9 نوفمبر، 2013

رسالة الى صاحب الفندق


سيدي، بعد نوبات كرٍ وفرٍ بين جموع أفكاري هذه وتلك، نويت الكتابةَ إليك مرجحًا كفة أشواقي التي امتطتها بعض من أفكاري، عازمةً أن تفصح عما في جعبتها إليك.

بصدقٍ سيدي، أذاب أحشائي ما ألمّ بشريكك في الإنسانية. ذلك الانسان الذي صار أقرب للموت منه للحياة، بعدما سقطت على هامته القلوب المتحجرة فسحقتها، وطالته يدا الطمع والأنانية فنثرت براءته وانتشبت في جسد إنسانيته النحيل أظافر القسوة فأماتته. وقد هز كياني هذا السامري المغوار الذي أقتحم أرض الظلم والظلمة فصار قريبًا من الدرجة الأولى لمن تخلى عنه رعاته وأقرباؤه.

هنيئًا سيدي، هنيئًا، فلقد قصد السامري فندقك واستأمن على قريبه شخصك. قلبي فرحٌ لأجلك، فهوذا السامري أشركك معه في ملحمة حبه فصرت "العامل مع السامري". مبارك قدومك إلى كَرْم الحب يا رجل.

بعد تهنئتي الصادقة، خجِلٌ أنا من أقدّم لك نصيحة، فمن أنا حتى أُقدِم على هذا؟ فاحتملني، فإني أتقدم إليك محمولًا على أجنحة طول أناتك ومدفوعًا بجسامة مهمتك وراغبًا في أن تبقى على بهائك الخفي السري الذي شملك بشراكتك مع السامري.

سيدي، أود أن أهمس في أذنك بسرٍ، لقد عشّم السامري قريبه ووعده بأنه سيودعه بين راحتي قلب نابض وفي أيدي أمينة وتحت عين ساهرة. فالسامري راهن على رقتك أمام قسوة الأنانية، راهن على صدق إحساسك وتفهمك أمام بلادة المظهرية وموت قلب الرياء. يبدو لي أن السامري بعدما أعاد قريبه إلى الحياة، وعده بديمومة حضوره في شخصك! إن بين يديك ضحية للظلم والجشع والاعتداء والنهب، رافضًا للحياة وللانسان، ولولا السامري، لفعلها الجريح وأتم رحلته البائسة للموت الأبدي. فأنت سيدي من سترعى نبتة الحياة الجديدة التي غرسها السامري في طيات كيان من كان ميتًا حتمًا ومحسوبًا زيفًا على الأحياء.

ومتى زارك الملل وفرض نفسه عليك ضيفًا ثقيلا فثبط همتك في خدمته وشلّ يد محبتك، فصارت رعايتك لمريضك نيرًا ثقيلاً على أكتاف نفسك وتثاقلت خطواتك نحو فراش آلامه، فعُد واستلهم الحب من أيقونة يد السامري المُحمَرّة بدماء الجريح، وليكن كيان ضيفك المُضمّخ بزيت السامري وخمره مصدر إذكاء لقلبك متى فتُر. تستوحي من سكيب الخمر والزيت قصة العشق التي نسجها السامري وتنعّم بها المجروح الميت فعاد للحياة. ما أغلى خمر السامري! وما أطيب زيته! وما أنقى كيان ضيفك بعدما تطيب بهما! فها هو العاشق وضع بين يديك معشوقه لتواصل أنت معزوفة حبه، مؤكدًا لوليد الحب أن ما يحياه ليس بحلمٍ.

سيدي، لقد أتاك السامري قاصدًا شخصك غير عابئ برونق فندقك، فلا تصرفنّ الكثير من طاقتك على جدرانه وأراضيه، فقلبك هو المأوى الحقيقي الذي قصده السامري لقريبه. سيدي ليكن ضيفك الكريم هو شغلك الشاغل وكل ما تريد أن تصنعه بالجدران ليكن بحسب صميم حاجة قريب السامري وليس لذات الجدران. الوقت المنصرف على الجدران يا رجل السامري، لهو وقت لحساب الموت. وكل ماتقضيه من وقت مع قريب السامري لهو وقت مُفتدى لحساب السامري والأبدية. ليس الوقت وحسب، بل والمال آيضًا. فدنانيرك وفلوسك هم لأجله ولاحتياجاته أولًا وقبل أي شيء. والتفت إلى كونه من ضحايا تشييء الأشخاص وتأليه الأشياء، فلصوص الحياة فضّلوا مايملكه على شخصه وأستثمنوا مايحمله واسترخصوا حياته. فإن صرفت طاقتك وجهدك ومالديك على الجدران لا عليه، لصيّرته فريسةً لوحوش التشكيك في صلاح وأمانة السامري، وسيحسب إنقاذ السامري له ما هو إلا مقدمة لمزيد من الانتهاك والاستغلال، وسيصل لخلاصة شيطانية مفادها أننا أتينا للوجود للإذلال والاستعباد. فلا تروينّ سيدي بذور إلحاد نثرها عدو السامري والإنسانية في قلب الجريح المسكين. نثرها في القلب بينما الجسد يُنتهك بلكمات الظلم، والكرامة تُهدر بسكين السب والشتائم. فسيرك على درب السامري وفي إثر خطواته لهو استرداد لنفسٍ لأحضان الإيمان.

عجبًا على السامري، صيّر نفسه قريب الجريح وضمَّ الجريح لعائلته الكريمة!! فلن يطالبه بمقابلٍ ولن يتباهى بعلاجه، بل سيطلقه حرًا طائرًا في سماء المُحرَّرين. فأوصيك خيرًا على العصفور الذي حرّره السامري. لاتكف عن بثّ روح الحرية فيه، ومكّنه من إتقان فنِّها. انتبه لئلا تخونك أعماقك وتستأسره لحساب شخصك. لا تعايره بجراحه، ولاتوهمه أنك متفضل عليه بالعلاج، أو توحي إليه زورًا أنه مديون لك شخصيًا وعليه أن يسدد دينه أو يعمل عندك في المقابل. لاتهدّده سيدي بالطرد أو عدم مواصلة العلاج، أو توحي له تصريحًا أو تلميحًا أن وجوده ثقلٌ والاعتناء به عبءٌ. كن يقظًا حتى لاينسى جريحك قريبه السامري ويصير عبدًا من عبيد الفندق الجاهلين بشخص السامري تمامًا. في أغلب الظن كان الجريح غائبًا عن وعيه ولم يدرك إدراكًا كاملًا ما صنعه السامري النبيل لأجله، فلا تبخلنّ عليه بإعلان بهاء وشفاء السامري على الدوام، وأن ما يحياه الآن هو بفضل السامري، والخير خير السامري. سيدي لا تخشَ تكاليف ولاتعُل همَّ نفقات، فلن يعوزك مع السامري شيء. فلا تصدق تهديد الأيام ولاتخويف الزمان، فالسامري فوق الأزمان. ولا تجعل محبة الربح تغويك فهو عندما يعود سيوفيك.

أخيرًا سيدي أشكرك على سعة صدرك.
القس / أثناسيوس محروس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق