28 سبتمبر، 2014

كلانسي

كلانسي فتاة رقيقة ذات احد عشر ربيعا. امها كانت مدمنة وكانت تقسو في معاملتها جدا مما جعل المسؤولون في المدينة يودعون الفتاة في دار رعاية و يودعون الام في مركز علاج الادمان. يقوم بالاعتناء بها شاب يدعى (نيك) في مقابل عائد مادي يحصل عليه من محافظ المدينة. هذا الشاب اصبح مشردا بعد هروبه من الجندية ، يأخذها الى كوخ صغير خارج المدينة حيث يعيشان لبعض الوقت.
قراءة في القصة:
جالت ببصرها في ارجاء الكوخ ثم قالت:
- اذن اين يمكنني الاستحمام؟
- هناك نبع قريب يمكنك ملء هذا الاناء و من ثم تتعلمين الاستحمام مثل الجنود؟
- حسنا .. خلعت قميصها وقربته الى انفها لتشتم رائحته ثم قالت: يا لها من رائحة بشعة! اريد ان اغسل هذا القميص فقد اصبح نتنا.
ابصر في كتفها بعض اثار حروق فاقترب منها ثم قال: هذه علامات حروق. من فعل هذا بك؟
- انها امي احيانا تغضب مني..
بانفعال وغضب شديدان قال: هل هي تلك التي تصلي من اجلها ؟ هل انت مجنونة؟ ان امك ليست انسانة . هي حيوان.. ولم يستطع ان يكمل كلامه.
- قال يسوع ان ... قاطعها ربما لأنه لم يسمع ما قالته وسألها:
حدق فيها وسألها: ماذا قلت؟
- قال يسوع ان اشياء سيئة يمكن ان تحدث ..
- يسوع؟ ماذا يعرف يسوع عن فتاة تطفئ امها في جسدها السجائر؟ ثم اشاح بيده في عصبية وانفعال شديد و خرج الى خارج الكوخ و سار نحو النهر و جلس لبعض الوقت حتى هدأ ثم نهض عائدا الى الكوخ فلم يجدها. اخذ ينادي عليها فلم يكن مجيب. وجال ببصره في كل مكان يبحث عنها في المنطقة حول الكوخ فلم يعثر عليها.
اخذ يجري في الغابة باتجاه الطريق الرئيسي واخيرا سمع صوتها تستغيث به: نيك. نيك.
كان الصوت صادر من حفرة عميقة. نظر الي اسفل ثم قال لها : لا تتحركي!
نزل اليها و امسك بيدها وصعد كلاهما بعد عناء. ثم نظر اليها نظرة حادة ثم صاح بها و هو يشير بيده الى الكوخ: كان يمكن ان تقتلي نفسك. ماذا قلت لك عن عدم مغادرة الكوخ؟
ظنت كلانسي انه يهم بضربها فاغمضت عيناه و ظهر على محياها ملامح الرعب الشديد والخوف من ان يعاقبها بالضرب. لم وجد سلوكها هذا قال لها برفق: كنت فقط ... انظري اليّ . انه فقط حادث . لا بأس . ثم اخذها في حضنه واخذ يربت على كتفها.
***

جاءته السكرتيرة قائلة: انهم يطلبون صورة للفتاة.
- قولي لهم نظرا لان لماضي الفتاة من التشرد فلم تتوفر لدينا صورة لها..بعد لحظات جاءته قائلة: سيدي المحافظ انهم على استعداد لاستضافتك في المؤتمر.
ثم وقف في المؤتمر الصحفي للدعاية الانتخابية وراح يتحدث:
في خضم هذا الموسم الانتخابي تواجهنا مشكلة هامة وهي ان "حياة بريئة في خطر" انها كلانسي ميلر. لقد حدثت عملية اختطاف لهذه الفتاة ونحن نعمل ليلا ونهارا لاحضار المجرم الى العدالة.
سيدي انك تقول انك على استعداد للتخلي عن حملتك الانتخابية للبحث عن الفتاة؟
بالطبع اعادة انتخابي امر هام . و لكن ارى ان الواجب الاخلاقي يحتم على الاهتمام بهذه الفتاة اكثر من القاء الخطب.
