16 سبتمبر، 2014

برناديت ج1


يوم 11 فبراير 1858:

كان مستلقيا على فراشه .. اما هي فقد داعبت شعره بحنان و هي تقول: "سوبيروس.. سوبيروس"
..  راح يتثاءب واستعاد الى الذاكرة صورا من الحلم والاشباح التي طافت بمخيلته اثناء الليل، ثم تذكر ان لا عمل له فدفن رأسه في الوسادة و غاص في لجة الفكر ..
اردفت الزوجة قائلة :" لو ذهبت مبكراً ربما تجد عمل". فتح عيناه وراح يتثاءب و حملق في وجه زوجته دون ان ينبس بكلمة. ارتدى ثيابه والقى معطفه ثم مضى يقدم رجلا و يؤخر اخرى.. هام الزوج على وجهه .. حتى وصل الى محل للمخبوزات.. القى التحية على صاحب المخبز:

-         صباح الخير سيد ميزونجروس.

-         آه لا عمل لك اليوم.
كيف اشٍّغل أحداً وأنا لا أجد ما يجعلنى مشغولاً. لم يعد الناس يأتون للمخبز بعد. لا .. فهم يذهبون الى المعجنات لانهم متأنقون.. لماذا لا تحاول العمل بالمستشفى؟ فالرجل الذى كان يؤدى اعمال النظافة انتقل بالامس الى تابريس.
-         شكرا سيدى.. غادر وهو يكاد يطير من على الارض فرحا.


خذ هذه الكومة الى المحرقة عند "ماسابيل" واحرق كل قطعه منها إنها مليئة بالعدوى والمرض.
حمل العربة المليئة بالمخلفات وسار بها حتى مقلب القمامة حيث اشعل فيها النار ..

***
وقفت المعلمة في الفصل وراحت تسأل احدى الطالبات وهي تجيب:

-         لماذا أسس المسيح الكنيسة؟
-         أسس المسيح الكنيسة لكى تعلّم وتنقى وتخلص كل البشر.
-         كم كانت حياة المسيح على الارض؟
-         عاش المسيح على الأرض حوالى 33 سنة قضى فيها اقدس حياة فى فقر.
-         هذا صحيح إلا أنكِ أغفلتِ آخر وأهم كلمة "فى فقرِ ومعاناةٍ..". لا تنسى هذا أبداَ ياطفلتى... لأنه من خلال المعاناة فقط نأمل أن نربح ملكوت الله.

