2 نوفمبر، 2012

الحديث في الطريق



تركنا الرب آخر مرة و هو في طريقه الى البستان الموحش الذي اعتاد ان يميل اليه في ظلام الليل و سكونه ، و كان ذهنه منحصرا في الموت الذي يقترب منه، و يلتف حوله التلاميذ كما هي العادة حين تحين ساعة الافتراق، عندما يطغى الحزن على الذهن المثقل ، و يصبح الحديث نادرا، و الكلمات قصيرة المقاطع تتخللها فترات طويلة من الصمت المطبق ، و لم يكن الرب يفكر في نفسه او في الامه التي اوشكت ، فهذه يضعها في مؤخرة ما يهتم به ، و لكن ما كان يؤثر فيه اكثر من كل شئ هو محبته و اهتمامه بالقطيع.
و يحول الرب نظره الى بطرس الذي بدا اكثر الكل حزنا ، و يعد اقربهم الى نفسه، فيقول له "سمعان، سمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة" (لو22: 31). ما ارهب هذه الكلمات التي زاد من رهبتها ظلام الليل و الظروف التي قيلت فيها! ففي نفس اللحظة عندما كان سيفترق عنهم معينهم و قائدهم الوحيد ، يتلقون هذا النبأ ، ان اشد الاعداء رعبا يقترب منهم، و اثارت كلمات الرب دهشتهم ، و ادخلت الروع في قلوبهم "الشيطان قد طلبكم".
يسمح الرب احيانا ان يستخدم الشرير قوته ليجرب المفديين الى درجة معينة ، و يفعل الرب ذلك لكي يثبت لقوات الظلم الحصانة التي يتمتع بها الذين يستودعون ذواتهم له؟ و في هذا تمجيد لاسمه، كما انه مرات يريد ان ينقي اولاده في بوتقة التجارب ليصبحوا لامعين كالذهب و بذلك يدخلهم الى شركة اعمق.
هذه هي المحنة التي تعرض لها التلاميذ، و كان المجرب قد راهن من البداءة انه لو اعطى الفرصة ، لجعلهم جميعا يرتدون على اعقابهم.
و كأن الرب يرى الدوامة الجهنمية التي تدور حول رؤوسهم، و لم يرض ان يخفي الامر عنهم لئلا يؤخذوا بالهجوم المباغت، فيقول لهم في كلمات لا يشوبها الشك، موجها نظره بنوع خاص الى بطرس ، الذي كان هدف هجوم العدو "سمعان ، سمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة".
لقد اصبحوا الآن على علم بخطة العدو، و ليتهم يضعون على قلوبهم كل مقطع من هذه الكلمات، التي نرى فيها انذارا و تعزية يختلطان معا بكيفية عجيبة، فيقول لهم انهم "كالحنطة" سيغربلون، و هذه العملية كما هو معروف تفرز التبن بعيدا بينما تبقى حبوب الحنطة الثمينة ، و على ذلك فالنتيجة على خير ما يرام، و سوف يسفر الامر عن تنقية و تطهير ، ليس بحسب خطة الشيطان، و لكنه يعزى تماما لتدخل النعمة الالهية. فالذين يغربلون هكذا ، يغلبون حقا و لكن بعد ان يجتازوا في الضيق و يحسوا بضعفهم، و من ثم يعرفون بالتحقيق الى من يعزى اكليل انتصارهم.
و دعونا الآن ننصت الى الرب و هو يكمل حديثه، الذي يكشف لنا عن عظمة و عمق محبته، فبعد ان نطق بهذا التحذير المرعب، نظر الى التلاميذ باشفاق و كأنه يريد ان يشجعهم، و قال سمعان "ولكني طلبت من اجلك لكى لا يفنى ايمانك" لقد تعودت البشائر ان تقودنا كثيرا الى مناظر اعمال الرب و معجزاته الفريدة، و كثيرا ايضا ما كشفت النقاب عن احاديثه الهادئة مع تلاميذه المحبوبين، و الاوقات التي مارس فيها وظيفته الكهنوتية، و لكننا هنا نظفر بنظرة الى الرب في عزلته فيب مخدعه، فلم يكد الرب يحس بالهجوم المدبر على التلاميذ و خاصة على بطرس، حتى طلب الاعتزال، و استودع في صلاته التلميذ المعرض للخطر، لحماية و حفظ الاب السماوي ، و كان هدف صلاته الا يفنى ايمان امام حدة عصف التجربة.
و لا يجب ان نظن ان سمعان بمفرده هو الذي حظى بهذا الامتياز دون غيره من المؤمنين، عندما كان سمعان هدف المحبة المتأججة ، و لكنك اذا نظرت الى صلاة الرب الشفاعية في (يو17) سوف نقتنع بغير ذلك ، فاسمعه و هو يصلي "ايها الاب القدوس ، احفظهم في اسمك الذين اعطيتني لكي يكونوا واحدا كما نحن"، "اسأل الا تأخذهم من العالم بل ان تحفظهم من الشرير"، "انا فيهم و انت فيّ، لكي يكونوا مكملين الى واحد" لا تحسب هذه الكلمات بما فيها من جمال هي فقط لاجل تلاميذ الرب انئذ، بل اسمع تكملة صلاته "ولست اسأل من اجل هؤلاء فقط ، و لكن من اجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكونوا واحدا كما انت ايها الاب في و انا فيك".
ان الايمان الذي يعمله الروح القدس في نفوسنا له وعد بالبقاء و الاستمرار بشفاعة مخلصنا، فقد يجرب الايمان و يهتز لكنه لن ينقرض او يمحى، و اراد الرب ان يعرف سمعان هذه الحقيقة مقدما، حتى اذا ما وقع له الهجوم يكون لديه واق، و في حالة الاستسلام يبقى له هذا الحق كقصبة يقفز بها فوق بالوعة اليأس.
       "طلبت من اجلك لكى لا يفنى ايمانك" ، لقد علم الرب ان بطرس سيسقط، و هو يرى فيه الان التلميذ الضعيف الايمان الذي سينكر سيده، و مع ذلك فان احشاءه نحوه احشاء ام رءوم، و كان جل اهتمام المخلص الا يقع بطرس فريسة لليأس بعد سقطته، و اراد ان يشجعه ليرجع اليه في الوقت المناسب، فقال له في اشفاق بينما كان يتطلع الى المستقبل "وانت متى رجعت ثبت اخوتك" فبعد انكارك يمكنك ان تعود لتتعزى براعيك الصالح، اجل بل انك في رجوعك ستكون اكثر قوة، لانك في عودتك ستقوي اخوتك، و ستبقى كما انت تلميذه الذي سيرعى خرافه.
      "متى رجعت ثبت اخوتك" ، لا يمكننا ان نكف عن سماع هذه الكلمات، التي يظهر منها ان بطرس سيصبح فقط تلميذا بالحق بعد ان يسقط، هذه هى الحقيقة و الا لما سمح الله بالسقوط، ان الصفة اللازمة لمن يبشر بالانجيل هي قلب تائب منكسر تماما، لأنه بعد ان ننال الرحمة و تغفر ذنوبنا و تعدياتنا نكون في وضع يهيئنا لكى "نقوي اخوتنا"، و بعد ان نكون انفسنا قد اختبرنا يقينا انه بدون المسيح لا نستطيع ان نعمل شيئا، فعندئذ فقط نستطيع ان نكون مبشرين قادرين ايضا ان "نجبر كسر القلوب"، و ان نشدد الركب المخلعة.
       اما سمعان فلم يدخل في روح كلمات السيد، فنراه يصيح بغضب و كأن تهمة قد الصقت به، او جورا قد لحقه، "وان انكرك الجميع انا لا انكرك، انا مستعد ان اذهب معك الى السجن و الى الموت" جميل جدا ، و لكن ما اكثر الثقة بالذات! و مع ذلك فكانت غيرة اشتعلت في قلبه نحو سيده اود لو انها تعمنا بالمثل.
كانت رغبة مقدسة هي التي املت على بطرس كلماته ، و لكن كم فيها من المبالغة في الوعود! ألم يصل يسوع لاجله لكي لا يفنى ايمانه؟ بلى ، و لو كان بطرس قد اقام ثقته على هذا الاعتبار لظل امينا مخلصا في عهده حتى الموت، لكن سمعان تباهى بقوته، و كان يعنى ان يقول "ان محبتي لك دليل على اني لا انكرك" آه ان قلب الانسان اخدع من كل شئ ، و الذي يعتمد على المشاعر انما يستند على عكاكيز مكسرة، فمهما يكون شعورنا و احساسنا بما لنا من قوة و غنى روحي، لا ينبغي ان نعد بشئ في اعتماد على الذات، و لا ان نضع اقدامنا على المياه حتى يدعونا الرب و يأمرنا بان نفعل ذلك، و يمد لنا يده بالمعونة، فالرب لا يعرض ايماننا للخزى و لكنه ملجأ امين لنا وسط العاصفة.
و لم يكد بطرس يعلن في سذاجة ، تصميمه البطولي حتى سمع تحذيرا آخر من فم السيد ، فأخبره الرب في صراحة "اقول لك يا بطرس، لا يصيح الديك قبل ان تنكر ثلاث مرات انك تعرفني".
لقد سبق الرب فرأى انكار بطرس، و امر الديك ان يحفزه للتوبة، ليعود اليه ثانية، و يجعله يذرف دموع التوبة، و هكذا امتدت محبة الرب المشفقة ابعد من التجربة و اعدت بلسما للجراح التي سببها الانكار.
بعد ان فرغ الرب من الكلام مع بطرس، و بعد ان اعد العدة لرجوع التلميذ الغيور في زمان التوبة، تحول للتلاميذ و قال لهم "عندما ارسلتكم بلا كيس و لا مزود و لا حذاء هل اعوزكم شيئ؟" لم يتذكر التلاميذ ان شيئا ما اعوزهم، و بكل سرور اعترفوا بما فيه كرامة سيدهم و قالوا "لا" لقد تصرف الرب معهم كما يفعل عادة مع اولاده عندما يقودهم برفق و عناية ابوية.
و يقول مشيرا الى حياتهم المستقبلية "والان من له كيس فليأخذه و مزود كذلك، و من ليس له، فليبع ثوبه و يشتر سيفا"
و ماذا تعني هذه الكلمات ؟ انه يعلن للتلاميذ ان الحروب و المخاطر، الضيقات و التجارب المتنوعة تنتظرهم، و ينبغي ان يستعدوا لها، و لكن ينبغي عليهم ان يستودعوا نفوسهم له بالتمام، فهو صديقهم الذي لمسوه امينا دائما في وقت الشدة، فيلزمهم بجانب الصلاة و انتظار مجيئه، ان يستخدموا وسائل الحياة العادية، فمن كيس لا ينبغي ان يطوح به، بل يجب عليهم ان لا يحتقروا الامكانات البشرية من عزيمة و شجاعة، و حكمة و تدبير و بعد نظر.
و يذكرهم الرب ان طريقه سيفضي به الى احتمال الالم "لأني اقول لكم انه ينبغي ان يتم فيّ ايضا هذا المكتوب و احصى مع اثمة، لأن ماهو من جهتى له انقضاء".