24 مارس، 2013

مقتطفات من كتاب "النبي" 2

وقال كاهن شيخ حدثنا 
عن الدين
فقال: وهل حدّثتكم اليوم عن شيئ سِواه؟
أليس الدِّين هو كلَّ عملٍ وكلَّ تكفير؟
ثم هو أيضاً ما ليس بعملِ ولا تكفير, بل عَجَبٌ
ودهْشَةٌ ينبعثان من النّفس دوماً, حتى حين تَنْحَتُ
اليدُ الصَّخرى أو تُدير النَّولَ.
ومن ذا الذي يستطيع أن يفْصِلَ إيمانه عن عمله,
أو عقيدتُه عن شواغِله؟
ومن ذا الذي يستطيع أن يَنْشُرَ أوقاته, بين يديه
ويقول:
((هذه للّه, وهذه لي؛ هذي لروحي, ولجسدي
هذي؟))
إن أوقاتَكُم جميعاً لأجنحةٌ تضربُ في الفضاء,
مُتَنَقلة من نفسٍ.
***
ومَن إكتسى بفضائله ليَبْرُزَ في أبهى زيّه, أوْلى به
أن يظلَّ عارياً؛
ومن يُحدّدُ سلوكُه بقواعد الأخلاق, يسجن طائره
الصَّدَّاح في قفص؛
فإن أكثر الأغاني انطلاقاً لا تنْبعثُ من بين الأسلاك
والقُضبان.
ومن يَرَ في العِبادة نافذةٌ يَفْتَحُها ثم يستطيعُ أن يُغْلِقها,
فإنه, لم يُلمَّ بعد بمسكن روحه, حيث النّوافِذُ
تُشْرَعُ من فَجْرٍ إلى فَجْرٍ.
***
إن الحياة التي تَحياها كل يوم, هي مَعْبَدُك وهي
دينُك؛
فاحرص كُلَّما وَلَجْتها أن تأخُذ معك كلَّ زادك:
خُذِ المِحْراث والكورَ والمِطرقة والرَّبابَ,
والأشياء التي هيَّأتها لتسُدَّ حاجتك أو لتُرفِّه عنك؛
فإنك لا تستطيع حين تُحلّق في سماء أحلامك,
أن تَسْموَ فوق ما عَلَوْتَ, ولا أن تَهْبِطَ دون ما
سَقطْتَ.
ولِتَصْطَحب معك الناس جميعاً إلى الهيكل:
فلن تستطيع خلال العبادة أن تُجاوِز في تحْليقكَ
أمانيهم, ولن تهْبُط نَفْسُك إلى أدنى من مواطئ
يأسهم.
***
وإذا أردتم أن تَعْرِفوا الله فلا تَشْغَلوا أنفُسَكم بحلِّ
الألغاز,
بل أنظروا فيما حولكم تَرَوْه يُداعب أطفالكم.
وانظروا إلى الفضاء تُبْصِروه يسير بين السّحاب,
ويَبْسُط ذِراعيه مع البَرق, ويتنزّل في المطر.
سترون بَسْمَتَهُ في الزّهر, وحين يعلو يَخْفقُ
الشجر بِخَفَق يديه.‬
***
و قال شاعر حدثنا عن 
الجمال 
فقال: كيف تَسْعَون إلى الجَمال, وكيف تجدونه إن لم
يكن هو الطّريق والدِّليل؟
وكيف تتحدَّثون به إلّا إذا كان هو الذي يَحيكَ بردَ
حديثكم؟
***
يقول المظلوم ويقول المكْلوم:
((الجَمال رفيقٌ رَقيقٌ,
يسيرُ كما تسير الأم الشّابَّة بيننا على شيئ من
الأستحياء, لما تَحْمِلُ من فَخْرٍ)).
ويقول مَشْبوب العاطفَة:
((لا, بل الجَمال قويٌّ مَرهوب كالعاصفة تُزَلْزِلُ
الأرض من تحتنا, وتهزُّ السَّماء من فوقنا)).
***
ويقول المتْعبُ المنْهوكُ:
((الجَمالُ همسات ناعِمَة تُنْدي أرواحنا,
ويَخْلُدُ صوتُه إلى سكناتنا كالضّوء الخافت,
يَرْتَجِفُ خوفاً من الظِّل)).
***
ويقول القَلِقُ:
((لقد سمعناه يَهْتف في شعاب الجبال,
يُلاحق هُتافُه وطأ حَوافِرَ, ورفيف أجنحةٍ, وزئير
أسود)).
***
وفي الليل يقول حُرّاس المدينة:
((سَيطْلعُ الجَمال مع الفجر من الشَّرْق)).
***
وفي رائعة النّهار يقول الكادِحون وعابرو السَّبيل:
((لقد رأيناه يُطلُّ على الأرض من نوافذ الغروب)).
***
ويقول أسيرُ الجَليد في الشِّتاء:
((سيأتي الجَمالُ مع الرّبيع يَتَوثَّبُ فوق التّْلال)).
***
ويقول الحُصّاد في قَيْظِ الصّيف:
((لقد رأيناه يُراقصُ أوراق الخريف, ولَمَحْنا نُدَفَ
الثَّلج في شَعْره)).
***
أجلْ, لقد وصَفْتُم الجَمالَ بهذا كله,
لكنكم لَعَمْري لم تتحدَّثوا عنه إلّا بحاجات لكم
تُقصَ.
والجمال ليس حاجة بل هو نَشْوة.
وما هو بفَمٍ عَطْشان, ولا يدٍ ممدودة فارِغة,
إنما هو قلب مُشْتَعل ونفس مَفْتونَة.
وما هو بالصّورة التي تَودُّ أن تراها, ولا الأغنية
التي تَوَدُّ أن تسمعها,
إنما هو صورة تَراها وإن أغمضت العين, وأغنية
تَسْمعها وإن سَدَدْتَ الأذن.
وما هو بعصيرِ يَكْمُنُ تحت لِحاء الشّجر المخدَّد,
ولا هو بجناح عالقً بمخلب.
إنما هو بُسْتانٌ لا يغيب زَهْره أبداً, وكوكبةٌ من
الملائكة أبداً تُحَلِّق.
***
يا أبناء أورفاليس, إن الجمال هو الحياة ساعة
تَكْشِفُ عن وجهها القُدْسيِّ.
ولأنتم الحياة, ولأنتم الحجاب.
وهو الخلود يَسْتَجْلي وَجْهه في مرآة.
ولأنتم الخُلود, ولأنتم المِرْآة.‬
+++

عن المتعة:
المتعة أنْشودَةُ حُرِّيَّة,
لكنها ليست الحرِّية.
إنها رغباتكم تتفتَّح أكمامُها,
لكنّها ليست ثمارها.
إنها عمقٌ ينادي العُلا,
لكنها ليست العَميق ولا العَليَّ.
بل هي ذلك الذي احتبس في قَفَص, ثم اتّخذ
جناحاً,
وليست فضاء تكتنفه حدود.
لعمْري إنما المتعةُ أنشودة حُرِّية.
ولَكَمْ تمنَّيتُ لو بها تغنَّيتم بملءِ قلوبكم في الغناء.
***
إن بعض شبابكم يسعى إلى المتعة كأنها كل شيئ,
فتلحقُهم الأدانة ويَحِقُّ عليهم التَّأنيب.
ولو كنت منكم ما أدَنْتُهم ولا أنَّبتهم, بل لَشَجَّعْتُ
مَسْعاهم؛
لأنهم حين يجدون المتعة لن يجدوها منفردة,
فسَبْعٌ هُنَّ أخواتها, وأقُّهن جمالاً أبهى من المتعة
ذاتها.
ألم يأتكُم نَبَأ الذي راح يَنْبُشُ الأرضَ بحثاً عن
الجذور فاكتشف كَنْزاً؟
***
إن بعض الشُّيوخ منكم يذكرون المُتَع التي نَعموا
بها نادمين, كمالو كانت آثاماً أقترفوها وهم
سُكارَى.
لكنَّ النّدم غاشِية تَحِلُّ بالفكر وليست عقوبة,
وأوْلى بهم أن يذكَّروا متعهم شاكرين ممتنّين,
تَذَكُّرهم محصول الصيَّف.
فإذا لم يكن غير النَّدم راحة لِقُلوبِهم, فَدَعْهُمْ
يَلْتَمِسونَ الرّاحَةَ فيه.
ومنكم مَن ليسوا بشباب يَسْعى إلى المتعة, ولا هم
شيوخ يَذَّكَّرون,
وفي جَزَعهم من السّعي والذّكرَى يتحاشون المُتع
جميعاً خَشْيةَ أن يُهْملوا رعاية أرواحهم او يُسيئوا
إليها.
أولئك مُتْعتهم في اطّراح المُتعة.
وهكذا يكتشفون هم أيضاً كنزاً, وإن نَبْشُهم
بحثاً عن الجذور بأيدٍ ترتعش.
لكن خبِّروني: مَن ذا الذي يستطيع أن يُسيء إلى
الرّوح؟
أو يستطيع البلبلُ أن يُعكِّر صَفْوَ اللَّيل, أو تُسيء
اليَراعَةُ إلى النُّجوم؟
وهل تستطيع شُعْلَتك أو دُخانُك أن يُثْقِلَ كاهِلَ
الرّياح؟
أو تَحْسَبُ أن الرّوح بِركةٌ هامِدَة تستطيع أن تُزْعِجَ
صَفْوَها بِعَصاك؟
***
ألا ما أكثرَ ما يكون إعراضُك عن المتعة ادِّخاراً
لشوقك إليها في أطواء ذاتك.
ومن يدري أن ما تُنْكِره اليوم ينتظرك في غدك؟
إن جسدك نفسه لَيَعْلَم ما وَرَثَ, ويعلم حاجَتَه
الحَقَّة, ولن يخدعه عنها شيئ.
وجسدُك هو قيثارَةُ روحك,
أنت الذي تُنْطقها بالنِّغم العَذب, أو اللِّحن
المضطرب.
***
ولْتُسائلنَّ نفسك الآن: كيف أميِّز في المتعة بين ما
هو خَيْرٌ ومَا هو شَرٌّ؟
ألا فامض إلى الحقل والبستان, ترى أن النّحلة
تجد المْتعة في جَنْي العَسَل من الزّهرة.
لكن الزَّهرة أيضاً تجد المُتْعة في أن تُسْلِمَ النحلَ
رحيقها.
فالزِّهرةُ في عيْن النّحلة ينبوع حياة,
والنّحلةُ في عين الزّهرة رسولُ حُبّ
والنّحلةُ والزّْهرة يجدان في الأخذ والعطاء حاجةً
ونَشْوَةً.
***
يا أهل أورفاليس, كونوا في مُتْعَتِكم كالزّهر
والنّحل
+++

عن الخير و الشر :
 
عن الخير فيكم أستطيعُ الحديثَ, لا عن الشَّرِّ.
وهل الشَّرُّ إلّا خيرٌ أضْناهُ كا كَمَنَ فيه من جوع
وظمأ؟
لَعَمْري إن الخير إذا جاع التمس الطّعام ولو في
الكهوف المظْلِمَة, وإذا عَطِش رَوَىَ ظمأه ولو من المياه
الآسنة.
***
أنت خَيِّر إذا ثَبتَّ على مبدأ واحد مع نفسك,
لكنك لا تُصبح شرّيراً إذا أنت لم تفعل.
فإن البيت المنقَسم على نفسه ليس وَكْراً لِلُّصوص؛
هو بيت مُنْقَسمٌ علىَ نفسه فحَسبْ.
وقد تهيم السَّفينة بلا دَفَّة شَريدةً بين الجُزُر المحفوفة
بالمخاطر, لكنها لا تَهوي إلى القاع.
***
وأنت خَيِّرٌ حين تَسْعَى جاهداً للبْذلِ من ذات
نفسك,
لكنك لا تغدوا شِرِّيراً حين تلتمس لنفسك الغُنم.
وما مَثَلُك حين تسعى إلى الغنم إلّا كمثل الجذور
تتشبَّث بالأرض لترضع من أثدائها.
يقيناً إن الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذور:
((كوني مثلي, ناضِجة وافية, تَجودين دائماً بما أوتيت
من وفرة)).
لأن العطاء عند الثَّمرة حاجة, كما أن الأخذ عند
الجذور حاجة.
***
وأنت خيِّر حين تتحدَّث وأنت في كامل يقظتك,
لكنك لا تكون شرّيراً حين تَغفو, ولسانك يتلعثم
بلا هدف؛
فلربما كان الحديثُ المتعثر مُعيناً لِلسانٍ عاجز.
***
وأنت خيّرٌ حين تمضي إلى غايتك ثابت العزم
والخُطى,
لكنك لا تكون شريراً حين تمضي بخُطى عَرْجاء.
فإن الأعرج, على عَرَجه, لا يعود إلى الوراء.
أما أنتم أيها الأقوياء السِّراع الخُطى, فلا تصطنعوا
العَرَج أمام الأعرج؛ تخالُونه رحمةً به وشَفَقَة.
***
إنك لخيِّرٌ في أمور لا تُحصى ولا تُعدُّ, لكنك لا
تكون شرّيراً حين يُجانبُك الخير.
فما أنت إلا كمن يتلكأ ويتباطأ.
ومن أسَف أن الظِّباء لا تستطيع أن تُعلِّم
السلاحف الخفة والسُّرعة.
***
إن الخَيرَ يكمن في الشّوق إلى نفسك الشامخة,
وما مِنْ أحدٍ منكم إلّا يُكابد هذا الشوق.
لكنه في بعضكم كالسيل المجتاح, يندفع جارفاً
صوب البحر, حاملاً أسرار التّلال وأناشيد الغاب.
وفي بعضكم كالجَدول الهادئ, يتأود في
في المنحنيات والمنعطفات, ويتريث قبل أن يبلغ
الشاطئ
لكن حذار أن يقول مَن لجَ به الشوق لمن قلَ
شوقُه: ((فيمَ تريُّثُك وتوقُّفُك؟))
فإن الخيِّرَ حقاً لا يقول للعُريان: ((أين ثوبك؟)) ولا
للشَّريد: ((ما الذي دَهمَ بيتك؟
+++

عن الزمن:
تودون أن تقيسوا الزمن الذي لا يُقاس ولا يُحد,
وأن تُخْضِعوا سُلوككم لمقتضى الساعات
والفصول, بل تستهدوا بها في منازع نفوسكم,
وأن تجعلوا من الزمن جدولاً تجلسون على
ضفافه, وتتأملون مجراه.
***
لكن ما هو خالدٌ فيكم يُدْرك أن الحياة لا يَحُدُها
زمان,
ويعلم أن الأمس ماهو إلا ذاكِرةَ اليوم, وأن الغد
ما هو إلا حُلمه,
وأن ما يتغنى فيكم ويتأمل لا يزال يسكن في
رحاب اللحظة الأولى, تلك التي أنتثرت فيها النجوم
في الفضاء.
فأيكم لا يحس أن قدرته على الحب لا تَعرفُ
الحدود؟
ولكن أيكم يشعر أن هذا الحبَ نفسه, وإنْ
أفلت من الحدود, مَضموم في صدر وجوده, لا
يخرج من فِكرة حبٍ إلى أخرى, ولا من مَسعَى حبِ
إلى آخر؟
أليس الزمن كالحب نفسه, لا ينقسم ولا يُقاس؟
***
فإذا تراءى لكم أن تقسموا الزمن إلى فصول,
فاجعلوا كل فصل يحيط بالفصول الأخرى جميعاً,
ودعوا الحاضر يُعانق الماضي بالذكرى والغدَ
بالحنين
+++

عن الكلام:
إنكم تتكلمون حين يدب الخصام بينكم وبين أفكاركم ,
فإذا عجزتم عن أن تَخلدوا إلى عزلة قلوبكم
تعلَقت حياتكم بِشِفاهِكم, وانطلقت أصواتكم تلهيةً
وإزجاءً للفراغ.
ومع أكثر كلامكم يَهْلِكُ نصف تفكيركم؛
لأن الفكر من طير الفضاء, قد يستطيع أن ينشر
جناحيه في قَفص الألفاظ, لكنه يعجز عن أن يطير.
***
ومنكم من يسعى إلى من يُثرثرون؛ خشية الخلو
إلى نفسه؛
لأن سكون الوحدة يكشف لأعينهم خَفايا ذواتهم
العارية فيفرُون منها.
ومنكم من يتحدثون, فيكشفون بلا علمٍ أو رويةٍ
عن حقائق يفوتهم معناها.
ومنكم من لَقِنوا الحقيقة في أعماقهم, لكنهم
يأبون أن يُفصحوا عنها بالكلام,
وفي صدرِ هؤلاء تقيم الروح في إيقاع السكون.
***
إذا لقيت صديقك في الطريق أو في السوق, فدعِ
الروح الكامنة فيك تُحرك شفتيك وتوجه لسانك.
دع الصوت الهاتف وراء صوتك يتحدث إلى
الأذن المُصغية من وراء أذنه؛
فإن روحه تحفظ حقيقة قلبك, كما يحفظ اللسان
مذاق النبيذ
يوم يُنسى لونه وتُطوى كأسُه.‬
+++