توجهت الى برناديت بالسؤال:
-         ما هو الثالوث المقدس؟
لم تجب فأعادت السؤال:
أقول لكِ: "ما هو الثالوث المقدس؟"
ظلت ساهمة. ثم بلهجة حادة صاحت فيها:
-         ألا تسمعينى؟
-         نعم ايتها المعلمة أنا سمعتك ولكنى لا أدرى شيئاَ عنه!
-         ألم تسمعى قط عنه؟
-         ربما سمعت عنه.
-         أنت تحيريننى ياصغيرتى. هل أنتٍ متغطرسة أم غير مبالية أم مجرد غبية؟
-         أنا غبية فرأسى لا تستوعب الدرس.
-         وأنت ايضا متغطرسة ...فأنت فتاة ناضجة يا برناديت. والأكبر فى هذا الفصل. والجهل بالثالوث المقدس أمر لا يغتفر...  وكنوع من العقاب صاحت بها: اذهبى الى آخر الفصل.
رفعت احدى الطالبات اصبعها تستأذن في الكلام، فأشارت اليها المعلمة بالكلام قائلة: ماذا يا مارى؟ اجابتها الفتاة محاولة توضيح الامر للمعلمة و التماس العذر لأختها قائلة: أنا فقط اردت ان أقول....أن أختي برناديت كانت مريضة فى اليوم الذى درسنا فيه عن الثالوث المقدس. لقد تغيبت عن المدرسة كثيراً. انها دائما مريضة.
-         ما الذى يجعلها مريضة؟
-         يسمونه " آتما" او شىء من هذا القبيل.
-         ربما تقصدين ان تقولى " أزمة" ؟
-         نعم. هذا ما قاله دكتور دوزاس عنه. فهى لا تقدر أن تتنفس ... وأحيانا تصدر اصواتا تماما هكذا... وراحت تصدر حشرجة في صوت تنفسها جعلت الطالبات جميعن يضحكن!
وبلهجة حادة صارمة صاحت فيهن المعلمة: الضحك يضيع وقتاَ مفيدا. ارجعوا إلى دراستكم. ثم توجهت بالسؤال الى فتاة اخرى: انطوانيت ربما يمكنك أن تخبرى برناديت عن ماهو الثالوث المقدس؟ وفي الحال اجابت الفتاة: الثالوث المقدس هو إلهُ واحد ذو ثلاثة أقانيم. الله الآب ، الله الإبن ، والله الروح القدس.
كان الاب بيرامال يتفقد المدرسة فدخل الفصل وهو يلقي التحية: صباح الخير أخت مارى تيريز. ردت عليه التحية قائلة: صباح الخير الاب بيرامال. ثم التفت الى الطالبات و حياهن قائلا: صباح الخير ايتها الفتيات! وباصواتهن العذبة رددن بصوت واحد: صباح الخير أيها الأب المبجل!. ثم وجه الحديث الى المعلمة قائلا: كنت ماراً لذا فكرت ....أن أتوقف قليلا عندكم أخت ماري لأرى كم عدد الأطفال الذين تعدينهم لأول مناولة.
-         ستة، وقد كنا لتونا نسترجع مبادئ التعاليم المسيحية.
-         حسناً هل تعرفن جميعا التعاليم المسيحية.
-         نعم أيها المعلم المبجل.
-         درايتكم بالتعاليم المسيحية يتطلب حرصاً عظيماً. وأعتقد أن مثل هذا الحرص لابد أن يُكافأ. لدىّ بعض الصور المقدسة. هل ترغبون فى احداها ؟
-         إوه. نعم أيها الاب المبجل.
-         حسنٌ جداً. ها هى.. وراح يوزع عليهم هداياه من الصور المقدسة. وهن جميعا يشكرونه. ثم بكلمات رقيقة ودودة قال: ..  ها أنتم تكبرون.. وسوف تتحقون من أن ....... الدراسة فى التعاليم المسيحية التى أخذتموها ليست فقط أسساً للتعاليم الدينية. ولكن أيضا عقيدة لترشدكم طيلة أيام حياتكم.
فرحت برناديت بالصورة التي اخذتها وراحت تتأملها.. قطع تأملها يد المعلمة التي امتدت وهي تأخذ الصورة وهي تقول: انا آسفة أبى..هذه الفتاة لا تستحق وسيكون من غير العدل بالنسبة الى الآخرين..  لقد درسوا التعاليم المسيحية ولكنها لم تفعل. نظر الى برناديت نظرة شفوقة وقال: يؤسفني ذلك. ثم التفت الى الطالبات وقال: وانتن ينبغي أن يكون هذا حافزا لكم بعد ذلك. أدرسوا بجدٍ.

***
دخل سوبيروس للمنزل. فوجد زوجته في انتظاره و على الفور بادرته بالسؤال: هل وجدت عملاً؟
دسّ في يدها ورقة من فئة العشرون سو، فقالت له بدهشة: عشرون سو! لابد انهم من المخبز، أليس كذلك؟ اكتفى سوبيروس بالنفي. ولما لم يجيب على سؤالها قالت بطريقة جادة مصممة على ان تعرف مصدرها:  من أين إذن؟ حاول التملص من السؤال وانتهرها بشدة ، لكنها ثبتت عيناها في عينيه لبرهة و بكلمات مبتئسة قالت: بالتأكيد أنت لم تتسول! اثارت كلماتها غضبه فاندفع يعبر عن مأساته في كلمات ساخرة لاذعة: بل ماهو اسوأ.. النفايات النتنة من المستشفى.. كان لابد أن آخذها بعيداً لتحرق..هذه هى نوعية العمل التى أعطوها لسوبيروس. .سوبيروس الطحان الذى يصنع افخرالدقيق فى اسكوبى.. يشعر بالبرد والرطوبة كما المسجونين من اللصوص والقتلة.. أما بالنسبة الى سوبيروس وعائلته فلسان حال المسؤولون بالتأكيد لنتركهم يعيشون هنا.. دعهم يتجمدون فى الشتاء، ويلفحون فى الصيف.. لنتركهم يمرضون ويموتون.. فمن يبالى؟ وقد فاه بكل هذه الكلمات دفعة واحدة في غمرة اضطرابه ولم ينهي كلامه حتى وصل الفتيات الثلاثة المنزل برناديت وماري ومعهن صديقتهن جيان. دعت برناديت صديقتها جيان برقة للدخول ، ثم التفتت الى امها وقالت: ماما جيان جاءت معى ولسوف تساعدنى فى مذاكرتى فيما بعد. وبكرم بالغ وضعت الام طبقا فارغا على المنضدة وهي تقول: حسناً فهناك من الطعام ما يكفى دائما لواحدة اخرى. اجلسوا كلكن. لكن جيان اعتذرت بأدب قائلة: أوه. كلا! من فضلك يا سيدتى. أنا لست  جوعانة بعد.

وفي تلك اللحظة وصل الولدان اوستين و نيك عائدين من المدرسة. دفع اوستين الباب ودلفا الاثنان بسرعة الى الداخل وبسرعة البرق جلسا على المائدة والطبق فارغ امامهما.  ردد اوستين صلاة قبل الاكل بعجلة: المجد للآب والابن والروح القدس... ثم اكمل بمقولة غريبة: من يأكل الاسرع يحصل على الاكثر.
انتهرته ماري بشدة قائلة: اوستين! أين تعلمت ذلك؟ انك ستذهب الى الجحيم لقولك مثل هذا الشىء!
لكنه - على الارجح لكي يغيظها - كرر ما قاله سابقا، ثم أردف قائلا: أليست هذه هي الحقيقة؟
تدخلت برناديت في الحديث قائلة: الآن أنت تقولها ثانيةً. أرى أن الخنازير لهم طباع افضل ووجوه انظف.
صاحت الام ملوحة بيديها: قوما من هذه المائده واذهبا اغتسلا كليكما.
لم يستطع الاب كتم غيظه فصرخ متبرما: أوه ، اجتماع حاشد هنا ، هه! فكيف يمكن لأحد النوم مع جلبة مثل هذه؟
هتفت برناديت معتذرة نيابة عن الجميع: أسفين يابابا
تمتم الاب بشفاه مرتعشة متسرعة: هنا برد . ليضرم أحدكم النار.
قالت الام بصوت متقطع متلعثم: حسنا.. لا يوجد لدينا.. خشب.
رد الاب بمزيج من الالم والسخرية: لذا على أن احضر الخشب أيضاً ؟ -أكد طول اليوم كله.. وكل ما أطلبه هو بعض الهدوء والدفء.. وماذا احصل عليه؟! البرد والقشعريرة.. أيجب علىّ أن أفعل كل شىء هنا؟
ردت ماري بلهفة وتعجل: سأذهب للبحث عن الخشب ، يا أبى.
برناديت: هل يمكننى الذهاب مع مارى ومساعدتها يا أمى؟
الام: لا ،  لن تفعلى أي شئ من هذا القبيل .
برناديت متوسلة: ماما .. ماما من فضلك .
وافقت الام ولم تنس ان تنبهها قائلة: حسناً. حسناً. فقط تدثري بملابس ثقيلة.
امسك اوستين بجلباب امه وراح يستعطفها بحرارة: ماما..ماما !ممكن أن أذهب أنا أيضا ؟ أوه أرجوكى يا أمى.
ردت عليه بحزم: لا. سوف تمكث فى هذا البيت وتقضى بقية اليوم سائلا من الله المغفرة. فراح يضرب الارض بقدمه مبديا غضبه قائلا: اوه. كلا، كلا.

في تلك اللحظة سمع طرق على الباب. فتح الباب فدخلت الجارة مسرعة وبكلمات متسرعة ظهر فيها الاضطراب الشديد واضحا قالت مخاطبة الام: لويز  !  لويز !
اجابتها: ما الخطب يا كرويزين؟
-         الرضيع! التشنجات مرة أخرى! أنا لا أعرف ماذا أفعل! ساعديني ، لويز!
-         اهدأى  يا كرويزين سأتبعك فى أقل من دقيقة.
-         أرجوكى بسرعة.
صاح اوستين وقد امسك بذراع امه بكلمات متلهفة: ماما هل استطيع أن أذهب معك وأنظر؟. اجابته امه بحزم: لا.  ابق أنت هنا مع أخيك. ثم اردفت: يمكنك التضرع من أجل المغفرة قليلا أيضا. ثم التفتت الى البنات وقالت وهي تغادر المنزل ذاهبة مع جارتها: أريد منكن يابنات أن ترجعن قبل الظلام.

***

خرجن البنات الثلاث يهرولن. تخلفت برناديت عنهن فصاحت ماري بأختها: هيا بنا برناديت -هيا أسرعى. وبحس الدعابة قالت: ان آخر واحد فوق هذا الجسر بمثابة أوزة.
كانت احدى الجارات تقف بباب المنزل فحين رأت برناديت حيتها:  
-         أهلا برناديت.
ردت عليها التحية قائلة:
-         يوم سعيد مدام نيقولا.
-         هل والداك بصحة جيدة؟
-         نعم بحال جيد جداً ..شكراً لكِ. وكيف حال ابنك سيد انطوان؟
كان انطوان يقف على سطح المنزل فصاح:
-         شكرا لكِ ، وانت آنسة برناديت؟
-         أنا بخير. شكراً لك سيدى. حسناً من الأفضل أن أسرع فأختى ستبحث عنى.. ثم اشارت الى الجسر قائلة: هل لي أن استخدام الجسر الخاص بك؟
كان جسرا من عروق الخشب والحبال. اجابها بطريقة مرحة ومزاح: كما تشاءين وبلا أى رسوم. وضعت قدماها على بداية الجسر المصنوع من الالواح الخشبية والحبال فراح يتأرجح ... رأى ذلك انطوان فنزل مسرعا ومد يده وامسك بيدها وساعدها في العبور وهو يقول: ها.. من الأفضل أن تسمحى لى بمساعدتك فهذا الجسر لايمكن الاعتماد عليه. فشكرته: شكراً لك سيدى. أنت طيب جداً. فودعها ملوحا بيديه: إلى اللقاء .. إلى اللقاء.
قالت الام لابنها:
-         إنها تنمو لتصير امرأة صغيرة جميلة، أليس كذلك؟
اجابها وقد احمرت وجنتاه: ارى ذلك يا اماه.

***

راحت برناديت تنادي اختها: مارى.. ماري.
غافلتها جيان من خلفها فهبت واقفة ووجهها قد امتقع بشدة من المباغتة، وقالت: جيان. أوه ! أوه ، للحظةٍ اعتقدت أنك الشيطان نفسه.
فأجابتها ملفتة نظرها الى وجهها الممتقع: لابد أن ترين وجهك. انك لا شئ إلا عينين وفم.  
قالت برناديت: وأنتما أيضا قد فزعتما. أليس كذلك؟
اشارت جيان بيدها ناحية منطقة ماسابيل وقالت: هناك يوجد الحطب . تعاليا. اتبعانى .. سنعبر الوادى -هذه ملكية خاصة. ان الخشب هناك !
جيان: ما رأيكم؟
برناديت: لو أخذنا الخشب من هنا سوف نكون سارقين.
ماري: الخشب خشب لا تكونى مثل تلك القطة الخائفة ، يابرناديت.
برناديت: أنا لست بقطة خائفة.
ماري: نعم أنتِ كذلك.
جيان: تعالى هنا يا مارى.. هيا بنا نذهب.
خلعن جواربهن. ثم قالت جيان وقد سبقتهن في النزول وقد احست ببرودة الماء الشديدة: أوه! ان الماء بارد !إنه يتجمد ! اسرعى. اسرعى! ورددت ماري: نعم. إنه باااارد جدا. برناديت من فضلك لا تنزلى فى هذا الماء.. تذكرى ما قالته ماما لك.
اجابتها برناديت: سوف لا أصاب بالبرد.
لم يعجب ماري ردها فصاحت بها قائلة: سوف لا ..؟ بل سوف تصابين بالسعال ثم بأزمة ربو تجعلنى لا أنام الليل بطوله.
قالت برناديت: يمكننى العبور فوق هذه الصخور!
اجابتها ماري بقلق: نعم وتتعثرين فيها وعندما تقعين وتبتلين لا تسألينى أن أخرجك من الماء!
راحت برناديت تجادل قائلة: ولكني لو جففت قدمى جيداً سوف لا أصاب بالبرد.
انبرت جيان لتنهي الجدال قائلة: أوه ، إننا لا نحتاجك عموما. تعالى يا مارى. هيا لنذهب. ثم التفتت الى برناديت قائلة: ابق هنا حتى نعود.
عادت برناديت في الحاح تقول: ولكن ثلاثة يمكنهم أن يحملوا  أكثر من اثنين.
ثم همت تخلع الجوارب لتعبر النهر، واذ بهواء بارد يهب. رفعت بصرها فاذا بسيدة فاتنة الجمال وهي تحرك يدها بالبركة. رسمت اشارة الصليب على وجهها لتتأكد من انها مخلوق سماوي حقا، فحركت السيدة يديها بعلامة البركة مرة اخرى.

***

في هذه الاثناء كانت الفتاتان قد قطعا كمية من الحطب وحملنه وفي طريق عودتهن كانت جيان تحادث ماري قائلة: ولكن ماذا لو لم تكن برناديت هناك؟ اننا لن نقوى على حمل هذه الحزمة الثقيلة كل الطريق رجوعاَ الى المدينة. ثم اخذت تنادي: برناديت.. برناديت! ولما لم تجد لندائها رد قالت جيان: أرأيت كما اخبرتك أنها سوف تتركنا وحدنا وتعود للمنزل.
قالت ماري: لا. إنها لن تفعل ذلك. ربما هى موجوده بمكان ما .. انظري إنها هناك . ثم رفعت صوتها تنادي على اختها : برناديت.. برناديت! تعالى هنا! لابد أن نرجع البيت.
لم ترد برناديت وكانت ثابتة في مكانها وكأنها فقدت السمع، ووجها كان ممتقعا بشدة. راحت جيان تسأل مارى في دهشة: ماذا تفعل برناديت؟ ثم نادتها ثانية فلم ترد.
قالت ماري: لربما تكون قد ماتت.... ثم رفعت عيناها الى السماء وقالت: يا أم القدوس! لربما تكون قد قتلتها أزمة الربو.
قالت جيان: أوه كلام فارغ. لو كانت ماتت ، لانطرحت ارضاَ.. ما من أحد سمع أن شخصاً مات وهو راكع؟
قالت ماري: إذاً لماذا لا تتكلم؟
اجابتها جيان: أنها تحاول أن تتضاحك. سوف أريها...برناديت!
قالت برناديت وقد افاقت: ما الأمر؟.. ما الامر؟
ماري: أهذا ما كنا نطلبه منك؟ ظننت أن أزمتك قد قتلتك !.. لا تقفى هناك. تعالى!
أنتِ تعرفين يجب علينا الرجوع للبيت قبل الظلام.
قالت ماري: أنا قادمة.
قالت جيان: لن نجتاز هذا الماء البارد مرة أخرى. اذهبى أنتٍ من هذه الناحية من النهر وسوف نقابلك على الجسر.
قالت برناديت: ما بالكما تخدعاننى. فهذا الماء دافئ مثل ماء الصحن.
قالت ماري: برناديت! هذا الماء متجمد.
اجابت برناديت: حسناً ، ولكنه ليس كذلك الآن. أنظرا ، أصابع قدمى ليست حتى بيضاء.
سألت ماري: ماذا كنت تفعلين هناك وأنت راكعة بين الصخور؟
قالت برناديت: أما شاهدتما أى أحد؟
-         لا. هل كان أحدهم معك فى هذا الكهف؟.. هيا . أخبرينا من يكون.
-         ...حسناً لو أخبرتكما لابد أن تقسما ألا تفشيا سرى.. لو سمعت أمى به ربما مسكت العصا لى.

قالت جيان: أنا اقسم !
بينما قالت ماري: أنا اعدك ولكنى لن أقسم، فقسمٌ مثل هذا هو خطية وأنت لا تريدين أن ارتكب مثل هذه الخطية قبيل تقربي الأول من القربان المقدس، أليس كذلك؟
بلهفة قالت الاثنتان في صوت واحد: أوه. هيا أخبرينا.
-         .... حسناً. رأيت سيدةً وكانت كلها فى بياض.
قاطعتها جيان قائلة: سيدةٌ؟ !
استطردت برناديت تصف ما رأته قائلة: وكانت ترتدى حزاماً أزرقاً ووردة ذهبية على كل قدم. انني لم أر شيئاً طوال حياتى بمثل هذا الجمال!
-         أوه ، لابد ان هذا هذيان.. ماذا كانت تفعل هذه السيده الجميلة فى مكان مثل هذا؟
-         لا أعلم. ولكنها كانت هناك حقيقةً. كانت هى.
رفعت ماري حزمة كبيرة عن الارض وهي تقول: هيا. هيا بنا نبعد عن هنا. ثم اشارت الى حزمة صغيرة وقالت: برناديت خذى أنتِ هذه الحزمة.
-         لا. سوف أخد هذه فهى أكبر، ولابد أنك متعبة.
ثم جد ثلاثتهن في السير باتجاه المنزل.
***

قالت لويز لزوجها وقد اقلقها تأخر البنات الثلاثة في العودة: البنات لم يصلن البيت بعد ؟
اجابها: هه ؟ لا.. أوه ، آه ، زوجة المدرب ميليت كانت هنا و قالت أنه لم يعد هناك ما تغسليه لها.
-         من أين نأتى بالطعام اذن؟
-         لا تسألينى. أنا راقد هنا افكر بذلك طوال اليوم.
وصل البنات الثلاثة الى المنزل. فقالت الام: لماذا تأخرتن هكذا؟ لقد كنت قلقة حتى الموت.
قالت برناديت: ولكننا احضرنا الحطب أماه. ثلاثة حزم تكفى لأيام.
الام: ولكن هناك أشياء أخرى لتفعلنها إلى جانب أحضار الحطب الكنس والتنظيف واحضار الماء.
قالت برناديت: سوف أجلب الماء ، يا امي.. واخذت جرة الماء وخرجت مسرعة بينما امها تنادي عليها: برناديت!برناديت! لاتجرين هكذا.
همت جيان بمغادرة المنزل وهي تخاطب صديقتها: أراكى في المدرسة غداً. ليلة سعيدة ، يامارى..
قالت ماري: أرجوكِ أمى خذى هذا  الحطب.
-         أوه كان عليها ألا تجرى مثل ذلك.
-         أنها جرت كل الطريق حتى البيت حتى أنى لم استطع اللحاق بها.. سوف تظل تسعل طوال الليل...  برناديت كلها حماس لأنها تقول أنها رأيت "سيدة" عند ماسابيل كل ثيابها بيضاء مع زهور ذهبية على قدميها.
-         ما تتحدثين عنه، هل هو على وجه الأرض؟!
-         هذا ما أخبرتنا عنه !! زهور ذهبية عند قدميها.. قالت أن هذه السيده كانت تقف
على صخرةٍ وتبتسم لها.. وكان لها مسبحة من اللآلىء ...وصليب ذهبى.
دخلت برناديت فسمعت اختها تتكلم بمثل هذا الكلام فعاتبتها قائلة: مارى! لقد أخبرت عنى وأنت قلت أنك لن تفعلى.
-         لقد سألتنى أمى.
الام: ماهذا الهراء الذى تخبرنى عنه مارى؟
-         إنه حقيقى يا أمى. فى الكهف عند ماسابيل ، رأيت سيده فى منتهى الجمال.
-         سيدة؟ من هى السيدة؟
-         لا أعلم ...فجأة وجدتها هناك ثم فجأة اختفت
-         آه . كلام فارغ.
-         أوه ، لا ، يا أمى. لقد كانت هناك. كان وجهها جميلاً ...ومجرد النظر إليها كان يجعلنى أشعر..
قاطعتها امها: سوبيروس! أتسمع ما تقوله ابنتك؟
-         سمعت .. وأعلم أيضاً لماذا تقول هذا. إنها تستعرض وتصطنع روايه لتشعر بالاهمية. إنها دائما تبدأ بنفس الطريقة بقصص خرافية. زهور ذهبية على قدميها !.حقاً.
-         لا ، بابا أنا فى الواقع وصدقاً رأيت السيدة. حقاً رأيتها.
في تلك اللحظة سمع طرق على الباب وحينما فتحت برناديت رحبت بهن ودعتهن للدخول.
كرويزين: إنه لك ياصديقتى العزيزة لأنك انقذتى رضيعى اليوم.
واردف زوجها قائلا: إنه ليس بالكثير مقارنة بحياة الطفل . نريدك أن تأخذيه.
-         أوه ، لا. لا ، لا يمكننى.
-         إنها الطريقة الوحيدة التى نملكها لرد الجميل لك. نرجوك.
قال سوبيروس:
-         نعم يا لويز! بعد كل هذا ، بما أن لنا أصدقاء ... طيبون بمثل هذا القدر فأقل ما نقدر أن نفعله هو أن نقبل.
-         لكنكم في حاجة إلى الغذاء بقدر ما نحتاج نحن. 
-         لا ، لا. أتت اليوم عمتى ومعها الكثير. نحن فقط نشارككم حظنا السعيد.
-         يبارككما الرب كليكما ، فهذا طعام يكفى لايام.
في تلك اللحظة دخل اوستين و نيك البيت وعندما ابصرا السلة المملوءة بالطعام صاح اوستين: نقانق. تماماً مثل النوع الذى بفاترينة الجزار.
قال نيك: يا للأومليت الرائع الذي سوف نصنعه بهذا البيض.

لم تمض لحظات حتى سمع طرق الباب. وحينما فتح اوستين وجد مستر تشارلز بالباب دعاه للدخول.. ثم سأل الاب بدهشة من الزيارة المفاجئة قائلا: ما الذى أتى بك هنا.. الى الريف البارد؟
-         هل سمعتم عن ديوترولوكس؟
-         سائس الخيل لسازيناف؟
-         نعم . الذى ركله الحصان وكسر ساقه.
قال اوستين: كسر الحصان ساقه؟
قال سوبيروس مشفقا: لا ، يا لحظه السئ!
اردف تشارلز: لقد كٌسرت ساقه في ثلاثة مواضع.
قال اوستين: أوه ، رحماك هذا سئ..
قال تشارلز: لا.  بل هذا طيب.
قالت لويز مستنكرة ما قاله تشارلز: أوه ، عارٌ عليك .
-         اقصد أنه سىء لديوترولوكس، ولكنه جيد لزوجك. كازيناف سيمنحك الوظيفة وهذا سبب وجودى هنا.. إنه سيدفع 2 فرتك يوميا بالاضافة الى طعام الغذاء.
قالت الزوجة مبتسمة وقد انار وجهها ابتسام الحظ لهم اليوم: سوبيروس 
وقالت الجارة : فرنكان فى اليوم؟!
واكد الجار: ولا تنس وجبة غذاء ساخنة.
قال نيك: بابا ، أيمكننى أن اركب معك فى العربة ؟
وقال اوستين: أنا اركب الأول . فأنا الأكبر.

ثم التفت لمستر تشارلز وقال: يمكنك أن تخبر كازيناف أننى قبلت.
-         هو متأكد من قبولك. وهو يريدك هناك عند الساعة 5 صباحا.
ابصر زوجته وقد دمعت عيناها فبرقة بالغة سألها : دموع يا عزيزتي؟
-         فقط لأننى سعيدة .
-         أنا سعيد أيضاً. ينبغى أن نحتفل. انتم كلكم مدعوون للعشاء.
-         أوه ، لا ، لا ، لا.
-         لم نخطط لهذا.. ولكن قد غيرنا خطتنا فلدينا الطعام، ولدىّ الوظيفة. لقد قبلنا بيضكم، والآن ينبغى أن تقبلوا الاومليت الذى نعده. ولن أسمع أي كلمة أخرى.
-         يا أطفالى الاعزاء ، ساعدوا أمكم.

***

جاءت ماري الى والدتها وهي تلهث فسألتها : ماذا بك ، ما خطبك؟
-         برناديت  يا امي..
-         تكلمى. تكلمى . ماذا بها؟
-         إنها ميتة أو شبه ذلك.. إنها شاحبة وتبدو في اعياء تام.
-         أين هى؟
-         أخذوها إلى مدام نيكولاوس.

الكثير من الجيران يتبعن انطوان وهو يحمل برناديت على ذراعيها وهي غائبة عن الوعي .. منعتهم مدام نيكولاس من دخول المنزل بلطف: أوه ، من فضلكم . من فضلكم ابقوا خارجاً. رجاءً اتركوها فى سلام. فهى مريضة جداَ.
قال انطوان: انها على مايرام ، يا أمى. انظري إنها تفتح أعينها. ثم سأل برناديت: هل تشعرين بتحسن الآن؟
-         نعم شكراً لكِ ، يامدام نيقولا.
-         هلا اعطيكِ بعض اللبن الدافئ .
-         شكراً جزيلاً لكِ ، ولكنى لا أحتاج شيئاً .
سألها انطوان:
-         ماذا حدث؟
-         كانت السيدة هناك ...  لوقت ٍ طويلٍ وقد تحدثت إلىَ
-         تحدثت إليكِ؟ ماذا قالت؟
-         ... قالت.. هلا تأتين هنا كل يوم لمدة 15 يوماً؟ ... ثم أضافت....لا أستطيع أن أعدك بأن أجعلك سعيدة فى هذا العالم .. فقط فى الآتي
في تلك اللحظات وصلت ماري وامها فوجدت حشدا في الخارج يتحدثون فيما بينهم. احدهم كان يقول: اننا طلبنا بعد انتهاء الصلاة بالكنيسة من برناديت أن تأتى معنا.
اخرون: لأننا أردنا أن نرى ما إذا كان ممكناَ أن نرى السيدة.
-         حسناً ، هل رأيتها؟
-         لا . لم يرها أحد منا.
-         ولكن برناديت قالت أنها رأتها.
مسحت الام برفق بيدها فوق جبهة برناديت وسألتها : برناديت .. هل أنتِ بخير؟
-         نعم يا أمى. ليس هناك ما يدعوك للقلق علىَ.
-         لا شىء يدعو للقلق؟ .. قاربت على الموت من الخوف ، وتقولين لا شىء يدعو للقلق.. لقد تركت عشاء والدك حتى احترق، وجريت وسط الشوارع كالمجنونة، وماذا وجدت؟ ...وأنتِ  جالسة مثل .. مثل أميرة على العرش.
ثم همت بصفعها وهي تقول بحدة:  ... أنتِ جيده فى ال.. كان رد فعل الجارة فأمسكت بيدها ومنعتها قائلة: لا تضربى الصبية . إنها مثل الملاك.
-         ملاك؟ إنها أضحوكة لوردز.
-          تعالى ، يا أمى ، ربما نستطيع نصل البيت قبل أبى.
-         لا. لن اترك هذا المكان ما لم تعدينى انك لن تذهبى ثانيةً إلى ماسابيل ! أبدا .
-         ولكن يا أمى لا استطيع أن أعدك بذلك . السيدة طلبت منى الرجوع كل يوم لمدة 15 يوماً
تدخلت مدام نيقولا: أوعدى أمك يابرناديت. هذا الانفعال ضارٌ بكِ. من المؤكد انه سوف يسبب لك المرض.
-         حسنٌ. أعدك يا أمى ... أننى لن أذهب الى ماسابيل ثانية ! مالم تعطيتنى الإذن بنفسك.
-         وهذا ، ما استطيع أعدك به أنك لن تحصلى عليه مطلقاً. ولسوف أرسلك إلى ...عمتك برنارد فى بارتريس وهناك سوف تنسين هذه الحماقة .. والآن ارجعى معى للبيت !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق