2 ديسمبر، 2014

إنطلاق



كعادته فى كل يوم، خرج أبونا سيرابيون إلى البرية ليصرف بعضاً من وقته عند الغروب.. متمشيا حينا فوق الرمال.. واحيانا اخرى جالساً يداعب الحصى مستغرقاً فى تأمل غائر.. إلى وقفة فيها ذبيحة التسبيح لا تلبث أن تتحول إلى صلاة عميقة تنتهى إلى ما يسميه المختبرون دهشاً... ثم إلى الإختطاف..
    نعم وأبونا سيرابيون من النوع البسيط جداً.. حتى فى علاقته بأخوته فى المجمع..لا يجادل ولايخاصم..لا يحقد وليست له رغبات خاصة فى الدير أو حتى فى قلايته، فقلايته لا تختلف فى شيىء عن قلاية أى أخ جديد فى انتظار تزكية الدير له للرهبنة.
    وعلى الرغم من أنه يحب الكل.. فلا دالة له مع أحد، فإذا مدحته علت وجهه حمرة الخجل دون تعليق، وإذا أسى إليه عفواً أوحتى عمداً، شعر وكأن الإساة موجهة إلى شخص آخر ، يشفق هو عليه ويتعاطف معه.
     هكذا عاش هانىء البال ومستقر الحال .. الكل مقدس وطاهر فى عينيه.. كان يشعر أنه هو الوحيد الذى يحتاج إلى نقاوة قلب وحب متدفق.
      روى راهب عنه فقال إذا دخل الكنيسة .. فضلاً عن الخشوع الذى يقف به فإنه لا يلاحظ غالباً من يصلى؟ ...وهل طال الوقت فى الصلاة أم لا.. وعند توزيع السرائر المقدسة كان يدخل فى هدوء إلى الهيكل دون أن تفارقه إشراقة وجهه،والإنحناءة الخفيفة التى ألفها فيه الآباء فى الدير.
      وإذا مشى تحس وكأنه يعرج عرجة خفيفة، كأن شيىء ما ألمّ برجله اليسرى وكلما صادف راهباً فى الطريق إنحنى واضعا يده على صدره قائلاً "سلام لك يا أبونا".
      وأما جسده العفيف فلم يتذمر عليه بسبب ملابسه الرثة وشاله الضارب إلى الاخضرار من فرط قدمه..
      كان يحب قلايته جداً ويشعر أنها أمه ، فى حضنها يرتمى ، سره فيها.. أنها المعمل الروحى فى نظره.. نادراً ما يغادرها، وإذا حدث عاد إليها سريعاً .. أنها المكان الذى شهد كل اختباره الروحية وسمع كل تأوهاته وملامته الشديدة لنفسه.. ونعمِ بالنور الخارج من يديه وتشرف بزيارة العديد من القديسين القدامى الذين زاروه..
      وعن الحجر الكبير الذى فى ركن القلاية .. فقد كان يجلس عليه وأمامه طبق صارخ فى القدم بداخله حفنة من نوى الزيتون يتناولها أبونا واحدة واحدة .. يسويها من الجانبين، ثم يثقبها ليدخلها فى الخيط الذى أعده لذلك.
      فإذا انتهى من عمل (سبحة) أهداها إلى آخر- وهو فى هذا له طرق غاية فى اللطف.
      أمام البئر الأثرى قابل الأخ يوسف.. فسأله فى رقته المعتادة "هل عندك سبحة؟" اجاب في تردد "لا يا ابي. هل قدسك في احتياج الى واحدة؟" فقال أبونا "لا، بل عندى واحدة زيادة عن حاجتى. هى إذن لك وأنا واثق أنك ستصلى لأجلى كلما داعبت أصابعك المقدسه حباتها الخشنة"، أو يتركها معلقة فى مقبض باب ويرفق بها ورقة صغيرة كتب عليها هذة السبحة خاصة بالأب- فلان – وذلك خشية أن يتركها الشخص المهداة له ظاناً أنها اخطأت الطريق إلى صاحبها.
       وإذا فتشته عن أفكاره وجدته عجيباُ فى منهجه، فهو خبير فى الدفاع عن الآخرين والتماس الأعذار لهم . ويعتبر أن المستوى الطبيعى هو أن نغفر للآخرين، لا يكذب ولا يبالغ أو يحمّل الأمور أكثر مما تحتمل، ولكنه يبحث عن النقاط الجيدة فى شخصية المدان ومن ثم يسلط عليها الأضواء، أو يذكر احتمالات كثيرة لتبرير ما وقع فيه.. وفى كل هذا لا يتوانى فى أن يتعلم من أخطاء الاخرين.
  وعن تدبيره فى السلام فإنه لم يكن يحب أن يكون طرفاً فى نزاع ..أو  سبباً فى الآم الآخرين.
     يحكى عنه أن فأراً صغيراً استطاع أن يتسلل إلى داخل قلايته.. ورأه ومع ذلك فلم يفكر فى طرده .. وأما الفأر فقد طابت له المعيشة هناك .. يأكل من أكله .. ويشاركه مكانه .. ويجرى مسروراً هنا وهناك... وكبر الفأر وبدأ فى إيذاء أبونا .. ونصحه الأب بقطر بأن يقتله أو على الأقل يطرده من القلاية ..ولكنه احتج فى بساطة قائلاً.. كيف اسىء إليه بينما حياتى وحياته فى يد الله؟(1)[1]
   وبالجملة فقد كان أبونا سيرابيون يسلك وكأنه غريب نزل فى ضيافة آخرين..
وأحبه الآباء جداً واعتبره أكثرهم مثلهم الأعلى يحاولون أن يرجعوا إليه كلما وضعوا فى موقف غير عادى ... ولكى يأنسوا برأيه، ولكن المغبوط غالباً ما كان يركن إلى الصمت و إلى الإعتذار. وحرك الشيطان بعض الأخوة المتهاونين ليشيعوا أن أبونا سيرابيون به لوثة عقلية ! وإلا فكيف بينما يتكلم طبيعياً ينقطع عن الكلام، شاخصاً بعينيه إلى أعلى أو جانباً وفاغراً فاه، ويظل هكذا بضع دقائق قد تصل إلى بعض الساعة وأحياناً إلى أكثر .. ثم يعود معتذراً وهو يمسح بعض قطرات الدموع من على لحيته الحمراء. بأنه شرد فى أمر ما أو يختلق سبباً صحياً ليبرر به ما حدث ..
    وكان ذلك بتدبير من الله لكى يرد عن أبونا ما يأتى عليه من ضربات يمينية ولكى يكون هناك (موازنة) بين ما يتمتع به من هبات روحية وما يأتيه من محقرات لكى ينقذه من المجد الباطل.
     وأما الآباء الحاذقون (المتعمقون في العبادة) فى الدير فقد عرفوا حقيقة هذا السرحان، وعللوه تعليلاً سليماً، ولكن سراً فيما بينهم لأن مثل هذه الأمور من الحكمة ألا تذاع خوفاً عليه .. فقد قيل أن الفضيلة إذا اشتهرت فقدت ..
      واتفقوا أيضاً أن يتركوه وينسحبوا فى هدوء كلما عاوده هذا الإختطاف عدا الأخ ثيئودوروس الذى من النوبة.

 نحن الآن فى 13 بؤونة سنة 1462ش.
     فى قلايته روى الأخ ثيئودوروس لأحد الرهبان ، أنه بالأمس خرج من قلايته عندما قارب الليل على الإنتصاف متمشياً وعندما مرّ بقلاية الأب سيرابيون وإذا نور خافت إنبثقت أشعته عبر ألواح الباب الخشبية ،فوجد أبونا قد همّ بالقيام من مرقده، وبدأ يطوى الحصيرة البالية الذى كان ينام فوقها، وعلى ضوء السراج الزيتى الخافت ظهرت الحصيرة متهرئة تتدلى منها الخيوط من كل مكان ، وقد تناثر القش حولها- وبعد أن طواها ووضعها جانباً .. ومن ثم صار يحدث نفسه بصوت غير مسموع ، ما لبث أن صار الصوت طرفاً فى حديث ثنائى .. ولكنه لم يبصر الشخص الآخر.. وأمعن السمع وفرك أذنيه مراراً حاثاً إياهما متوسلاً أن تساعداه وبالكاد استطاع  تمييز بعض كلمات متفرقة...مثل: غروب.. ماء.. المسيح يرحمنى .. لا.. لا.. الكل هنا أفضل منى.. ثم أشرق وجهه .. وارتعب الأخ ثيئودوروس من المنظر وهرع إلى قلايته يبكى قارعاً صدره..
     وعندما تقابل مع أبونا فى الصباح ..عند البئر وجده على سابق عادته مبتسما منحنياً، ويده على صدره، وبعذوبة يقول (سلام لك يا أخ ثيئودوروس). وتعجب الراهب الجالس معه من الحديث وانصرف...
     واعتاد الأخ ثيئودوروس على مراقبة أبونا..وفى كل مرة كان يلوم نفسه أنه لم يصر بعد راهباً ..
     إلى أن جاء يوم 21بشنس من العام التالى سنة 1463ش، حين قام أبونا سيرابيون مبكراً فوق العادة، وقبل أن يدق ناقوس الدير ليعلن بدء تسبحة نصف الليل.. فقد اعتاد أن يستيقظ مبكراً فى كل يوم منذ إثنى عشر عاماً حين دخل الدير وهو ابن ستة وعشرين سنة..
     وخرج من القلاية .. ومضى لفوره غرب الدير من الناحية القبلية ، حيث وقف أمام طافوس[2] الدير، وهناك صلى صلاة قصيرة .
     مشى برفق بعدها إلى بحرى قليلاً حيث الكينوبيون[3] وخرج منه بخبزات قليلة وضعها فى جيبه. فقد كانت العادة وقتها أن يترك مفتوحاً ليأخذ منه الآباء إحتياجهم، وعاد أدراجه إلى القلاية. وفى كل ذلك لم يلحظ الأخ الذى كان يتبعه من بعد بحذر شديد. وبنفس الحذر، ساقته محبته لأبونا وسعيه للمنفعة الروحية إلى قلايته حيث (الثقب المقدس) الذى يتطلع منه على سفير من السماء، لا يستحق العالم وطئة قدمه فوجده جالساً يحصى على أصابعه أسماء الآباء الموجودين فى الدير .. أبونا ساويرس .. أبونا برصنوفيوس .. أبونا شنودة .. أبونا دومتيانوس .. أبونا إبراهيم .. أبونا تكلا .. أبونا ..أبونا..الأخ..
      ثم همّ بعد ذلك بالخروج من القلاية .. فأسرع ثيئودوروس إلى الاختفاء خشية أن يراه ، ويحزن بسبب كشف تدبيره.
      فلما خرج مشى الهوينة حتى وصل إلى مبنى الضيافة الكائن إلى جوار الكنيسة شرقاً ..ومضى إلى داخله ، ثم خرج بنفس الهدوء ولكن بدون اللفافة التى كان يحملها قبل أن يدخل.
      ولما ابتعد قليلاً جلس القرفصاء عند آخر مبنى القلالى القديمة المتاخم لسور الدير من ناحية الباب البحرى، وكان يراقب الآباء وهم يسيرون كالأشباح فى الظلام، فى طريقهم إلى الكنيسة فقد كان جرس نصف الليل قد دق وهو خارج من مبنى الضيافة .. فإذا تأكد أن  الرهبان جميعاً قد خرجوا من قلاليهم. تسلل إلى داخل الممر وصار يقبل أبواب القلالى فى نهم وسرور مع تمتمة خفيفة، لم يتمكن ثيئودوروس من استيضاح شيىء منها .

       ثم دخل إلى الكنيسة. هناك كلما تقابل مع راهب أمسك يده بكلتا يديه ويقبلها فى فرح ممزوج بالخشوع، وفى أثناء القداس بدا وكأنه يريد أن يخفى شيئاً فوقف مستنداً إلى الحائط ، يفرك فى عينيه .. تارة .. ويمسح على وجهه ولحيته تارة، ولكن الأخ ثيئودوروس كان يتبعه.
  وانتهى القداس الإلهى .. وسرحت الكنيسة، ولكن أبونا لم يمضى إلى قلايته كباقى الآباء ...بل جلس على سور الحديقة التى توسطت الدير، والتى لا تزيد مساحتها عن قيراط واحد، ثم ما لبث أن صار يتنقل بين نخلاتها السبعة يتحسسها .. ذلك دون أن يطأ ما زرع من الفول .. والخضر.. إلى أن عاد أيضاً إلى جلسته الأولى على السور .. يخط حيناً – بجريدة كانت ملقاة بجانبه – على الأرض .. وحيناً يداعب الحصى الذى افترش الأرض تحت قدماه .
    وعلى السور بدا قلقاً بعض الشيىء .. يفرك فى يديه تارة ثم يحكها فى السور تارة أخرى .. إلى أن قام فى تثاقل يجر رجليه جراً .. مغادراً المكان ..
     وهنا توقف الأخ عن متابعته فقد كان من الواجب عليه أن يمضى إلى عمله فى المجمع ليساعد أبونا ثيئوفان ..
     وعند الغروب من ذلك اليوم ..وبعد أن انتهت تسبحة عشية للاحتفال بعيد نياحة الأنبا ارسانيوس معلم أولاد الملوك .. خرج الآباء كعادتهم من الكنيسة إلى الباب القبلى للدير متجهين إلى البرية فى نزهة روحية كل فى ناحية .. ما لبثوا بعد دقائق معدودة أن تفرقوا مبتعدين عن الدير ..
     واتجه أبونا سيرابيون شرقاً، وغاب مثل الذين غابوا ولكنه ابتعد أكثر و أكثر .. وكان أبونا ثيئوبترس آخر من رآه .. فقد رآه يجد فى المسير بينما يقاوم الهواء ثيابه الرثة وشاله المتهرىء فى عناد وصفير مسموع .
وعندما نزل الظلام وكسا الأرض بحلته المهيبة .عاد الآباء أدراجهم إلى باب الدير.. ثم إلى قلاليهم ..ولكن أبونا لم يعد .. ولم ينتبه الآباء إلى ذلك إلا عند ظهر اليوم التالى حين راح الأخ ثيئودوروس يوزع عليهم النبأ الغريب فى دهشة وانزعاج .. نعم فقد ذهب كعادته كل ليلة إلى قلاية المغبوط ، لينال متعته اليومية عبر ثقب الباب ولكنه لم يجد أبونا مثل سابق عادته ، وانتظر حتى الصباح ولكنه لم يعد ، وحتى الظهر فلم يحتمل واعلن ملاحظته على الكل ..
+++

     فى لهجة آمرة ولكن بأدب رهبانى سليم .. أفرز الأب شيشوى سبعة من الرهبان للبحث عن أبونا .. قال لهم بمرارة: أصلى وتصلون معى ألا تكون الوحوش قد افترسته أو أن مكروهاً ما قد ألمّ به .. ورد الآباء فى تمتمه ووجوهم مطرقة إلى أسفل ..(..)..
    وعند الغروب أمر رئيس الدير بضرب ناقوس الدير بلا انقطاع، على أن يتناوب عليه بقية الآباء طوال الليل، لعلّ أبونا يهتدى إلى الدير عن طريق الصوت.
       وأما العجوز يوساب فقد كان يجلس بجوار الباب من الخارج بعد أن توسل إلى الأخ فليمون أن يصحبه إلى هناك نظراً لكونه محروماً من نعمة البصر .. جلس ليراقب ما يحدث ولكى يقف - أولاً بأول - على نتائج البحث ..
       وطال غياب الآباء السبعة، وعاقت الرياح مصابيحهم الزيتية وبدأوا فى العودة إلى الدير نحو العاشرة مساءاً وهم حاسرين الوجوه.. ونظر إليهم رئيس الدير وفهم .. وصمت.
       وأستمر البحث طيلة شهر كامل دون جدوى وبدا الوجوم واضحاً على كل الوجوه فى الدير .. وأقيمت صلوات وأصوام خاصة لأجل ذلك .. ولكنه لم يعد..!
       ولم يفت رئيس الدير أن يسأل أب اعتراف أبونا سيرابيون فيما بينهما علّه يعرف تعليلاً لما حدث .. ولكن الأخير اعتذر فى لطف قائلاً : كل ما أعرفه أنه كان يؤخذ كثيراً .. وكان فى كل مرّة يقول لى، عدا هذه المرة فقط لم يقل لى شيئاً.
       وانصرفت سنوات طويلة على هذه الحادثة دون أن يوجد لها تفسير شاف ..سوى مرات ثلاث ظهر فيها أبونا سيرابيون فى رؤى .. الأولى لرئيس الدير والثانية لأبونا ثيئوفان والثالثة للأخ ثيئودوروس .. (وكان قد ترهب باسم الراهب ببنودة).
        نفس أشراقة وجهه .. ولحيته الحمراء المتوسطة الطول والكثافة وانحناءته الخفيفة .. ولكن الثلاث لا يذكرون ماذا قال لهم بالضبط .. أو شيئاً عن الحديث الذى دار بينهم .. بل أجمعوا على شئ واحد وهو إحساسهم القوى بأن أبونا لا يزال حياً..
        وصارت قصة أبونا سيرابيون تتناقل من جيل إلى جيل يرويها الآباء للأخوة الجدد ويشيرون بأيديهم إلى قلايته .. وبالتحديد إلى العبارة المنقوشة على الحائط .. (أبونا سيرابيون خرج ولم يعد ..) .
       ومع الوقت، صارت أشبه بالإسطورة من فرط غرابتها فقد لوحظ أن الأجيال الجديدة ما كانت تصدق بسهولة أن مثل ذلك يمكن أن يحدث .. ربما لنقص الايمان أو لقدم القصة أو لقدم الحادثة نفسها..

