5 سبتمبر، 2014

انا لا انسى وجه مطلقا


سأقول لكم شيئا غريبا عني- أنا لا انسى الوجوه مطلقا ولكنني في المقابل عادة ما اعجز عن تذكر اسماء اصحابها. أنا أعرف ما تريدون قوله - انك تعاني من نفس مشكلة الكثير من الناس، إلى حد ما . ولكن لست كذلك. عندما أقول أنني لا انسى وجه، أعني انني يمكن أن امر بشخص في الشارع يوما واتعرف عليه مرة أخرى بعد أشهر، على الرغم من اننا لم نتحدث لبعضها البعض. زوجتي تقول أحيانا أنني يجب أن اعمل مراسلا للصحف واقوم بحضور الليالي الأولى في دور السينما، للبحث عن المشاهير الذين يذهبون لمشاهدة الأفلام. ولكن، كما قلت لها، أنا لن اكون قادرا على القيام بذلك بشكل جيد اذ أنني سأرى المشاهير، ولا استطيع تذكر اسماءهم. هذه هى مشكلتي تذكر الأسماء.

بالطبع، هذه المشكلة مع الأسماء وضعتني في مأزق من وقت لآخر . ولكن مع قليل من المهارة يمكن للواحد الخروج من هذه المآزق بطريقة أو بآخرى. عملي يتضمن التنقل في المدينة للقيام ببعض الأعمال، ويجب أن أكون ذكيا جدا حتى لا يلحظ اي زبون أنني لا أستطيع تذكر ما إذا كان اسمه سميث أو موسى. لقد سببت ازعاج للبعض بسبب هذا وفقدت صفقات تجارية أكثر من مرة. ولكن على العموم، أعتقد أنني اكسب أكثر مما اخسر بسبب هذه الذاكرة الغريبة التي لديّ.

في كثير من الأحيان اقترب من رجل لا يعرفني على الإطلاق واقول له: "أعتقد أننا تقابلنا من قبل" واكون قادرا أن اعطيه فكرة عن المكان الذي تقابلنا فيه. يمكنني دائما الربط بين الوجه والمكان، كما ترون. حسنا، كما كنت أقول، يمكنني الاقتراب من هذا الشخص وتذكيره بعشاء كبير أو مباراة لكرة القدم أو اي كان الشئ الذي يذكرني به الوجه، وربما في غضون خمس دقائق نأخذ في التحدث عن الأعمال التجارية. يمكني أن أجد عادة اسمه في وقت لاحق. كما ترون ذاكرتي عن الوجوه تساعدني كثيرا في عملي.

يمكنكم التخمين انه ليس هناك رجل أو امرأة أو طفل هنا في "باردفيلد" لا أعرفه بالنظر. لقد عشت هنا منذ الحرب العالمية الثانية. أحب المكان. انه يبعد فقط أربعين دقيقة عن لندن، وهناك الكثير من الحقول هنا . وتقع القرية على بعد ميل تقريبا من المحطة، وهذا مزعج نوعا ما. ولكن كثيرون يسافرون من و إلى المدينة معظم الأيام، ولست بحاجة إلى أن أقول لكم أنني لا أعرف أسماء نصفهم، على الرغم من أننا نتحدث لبعضنا البعض بمرح . زوجتي تشكو من أنني لا أعرف أسماء جيراننا في المنزل المجاور، وهذا صحيح.

في ذلك المساء تأخرت قليلا في المكتب، وكان من الصعب الوصول الى المحطة في الوقت المناسب للحاق بالقطار. كان هناك حشد لا بأس به على متن القطار في البداية، ولكن تدريجيا . وصلنا "الينجهام" – وهي تسبق محطة نزولي بمحطتين - كنا اثنان فقط في العربة. الشخص الآخر لم يكن مسافرا عاديا، كنت أعرف أنه من "بارفيلد". عرفت ذلك بمجرد أن رأيته . كنت قد ابتسمت في وجهه عندما رأيته يركب العربة في لندن، وهو بدوره كان قد ابتسم لي. ولكن لم اعرف اسمه.

الشيء المزعج انني لم أستطع تذكر أين رأيت وجه هذا الشخص، أتفهمون ما أعنيه؟ وجهه يخبرني بوضوح أنه من "باردفيلد"، لكن ذلك كان كل ما يخبرني فحسب. لا يمكنني ان اتذكر في اي منطقة من مناطق "باردفيلد" رأيته. لقد خمنت انه بالتأكيد احد أولئك الذين قد جاءوا للعيش مؤخرا في المنازل الصغيرة بجوار موقف الحافلات، لكنني لا يمكن أن أكون متأكدا. البعض منا الذين عاشوا في المكان لفترة طويلة غير ودودين نحو السكان الجدد، ولكن هذا ليس من صفاتي - ولم يكن كذلك يوما. لم أكن أعرف من أين يأتي زبوني القادم، ربما يكون واحد منهم. ولا أستطيع قبول ضياع احد الفرص.


لذلك عندما وجدنا أنفسنا وحدنا في عربة القطار، في احدى غرف القطار حيث يمكننا ان نمدد أرجلنا ونحصل على جلسة مريحة بعض الشيء، بدأت في الحديث معه كما لو كنا أصدقاء قدامى . ولكن لا أستطيع أن أقول أنني حصلت على الكثير من المعلومات منه . لقد تحدث بطريقة ودية هادئة، لكنه قال لي القليل جدا. في العموم يمكنني أن أكتشف ما هو عمل الرجل في عشر دقائق ونصف - ولكن هذه المرة استغرق الامر من "النجهام" الى "باردفيلد" دون ان اعرف عمله. كان يبدو متعبا قليلا، حسبما أتذكر، كما لو كان يعمل كثيرا في الآونة الأخيرة، وانا اعتقدت ان ذلك جعله غير راغب في التحدث كثيرا.


سألته: "هل تسافر عادة بالقطار؟". وهذا عادة ما يكون بداية للحديث مع اي شخص، لأن اي انسان اما انه يسافر أو لا ، وتسع مرات من أصل عشرة سوف يخبرك الشخص لماذا، وما هي ساعات عمله، وما هو عمله. انها الطبيعة البشرية. لكن صاحبنا ابتسم قليلا وهز رأسه وقال: "ليس عادة"، والتي لم تف بالطبع بتساؤلاتي.

بالطبع، استمريت في الحديث عن خدمة القطارات بشكل عام، ومقارنة هذا القطار مع غيره، لكنه ظل صامتا ولم يقل شيئا.

كان فقط يومئ برأسه موافقا على كل ما اقول، لكنه لم يبدو أن لديه أية آراء خاصة . قلت له انني في بعض الأحيان اذهب إلى المدينة بالسيارة، ولكن هذا لم يجعله يتحدث ايضا. ولم أكن أعتقد أنه سيتحدث، لأنك لا تتوقع من شخص يعيش في منزل رخيص ان يمتلك سيارة.

في النهاية، اضطررت الى الاستسلام. كنت قد أخبرته بالكثير عن نفسي، وبطبيعة الحال عن عملي، وذلك لاشيع جو التعارف بيننا. حتى انني تفاخرت قليلا بما انجزته في عملي ذلك الصباح . لقد وجدت دائما أن هذا شيء جيد لبدء الحديث مع اي شخص. فهذا يجعله يريد أن يتباهى أيضا. بدا مهتما الى حد ضئيل لذلك توقفت عن الكلام وبدأت أقرأ في احدى الاوراق. والمرة التالية التي نظرت إليه فيها وجدته قد وضع رأسه إلى الخلف واخلد للنوم.


بعد قليل وصلنا الى المحطة ، ويبدو أن توقف القطار بشكل مفاجئ، لم يوقظه. وبما انني طيب القلب ما كنت لأسمح أن تفوته محطته ويظل نائما الى المحطة التالية. لذلك خبطته بشدة على الركبة.

"استيقظ، يا رفيقي القديم. لقد وصلنا.

استيقظ في الحال وابتسم في وجهي.

"نعم، لقد وصلنا" . قال هذا و نزل من القطار بعدي.

كان الطقس سئ. وعندما خرجنا من المحطة كان الظلام يلف الشوارع والسماء تمطر بغزارة. وكانت الريح شديدة والجو بارد جدا.

التفتت اليه وقلت له: اصغ الي. لا يوجد اتوبيس لمدة ربع ساعة. وانا لدي سيارة تركتها في موقف السيارات بالجوار. لو انك تسكن قريبا مني يمكنني ان اقلك الى هناك. فأنت في طريقي على اية حال.

اجابني: شكرا جدا.ومشينا في المطر حيث تركن سيارتي القديمة.

قال لي وانا ادير السيارة: انه كرم كبير منك. وهذا كان اخر شئ قاله قبل ان يستوقفني في منتصف الطريق.

وقال لي يمكنك ان تسمح لي بالنزول هنا.

ماذا هنا؟ يبدو الامر ضربا من الجنون . لا يوجد منازل هنا ولمسافة 500 ياردة كما انها تمطر والريح عاصف كما لوكانت نهاية العالم.

وكان الشيء التالي الذي حدث وشعرت به أن شيئا ضربني بشدة على مؤخرة الرأس. فسقطت إلى الأمام ثم اصبح كل شيء أسود. وحسبما يمكنني ان اتذكر انه سحبني من السيارة، وعندما عدت إلى الوعي مرة أخرى وجدت نفسي ملقى في الطريق والمطر ينهمر علىّ، مع صداع شديد، و السيارة سرقت كما وجدت المحفظة فارغة.

وبعناء شديد اخذت اجرجر قدماي في محاولة للوصول الى "باردفيلد".

ذهبت مباشرة إلى مركز الشرطة، بالطبع. "مركز الشرطة" هو أول مبنى تصل اليه إذا اتيت من هذا الطريق. ذكرت لهم أن هناك شخص ما قد سرق سيارتي، ومظلة جديدة، وساعة يد ذهبية ومئة اثنان وخمسون جنيها.

بالطبع، حالما وصلت إلى هناك تذكرت من كان ذلك الرجل. لقد كانت صورته على الجدار خارجا. و كنت اتطلع اليها كل يوم لمدة أسبوع. هذا هو السبب في تذكري لوجهه واعتقادي انه من "باردفيلد". تحت الصورة كانت بعض الكلمات مكتوبة تقول: مطلوب القبض عليه لارتكاب السرقة مع العنف ومحاولة القتل جون... ---." يا اعزائي، لقد نسيت اسمه مرة أخرى . أنا لا يمكنني أن احتفظ بالأسماء في رأسي . ولكني أستطيع ان اقول لكم ان تلك الصورة المعلقة كانت لذلك الرجل بلا شك.– انني لا أنسى أبدا اي وجه.

تأليف: CYRIL HARE سيريل هير

ترجمة: بشرى رشدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق