11 يوليو، 2011

هوذا الانسان




اننا نقف الان امام جباثا، و قد انتقل المشهد الى حين الى الفناء الداخلي، و لا يخفى عليكم ما جرى هناك من امور يصفها البشيرون بيد مرتعشة، و يذكرون عملية الجلد باقتضاب، و كما يخيل لي انهم يغطون وجوههم بايديهم من هول المشهد الرهيب، و لكنهم لا يستطيعون ان يخفوا عنا الدموع التي تسيل خفية على وجوههم.
و ينفذ صبر الجماهير المحتشدة خارج الدار، و اذا بالباب يفتح فجأة مرة اخرى و يظهر بيلاطس و على ملامحه علامات التأثر الشديد وخلفه شخص تحيط به قوة من الجند العنفاء. و يا له من منظر يجعلكم ترتجفون و تغطون وجوهكم من هوله. و بينما انتم كذلك اسمحوا لي ان اذكر لكم وصفا مختصرا عنه مستشهدا بما جاء في الكتب المقدسة.
فقد فتحت ابواب السماء اللؤلؤية مرة بقوة، و نزل كائن قدوس من السماء الى هذا العالم، لم تكتحل عيون الانام بمرآه منذ سقوط الانسان، كان في بهاء و مجد يفوق الوصف و قد اتى ليحقق حلم يعقوب عن السلم التي تربط الارض بالسماء، علمه المحبة، و قلبه ينبض بالعطف، و قد تجول اكثر من 3 اعوام بين سكان الارض مشرقا بنور على الذين يتعثرون في الظلمة، مالئا اكواخ المساكين بالبركات الزمنية و الروحية، داعيا المتعبين و الثقيلي الاحمال ان يأتوا اليهم ليعطيهم راحة، مبددا ظلمات وادى الموت بالاف المواعيد كما بانوار باهرة من السماء.
كما اعلن انه ما جاء ليخدم بل ليخدم و ليبذل نفسه فدية عن كثيرين. و شهد عن نفسه انه جاء ليفدي شعبه من خطاياهم وانه لن يتركهم حزاني، بل سيرسل لهم موعد الاب و سيأتي بهم الى الاب و يرفع مقامهم ليكونوا وارثين معه امجاده.
ارفعوا عيونكم و سوف تصيحون: "من هو هذا المتألم" و اسألكم بدوري من تظنون ان يكون؟ دققوا النظر في وجهه ثم قولوا ان كانت القسوة قد اظهرت شناعتها بصورة ابشع مما فعلته في ذلك الشخص؟ لقد جعلوا منه ملكا هزليا، و كأنه لا يستحق ان يعامل كملك حقيقي، فوضعوا عليه طابع الهزء، تأملوا الرداء الساخر الذى على كتفيه، و الصولجان الهزلي الذى في يمينه، ثم تأملوا في رأسه المغطى بالجروح و الدماء و في ذلك الاكليل المرعب الذي يتوج هامته!!
من يكون هذا الانسان الذي تشوهت صورته بهذه البشاعة؟ و اظن انه لن تدوم حيرتكم طويلا، فوداعته كأنه حمل، و خضوعه الذي يمثل به بينكم يعلن عنه بجلاء، و الاكثر من ذلك ان جلاله يكشف عنه رغم الذلة و المهانة التي لقيها، لكن لا تزال العظمة تتجلى في كل هيئته، كما ان محبته الغافرة تشع من عينيه، ومن غيره يستطيع ان يظهر بهذه الوداعة في موقف كهذا؟ اجل انه هو شخص القدوس الذي نزل من السماء و الذي يظهر امامنا الان في هه الصورة من الالم الشديد، و يصيح القاضي الوثني قائلا : هوذا الانسان" في تأثر عميق و قد غلبته الفكرة انه امام شخص سمائي.
و لكن ترى ما هو صدى سؤال الوالي؟
"اصلبه اصلبه" نطق به الجمع بصوت يشبه قصف الرعد.
ترى هل يدري هؤلاء الاشرار ماذا يفعلون ؟ كلا بكل تأكيد لكنهم يريدون ان يحطموا في شخص المسيح المرآة التي تكشف لهم قبحهم، و ان يطفئوا نور العالم كما اشرق في الناصري الذين يبغضونه لانهم يشعرون بحرية في ظلمة الخداع، اكثر مما في نور الحق الساطع، انهم لا يريدون لان يبكت ضمائرهم و لا ان يروا مثالا للفضيلة و لا الى ما ينبههم الى مووتهم الروحي.
ان ظهور من هو "ابرع جمالا من بني البشر" بهذه الصورة اثبت ان فساد طبيعتنا الساقطة له جذوره العميقة، و ان مرضها مستعص و ان ميولها الداخلية ليست سوى عداوة لله القدوس، و في جريمة صلب الرب نطق جنسنا بالحكم على نفسه، و ملأ  مكيال خطيته. ان القدوس الذى كان يحتمل الالم في خضوع و هو في ردائه الارجواني، انما يعلن في صمت انه بدون وساطة و فداء يكون نسل آدم كله معرضا للعنة و الدينونة الرهيبة.
و ما حدث في جباثا لم يكن سوى الثمرة الناضجة للبذرةالتي تنمو جهرا او سرا في كل واحد منا، فطالما لم نختبر الميلاد الثاني بالكلمة و الروح لا يمكننا ان نتصرف ازاء يسوع بطريقة تختلف عما فعله الناس الاشرار عند جباثا، فنحن مثلهم تؤذينا قداسته، و مثلهم نبصق عليه باحتقارنا له. و قولوا لي الا يزال المسيح يرتدي بطرق مختلفة الرداء الاجواني و اكليل الشوك في هذا العالم؟ الا ترونه معرضا لاحتقار الكثيرين و يعامل منهم كمضل لانه يشهد عن عظمته الفائقة؟ السنا نرى العالم الى هذا اليوم يعلن رفضه لاسم يسوع، و ابتسامة السخرية على شفاه الكثيرين عندما يذكر اسمه باحترام و توقير؟!
حقا، ان الخطايا التي ارتكبت ضد يسوع و الدماء تسيل منه لا يمكن ان تعد انها خطايا فردية او عمال شريرة قد صدرت من قلة، لان المنظر الوحشي الذي بدا في جباثا لم ينته بعد، بل لا يزال يتكرر في كل يوم و ان كان بصورة اقل، و اسفاه لقد تحول العالم الى جباثا! و منظر يسوع المتوج باكليل الشوك هناك يوبخنا جميعا بلا استثناء.
ليت الرب يكشف لنا عن هيئته و هو في الامه، لانه في صورته هذه قد اكد الحقيقة العظمى ان حكم الموت قد رفع عنا ليوضع عليه و انتقلت اللعنة من على رؤوسنا لتستقر على رأسه، ليمنح لنا اقترابا من الله و ليجعل لنا طريقا مفتوحا الى عرش النعمة..
ليت هذا الصوت "هوذا الانسان" يتردد دائما في قلوبنا، ولن يوجد في العالم ما يستطيع ان يجعل منظر الامه يختفي من امامنا. ان حكمة الحق كما عبر عنها الرسول بولس تتلخص في: الا نعرف شيئا بين الناس الا و يسوع المسيح و اياه مصلوبا، ان نموت كل يوم عن ذواتنا و عن العالم و نحن نسير في رفقة الفادي الذى مات لاجلنا، لكي نقوم كل يوم معه الى حياة ابدية .
و قد يمضي زمن طويل قبل ان نعود و نسمع الصوت "هوذا الانسان" بصورة اخرى و عندما نرفع عيوننا حينذاك سوف نرى منظرا اخر يختلف تماما عن ذاك الذي رايناه في جباثا، فان ملك المجد سيكون قد ابدل ثوب الهزء بحلة الجلال الالهي البهية، و اكليل الشوك بتاج المجد، و القصبة بصولجان السبادة فوق كل خليقة، و لكنه عندئ سيسبغ علينا الامتياز الاخير تفضلا منه كانعام خاص "تعالوا الي يا مباركي ابي رثو الملك المعد لكم "، بينما تنبعث من داخل المدينة السماوية الالحان الشجية، و تردد قلوبنا صدى الصوت بهذا الهتاف المجيد "مستحق هو الخروف المذبوح ان يأخذ القدرة و الغنى و الحكمة ز القوة و الكرامة و المجد و البركة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق