت حديثا هامسا بين امرأتين.. كانت واحدة تصف للاخرى قسوة الصالبين وعدم نزاهة المحاكمة وجبن الحاكم ثم ازرفت المراة دموعا سخينة وهي تقول:

ان هذا المصلوب كان يشفي كل مرض وكل سقم في الشعب.

قالت الاخرى بحزن:

يا اختي ان الحق لا يموت ابدا ، و لكن هذا الشاب يموت لكي يدوس الموت، و ينقذ ها العالم البائس الغارق في الخطية..

قلت في نفسي بعد ان سمعت الحديث بينهما: عجيب امر هذا الطبيب؟ انه يشفي كل مرض و كل سقم في الشعب ثم يحكم عليه بالموت صلبا؟ هل يوجد في العالم مثل هذا الطبيب؟

الطبيب كما اعلم ينظر الى المرضى كحالات قابلة او غير قابلة للشفاء ولكن هذا الطبيب العجيب يشفي مرضاه بالمعاناة وسفك الدماء.. باكليل الشوك والجراحات. أيكون هذا الانسان هو ما تنبأ عنه اشعياء النبي "جرح لاجل معاصينا و سحق لاجل اثامنا" وها الظلام يلف الكون الما و حزنا.

اللؤلؤة الثمينة:

وفي تلك اللحظة الحزينة وبدون وعى مني. قفز الى خاطري صورة لؤلؤة ثمينة كان قد اخرجها الغواص من البحر وتهلل بها التجار دون ان يدروا من اين اتت ووقفت اتأملها بذهول..

ولعلي كنت اراها بعيون القلب كما كان يراها القديس مارافرام السرياني..

طيات من النور بلا ظلال..

ورموز بلا لسان..

وكنوز من الاسرار..

جاءت بها من حيث اتت..

من بحر عظيم لا يدرك لججه..

بلا شواطئ و بلا حدود..

ولكن اللؤلؤة امسكوا اللؤلؤة بلا محبة او رحمة وبعنف مررورا بها المخراز.

في الجلجثة:

مرت امامي هذه الصورة وانا ارى المسامير تدق في اليدين الطاهرتين..

وبسبب الامه .. اضاء العلو والعمق..

اضاء نور المعرفة ظلمة الجهل..

والشعب السالك في الظلمة ابصر نورا عظيما..

حتى اللص اليمين رأى في الصليب شجرة حياة..

ربح اللص اليمين بعد ان ربحه الايمان..

رفعه الايمان ووضعه في الفردوس..

وهذه كانت الثمرة.. وكان اللص آكلها..

بدلا من ادم!!

الهدايا:

نظرت الى الصليب وفجأة وقع بصي على ام المصلوب وهي جاثية تحت قدميه باكية فتجمدت مكاني والامل يعتصر قلبي.

هذه الام الحزينة جارتي وهذا المصلوب ابنها..

اخيرا وجدت الاسرة التي ابحث عنها لفترة طويلة..

سمعت صوتا خافتا يناديني باسمي.. كان المصلوب هو الذي يناديني قائلا لي: لا تحزن .. لقد تسلمت هداياك..

قلت بدهشة: متىى واين يا سيدي؟!!

قال: اخذت منك الياقوتة الحمراء في الكوخ الصغير،

والزمردة الخضراء في بيت المريض،

واللؤلؤة في بيت الاسرة التي سددت ديونها.

الحق اقول لك، بما انك فعلت بأحد اخوتي الاصاغر فبي قد فعلت!

6 يناير 2014

في عتمة الليل

في عتمة الليل.. و في بيت لحم،
سرت من شارع الى شارع،
جذبني نور باهر يشع من حظيرة.
عندما دلفت الى الداخل، تعرفت على وجوه مضيئة..
عذراء طهور.. و شيخ وقور.. و طفل الهي.
كان نوره فائقا و بهاؤه اخاذا و جماله ابرع من كل البشر
بعد ان تعرفت عليه ادركت انه هدية السماء للارض.. 
و طريق المصالحة بين الله و الناس.
سجدت امامه،
وقدمت له اغلى ما املك بل كل ما املك.
الانبا موسى اسقف الشباب

4 يناير 2014

محبة الله وخوف الانسان

فى خلال رحلة لمدينة بورسعيد ، جلست فى مكان هادئ، وطلبت شرب فنجان شاى فلما أتى به حامله وضع لى سكر وشاى وكوب ماء.

وبينما اتناول الفنجان وجدت قطة تصعد بهدوء للترابيزة وتقترب بفمها ولسانها من كوب الماء، وابتدأت تلعق بلسانها فى كوب الماء. كانت عطشانة للماء واستمرت تشرب حتى قارب نصف "شوب" الماء الكبير ان ينتهى.

رأيت ذلك فابتسمت وقلت لها أهلاً وسهلاً "على مهلك" .. ظلت تشرب وتنظر الى ، الى ان رأى ذلك اثنان كانا بجوارى فابتسمنا جميعاً معاً . لكن احد الاثنين فكر بإنسانية ان يملأ الكوب الذى بدأ يتناقص بكوب ماء كان بيده ..

ولما هم بالوقوف تحذرت القطة ، ولما اقترب ليزيد لها الماء ويقلل من عنائها فى احناء الرقبة داخل الكوب، دخلها الخوف من طبيعة الانسان الذى اعتادت ان يقابلها بالقساوة، فهربت مذعورة
====
فبينما تعجب حامل كوب الماء كيف انه يفكر خيراً ويقدم خيراً فيستقبل خيره بالذعر والرفض والفرار . تذكرت طبيعة الله تعالى المملوءة خيراً ، والكلية الحنان والرأفة، كم تقدم لنا ونحن نهرب ونرفض ونخاف. 

من كتاب "يوميات تائب" لابونا يوسف اسعد