5 سبتمبر، 2013

التجارب (الضيقات)




المحنة كالنار: إن وجدتك ذهباً نزعت ما فيك من أوساخ ، وإن وجدتك تبناً حوّلتك إلي رماد.
أعتبر هذا العالم كور صائغ تجد فيه على السواء الذهب والتبن والنار: الأبرار فيه كالذهب والاشرار كالتبن والتجربة كالنار والله كالصائغ.
البار يسبح الله والذهب يلمع ؛ الكافر يجدّف على الله والتبن يدخّن: أحدهما يتنقي والآخر يهلك بالتجربة ذاتها كما بالنار ؛ أمّا الله الذي هو الصائغ فأنه يُمْدَحُ من أجل هذا وذاك.
كثرة الأشرار مناسبة دائمة لتنقية الأبرار ؛ لأنه وإن أختلط الأبرار بالأشرار واختفوا في صفوفهم فإن الله يعرف خاصته.
لا تضيع سبيكة صغيرة من الذهب في كومة من التبن إذا كانت يد صائغ كهذا الصائغ فوقها.
ما أكثر التبن وأقل الذهب ! ولكن لا تخف لأن الصائغ يتمتع بمهارة تخوله أن ينقّي ويحفظ من الضياع.
لك أقول أيها المصغي إليَّ : لا أقول من نفسي وبلساني: كن صالحاً وأحتمل الشر ، كن صالحاً وأحتمل الشر مضاعفاً.
كن صالحاً ولا سيما في باطنك ؛ لأنك إن لم تكن صالحاً في باطنك فلست صالحاً البتة ؛ وعليه ، كن صالحاً من الداخل وأحتمل الشر في الخارج والداخل.
أحتملْ في الخارج من كان خارجاً عن معتقدك وغير مؤمن ، وأحتمل ، في الداخل ، المسيحي غير الصالح .
وإذ تحتمل الأشرار الذين يضايقونك تعجب باطنياً وتشمئز كأن يوم التذرية قد حان لقد وضعت هناك للدياس ولا تزال على البيدر للغربلة.
 تنقل الحنطة والحزم إلي البيدر لكي تؤمن الشعوب فهل تظن أنك الحنطة الوحيدة على البيدر؟
أنتحبْ على البيدر لكي تفرح في الأهراء.
تدرَّبْ على الحياة بين الأشرار ، ولا تقل: إن كان لابدَّ ، أقله ، من الأشرار ، امتحاناً لي فليكن عددهم قليلاً وعدد الأبرار كبيراً.
أنت لا تفكّر بأنهم ، إن كانوا قلَّة ، لما استطاعوا أن يدربوا عدداً كبيراً . إن كنت رجلاً فطناً عرفت أنه لو كثر عدد الأشرار فعلي جيش الأبرار القليل العدد أن يعمل وسط تلك الكثرة من الأشرار. الإنسان في شقائه بعرق جبينه يعمل ، والذهب يتنقي بالعرق.  كنْ إذن في جمال بيت الله.
إن كانت المحنة كالنار فالسعادة كالماء ؛ النار تحرق والماء ينتن ؛ فعلي الإنسان أن يخشى حريق المحنة وماء الفساد.
متى نضَبتْ الخيرات أو حدث ما يسمونه في العلم كارثة ؛ كانت النار ؛ ومتى أزدهرت الأعمال وعاش الإنسان في بحبوحة من الأرض كان الماء.
حذار من أن تحرقك النار ويفسدك الماء. وبالتالي كافح النار ، إذ عليك أن تقسو كإناء الخزف وأن تلقي في أتون النار ليشتد كيانك .
 الإناء الذي قسا لا يخشى الماء ، إن لم يشتد في النار فالماء يذّوبه ويصيره وحلا . لا تسرع إلي الماء بل روحْ إليه ، اعبر النار ، لكي تعبر الماء أيضاً .
حين لا تنفجر في النار ولا تغرق في الماء بل تسبح فوقه تصل إلي الراحة ؛ وبعد أن تجتاز النار والماء تقاد إلي مكان التبريد.
متى أراد الله أن يشدد ما قد كونه يبدو غاضباً عليك . فلا تخف لأنه لا يغضب لكي يهلك وهو أب. إن استبقاك ساعة تهينه كان أشد غضباً.
إن تجارب هذا العالم هي بمثابة عصيّ ، بيد من يصلح ، تجنيباً لقضاء العذاب.
العنب المدلي على الكرمة يبدو كاملاً ولا يشعر بالعصر ، إنما لا يسيل منه شيء . ولكن حين يلقي في المعصرة ويداس ويعصر يبدو وكأنه قد أهين ؛ بيد أن هذه الإهانة ليست عقيمة .
 زد على ذلك أنه لولا تلك المعاملة له لظلّ عقيماً. إن كنت حتى الآن لم تلقَ أي اضطهاد من أجل المسيح فلأنك لم تحيَا حتى الآن بالتقوى في المسيح .
 ولكن متى بدأت تعيش ، تدخل المعصرة حيث تستعد لأن تدوسك الأرجل . ولكن لا تكن جافاً مخافة ألاّ يخرج من المعصرة شيء.
لقد ولدت لكي تتحمل الضربات لأن ولادتك من آدم الذي حُقًّتْ له الضربات.
لا يجلد (يتألم) الخطاة غالباً في هذه الحياة أو قد يجلدون أقل ممل يلزم لأن إرادتهم قد سئمت . وبالنتيجة فإن أعدت لك الحياة الأبدية فمن الضروري أن تجلد ها هنا.
لأن الرأي التالي صحيح: (يا بنيّ لا ترذل تأديب الرب ولا تسأم توبيخه فإن الذي يحبه الربّ يؤدبه ويرتضي به كأب بابنه"أمثال11:3-12").
إن رذلت التأديب فلن تعطي الميراث لأنه من الضروري أن يؤدب كلّ ابن . لقد جلد الكل حتى الآن والذي لم يعرف الخطيئة جلد أيضاً.
أستعد لكي تأخذ نصيبك من الجلد ؛ وإلاّ لما كنت مقبولاً . أنه يجلد كل ابن يرتضيه ، فهل تعفي من ذلك؟ إن لم تتألم مع المجلودين فلن تحصى مع البنين. 
القديس اغسطينوس
عن كتاب "خواطر فيلسوف في الحياة الروحية"