عن معرفة النفس:
لا يستطيع الأنسان أن يكشف لك عن شيئ إلا
إذا كان غافياً في فجر معرفتك,
المعلم الذي يمشي في ظل المعبد بين مريديه لا
يُعطي من حِكْمَته بل من إيمانه ومحبته,
فإن كان قد أوتي الحكمة حقاً, فإنه لا يدعك تلجُ
باب حكمته, بل يقودك إلى عتبة فكرك أنت.
والفلكي قد يحدثك عن فهمه للفضاء, لكنه لن يستطيع
أن يمنحك هذه المعرفة.
والموسيقي قد يُنشد لك اللحن الذي عم إيقاعه
أرجاء الفضاء, لكنه لا يستطيع إعارتك الأذن التي
تلتقط الأيقاع, ولا الصوت الذي يردده.
والعالم المتمكن من حساب الأعداد يستطيع أن
يحدثك عن مجالات الوزن والقياس, لكنه لن
يستطيع أن يقود خُطاك إليها؛
---
لأن بصيرة هذا لا تُعير ذاك جناحها.
وكما أن كل واحد منكم قائم بذاته في علم الله,
كذلك يجب أن يقوم كلٌ منكم قائماً بذاته في علمه
بالله, وفهمه أسرار الأرض.‬
+++

عن الفرح و الحزن:
وما أكثر ماتمتلئ البئر التي تستقون منها
ضحكاتكم بفَيْضِ دُموعكم.
وكيف يكون الأمر غيرَ ذلك؟
فعلى قدر مايغوصُ الحزنُ في أعماقكم يزيد
ما تَسْتَوعِبون من فَرَح.
أليست الكأس التي تحْمل خَمْرَكم هي هي الكأس
التي احترقت في أتون الفَخاري؟
وأليست القيثارة التي تَسْكُنُ لها نفوسكم هي هي
قطعة الخَشَب التي حَفَرتْها سكين؟
حين يستخفك الفرح, ارجع الى أعماق قلبك
فترى أنك في الحقيقة تفرح بما كان يوماً مصْدر حُزنك
وحينَ يغْمُرُكَ الحزن تأمَل قلبك من جديد
فسترى في أنك الحقيقة تَبكي مما كان يوماً مصدر
بهجتك.
----
يقول بعض الناس: ((الفرح أسمى من الحزن))
ويقول آخرون: ((إنما الحزن أسمى))
ولكني أقول لكم إنهما لا يتفصلان ....
معاً يُقبلان, وإذا إنفرد أحَدُهما بك على المائدة ,
فتذكر أنَ الآخر يرْقُد ُ في فراشك .
---
ولعمري إنكم لَمُعَلَقُون مثل كُفَتيَ الميزان بين
أحزانكم وأفراحكم.
ويوم تَفْرَغُ مِنكم النفوس تثبتُ حالكم ؛ إذ تتساوى الكُفَتان,
وحينَ ترفعُ يدُ الوزَان الأعلى لِتزِنَ فيكَ ماله من
ذهبٍ وفضَة, فلا مفرَ من أن تَثْقٌلَ موازينُ فَرَحِكُمْ
وحُزْنِكُمْ أو تخفَ...‬
+++

عن المعرفة:
إن قلوبكم في صمت تُدرك أسرار الأيام والليالي,
لكن آذانكم تتعطش إلى صوت المعرفة ينبعث من قلوبكم
وكم تتمنون أن تعرفوا باللفظ ما عرفتموه دائماً بالفكر
وإن تلمسوا بأصابعكم العري في أجساد أحلامكم العارية.
...
ونعم ماتُريدون؛
فلا بد أن يفيض الينبوع المحجوب في نفوسكم,
وأن ينطلق مهمهماً صوب البحر,
وأن يتكشف لأبصاركم الكنزُ المنطوي في أغوار
نفوسكم السرمدية.
ولكن حذارِ أن تزنوا بالموازين كنوزكم الخافية,
أو تُدلو بالعصي أو الحبال لتسبروا أغوار معرفتكم,
فإن الذات بحر مترامٍ لا يحد ولا يقاس.
...
ولا تقل: ((وجدت الحقيقة))
بل قل: ((وجدت بعض الحقيقة))
ولا تقل: ((إكتشفت سبيل الروح))
فإن الروح تسير في جميع السُبُل؛
لا تسير في خطٍ مرسوم, ولا تنمو كما تنموا
القصبة,
وإنما هي تتفتح كزهرة اللوتس, أكمامها لا
تحصى.‬
+++

عن الالم:
إن الألم الذي بكم, هو أن يتفتق الستر الذي يحيط
بإدراككم.
وكما أن نواة الثمرة تتفتق لتكشف قلبها للشمس,
كذلك الألم, لا مناص لكم من أن تخبروه,
ولو استطعت أن تجعل قلبك يتهلل دائماً للعجائب
التي تتكشف لك كل يوم, لرأيت أن آلامك لا تقل روعة
عن أفراحك؛
ولرضيت بالأطوار التي تنتاب قلبك, كما رضيت
دائماً بالفصول تتعاقب على حقلك,
ولوقفت رابط الجأش, ترقب شتاء أحزانك.
...
إنما أنت الذي إخترت أكثر آلامك.
إنها الدواء المر, به يُداوي مرضك طبيبٌ خفيٌ في
نفسك؛
فالتثق إذاً بالطبيب, ولتتجرع دواءه في صمت
وطمأنينة,
فإن يده, وإن بدت ثقيلةً خشنة, لتهديها يدٌ حانيةٌ
لا يُرى صاحبها الأعلى.
والكأس التي جلبها, وإن أحرقت شفتيك, قد صنعت
من صلصال مزجه الخزاف الأعلى بدموعه
المقدسة.‬
 
 
 
  
+++
عن العقل و العاطفة:
ما أكثر ما تكون نفوسُكم ساحةَ قتال, تشُنُه
عقولكم ونُهاكم على عواطفكم وشهواتكم.
وإني لأتمنى أن أحل في نفوسكم صانع سلام,
فأشيع الوحدة بين عناصركم المتنافرة, وأردَ تنافسها
إلى وئام وتناغم.
ولكن هيهات أن يُتاح لي ذلك إلا إذا كنتم أنتم
أنفسكم صناع سلام, بل عشاقاً لجملة عناصركم.
...
إن عقولكم وعواطفكم هي الدفة والشراع
لأرواحكم السارحة في البحار,
فإذا تحطمت الدفة أو تمزق الشراع, تقاذفتها الأمواج
فضلَت أو توقفت بلا حراك وسط الخضم.
فالعقل إذا سيطر وحده بات قوة تقيدكم؛
والعاطفة إذا تُركت وشأنها دون وازعٍ غدت لهيباً
يتلظى حتى تخمد؛
فدع روحك تُحلق إلى ذُرى العاطفة, حتى تصدح بالنغم
ودعها تهدي عاطفتك بالحجا؛ فالعاطفة تحيا
كل يوم بالبعث المتجدد, كالعنقاء تحرق نفسها
ثم تنهض من بين الرماد.
وليتكم تنظرون إلى نهاكم وشهواتكم نظرتكم إلى
ضيفين عزيزين حلا بداركم.
يقيناً أنكم لن تؤثروا أحدهما على الآخر؛ فإنكم
إن أسرفتم في العناية بأحدهما فقدتم حب الأثنين
وثقتهما.
...
وإذا جلستَ فوق التلال في الظل الرطيب لأشجار
الحور الأبيض, وشاركت ما ترامى من الحقول والمروج
هُدأتها وصحوتها, فدع قلبك يُردد في سكون: ((إن روح الله
تسكن في العقل)).
وإذا هبت العاصفة, وهزت الريح العاتيةُ أرجاءَ
الغابة, وأفصَحَ الرعدُ والبرقُ عن جلال السماء, فدع
قلبك يُردد في خشية: ((إن روح الله تموج في العاطفة))
وما دُمت نفساً يتردد في ملكوت الله, وورقةً
تضطربُ في غابته, فلتسكن أنت أيضا في العقل
ولتموج في العاطفة.‬
+++