- هل هي عملية خطف ام هروب لفتاة؟
- حسنا هناك من الدلائل ما يشير الى انها اختطفت..
ترى زوجة المارشال (افري ) خطاب المحافظ في التلفاز فتتصل بزوجها الذي كان مسافرا.
***
سألها برفق: هل الطعام كاف؟
- نعم.
- انظري كلانسي. انا اسف على ما قلته عن امك . لا يحق لي هذا. انني قلت ما قلته فقط لانها اذتك..
- اولا حالي افضل من كثيرات غيري. ثانيا ان الله يسامحنا على اخطاءنا، أفما كان ينبغي علىّ ان اسامح انا امي؟
- تسامحينها رغم انها تضربك وتحرقك بالسجائر؟
- يوما ما ستصير افضل.
- لانك صليت لهذا الامر، أليس كذلك؟
- نعم. الانجيل يقول.. قاطعها قائلا: توقفي!
- هل يزعجك ان نتحدث عن الله؟
- انني لم ادخل الكنيسة من قبل الا لاستعمال الحمام.. فقط الامر لا يروقني..
- اذن لا تعرف اي شئ عن الله؟
- لا
- ولكنك تعرف ان الله يسامحنا عن اخطاءنا؟
- لم يسبق ان غفر لي احد شيئا. ثم لكي ينهي الحديث قال لها وهو في غاية الاضطراب: ارى انه حان الوقت للنوم.
اجابته بهدوء: ايمكنني ان اتأمل قليلا في النار حتى يأتيني النعاس؟ ودون ان تنتظر منه ردا وضعت رأسها على كتفه و بعد لحظات راحت في نوم عميق.
في هذه اللحظات مر شريط ذكريات حياته منذ ترك الجندية امام عينيه. فبسبب قتله بالخطأ امرأة في حرب افغانستان كانت تحمل طفلا على ظهرها هرب من الجيش. و بعد ايام عثر عليه و احيل الى المحاكمة وكان حكم القاضي كالتالي:
- بالنسبة لتهمة ترك الخدمة والتصرف بما لا يليق من ملازم بجيش الولايات المتحدة الامريكية. وجد الاعضاء ان نيك متهم وحكم عليه بالعمل مدة خمس سنوات في السجون الاتحادية و تسريحه من الخدمة.
بعد خروجه من السجن بحث في اماكن عدة محاولا العمل لكن لم يقبل بسبب سابقة تركه الخدمة العسكرية. دفعه ذلك الامر للتدخين وشرب الخمر واصبح مشردا.
***
نادت بصوت عال بينما كانت تقف على اريكة خشبية في الجانب الاخر من الشارع: نيك.. نيك.. صاح بها: سأكون عندك في غضون دقيقة ( قال هذا بينما كان يهاتف المحافظ الذي كان قد عقد معه صفقة الاعتناء بالفتاة لبعض الوقت). قال له المحافظ:
- اذن تقول انك تريدنا ان نأخذ الفتاة؟ ماذا كان الاتفاق؟
- اسمع. ان هذه الفتاة يجب ان تودع دار رعاية للاطفال.. اليك عنواني 55 شارع ..
- اذن اعتقد انها النهاية. فلتمهلنا الى الغد.
- نعم. لا بأس بالغد. انهمناسب.
عبر الشارع و امسك بيدها فقفزت من فوق الاريكة وهي تقول: هل انتهيت؟
- نعم.. ماذا ستفعلين؟
- تقصد ماذا سنفعل؟ .. هل تحب الاراجيح؟ .. هل ستعلمني الكاراتيه؟
- ربما.
راحت تجري على الحشائش الخضراء وهي تغني اغنية "امس هو سحابة من الذكريات". كانت كلماتها تقول:
امس هو سحابة من الذكريات
معظمها رمادي لكن لا يهم.
ان كل شئ يحدث اليوم
هناك شعاع من الامل
الشمس تشرق والقمر يغيب
وقلبي ينبض اقوى من قبل. ان نعمتك تنهمر.
وحبك يشرق في حياتي و يضحى يومي اكثر اشراقا.
ربما اكون عرضة للقلق على حياتي
ولكن هذه المرة سأثق بك
اعلم انك تريدني ان اعيش اللحظة الحاضرة

ناولها الايس كريم وقال: تفضلي
- شكرا
- الام تنظرين؟
- الى هؤلاء الاطفال الذين يطفأون الشموع.
- هل هناك شخص تريدين ان تحتفلي بعيد ميلاده؟
- انني لم احظى يوما بعيد ميلاد.
قالت بأسف: اه. حقا.
- نعم.
- فلنحتفل اذن باعياد ميلادنا.. ولكن هل استطيع ان اذهب الى المتجر واشتر بعض الحاجيات.
ذهب اكلاهما واشترت كلانسي بعض الاوراق البيضاء والملونة و الشموع و المأكولات..
***
كان المحافظ قد خطط مع مدير الامن امرا شريرا. وهو ايهام الرأى العام بأن هذه الفتاة المشردة اختطفها نيك و شغلهم بهذا الحدث، ثم القيام بعملية انقاذ ناجحة للفتاة، وبالتالي النجاح في حملته الانتخابية. على ان المحافظ كان ينوي ان يقتل نيك خلال عملية الانقاذ حتى لا تعرف الصفقة بينهما.
جاءه في ذلك اليوم مدير الامن قائلا:
- يقول هذا الرجل انه لا يهمه المال.
- ان الخطة تفشل
- انني كنت قد خططت لعقد مؤتمرين صحفيين اخرين. هل رأيت كيف ارتفع عدد مؤيديّ في الانتخابات؟.. مؤتمران اضافيان فحسب.
- علينا ان نذهب هناك الليلة.
- الليلة؟
- اذن. جهز عددا من القناصة و مروحية و ...
- هذا عدد ضخم من الافراد.
- الطريقة الوحيدة للحفاظ على العملية طازجة في اذهان الناس هي ان نجعلها كبيرة. كبيرة جدا.
- انت على استعداد لما سيحدث مهما حصل؟
- نعم. كما قلت لك قبلا.
***
في تلك اللحظات كانت كلانسي تصنع بالاوراق الملونة طيورا و علقتها في سقف الكوخ. و كانت قد رسمت صورا وجعلتها في شكل كتاب يحكي قصة البشرية. كان نيك يقف خارج الكوخ حينما صاح متعجلا:
- هل يمكن الدخول؟
- انتظر لحظات.
- هيا. االبرد قارس بالخارج.
- حسنا. يجب ان تغلق عيناك اولا.
دلف الى داخل الكوخ و هو مغمض عيناه ثم وقال : ها قد دخلت.
- حسنا. افتحهما الان.
فتح عيناه ونظر حوله الى الطيور الورقية الملونة و الى التورتة التى كتب عليها اسمه و الى الشموع الكثيرة المضاءة ثم قال: لقد كنت مشغولة حقا.
- لدينا ايضا معجنات وفطائر الجبن و مقرمشات..
- اعلم فأنا الذي اشتريتها.
- يمكننا الان ان نتناول تورتة عيد الميلاد.
ضمت يداها وهي تجلس مقابله على المنضدة الموضوع فوقها التورتة و راحت تتلو صلاة قصيرة قائلة:
يارب شكرا لك على هذا اليوم.
وعلى هذا الطعام و على ارسالك نيك للاعتناء بي.
اجعلنا اصدقاء الى الابد.
واحفظ ماما و اجعلها تتحسن.
في اسم يسوع. امين
قال لها مازحا:
- ان اسمي ليس نيكولاس انه دومينيك.
شطبت بالسكين على الاسم وهي تقول: هذا افضل. هل انت مستعد؟ وا حد. اثنان. ثلاثة .. ثم اطفأ الشموع معا. ثم قالت: حان الان تقديم الهدايا. نظر الى اعلى واشار الى طائر بالورق الاصفر وقال: اتعلمين؟ ان هذه تذكرني بطائر كان يصنع عشه فوق احد الاشجار حين كنت اسكن في (سياتل)، (وفيما هو يتابع كلامه و كلانسي تحملق في الطائر اخذ ورقة ملونة ودس بها ميدالية كان يحتفظ بها في جيبه لكي يقدمها كهدية). وكان لهذا الطائر جناحان كبيران حوالي 6 او 7 اقدام . كنت اظنه نسرا و لكن صديقي قال لي انه يسمى (كونكورد) . ثم ناولها هديته. فتحت اللفافة ثم سألت: ما هذه؟
- حين كنت بالجيش ساعدت جنديا اصيب..
قدمت له هديتها وكانت ظرفا بنيا . فتحه ليجد بداخله كتاب من بضعة صفحات صنعته بنفسها وكتبت عليه بالالوان الملونة (كتاب يحتاج ان يعرفه كل انسان) ثم قالت له : اتود القاء نظرة؟
اجابها بالموافقة فنهضت من مكانها و جلست على رجليه ، وجعلت تحكي ما تدل عليه الصور التي رسمتها بداخله. قالت:
منذ زمن بعيد . بعيد جدا. خلق الله العالم من اجلنا. خلق الحيوانات و الطيور و الاسماك.
خلق الله ابناءا ليتمتعوا بما صنعه.
لكن حدث شئ رهيب. بدأ الناس بارتكاب الشرور.
كان هذا يحزن قلب الله
وقال الله للناس: انكم تفعلون اشياءا بشعة، لذلك لا يمكن ان تأتوا و تعيشوا معي في مكاني المميز (ثم اردفت اي السماء)
وعلى الرغم من ان الناس حاولوا ان يصلحوا انفسهم لكنهم لم يستطيعوا.
قال الله: انا قدوس و السماء مقدسة وانتم لا تملكون الحق في دخولها.
قال الناس: ألا يمكنك تجاهل ما نرتكبه من شر؟
قال الله: ليس هذا من الامانة!
حزن الله لأن اولاده لا يملكون الحق لدخول السماء .. ثم قال: حسنا سأتحمل ذنبكم وكل ما ترتكبونه من اعمال سيئة.
قال الناس: كيف؟
قال الله: سأرسل ابني و سيحمل عقاب خطايكم. وليس عليكم ان تنالوا العقاب فقد حمل يسوع عنكم العقاب. وبعد 3 ايام قام وصعد الى السماء. الان يمكن ان تعيشوا معي. حين تؤمنون بما فعله يسوع من اجلكم.
سأل الناس: لماذا صنع يسوع هذا؟
قال الله: لانه يحبكم.

ثم اردفت قائلة: هل تذكر حين سألت ان يجعلنا الله اصدقاء الى الابد؟
- نعم.
- هذا هو السبيل الوحيد لذلك.
- كيف تعلمتي هذا؟
- من جدتي
- لماذا لم تذهبي اليها حين هربت من عام؟.. صمتت. واحس هو بالحزن في ملامحها فأدرك السبب و سألها: هل ماتت؟
- ذهبت لتعيش مع يسوع.
اطرق وستغرق في افكاره للحظات ثم سألها: بعد كل الامور السيئة التي حدثت لك كيف امكنك الا تحبطي؟
- حسنا. ان اسوأ ممكن ان يحدث للانسان هو الموت.
اسرع يقول مؤمّنا على كلامها بالموافقة وقال: نعم
- واذا كنت تدرك انك تذهب للسماء فانك لا تقلق. واذا كان الموت لا يقلقك فكيف لأي شي اخر ان يقلقك؟
اطرق قليلا و سهم ببصره للحظات فقد اخذته اجابتها البسيطة والمقنعة في انٍ واحدِ وقال: حسنا. هذه اجابة جيدة. استطردت كلانسي في كلامها وقالت: ان الاشياء السيئة تحدث و لكن لا يجب ان تحزننا. اما هو فقد نظر الى الساعة في يده وقال: من الافضل لك ان تنامي الآن. وغدا.. ثم امسك عن الكلام. فسألته: غدا، ماذا؟ اما هو فقد كتم ما يجول في خاطره و قال: غدا يوما اخر عظيم.

تأليف واخراجJefferson Moore