 نحن الآن فى أول مسرى.

       أفاق أبونا سيرابيون على صوت أشبه بعواء الذئب، فتنهد مسروراً وحدث نفسه بالرجوع إلى الدير، قبلما يغلق الباب..
      ولكن وبينما هو فى طريقه إلى الدير لاحظ من بعد مائتى متر أن شكل الدير قد تغير .. فالمبنى الكبير الموجود من الجهة البجرية .. لم يكن موجوداً منذ (ساعتين!) عندما خرج للخلوة .. كذلك ما هذا السور الجديد الذى لم يكتمل بناؤه بعد؟ وما هذا .. ال .. هنا. ووجد نفسه فى مواجهة باب الدير فهرع إلى حبل الناقوس يدقه فى رجفة بينما تسابق دقات قلبه دقات الناقوس.
      ومن الداخل أسرع الراهب البواب .. قائلاً من الباب: 
      - أنا سيرابيون افتح يا أبونا إيليا !..
      وسمع خشخشة خلف الباب .. ثم فتح الباب. فلم يجد أبونا (إيليا) بل وجد راهباً لا يعرفه .. ولما رحب به لم يجب أبونا سرابيون من فرط دهشته، ولاحظ الراهب البواب حيرة وذهولاً فى عين الزائر فقال له تفضل يا أبونا قدسك أول مرة تزور الدير ؟ ولكن أبونا كان لايزال مذهولاً لما يراه أمامه..
       أين مبنى الضيوف؟ أين صف القلالى القديم؟ ما هذا المبنى العالى؟ .. أين .. ما هذا....
       وعبثاً حاول أبونا البواب أن يلفت نظر أبونا الزائر اليه ويكاد أبونا سيرابيون يصرخ من هول المفاجأة .. وتجمع حوله الآباء يرحبون به.. ويشكرون له زيارته لديرهم المتواضع. وصرخ أبونا:
- أنا سيرابيون خرجت منذ ساعتين فقط، ولكنى لا أجد الدير ولا أخوتى الذين تركتهم هنا .. وبكى. والآباء يهدئون من روعه، والكل فى حيرة من أمره ينظرون إليه فى دهشة، ويتأمل هو نظراتهم بالتعجب والتساول..
        ولكن هذا لم يدم طويلاً إذ ألهم الله راهباً قديساً. هذا أخذ أبونا من يده وصعد به إلى مكتبة الدير الأثرية .. وهناك قال له فى هدوء شديد: ممكن تتعب معى فى البحث عن اسمك فى هذا السجل الضخم ..
ووافق أبونا، فراحوا يمرون على صفحاته واحدة تلو الأخرى .. ولكن دون أن يجدوا اسمه إلى مائة سنة وخمسون خلت لم يجدوا اسمه!
        واحتاج الأمر الى قليل من الصبر وراح الراهب يقلب أكثر .. إلى أن قفز أبونا سيرابيون من موضعه، ويكاد أصبعه يثقب السجل مشيراً إلى اسمه فى أحد السطور: هذا !
       +جرجس حنين عبد المسيح
        تاريخ الرهبنة : 1451 للشهداء
        اسم الرهبنة : سيرابيون
        البلد : منف
        وأما فى خانة تاريخ النياحة فقد كتب فيها "خرج ولك يعد"..
 ووسط كل الأسماء لاتوجد مثل هذه العبارة سوى أمام اسمه.. ونظر إلى التقويم المعلق على حائط المكتبة فاذا هو لعام 1619 ش !                         
 وبسرعة اتفقا سوياً أن يبقى هذا الأمر بينهما سراً.
ولكن النور لا يخبو إذ عرف الأمر قبل مرور شهر واحد .. ولكن الله ضمه إليه فى راحته .
        أين كان .. وماذا صنع وكيف عاش إلى ذلك الوقت وأسئلة أخرى غيرها .. لايستطيع أحد الأجابة عليها، وستظل قصة أبونا سيرابيون لغزاً سوف يحلّ فى المجد الأسنى. 


[1] الهدف الأساسى من سرد هذة الواقعه هو إبراز فضيلة المسالمة فى حياة هذا الأب بيد أن التخلص من الحشرات والقوارض لا سيما ما ينقل منها الأمراض ويؤثر على نظافة المكان، لا يتنافى مع لطف الإنسان ولا يعتبر خطيئة يدان عليها.

[2] طافوس كلمة يونانية معناها مدفن.
[3] كينوبيون كلمة يونانية معناها حياة شركة و أصبحت تطلق على المجمع (مخبز- مطبخ - مائدة- بيت لحم).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق