15 أكتوبر، 2014

الان رأتك عيناي


كان جالساً على كُرسيٍ خشبي عتيقٍ عند طاولته العريضة التي تنوء بحملها من المطارق والمسامير والمقصات والخيوط وقطع الجلد وبقايا الأحذية ، كيف لا وهو إسكافي البلدة الأوحد الذي لم يفته حذاءٌ لفقيرٍ أو غني دون أن يمر على تلك الطاولة للإصلاح أو الصبغ على الأقل. كانت ورشته تلك بمحاذاة الشارع الرئيسي في تلك البلدة القوقازية الصغيرة ، ولكنها اقل من مستوى الشارع ذاته بأكثر من مترٍ إذ إنها تقع في قبو منزلٍ عتيقٍ من طابقين ، وبالتالي فقدر الرجل أن لا يرى إلا أحذية الناس وبالكاد سيقانهم ، أما إن شاء أن يرى أكثر فعليه أن يخرج برأسه من النافذة ليرتقي بنظره الأفق فيرى ما هو أكثر من الأحذية والأرجل . أما زائريه ، وهم كثرٌ فإنهم يهبطون درجاً من بضع سلالم ، وذات تلك الورشة كانت مسكنه ، إذ في ركنٍ مواربٍ منها يستقر سريره الخشبي العتيق المتهالك .
كان الغروب موشكاً على الحلول والشمس تسحب اشعتها الذهبية راحلةٍ نحو مكمنها الكوني الدائم ، وكان آخر حذاءٍ في برنامج عمله لهذا اليوم يوشك أن يستقبل آخر غرزات الإبرة قبل أن يستقر على الرّف ليسلم غداً لصاحبه . كان الرجل خبيراً بالناس من خلال أحذيتهم التي ليس فيها من لم يمرّ عليه مرّةٍ أو اثنتين ، كان يعرف منْ المار أو المارة من خلال حذائه أو حذائها ، آخر من مرّ قبل هنيهة كانت "نتاليا" خادمة السيد "يواكيم".
كان "مارتن" في الخامسة والخمسين من العمر ، وحيداً … طيب القلب … نقي السريرة … ذو ضميرٍ حيٍ بشكلٍ مرهق لصاحبه …! لم يكن في واقع الحال شديد التدين، ولكنه لا يكف عن قراءة الإنجيل التأمل في مواقف السيد المسيح مع أعدائه او أصدقائه.
حسناً … وضع الحذاء جانباً ، فتح إنجيله تماماً ككل مرة في مثل هذا الوقت. لم يغلق نافذته رغم إن حركة الشارع قد خفّت، ولم يعد متوقعاً أن يزوره زبونٌ في مثل هذه اللحظة التي شرعت فيها البرودة بالهبوط على تلك الأنحاء، وشرع يقرأ .. قرأ عن طيبة السيد المسيح ورقته وحلمه وصبره … شعر بغصةٍ في داخله …
- رباه … كم عانى منهم! حسرتي عليه من أولئك ( الفريسيين ) … كم كان نبيلاً معهم! وكيف استقبلوا نبله بالقسوة والظلم … رباه … !! .
فكر في داخله …. لا بل … وتصور بمخيلته المتألقة في تلك اللحظة ، وبمنتهى الوضوح هيئة السيد ، ملامحه، كلماته، لغة حواره معهم، وتخيل وجوههم، سحناتهم، أفواههم وهي ترد عليه بقسوة …
همس لنفسه: وأنا … ألست قاسياً مع الناس؟ …كم أنا قاسٍ مع أخوتي بنو البشر!…أنظر ( ونظر حوله إلى أشيائه القليلة الرخيصة )… أنظر لما في حوزتي من زادٍ وماءٍ وقهوةَ وقمحْ ، لعمل العصيدة اللذيذة ، ونقودٌ لخبزي ولبني و…ومع ذلك ، هل فكرتٌ يوماً في أن أكرم واحداً من جيراني أو زبائني المتعبين المسحوقين …؟ 
- يا إلهي … ماذا لو جاءني المسيح يوماً؟ … ماذا لو شرفني بالزيارة ، وهو القائل أنا بينكم حين تكونون رفقاء مع أخوتكم في الإنسانية …!!
تملكه هذا الهاجس الغريب الطارئ فسبب له قلقاً فظيعاً … فجأة ثقلت عيناه ، سقط رأسه على مسند الكرسي وأغفى .
- مارتن … مارتن. جاءه الصوت وكأنه آتٍ من بئر بلا قرار …
فتح عينيه ، نظر من النافذة إلى الشارع الذي اكتسى بعباءةٍ خفيفة من الظلمة الباكرة… نظر صوب الباب … إنه مغلق كما هو حاله منذ الصباح… "لا إنني واهمٌ ولا شك …" ، واسترخى مجدداً على كرسيه …
- مارتن … مارتن. أنظر إلى الشارع غداً صباحاً فإني قادم إليك …!!
أجفل الرجل …فتح عينيه … فركهما بقوة … نظر ملياً حوله ثم إلى الخارج …شرد ذهنه …
- أستغفرك ربي … لا أدري … أحلمٌ هو أم حقيقة …!  جرع جرعةٍ من قهوته التي بردت في إنائها … دار برهةٍ في ورشته …عاد إلى النافذة فأغلقها …أطفأ قنديله الزيتي وألقى بجسده المنهك على السرير.
***

أستيقظ باكراً كعادته … وضع قدر العصيدة على النار … لم يعي لمَ ملأ القدر بالقمح بالكامل … لم يفكر … كانت أصابعه تتحرك بهمةٍ ونشاط ، وضع إناء القهوة على النار ، فتح نافذته … لمح الصبي بائع اللبن ، هتف به :
- زجاجتان كبيرتين …!
رفع القدر عن النار ، خفض نار القهوة إلى أدنى حدٍ ممكن ، سمع سعالٍ مألوفٍ لديه . قال لنفسه:
- إنه ستيفان كناس البلدية ، مسكين لدية عدد كبير من الأطفال وزوجة قاسية ، وهو مريض … حسرتي عليه … ثم صاح: 
- ستيفان …ستيفان …تعال أرجوك …!
ترك ستيفان مكنسته مستندة على الجدار في الناحية الأخرى من الشارع وجاء وهو لا زال يسعل ويرتجف وينفخ الهواء الساخن براحتيه ليدفئهما . أستعلم الرجل مستغرباً وهو يدنو:
- ماذا يا سيدي؟
- لا شيء فقط تفضل وأدخل …!
حين دخل الرجل النحيل العليل ، فاجأه دفء المكان فاسترخى وخف سعاله وأشرق وجهه .
- أجلس …هنا عند الموقد ودفئ ساقيك …!
- ولكن …
- لا عليك ، العمل لن يتوقف على هذه الدقائق … وإذا جاء مراقب البلدية فأنا من سيتحدث معه … أنه يحترمني… تفضل …!
- ما هذا ؟
- قليل من العصيدة الساخنة …أتريد قهوة أم لبن ..
- كلا … هتف الرجل وقد غلبه حياءٌ شديد …أعني …قهوة يا سيدي …
وبينما كان هذا يتناول بحماس طعامه وقهوته الساخنة ، كان الآخر لا يستقر له قرار ، وكلما مرّ حذاءٌ ، أخرج رأسه ليرى صاحب الحذاء …:
- أتنتظرُ أحداً يا سيدي …؟
- كلا …ليس بالضبط …
- حسناً …أفارقك الآن سيدي وأنا ممتنٌ للغاية لطيبة قلبك ونبل أخلاقك …حقيقة … لم أكن أتوقع أنك بكل هذه الطيبة والخلق الكريم …
- لا عليك يا صاحبي … تعال إلي كل صباح وتناول قهوتك وطعامك …
وخرج " ستيفان " … تناول مكنسته وعاود جرف القمامة بمنتهى الهمة والحيوية وعيناه ترنوان بين الفينة والأخرى صوب دكان السيد "مارتن".
ازدادت حركة الأقدام على بلاط الشارع ، إنه الصباح وقد خرج الكادحين كلٍ إلى سبيله، عمال وفلاحين ونسوةٍ ذاهبات للتسوق ، أطفالٌ خارجون للخدمة في البيوت ، خيولُ وحمير ، رجال شرطة وموظفو بريد و…و…و…الخ .
لفت نظره وافدٌ جديد ، سيدةٌ نحيفةٌ ترتدي فستاناً خفيفاً متهرئاً وتحمل بين ذراعيها وليداً يصرخ من ألمٍ أو جوع ، والمسكينة تضمه إلى صدرها بقوة وتجهد في السير وإن بغير هدى ، لحظ إن عيناها حائرتان وهي تتلفت ذات اليمين وذات اليسار بانكسار وحزنٍ قاتل…!
أخرج نصف جسمه من النافذة وهتف بالمرأة إذ رآها تغدو قبالة نافذة دكانه :
- يا سيدة …أنتِ …نعم أنتِ … تعالي يا بنيتي …!
بهتت السيدة الصغيرة … !
- تعالي … أنزلي هذا السلم وتفضلي …!
حيته المرأة وهي تدخل ، جالت بنظرها الشاحب الكسير في أرجاء الدكان ، شعرت بالدفء يغمرها فأحست ببعض الأمان .
- أجلسي يا بنيتي …لا شك أنك متعبة…
- "نعم. إنني متعبة يا سيدي. متعبة جدا". ونظرت إلى صغيرها الذي هدأ الآن في حجرها.
- خذي. أسقي الصغير قليلاً من هذا اللبن الدافئ!
دهشت المرأة ولم تصدق تلك اليد الممتدة لها بالقدح الدافئ..
- وهذا طبقُ عصيدة لك يا سيدتي الصغيرة …وأبتسم برقة.
- سيدي لا أدري كيف أشكرك …إنني خجلة ولكن …!
- لا عليك يا بنيتي … كلنا بحاجة لبعضنا وقد يأتي اليوم الذي ستجدينني فيه بمثل هذا الموقف … لكن … لماذا أنتِ هكذا بمثل هذا اللباس الصيفي الذي لا يناسب هذا الوقت …أعني …
قاطعته قائلة :
- هذا كل ما أملك يا سيدي بعد أن طردني زوجي مع هذه الطفلة ، إنه - سامحه الرب- سكيراً ومفلساً و…أرادني أن … وتلعثمت المرأة واضطربت وخفضت رأسها حياءٍ ، ثم تابعت: "البارحة بتّ عند بعض معارفي وقد اقترضت منهم بضع روبلات لشراء اللبن والطعام لي ولطفلتي ، وقد طلبوا مني أن أودعهم شيئاً على سبيل الرهن ولم يكن لدي إلا معطفاً عتيقاً ، أودعته لديهم …و…"
نهض " مارتن " من مكانه تاركاً المرأة تسترسل وحدها بالكلام ، بحث تحت وسادته عن شيء ما ، ثم عاد إليها:
- خذي … هذه عشر روبلات، أذهبي واستعيدي معطفك … ومتى احتجت لشيء، تعالي لي …!
- سيدي … وركعت لتقبل يده، فسحبها بسرعة وهو يدمدم بشيء ما مع نفسه … !
حين خرجت السيدة الصغيرة ، قام " مارتن " بترتيب الطاولة من جديد وعكف بذهنٍ شاردٍ على ترقيع أول حذاءٍ من برنامج عمله لهذا اليوم.
- كان يوماً حافلاً " همس لنفسه وهو يخرق الحذاء بإبرته الطويلة ، ثم تابع … :
- رغم إننا لا زلنا في بدايته …

ومرت الساعات …أشتغل العديد من الأحذية أستقبل المزيد من الزبائن ، سلّم ما أنجزه لأصحابه وأستقبل ثلاثة أو أربعة أزواج جديدة ، وكسب بعض قطع النقد الصغيرة .
فجأة وإذ كان يتطلع عبر النافذة إلى الناس وهم يعودون من أشغالهم عند المساء ، لمح صبياً يجري بأقصى السرعة ، كان حافياً و… فجأة دنى من امرأة عائدة من السوق وكانت واقفةٍ وقد أسندت ظهرها إلى الحائط ويبدو أنها كانت منتظرةٍ لرفيق ما أو …دنى الفتى منها ، دس يمناه في السلة وألتقط تفاحة وتابع الجري وفجأة تعثر … على مسافةٍ غير بعيدة من المرأة فأمسكت به في الحال :
- سأعلمك كيف تسرق أيها القذر ، هيا إلى الشرطة …!
في ذات اللحظة ، خرج " مارتن " من ورشته وتسلق السلم جهة الاثنين.. كان الصبي يتوسل :
- أطلقي سراحي يا سيدتي… أقسم أنني لن أكررها… أرجوك … وشرع بالبكاء وهو مستمر بالتوسل وتقبيل اليد.
- سيدتي …أطلقي سراحه بحق الرب …لقد أقسم إنه لن يكررها …
وأطلقت المرأة سراح الصبي وأوشك هذا على الجري ، ولكن " مارتن " هتف به :
- لا …ليس هكذا يا بني …لقد تركتك السيدة فمن المخجل أن لا تعتذر لها …وأنتِ سيدتي …هذا ثمن التفاحة ودعيها له إن شئتِ …!
- هتفت المرأة: بكل سرور يا سيدي. ثم حملت سلتها بنية الذهاب وهي تشكر الإسكافي على طيبته وحسن خلقه ، فجأةٍ مد الصبي يده للمرأة ورجاها أن تسمح له بحمل السلة عنها ففعلت ، أبتسم " مارتن " وعاد إلى دكانه وقد أوشكت الشمس أن تغيب . حين عاد ، أشعل قنديله وأدنى الكتاب المقدس وطوى الصفحات بسرعة حتى بلغ النصّ الذي كان عنده يوم أمس :
" كنت جائعاً ، وأعطيتموني الغذاء ، كنت عطشاناً وأعطيتموني ماء ، كنت غريباً واستقبلتموني بالأحضان ……"
لم يبلغ أكثر من هذا ، حين جاءه الصوت من الخلف :
- مارتن …مارتن …ألا تعرفني؟  وفجأة بدا أمام عينيه ستيفان النحيل وهو يبتسم ، ثم غاب وكأن غيمةٍ طوته …!
ثم سمع صوتا يقول: "وأنا كذلك". وكان صوت السيدة التي تحمل رضيعتها الجائعة ، ابتسمت له واختفت …
ثم سمع صوت طفل يقول: "وأنا كذلك " كان هذا صوت الصبي الجائع الفقير الذي أراد أن يسرق تفاحة …. وأبتسم له ومرّ وهو لما يزل يقضم تفاحته بشهية …
أهتز جسمه بقوة … بكى بحرقة … بكى من الفرح … من الندم … من الشعور بالحرية والمعنى والقيمة لأن المسيح كان ضيفه … المسيح ذاته كان ضيفه في ذلك اليوم البهي الجميل …!

من اعمال تولستوي منشورة تحت عنوان:
?where is God