2 فبراير، 2015

الحكواتي_1


في منزل صغير بقرية من قرى الصعيد تجمع الاصدقاء الخمسة: عادل وماركو ومختار وبهجت ورفائيل. سمع صوت صفير عادل وتبعه مختار يقول:
- لقد جاء المطرب اخيرا.
تطلع مختار بلهفة فرأى رفائيل وقد اقبل يحمل ربابته. بدت على وجه رفائيل علامات التعب والاعياء، حينما تهاوى الى الاريكة جالسا الى جوار مختار وقد احنى رأسه بانحناءة خفيفة واسند ربابته بجواره.
صاح عادل الذي كان صوته يختلف عن الاخري ببحة خاصة قائلا:
- هل لديك اخبار جديدة؟
- ليس جديد تحت الشمس.
- هكذا عهدناك دائما، تزج بكلمات الكتاب المقدس في حديثك. ثم انهالت التعليقات. ولكي يقطع ذلك سأل رفائيل:
- وما اخباركم انتم؟
تراءى لمختار نغمة الحزن الذي كانت تشيع هذا السؤال. فضحك بهجت وقال ساخرا:
- لقد عملنا اعمالا عظيمة اليوم. الا ترانا مبتهجين؟
صاح عادل:
- لابد لك ان تغني، ان مختار قد استعار صوته من الغراب، اما ماركو فصوته يشبه صوت طبل مكتوم. ولا يوجد بيننا مطرب يستحق ان نصغي لغنائه الا انت.
لم يكن يبدو على رفائيل ان له مزاجا للغناء هذا المساء كما لم يكن يريد ان يثير غضبهم، واذ كانت لهجة مضيفهم عادل لهجة آمرة دائما كما لو كانت رغبته قانونا لا يجروء احد على عصيانه، لذا فقد امسك بالربابة متغصبا.
مسح ماركو على جبهته اذ يحاول ان ينتقي عنوان اغنية ثم قال:
- غن لنا اغنية ..
ولكن رفائيل قاطعه بسرعة وقال:
- ان كنت سأغني فسأختار اغنيتي، واغنيها بالكيفية التي تروق لي.
فصاح بهجت:
- ان الموضوع الذي يختاره مطربنا المجنون هو الجنون وما في ذلك شك.
اجابه رفائيل:
- فليكن كذلك. فلئن كنت لا اقبل منك هذا النعت فسأجعل موضوع اغنيتي الجنون.
ثم امسك قوسه بانامله الرقيقة وبدأ يحركه على ربابته الحبيبة، فبدا كأن الصوت صوت ملائكة نزلوا الى تلك الغرفة الكئيبة، وفي لحظة صمتت كل الاصوات وزاد انتباههم عندما بدأ المطرب يغني بعدما لعب على عو ده لحنا موسيقيا جميلا. وقد سكب نغمات صوته في لحن رائع يماثل روعة صوته، فاحيانا كان يسرع في غنائه ولكنه كان غناءا مفرحا، وفي نهاية كل عدد كان يغني بصوت منخفض في نغمات يتخللها شجن عميق، كما لو كانت مرثاة اتية من عالم الاموات او عويلا يردده الهالكون. وكان بهجت قد سمع الموسيقى كثيرا من قبل الا انه لم يسمع لحنا مثل هذا من قبل. كان غناء رفئيل له سحر خاص والاكثر من هذا انه يملأ نفس المستمع بتأثير غريب ابقى معها الاصدقاء مسمرين في اماكنهم طوال الاغنية. كانت كلمات الغنية تقول:
اسند شاب غريب ظهره على جذع شجرة،
وراح يتأمل في مياه الجدول الرائقة،
واذا باحدهم يحمل رسالة من ابيه اليه،
ابوه الذي تعهده بالرعاية كل ايام حداثته،
بدت في كلمات الرسالة لوعة قلب والده،
كانت رسالة اب يتلهف لرؤية ابنه ويطالبه بالعودة،،
لكنه القى من يده الرسالة في مياه النهر بكل ازدراء واحتقار،
وراقبها وهي تحمل بتيار النهر وتغيب عن الانظار،
فيا له من شاب مجنون،
لأنه فصم اواصر المحبة الذهبية، وكسر فؤاد ابيه المحب،

وعلى سفح جبل جلس فقير يستريح في ظل صخرة عالية،
واذا بصك مكتوب حملته اليه الرياح، وبدا كأنه مرسل من السماء،
كانت الكتابة تقول يحق لحامل هذا الصك ملكية هذا الاقليم الممتد امامه،
من واد خصيب ومراعي وحدائق جميلة غناء،
كل هذه الاراضي الممتدة الى الافق حيث تلتقي الارض بالسماء،
ولكنه مزق الصك بيده الطائشة الرعناء،
فحملت اجزاء تلك الوثيقة رياح السماء،
فيا له من مجنون واغبى الاغبياء،
لقد اضاع نصيبا وميراثا هو عطية السماء.

وكان رجلا سجينا محكوما عليه بالاعدام،
تقدم ليستدفئ امام النيران،
وقد ملأ اليأس قلبه اذ علم بالمصير الذي ينتظره،
وسمع صوت الناقوس يدوي بصوت كئيب معلنا،
حلول موعد تنفيذ الاحكام،
واذا بالسجّان يأتيه برسالة من الملك الرحيم،
رسالة عفو مختومة بخاتمه تنقذه من ميتة شنعاء،
ولكنه القى بقرار العفو في اللهيب فالتهمته النيران.
وهكذا خرج ليلاقي مصيره، ويا له من عار.
ويا له من انسان تعس يستحق ان يوصم بالجنان.
فصاح مختار:
- هذه اغنية شبيهة بمن استطاع ان يؤلفها. غن لنا اغنية عن اناس مثلنا وليس عن قوم مثل هؤلاء الاغبياء .
قال ماركو:
- فيما يختص عن موضوع الاغنية اعرف انسانا رفض توسلات ابيه بالعودة للبيت، ولكني اشك في وجود انسان يمزق وثيقة امتلاكه لميراث عظيم، او سجين يمزق قرار بالعفو. لا يوجد عمل مثل! ان الناس لا يقدمون على هذه الحماقات، لا في الواقع ولا في الاحلام.
سأل رفائيل وهو يعبث باوتار ربابةه بحركة لا شعورية:
- هل انت متاكد من ذلك؟
سأل بهجت:
هل انتهت الاغنية اجاب؟
كلا، لم تنته، ولكنكم سمعتم ما فيه الكفاية.
فصاح بهجت:
اذا، فلنسمع بقيتها، وردد خلفه الباقون نفس الطلب. ومرة اخرى ارتفعت تلك النغمات الجميلة ولكن بتعبيرات اوضح:
امثال اولئك المجانين يعيشون بيننا،
وامثال اولئك المجانين يموتون بيننا.
فرسالة الاب التي سمعوها نسوها،
هذا الكنز المقدم لهم رفضوا ان ياخذوه،
وكثيرون الآن يفضلون نصيب الشيطان عن نوال ميراث السماء،
ويفضلون قيود ابليس عن حرية مجد اولاد الله،
يرفضون غفران الملك ورسالة محبة الاب،
كان يمكنهم ان يحصلوا على كنزا عظيما وحياة كريمة،
فيا لهم من مجانين، ويا لهم من تعساء.
فلما انتهت الاغنية كانت برهة سكون عميق، كانت وجوههم تصلح موضوعا للوحة فنان مبدع. ان الموسيقى تاثيراتها متباينة على سامعيها، فوجه مختار كان محتقنا بالغضب، اما عادل فقد ارتسمت على وجهه عبوسة شيدة، اما ماركو فقد ارتسم على وجهه سخرية، ولكن عادل ارتسم عليه امارات بؤس واضح لم يستطع ان يخفيه، ثم صاح بهم ماركو:
يا ذئاب الجبل هلموا الى جحوركم.
سادت الضوضاء للحظات اذ كانوا يغادرون الي بيوتهم. وكان القمر يتألق والنجوم ترسل انوارها في شوارع القرية الصغيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق