8 نوفمبر، 2013

عظة: اثناسيوس بطل الايمان


الكلمة التي ألقاها قداسة البابا شنودة في الحفل الذي اقيم بمناسبة عودة رفات بطل الايمان من الفاتيكان في 15 مايو 1973م وبمناسبة مرور 16 قرنا على نياحته.

النبوغ المبكر:
اثناسيوس الرسولي ايها الاخوة تاريخ طويل. لو اردنا ان نتكلم عنه لا تكفينا اياما و ليالي. اول نقطة نلاحظها في حياة اثناسيوس هو النبوغ المبكر. بدأ القديس عبقريته و هو في الثانية عشرة من عمره، و هو التاريخ الذي تعرف فيه على قداسة البابا الكسندروس. كان نابغا من صغره و نبوغه جر عليه الكثير من المتاعب. كان اكبر من سنه بكثير. كانجيلا في شخص واحد بل اكبر من جيل ، فجيله كله كان اصغر من اثناسيوس..كان ممكنا في الظروف التي عاش فيها اثناسيوس الا يكون هكذا. نشأ يتيما من اسرة وثنية. ظروف لم تكن تساعد على ايجاد بنيان لقديس عظيم كأثناسيوس، ولكنه صار ابا للكنيسة كلها. جمع بينالثقافة اللاهوتية على يد اساتة الاسكندرية الكبار (كتبهم و اشخاصهم)، والتربية الروحية الرهبانية على يدى اكبر اب في الحياة النسكية، وهو القديس الانبا انطونيوس. و لذلك الذي يقرأ كتاباته يجد فيها اللاهوت الممزوج بالروحيات. بعض اللاهوتيين يكتب بطريقة عقلية جافة، اما اثناسيوس فمن يقرأ له لا يستطيع ان يدرك هل هذه الكتابة لاهوت ام روحيات ام فلسفة ام تفسير الكتاب ام كل هذا معا؟ جمع بين اللاهوت و الرهبنة، بين العقل الكبير اللاهوتي العميق و بين الروح الكبير النسكي الرهباني.

وكان وهو شماس جبارا في جيله. استطاع في سنه المبكرة ان يؤلف كتباضخمة اكبر من سنه. كتابه الكبير "الرسالة الى الوثنيين" و كتابه "تجسد الكلمة". و استطاع ايضا ان يقف في مجمع نيقية كجبار. تصوروا مجمعا مكونا من 318 من الاساقفة و رؤساء الكنائس و يكون الشماس اثناسيوس هو البارز وسط كل هؤلاء. كان اكثر شهرة من البطاركة. و اكثر شهرة من جميع علماء اللاهوت. كان هو بطل مجمع نيقية و هو لازال شماسا. انه نبوغ مبكر.. من اجله وصل الى كرسي خلافة مارمرقس و هو لم يبلغ الثلاثين من عمره.

الصمود الجبار:
ثاني نقطة في حياة اثناسيوس هي الصمود الجبار. انه لم يعرف اليأس. لم يكن يعرف الفشل. كان قوياجبارا في صموده مهما وقفت ضده العقبات و العراقيل. كان ضده الاباطرة. الامبراطور قسطنطين، مع كل ما نمدحه فيه من حمايته للمسيحيين، الا انه وقف ضد اثناسيوس موقفا عنيفا شديدا و امر بنفيه الى تريف. قسطنطينوس كان عنيفا ضده ايضا و حكم عليه بالنفي اكثر من مرة. يوليانوس الجاحد كان ضده ايضا. الامبراطور فالنس كان ايضا ضد اثناسيوس.. وقف ضده اباطرة كثيرين لكنه كان اقوى من كل قوى الاباطرة.. كان الاباطرة يملكون القوة ويملكون السلاح. يملكون الاوامر، اما هوفكان يملك الايمان. و ان قيل لكم ان اثناسيوس جلس على الكرسي المرقسي 45 او 46 سنة فهذا من ناحية المركز الكهنوتي اما الكرسي نفسه فكان بعيدا عنه عشرات السنوات. فهو عاش مشردا، هاربا، احتمل الضيق في صمود. في صلابة.. في اعصاب هادئة.. في نفس مسترية.. في روح مطمئنة الى عمل الله.

و لم يكن ضده فقط الاباطرة، بل كان ضده ايضا الاريوسيين. بكل قوتهم و بكل عنفهم.. و بكل تهمهم ومؤمراتهم .. اتهموه بالزنا.. اتهموه بالقتل.. اتهموه بالهرطقة.. اتهموه بالوقوف ضد الدولة. عزلوه عن كرسيه.. حكموا عليه بالحرم.. عقدوا المجامع ضده.. هيجوا عليه الحكام.

كان اب اعتراف الامبراطور اريوسيا .. كانتحاشية الامبراطور ايضا اريوسية  وقف كل هؤلاء ضده بكل عنف . بل وقف ضده ايضا مطارنة خونة من ايبارشيته.. من اساقفة الكرسي المرقسي ممثلين في ميليتس و

 من تبعه. اضطر كثيرين من احبائه و من اصدقائه ان يوقعوا ضده خوفا..
وقف اثناسيوس ضد العالم غير خائف من شئ .. اعصاب من حديد.. ايمان من نور و نار.. و كلما كان الشعب المسكين المضطهد ينظر الى وجه اثناسيوس الباسم المطمئن الهادئ و هو يعزي و يرشد ويجول يثبت الناس في الايمان .. كان الشعب ترتفع معنوياته .. لميكن ييأس كم من حرمان صدر ضده و لم ييأس .. كم حكم بالنفي صدر ضده و لم ييأس. رجل يتميز بالصمود .. نسمع عن كثيرمن جبابرة الكنيسة سقطوا في الصراع الاريوسي. خافوا من المذابح و الاضطهادات، اما هو فكان من القلائل النادرين الذين لم يخافوا. في مجمع نيقية كان جبارا في عقليته.. يشرح و يعلم و يفسر.. حتى لقبوه بمعلم الكنيسة. انه يذكرنا بابائنا البطاركة الذين لم يقتصروا فقط على الصلاة و لا على عمل الرعاية والافتقاد. كانوا جبابرة في التعليم. ينفذون كلمة الكتاب "من فم الكاهن تطلب الشريعة".
اصدقاء اثناسيوس:
لم يكن اثناسيوس محاطا فقط بالاعداء، بل كان كثيرون يحبونه من اعماقهم و يقدرونه.. الامبراطور قسطنطين الصغير كتب يقول "انا شخصيا لم استطع ان اقاوم جاذبيته".. الامبراطور قسطنس ايضا كان يحبه و طلب منه ان يكتب له تفسيرا للكتاب المقدس .. الامبراطور يوبيانوس ايضا كان يحب اثناسيوس و يقدره و ارسل اليهيقول : انني معجب بشخصيتك.
كان محبوبا من هؤلاء الاباطرة و لكن للاسف هؤلاء الاباطرة لم يعمّروا طويلا. بعضهم عاش شهورا قليلة. ربما كانت هذه ارادة اللهلكي يجعل الاكليل الذي يناله اثناسيوس اكبر و اعظم.. ان كنا نتألم معه فلكي نتمجد معه..
يد الله:
اثناسيوس كان حكيما و استطاع ان يفلت مرارا عديدة من الشباك المنصوبة له.. صدقوني كلما اقرأ قصته اشعر بأن يد الرب كانت تحميه. كم من مرة ارادوا قتله و لم يستطيعوا.. في احدى المرات عزم الامبراطور على قتله و دبر الامر تماما، وذهب الجنود مساءا الى الكاتدرائية الى مقر اثناسيوس الملحق بها، فوجد الكنيسة فارغة ووجد مسكن اثناسيوس فارغا والسبب ان بعض رجال البلاط من محبي اثناسيوس اخبروه بالمؤامرة، فترك الكنيسة فارغة.. وفي مرة اخرى ارادوا قتله فهجموا على الكنيسة وقتلوا الوفا، اما هو فقد حمله الرهبان و هربوا ولم يستطع الجنود ان يصلوا اليه هذه المرة. و في مرة اخرى التف الشعب حول الكاتدرائية وقال لرئيس الجند "لن تستطيع ان تصل للبابا الا على اجسادنا" ، فرجع رئيس الجند الى الامبراطور يقول له: لم استطع..
محبة الشعب:
كان محبوبا من شعبه محبة لا يعبر عنها. في عمق المرات التي كانت تصدر فيها الاوامر بقتله او نفيه او القبض عليه كان يتجول في شوارع الاسكندرية..كل بيت من البيوت كان ملجأ له. كل الشعب يحميه.. و يتكتل لكي يخفيه.
هذا الشعب اطاع اثناسيوس طاعة جبارة. تمسك بايمان اثناسيوس الى الموت.. الاف كانوا يذبحون و لا يتركون اثناسيوس تناله ايدى الجنود او ايدي الامبراطور. صدقوني يا اخوتي ان كل مصري في هذه البلاد كان اثناسيوس اخر في تمسكه بالايمان..
اساقفة الغرب:
وكان هناك اساقفة قديسون يحبونه، نذكر منهم في فخر كبير القديس هيلاري اسقف بواتييه، الذي من حماسه الكبير بالايمان سمي باثناسيوس الغرب. نذكر ايضا يوليوس اسقف روما، و اوسابيوس اسقف قرطبة، و فرتوناتوس، و اسقف ميلانو. كانت مصر في ذلك الوقت عامرة بالاباء الاساقفة ففي احد المجامع التى حضرها اصطحب معه 95 اسقفا من اساقفة الكرازةالمرقسية غير الذين بقوا في البلاد.
كان كثيرون يحبونه و لكنهم كانو عزلا وكان كثيرون يحاربونه وكانوا اقوياء و لكن الرب كان معه. كيف حفظ اثناسيوس رغم المؤمرات والدسائس؟ هذه يد الله. حينما نمجد اثناسيوس انما نمجد يد الله معه. صدقوني في الفترات التي كان يختفي فيها او كان يهرب كانت فترات مباركة للكنيسة. فكثير من مؤلفاته كتبها في هروبه او في المنفى. عندما نفى الى تريف شجع الايمان المسيحي في فرنسا و بلجيكا. وعندما ذهب الى روما -هاربا من مصر- قوى الحياة الروحية النسكية هناك، وكتب لهم حياة القديس انطونيوس، و انتشرت الرهبنة حبا في كتابات اثناسيوس و تأثرا بها. حينما كان يهرب الى الاديرة كان يكتب، و عندما لا يجد ورقا للكتابة كان يكتب على الاحجار.. على الشقاقة.. الف كتابه المكون من 4 اجزاء ضد الايوسيين وهو هارب. و الف كتبات عديدة اخرى و هو في المنفى او الهرب. كان قوى النفس و لم يكن مزعزعا  . كان مستريحا يستطيع ان يؤلف و ان يكتب.
الخاتمة:
ان حياة اثناسيوس كتاب واسع كبير . لقد وقفت على شاطئه احدثكم عن جمال البحر العظيم. و لكن اترك للاباء المبجلين و العلماء الافاضل الذين سيتكلمون بعدي الدخول في هذا البحر الخضم و عرض ما به من لؤلؤ ومن ذخائر و من نفائس عليكم. و لتكن بركة اثناسيوس معنا. لتكن روحه معنا. روحه القوية الصامدة المملؤة بالايمان.
وعلى ايمان اثناسيوس، وعلى ايمان كيرلس ندخل مع الكنائس في مناقشاتنا اللاهوتية و اتذكر من الكلمات التي قلتها في روما في خطابي الى قداسة البابا بولس السادس "ان اثناسيوس نقطة التقاء بيننا نجتمع حولها جميعا. هو ابونا و ابوكم و معلمنا و معلمكم. و خلفه القديس كيرلس الكبير نقطة التقاء اخرى بيننا . و على ايمان اثناسيوس وكيرلس نجد نقط اتفاق نجتمع حولها. ولالهنا المجد الدائم.