22 أكتوبر 2012

طوبى للحزانى

جاء ابن الله ليهب للانسان مفتاح السعادة الكاملة. ولعله لا توجد كلمات لوصف السعادة، و لكن المرء يعرف عندما تدخل القلب. لقد بين الرب يسوع ان حالات الحياة التي يتخوف منها الناس هي العناصر التى تجعل السعادة ممكنة، فدموعنا و الفقر و الجوع والضيقات جاز فيها قبلنا و ترك لنا هذه الكلمات الخالدة "طوبى للحزانى لانهم يتعزون"، انها تعنى ان كل حزن يحمل معه مفتاحا للسعادة، فهو الذي "يعطى دهن فرح عوضا عن النوح، و رداء تسبيح عوضا عن الروح اليائسة"(اش61: 3).

في بعض الاحيان يكون فراق الاحباء مفاجئا و غير متوقعا، و في احيان اخرى يذبل ذلك الشخص العزيز كما تذبل اوراق الخريف.. عندئذ تبكى راحيل على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين. و تبكي مريم و مرثا على قبر لعازر.. و لكل هولاء يوجد عزاء بفتح القلب لله ليسكب فيه سلامه.

نحن ندخل الحياة بامال عريضة.. و بمرور الايام خابت الامال و حلت الخسائر و تلبد الجو بالغيوم. جاء الفقر و اعتلت الصحة و فترت محبة المحبين و تحطم القلب بسبب المظالم. حقا ان المتاعب التى تهاجمنا في هذه الحياة لا حصر لها! لكن المسيح يخبرنا ان السعادة يمكن توفرها في مثل هذه الظروف.

ان كثيرون اعترفوا بانهم لم يكن ممكنا لهم ان يعرفوا محبة الله لو لم تكن محبة البشر قد خيبت امالهم ، و لم يكن ممكنا لهم ان يجدوا الثروة الحقيقية لو لم يخسروا الثروة العالمية.
مقتطفات من كتاب التطويبات- ف. ب. ماير

من خواطر المجدلية




انى اعترف بفضل مخلصى على أنى كنت صريعة شياطين سبعة – والشفاء الذى نلته على يديد ربطنى به كخادمة. فقبل أن يبرئنى من الشياطين السبعة – كنت فى قاع الهوان، لكن بعد أن شفانى وحررنى من رباطات الظلمة سبانى نوره البهى فصرت له كالظل – أخدمه متشرفة بخدمته! هذا الذى تتمنى الناس أن تلمس طرف ثيابه ....
من هو معلمى الصالح، يا ترى؟
هل هو انسان ؟ ...
لا شك فى ذلك لأنه كانت به طبائع البشر فى أسمى تطبيقها.
وهل هو أعظم من إنسان ؟
لا شك أيضا – فقد اجتمع له من السلطان – ما هو أعظم من سلطان كافة البشر مجتمعين... إذا هل هو الإله ؟ .. ولماذا لا ؟ ...

هذه اسئلة ظلت معلقة، تفرض نفسها، ولكل سؤال جوابه، ولا يضع حدا لهذا التساؤل المتصل إلا الجواب أنه – الله الذى ظهر فى الجسد – وعند هذا الجواب يرتجف الواحد منا ... فهل هذا يعنى أن نزداد منه قربا وحبا، أو نزداد بعدا وتخوفا، والواقع أننا ازددنا منه التصاقا : "أيها المفكرون هل عشتم اللغز الذى عشناه ؟

لست هنا أروى قصة سمعتها، لكننى من الصليب كنت واحدة من النساء الواقفات من بعيد، ينظرن ما يحدث، بقلب يعتصر ألما ...
هل هذه مكافأة من كان يجول يصنع خيرا ؟
كيف استطاع القوم أن ينالوا منه، حتى يرفعوه على صليب العار وهم أنفسهم الذين كانوا يعملون ألف حساب، إذا ما أرادوا اللقاء به أو الحديث معه ؟
الموت لفظ لعازر حيا وإلى خارج القبر لأن الرب ناداه !!
الطبيعة ألجمت بلجام فهدأ الموج المتلاطم، والريح العاصف لأن الرب أمر، وأمثلة أكثر من أن تعد ..... فما باله الآن لا ينطق بكلمة من كلمات سلطانه ؟
أظنك أيها العزيزلا تستغرب على أنى عشت ساعات الصليب نهبا لمثل هذه الأسئلة، ومما كان يزيدنى أسى أنى لا أجد جوابا، على سؤال واحد منها !
لم أستطع فراق المكان، وظللت معاينة لكل حوادث الصليب المفجعة، إلى أن انزلوه ... وقام يوسف الرامى ونيقوديموس بلف الجسد المقدس بأطياب وحنوط، ووضعاه فى قبر جديد ... ثم دحرجن الحجر، وأنصرفن.
كنت آخر من ترك القبر المقدس – يوم الجمعة العظيمة – قبل غروب الشمس – وكنت أيضا من جاء القبر – بعد منتصف ليلة الأحد – والظلام باق .....
واترك لك ولخيالك أن تتصور الحالة التى كنت فيها وعشتها طوال هذه الساعات : "والحيرة التى لا يمكن وصفها – التى سيطرت علىّ.... فكل ما حدث لم يكن يدر بخلد إنسان : "هل يموت الحى المحيى ؟ " ..
ساعات سوداء قاتمة – أنتم الآن تستضيئون بظلال شجرتها الوارفة – أما نحن – فقد انغرست أشواكها فى أعماقنا.
لم نجاوز منتصف ليلة الأحد إلا قليلا، وتركنا منزل القديس يوحنا الحبيب، حيث كانت أمنا جميعا، العذراء دائمة البتولية، القديسة مريم ....
وأنا فى الطريق الى القبر– تزلزلت الأرض – وارتعشت البسيطة تحت أقدامنا، الأمر الذى ذكرنى بساعات الظلمة حين أظلمت الشمس وتزلزلت الأرض وتشققت القبور وقت ساعات الصليب الحرجة ... من خلال الحيرة لم نعلم أننا نسعى لنطلب "الحى بين الأموات ".
رأيت الحجر مرفوعا فظنت أن السيد قد أخذ من القبر !
كنت أبكى الفرصة الوحيدة الباقية للوفاء بأن أقدم الحنوط فلا أجد الجسد المقدس المستحق لهذا الحنوط، فى الحقيقة أنى كنت أبكى نفسى، فقد دارت بى الأيام، إلى الفناء والعدم بعد أن استعذبت الحياة والوجود بحياته .. ووجوده ،
فأين أنا الآن وأين ما كنته
اللهم رحمتك وحنانك!
لا يستشعر صدق اليد الحانية ؛ إلا الذين يعيشون البؤس.
لا يستشعر الصدر الحنون إلا المحروم من نعمة الحنان ؛ الذى قست عليه الحياة قسوة تجردت من الرحمة والرأفة .
بينما انطلق التلميذان إلى اخوتهما التلاميذ بقيت أنا عند القبر أبكى، لم يكن ممكنا لى أن أفارق القبر حتى أرى جسد السيد المسيح ....
قدم لى القبر اعلانا آخر، إذ رأيت ملاكين بثياب بيض جالسين، واحدا عند الرأس والآخر عند الرجلين، استجاب الرب للحب والدموع، ففتح عينى لأرى ملاكين يشهدان للقيامة، للملائكة منظرهم الجذاب، خصوصا فى محنتى لا أتصور أفضل من الملائكة بعد الذين التقيت بهم قادر بأن ينتشلنى من هذه المحنة مثلهم.
 ===
يذكر التقليد أن مريم المجدلية أثناء كرازتها ذهبت الى قيصر روما وكلمته عن القيامة، فهزأ بها وعند ذلك أحضرت له بيضة وقالت:
كيف تصدق أن الكتكوت يخرج من البيضة ولا تصدق أن خالق الكون كله يغلب الموت ويخرج من القبر؟

3D Street Art Painting الفن ثلاثي الابعاد-2













انتشر فن الرسم ثلاثي الابعاد منذ القرن السادس عشر. وأنشئ أصلا منذ عصر النهضة الإيطالي و واصل انتشاره ليكون فنا شعبيا بواسطة وايلي ادمن Wiley Admenً  في القرن الحادي والعشرين. 
و هذا فيديو يعرض صورا اخرى.

21 أكتوبر 2012

أنا الجبار أم شبحي .. أنا شمشون أم غيرى؟!


إن  قصة سقوط هذا الرجل درس ينبغي أن يلقنه كل جيل للجيل الذي يأتي بعده، لقد واجه الرجل أسدين، أولهما منظور والثاني خفي، أما الأول فقد جاءه في كروم تمنة في صدر الشباب، وكان شمشون قوياً ببراءته ونقاوته وطهارة شبابه، فحل عليه روح الرب، فشق الأسد كشق جدي ولم يكن معه شيء،.. أما الثاني فقد جاء مختفياً وراء امرأة: "لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو".. جاءه الأول وهو في كمال يقظته، فانتصر عليه، وجاءه الثاني، وهو نائم على ركبتي امرأة فقضى عليه، جاءه الأول بمخالب وأنياب رهيبة، ومع ذلك فقد تمكن منه وصرعه،.. وجاءه الثاني- ومن عجب أن موسي الحلاقة الناعمة كانت هذه المرة أرهب وأشد فتكاً من المخالب والأنياب.. لا أعلم كم بكى، أو كم حزن على ما فقد، ولكني أعلم أنه فقد الكثير:

فقد الرب
وهي أكبر كارثة ألمت به، وأقسى ما فيها أنه لم يعلم أن الرب فارقه!!.. لقد كان الشعر هو الرابط الدائم الذي يربطه بإلهه، ومد يده إلى رأسه الزلحاء، ولم يجد شعرة واحدة هناك،.. لقد حملت دليلة الشعر في حجرها وهكذا ضاعت معاهدته مع الله، وفقد بمفارقة الرب كل شيء، وانتفض وهو يظن أنه ينتفض بعضلات الأمس القوية، ولكن شمشون ضاع، لأنه أضاع شركته مع الله!!.

فقد القوة
كان شمشون في كامل نشوته بين كروم تمنة، وهو ذاهب ليخطب لنفسه فتاة فلسطينية، وكان يسير في الطليعة، وخلفه أبوه وأمه على مسافة بعيدة إلى الوراء، وكانت مهمة خطبة الفتاة ثقيلة على الأبوين لاختلاف الدين، والمذاهب، والمشارب، ولكنهما إزاء إلحاح ابنهما سارا وراءه، فزمجر شبل الأسد، وكأنما يريد أن ينبه شمشون إلى وعورة الطريق، وخطورته،.. علي أي حال لم يفهم شمشون شيئاً من هذا، وقامت المعركة، واندفع في الطريق الموروط، ليلتقي بعد عشرين عاماً مع الأسد غير المنظور الذي فتك به، ولم يجعله إنساناً عادياً فحسب، بل سخرية الناس في كل جيل وعصر،.. وخسر شمشون شهرته التقليدية كبطل العصور كلها في القوة البدنية، على أي حال إنه من الواضح دائماً أن الخطية قتلاها أقوياء، وهي النزيف المستمر لقوة الإنسان في الأرض مهما كان لون هذه القوة في البدن أو الذهن، أو العاطفة، أو الإرادة.

فقد البصر
قلع الفلسطينيون عينيه. وما من شك بأنه صرخ صراخاً مراً، وهم يقلعون العينين، وفي الحقيقة لو أن هاتين العينيين قلعتا من البداءة لما حدث معه ما حدث،.. إن هناك علاقة بين البصر والبصيرة في الإنسان، فإذا انفتح البصر على منظر شهوة ملوثة، أغلقت البصيرة، والعكس صحيح.

فقد الحرية
ربط بسلاسل نحاس، وقادوه إلى بيت السجن، .. كان يهزأ بكل سلاسل، أليس هو الرجل الذي يستطيع -وقد قيد بالحبال الطرية أو الأوتار القوية- أن يحطمها كما لو كانت خيوطاً ناعمة شمتها النار، إنه لم يعرف ما قاله إشعياء، فيما بعد، ويل للجاذبين الإثم بحبال البطل، والخطية كأنه يربط العجلة.

فقد المركز
إذ هوى من المجد إلى الحضيض، من قائد الأمة إلى الطحن في السجن، إلى أحط عمل، وكان عقوبة المجرمين أو العبيد، أو العمل الذي يترك للإماء الأجيرات، وأي هوان أشد من هذا الهوان؟! 

شمشون وتوبته

والذي لا شبهة فيه، هذه التوبة الأخيرة للجبار العظيم!!.. ما هي عناصرها وكيف حدثت وبماذا أثرت وأنتجت؟!!..

توبة الألم
وكان هذا الألم لازماً وضرورياً، لكي يتبين سخط الله وغضبه، وإن ابتداء القضاء من بيت الله،... وحتى لا يتوهم أحد أحد أن الله يمكن أن يهادن الخطية أو يسكت على مرتكبيها.


توبة التأمل
لم يعرف شمشون التأمل وهو على حجر دليلة، ولم يعرفه في ليالي غزه الآثمة، ولكنه وهو في السجن مقلوع العينين ضعيف القوة يطحن في مذلة ومهانة، فتحت بصيرته على الانحراف الرهيب الذي وصل إليه، وأغلب الظن أن الحياة وقد أضحت ليلاً دائما أمام عينيه، كان يقول لنفسه إنها رحمة من الله أن يصل به إلى هذا الحد من المعاملة

توبة العهد الراجع
أخذ يتحسس شعره، وفي كل يوم يتزايد الشعر، يعود عهده إلى قلبه وذهنه، وهو يسأل الله: هل تعود وتقبل ابنك الضائْع؟

توبة المصلي
على أي حال لقد مات والصلاة على شفتيه، وهي صلاة رائعة عظيمة.. وآمن شمشون برحمة الله الواسعة، وصرخ:  اذكرني يا سيدي الرب!! 
مقتطفات من كتاب "رجال الكتاب المقدس" للقس الياس مقار

كلمات شعر لقداسة البابا شنودة الثالث 

انا الجبار ام شبحي انا شمشون ام غيري


اذا ما كنت شمشون فاين جلاله القدر

واين كرامة القاضي واين نباهة الذكر

واين اللحى في كفي وجيش هارب يجري
واين النور من عين واين الطول من شعري
حنانك يارحى الطاحون اوا تدرين ما سري
اجيبي انني مصغٍ فقد حيرت في امري
انا الجبار ام شبحي انا شمشون ام غيري

20 أكتوبر 2012

حقا كان هذا الانسان ابن الله!



اما كاد الرب ينكس رأسه و يسلم الروح حتى تغير المشهد الرهيب، و لم تعد السماء تخفى معرفتها برجل الاحزان و انما تتلقى صرخة الوسيط الالهي "قد اكمل" اعظم تأييد، و عوضا عن الضجة التي كانت ترعد حوله، يقام احتفال عظيم تمجيدا لنصره المبين.
واتبعوني الآن الى داخل الهيكل في اورشليم، و الساعة الآن الثالثة بعد الظهر، و هذا هو موعد اجتماع اليهود في اروقة الهيكل لاجل الذبيحة المسائية، و يبدأ الكهنة بممارسة واجباتهم العادية، و في اللحظة التى ينطق فيها يسوع فوق الجلجثة بهذه الكلمات "يا ابتاه في يديك استودع روحي"، و من يستطيع ان يصف الدهشة التي اصابت ابناء هرون، و اذا بحجاب الهيكل المصنوع من الأنسجة السميكة، ينشق الى اثنين من الوسط من فوق الى اسفل، و يظهر كرسي الرحمة و تابوت العهد و الكروبان.
عندما نكس القدير رأسه حدث كل هذا، ولكن ماذا تدل عليه هذه العلامة؟
اولا: انها اشارة جديدة الى ان خدمة اللاويين ، على الرغم من انها مرتبة من الله و تتضمن معاني نبوية، لكنها كانت فقط تحوى رموز الخلاص العتيد، اما الآن بعد ان تم الخلاص، اصبحت تعد بلا جدوى مثلما تنتهى مرحلة الزهرة بظهور الثمرة.
وثانيا: كانت تصويرا رمزيا عن النتائج المباركة المترتبة على موت رب المجد، ان قدس الاقداس في الهيكل كان يشير الى عرش الله في السماء، الذي منعنا من الاقتراب اليه، و الحجاب الذي فصلنا عنه كان هو جسدنا الوارث للخطية.
وفجأة تعلن العلامة التي ظهرت في الهيكل، فقد رفع من الطريق ما كان يعوق اقترابنا الى مقدس الله، و سقط الحاجز الذي وقف كسياج بيننا و بين الله.
اقرأوا قول الرسول "فاذ لنا ايها الاخوة ثقة بالدخول الى الاقداس بدم يسوع، طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب اي جسده"(عب10)، و من ثم ترون ان الطريق الى الاقداس مفتوح امامنا عن طريق شق في الحجاب، و هذا الحجاب هو جسد رئيس الكهنة العظيم، فانشق الحجاب عندما قدم جسده على الصليب لاجلنا.
ونترك مبنى الهيكل الفخم في اورشليم ، الذي قد فقد اهميته الآن، لنعود الى الجلجثة حيث تصادفنا معجزة اخرى فنرى "الارض تتزلزل و الصخور تنشق" و ماذا تعنى هذه؟ انها تشير الى معاني عظيمة و مجيدة، ان موت الوسيط قد حدد مستقبل العالم القديم انه معد للدمار، و انه سيطرأ عليه تغيير عظيم "الذي صوته زعزع الارض حينئذ واما الآن فقد وعد قائلا اني مرة ايضا ازلزل لا الارض فقط بل السماء ايضا، فقوله مرة ايضا يدل على تغيير الاشياء المتزعزعة كمصنوعة لكي تبقى التي لا تتزعزع"(عب12: 26، 27).
وهكذا يتجلى موت المسيح الكفاري في عظمة و روعة، مصحوبا وعجائب الهية بدأت في الحال عند الصليب. واول من يلفت انظارنا هو قائد المئة الروماني، و يقف هناك في صمت و شرود يتأمل في صليب المخلص، لقد كان شاهد عيان لعملية الصلب، ورأى المسلك الحميد لهذا الشخص العجيب، و سمع الكلمات التى خرجت من شفتيه الداميتين، و في اللحظة التي فيها اسلم البار روحه شعر بالارض تهتز من تحته، ورأى ايضا بعينيه التلال تترنح و الصخور تتشقق، و تجمعت المشاعر التى اثرت في نفسه حتى ذلك الحين في احساس واحد قوي جعله يصرح بما يشعر به في نفسه، في صرخة عالية واضحة مجد بها الاله الحقيقي فقال "بالحقيقة كان هذا الانسان بارا. حقا كان هذا الانسان ابن الله!".

18 أكتوبر 2012

يا ابتاه في يديك استودع روحي



اننا الآن داخلون الى مكان مقدس، و هل يوجد على الارض ما يبعث الرهبة في النفس اكثر من لحظات الموت، التي فيها يتقابل الزمان الحاضر مع الابدية. و في هذا الصمت الخاشع يبدو لنا و كأننا نستمع الى دقات ساعة اتية من عالم آخر! فما هى الاحساسات التي لابد ان تتملك علينا و نحن نشاهد ساعة الاحتضار كهذه التي هى موضوع تأملاتنا الآن، والتي نرى فيها فادينا يحني رأسه و يسلم الروح! ارفعوا عيونكم ، ما هو فراش الموت الذي اعد لابن الله المحبوب! ليس من يجفف العرق من على جبهته و لا احد يشجعه بكلمات الحياة. و من مثله غادر العالم وحيدا تغطيه ظلال قاتمة؟! و لكن لا تخطئوا الظن فيه، فهذه ليست هزيمة و لكنه عمل تضحية، و هو لا يخضع للموت مثلنا، و لكنه يذعن له بعد ان جرده من سلطانه على حياته.
ما هو الموت؟ انتم تعلمون انه منذ الاف السنين دخل الى العالم هذا المارد الذي منه ترتعب الافئدة. و ظل يقوم بعمله التخريبي المروع. و هذا هو مصير جنسنا و قضاؤه المحتوم، و الخليقة في بدايتها عندما خرجت من بين يدي الخالق القدير لم تكن تعرف هذا الوحش الهائل، و لكنه ظهر على مسرح الحقيقة نتيجة للسقوط. و منذ ذلك الحين و هو يخضع – كملك الاهوال – كل من في انفه نسمة حياة لصولجانه الرهيب. و ابوانا الاولان كانا اول من رآه يظهر قوته و جلاله في محبوبهما هابيل. و منذ تلك اللحظة استمر الموت يلوح بسيفه الرهيب على الارض، و يلقي كدره في كل كأس، ليحول البهجة الى مرارة، و يحيط كل شركة حبية بتوقع ساعة الافتراق و الزوال.
ان دفع اجرة الخطية كان على الخطاة وحدهم، اما قدوس اسرائيل فلا يدخل تحت سلطان الموت، فماذا اذا هذا الذي نراه في الجلجثة؟ انه بعد ان قال بصوت الانتصار "قد اكمل" يعود يحرك شفتيه، فماذا سنسمع منه؟ هل كلمة وداع اليم؟ ام انه سيقول بصوت متهدج "انني اغيب عن وعيي، و اخور، انني ذاهب في طريق الارض كلها؟ كلا، اصغوا! انه يصيح بصوت عال و في ادراك و قوة. 

14 أكتوبر 2012

قد اكمل


 هذا الاعلان هو اخطر و اعظم ما سمعه الانسان على الارض من بدء الخليقة، و من ذا الذي لا يجد فيه هتاف الانتصار؟ انه صياح الغلبة الذي جاء يعلن لمملكة الظلمة زوال سلطانها، و لملكوت السموات على الارض انه قد تأسس الى الابد، و كم هو عجيب حقا! في نفس اللحظة التي بدا فيها ان كل شئ قد انتهى بالنسبة لاسد يهوذا، يأتي قوله معلنا ان كل شئ قد اكمل و النصر قد تم. و تنبعث هذه الصيحة كصوت بوق اليوبيل ليعلن لنسل ادم الذين كانوا تحت اللعنة، بدء سنة الحرية و العتق التي ستكشف عن بركاتها اكثر فاكثر، و لن تنتهي ابدا. اصغوا و ارهفوا سمعكم و سيبدو لكم و كأنكم في هذه الكلمات "قد اكمل" تسمعون صوت تحطيم اغلال، و اسوار سجن تسقط الى الارض، قد زالت بهذه الكلمات الحواجز التي كانت في علو السماء، و الابواب التي ظلت مغلقة الاف السنين التي سمع الآن صوتها و هي تفتح على مصراعيها.

لكن ما الذي قد اكمل في اللحظة التي تردد فيها هذا الصوت؟ يقول البشير "بعد هذا  رأى يسوع ان كل شئ قد كمل". تأملوا في هاتين الكلمتين "كل شئ" وماذا ننتظر اكثر من ذلك؟ و لكن ما هي هذه الامور؟ و نسرع الآن بازاحة الستار لنرى بالتفصيل كل ما تم و تحقق.
صرخ يسوع بصوت عظيم "قد اكمل". لقد فرغ الرب الآن من اعماله، و اكمل العمل العجيب الذي تعهد به قبل كون العالم عندما قال "ان افعل مشيئتك يا الهي سررت" و الموت الذي كان يوشك ان يخضع له هو الذروة و الحدث الاخير في عمله النيابي.
و اريدكم ان تحملوا في ايديكم البرنامج الالهي الذي يحدد مسير يسوع على الارض كشفيع عن البشر، و هذا البرنامج يوجد في سجلات العهد القديم في رموز و نبوات، و سوف نتأكد انه قد تحقق تماما بكل دقة. ان صورة المسيا كما تعبر عنها بوضوح كتابات موسى و الانبياء تتحقق كاملة بكل تفاصيلها الدقيقة في شخص يسوع، فان كنت تسأل عن الطفل العجيب مولود بيت لحم الذي تكلم عنه ميخا النبي "مخارجه منذ القديم منذ ايام الازل".. فان كل هذه تتلاقى في يسوع المسيح.
الاسفار الالهية تؤكد مرارا "ان المسيح ذاق الموت بنعمة الله" و من ثم لم يكن ذلك نتيجة ناموس طبيعي يحتم عليه الموت، و هى تعلن ايضا ان"الموت الذي ماته قد ماته للخطية" و عندما تصرح كلمة الله انه "ان كان واحد قد مات لاجل الجميع فالجميع اذا ماتوا" فان ذلك يبرهن بوضوح طبيعة موته النيابي.
فان كان المسيح بموته قد دفع اجرة خطايانا فمن الطبيعي لا يمكن اعتبار موته مشابها للرقاد الذي يختبره كثير من المؤمنين وعلى وجوههم بهجة الفداء. كلا فان العدل الالهي كان يحتم ان المسيح يتلقى طعنة ملك الاهوال، و ان يختبر الموت الذي حكم به على ادم الاول، و هكذا كان فاحنى رأسه تحت اهواله.
"بقربان واحد قد اكمل الى الابد المقدسين"(عب10: 14). اجل، انه بهذا العمل الواحد، قد وضع الاساس لكل الذين يؤمنون به، اساس تبريرهم و تقديسهم.
ينبغي ان نعرف ان المخلص المصلوب عندما اعلن هذه الحقيقة العظمى لم تكن عيناه تستقر فقط على خطاة معينين و لكن ايضا على العالم كله عامة. وقد اذاب الجرم الذي كان يستقر على العالم، و حرره من اللعنة، و استرجع الارض الخربة من قوات الظلمة، و اخضعها لنفسه و كرسها لتكون مسرحا يشهد تأسيس مملكته القادمة. ان دم المسيح يطالب بتحويلها الى مسكن للبر، و ان تتجدد الى فردوس، و ان يجدد عهد اتحادها بالسماء،و ان الاب الذي حلف للابن "اسألني فاعطيك الامم ميراثا لك" لن يرفض الاصغاء الى دم ابنه الوحيد، ومهما حدث من الفوضى و الخراب في العالم لكن مستقبله مضمون، فعلى الصليب قدوضع اساس تحويله الى الحالة المجيدة، وقد اخذ الروح القدس على عاتقه تبعة تكميل العمل العظيم للخليقة الجديدة.
 ليتنا اذا ننتفع بكنوز التعزية و الرجاء المذخرة لنا في هذا الاعلان "قد اكمل" و ليتنا نلتف حول الصليب و نقترب منه اكثر، و نستخلص من موت الفادى قوة لنعيش له وحده.

انا عطشان



الوقت الآن حوالي الساعة التاسعة، اي الثالثة بعد الظهر، و لم يمض وقت على الصرخة الرهيبة التي تصاعدت من قلب يسوع "ايلي ايلي لما شبقتني" حتى تعود الشمس الى الظهور نافضة عنها مسوحها السوداء. و تنظر السماء الى الارض باشفاق، و لكن هذا لا يدل على ان الظلمة الشديدة التي غطت نفس الفادي قد انقشعت، و لكنها لا تزال مستمرة حتى لحظة انطلاقه. و من وسط هذه الظلمة الحالكة تبعث الى مسامعنا هذه الكلمة "انا عطشان" و بذلك تتم كلمات المزمور69 في هذه المرحلة الاخيرة من الام الرب.
انه يجتاز الآن المرحلة التي يصفه فيها روح النبوة في المزمور و هو يقول "تعبت من صراخي، يبس حلقي، كلت عيناي من انتظار الهي، اقترب الى نفسي فكها، بسبب اعدائي افدني، العار قد كسر قلبي فمرضت،انتظرت رقة فلم تكن و معزين فلم اجد". ثم يختتم هذه الايات بهذه الكلمات العميقة "يجعلون في طعامي علقما و في عطشي يسقونني خلا". وكل هذه تتم فيه شيئا فشيئا كلما تقدمت به الالام.
و لكن ما هو الوجع الذي تدل عليه هذه الصرخة "انا عطشان"؟ لقد كان اولا بسبب الالام الجسدية. فكم كان المخلص في اعياء و اجهاد عندما وصل الى الجلجثة! و قد مضى عليه الآن نحو ست ساعات و هو معلق على الصليب حتى جفت الاوعية الدموية في جسده المقدس، فتسري في كيانه حمى شديدة، و يلتصق لسانه بفكيه، و هذا العذاب اكثر ايلاما مما يسببه العطش للماء، فتفكروا في ان مخلص العالم قد اختبر ايضا هذا النوع من العطش، و يصل الى هذه الدرجة من العوز، و هو الذي غناه لا يستقصى، و لكنه لاجلنا احتمل كل هذا "لكي نستغنى نحن ايضا بفقره".
و لكن الصرخة التي انبعثت من فوق الصليب تشير الى شئ امر من العذاب الجسدي. الا يذكرنا هذا بالوصف الرهيب الذي جاء في حديث الرب عن العالم الآخر؟ و الا يأتي في ذاكرتنا بذلك الرجل الغني الذي كان و هو في الارض يلبس البز و الارجوان و يتنعم كل يوم مترفها، و لكن بعد ان اكتسحه الموت و نزل الى الهاوية صار في الم و عذاب، و هو يئن من جراء عطش داخلي في نفسه، فنادى ابراهيم طالبا اليه ان يرسل لعازر ليغمس طرف اصبعه بماء و يبرد لسانه الذي اكتوى من اللهيب، و لكن طلبه قد رفض بلا رحمة رغم التوسلات التى كانت تقرع بشدة على ابواب السماء و هى منبعثة من المساكن التي يغطيها الليل الابدي.
وكل من اشرق له نور الروح القدس على الكلمات "تأديب سلامنا عليه و بحبرره شفينا" لابد ان يتعجب بحق ان لم يكن الوسيط العظيم قد اختبر بالفعل نصيب الرجل المذكور في مثل الرب – ان لم يكن قد ذاق كل العذابات التي تقع على الذين هم تحت الدينونة، لكن قد اختبر ذلك بالحقيقة! و لاشك ان الاحتقار و الاستهزاء الذي وصل الى سمعه من تحت الصليب كما تعبر عنه هذه الكلمات "اتركوه، لنرى هل يأتي ايليا ليخلصه" لم يكن الا انعكاسا باهتا عن الهجمات التى كان لابد ان يتحملها خلف ستار المنظور.
وخلف المنظور كانت تحيط به اجناد بليعال، و قوات الظلمة كانت تصوب سهامها النارية نحوه. و من هذا القفر المخيف جاءت الكلمة "انا عطشان" و ذلك لكى ينقذنا من العطش الابدي، و يا له من ينبوع دائم من التعزية قد فتحه لنا هو بعطشه.

ايلي ايلي لما شبقتني



جاء مرة صوت من السماء سمعه الجمع حول يسوع، و يذكر البشير ان "الجمع الذي كان واقفا و سمع قال قد حدث رعد، و اخرون قد كلمه ملاك". و لم يعرف احد بالضبط ما هو هذا الصوت العجيب، و لو ان الجميع اخذتهم الدهشة و بهتوا، و تحرك فيهم احساس بالرهبة، تلك هي نفس مشاعرنا عندما نسمع صدى الصرخة التي انبعثت من فوق الصليب. و انني اعترف ان نفسي بجملتها تهتز كلما فكرت ان ادنو من عمق الآلام التي لا يسبر غورها، و التي انطلقت منها هذه الصرخة "ايلي ايلي لما شبقتني". و كم اود ان انطرح على وجهي في صمت و خشوع امام هذه الحادثة الرهيبة اكثر من ان اكتب او اتحدث عنها! من يستطيع ان يدرك هذا؟. ان كان الذهن البشري قد وصل الى اخر حدود ادراكه هنا فلا زال الايمان يجد طريقه بين هذه الظلال الكثيفة، يتقدمه نور الهي، و هذا النور يشع من وساطة المخلص. و دعونا نتأمل الآن باكثر امعان مسترشدين بهذا النور، في الصرخة الرهيبة التي تصاعدت من قلب الفادى المصلوب.
و بغتة يحدث شئ رهيب ! و تزاد دهشتنا و يناتبنا الرعب و الفزع. فما كادت الشمس تتوسط قبة السماء، و اذ بها تخفي اشعتها و كأن الارض لا تستحق بعد نورها، و ابتدأت السماء امام انظار الجميع تكسوها ظلمة حالكة و هي صافية بغير غيوم، و تبدأ اولا بظهور الشفق كما يحدث عادة عندما يبتدئ النهار يميل، ثم تتبعه ظلمة حالكة، و اخيرا يرخي الليل سدوله القاتمة و يبسط ظلالا كثيفة كغطاء النعش، ليس فوق جبال اليهودية فحسب بل فوق كل الارض، و يصيب الفزع مملكة الحيوان فتتجمع القطعان في الحقول و تسرع طيور السماء الى اوكارها، و جموع الناس الذين تجمعوا عند الصليب يهرولون عائدين الى اورشليم و هم يصيحون و يصفقون بايديهم و يقرعون صدورهم، و يصل الذعر و الهلع الى القصور و الاكواخ، و يحس من فيها ان العالم يتهدده الخراب. لقد اطلع الاباء الاولون ومن بينهم اوريجانوس و اوسابيوس علة ما سجله الوثنيون بشأن هذه الحادثة فيروى احدهم ان كسوف  للشمس حدث في نفس الوقت الذي صلب فيه المسيح، وان ذلك الكسوف الكلي المخيف لم يحدث قط من قبل في العالم. و يذكر تقليد قديم ما شهد به ديونيسيوس الاريوباغي عن الظلمة الشمسية التي سبقت موت يسوع، عندما صاح متعجبا "اما ان الاله نفسه يتألم في هذه اللحظة او انه يشارك آخر يجتاز الالام".
ونحن الآن نقف مبهوتين امام هذه الظاهرة المخيفة، التي لا يصعب على الاعمى ان يلمس فيها اصابع القدير، و لكن ماذا تدل عليه هذه الاسرار العميقة؟ ان مدلول الظلمة المفاجئة يصل الى عمق ساحق اكثر مما تستطيع ان تصل اليه محاولات تفسيرها. و السبب الرئيسي لهذه الظاهرة العجيبة هو لكي يسدل ستارا، بطريقة عجيبة، على الحالة النفسية للمصلوب في هذا الوقت بالذات، بما فيها من اسرار عميقة. و قد اخفى الرب نفسه عن انظار العالم خلف ستار كثيف من ظلمة الليل المرعدة، كما لو كان خلف حجاب الهيكل، و قد مضت عليه الآن ثلاث ساعات وهو مغطى بتلك الظلمة، انه في قدس الاقداس يقوم باعمال وظيفته الكهنوتية ، فهو هرون الحقيقي و نفس الوقت الحمل للمحرقة.
وما تم بينه و بين ابيه في تلك الاثناء يظل الى هذه اللحظة مختوما عليه كما بسبعة ختوم، مخفيا في اعماق الابدية. و لكننا نعلم انه خلف ذلك الحجاب كان منهمكا في اعنف صراع، و قد سجل امجد انتصار، و توج طاعته كبديل عنا بتاجها الاخير.
وتلك الظاهرة كانت تشير الى احتجاب شمس اخرى غير الشمس الارضية، و ان الظلمة تغطي عالما آخر. انها تشير الى انقضاء يوم تعزية و فرح، و الى ليل يبسط ظلمته على النفس، و قد اوشك آخر نجم ساطع ان يختفي من سمائها. تصوروا انسانا خاليا من الخطية قدوسا و له طبيعة الهية، و قد حرم من نعمة حضور ابيه السماوي، نراه منفيا بين مناظر الجحيم و لا يرى شيئا سوى صور الخطية و الموت، تأملوا في حالته هذه ثم قولوا لي ان كانت لا تشابهها تماما ظلمة الليل الحالكة التي غطت الارض.
ولذا كانت الصرخة المؤثرة "ايلي ايلي لما شبقتني" التي ينقلها الينا البشيرون بنفس اللغة التى بها خرجت من فم القدوس، و كأنهم خشوا ان يحجب نقلها لليونانية شيئا من مدلولها.
ان كل المؤمنين في كل العصور قد وقفوا مبهوتين امام هذه الكلمات، و قد حاولوا عبثا ان يسبروا عمقها، و انتم تعلمون ان هذه الكلمات يستهل بها المزمور الثاني و العشرون، الذي يصف فيه داود مسوقا من الروح القدس نصيب البار من الالام و هو يتجول في عالم فاجر اثيم، بينما يربط هذه الالام بالامه هو الشخصية. غير ان الوصف يتسع شيئا فشيئا الى ان تختفي حالة صاحب المزمور و ظروفه الخاصة، و يجب ان يدرك المرء ان ثمة احداثا اكثر هولا و اهمية من تلك التي حدثت في حياة داود تختلط في تعبيرات المزمور، و صورة متألم برئ لم يفعل ذنبا تزداد وضوحا تدريجيا و قد تحققت تماما في حياة الرب يسوع. و في الصورة التي يصفها المزمور نجد ان اثارا طفيفة منها قد حدثت في حياة داود، الامر الذي يجعلنا نبحث عن تحقيق حرفي لها في حياة شخص آخر لأن المتألم الوارد ذكره في المزامير لا يبدو فقط منبوذا من الارض كلها، و ليس فحسب كل من يراه يستهزئ به قائلا "اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به"، و ليس فقط يصرخ في شدة الالم "كالماء انسكبت، انفصلت كل عظامي"، و "لصق لساني بحنكي و الى تراب الموت تضعني"، لكنه ينبغي ان يجتاز ايضا فيما لم يختبره داود "ان تثقب يداه و رجلاه، و ان يقتسم اعداؤه ثيابه بينهم، و ان يلقوا قرعة على لباسه".
ولكن هل حقا ان الله قد ترك المسيح و هو على الصليب؟ وكيف يمكن ان يترك الله من كان واحدا معه. و لكنه وهو في عمق الالام و بسببها انبعثت صرخته "الهي الهي لماذا تركتني!"، تغلب الحزن عليه حتى تملكه احساس و كأنه قد نفى بعيدا عن الله، و سلم تماما لقوات الجحيم. و لم يقتصر الامر عند حد ان سيطرت عليه كل الاهوال التي تولدت في العالم لكنه دخل بنفسه المقدسة و بطريقة لا تدرك، في الاحساس بذنوبنا، و تجرع الكأس التي فاضت باجرة خطايانا، و هى الموت الذي كانت تتضمنه اللعنة التى جاءت على الانسان.
ولم يسمع يسوع كلمة عطف من السماء، و لم ينتعش و هو في حزنه الشديد برؤية ملاك، و احتجب عنه حقا وجه الاب. و ان كانت تجارب جثسيماني قد قادت الرب يسوع الى منتهى حدود الطاعة، فان تجارب الصليب قد اوصلته الى اعظم درجات البذل.   

يا ابتاه اغفر لهم



شغب و ضجيج يجتاح الجلجثة ! التعييرات تنهال على القدوس، و لكن لاحظوا ان عبارات السخط التي ينفثونها، اذا ما فحصت في النور، نجدها تتضمن اعترافات مشرّفة عنه، فيقولون "خلص آخرين و اما نفسه فما يقدر ان يخلصها" و في الحقيقة ان هذا الاعتراف الصريح من جانب اعدائه يعد في غاية الاهمية، حيث يقدم من جديد ادلة تاريخية عن اعمال يسوع الخلاصية.
ثم يقولون "لقد اتكل على الله" و يتضح من هذا القول ان طبيعته الالهية قد انطبعت بوضوح على كل هيئته الخارجية حتى انها لم تعد بعد تخفي حتى عن هؤلاء الاشرار.
"لأنه قال انا ابن الله، فلينقذه ان هو اراده" و هل نجد في هذا القول الا نداءا قويا لنا لنصغي الى برهان جديد يأتي على فم خصومه الحانقين، ان الرب قد اعلن انه هو ابن الله، و اذ ذاك فلم يجعل نزوله من السماء سرا مخفيا.
و يعودون يصرخون باكثر قوة "يا ناقض الهيكل و بانيه في ثلاثة ايام خلص نفسك"، و لاحظوا هنا كيف يؤكدون ما سبق ان اعلنه بخصوص قيامته من الاموات، و بنفس الطريقة يعنفونه قائلين "فلينزل الآن المسيح ملك اسرائيل عن الصليب" و بذلك يثبتون الحقيقة ان المخلص قد انطبقت عليه هذه الصفة، انه ملك.
ولكن انظروا ان شفتيه تتحركان، انه يريد ان يقول شيئا وماذا عسانا ان نسمع منه؟ انه يقول "يا ابتاه اغفر لهم" هل هذه الصلاة لاجل عبيد ابليس الذين سمروه بالصليب، اولئك الوحوش الذين لا قلب لهم، الذين لا يزالون يمزقون جسده بمخالبهم المسممة؟ نعم، حتى هؤلاء يعنيهم في شفاعته، و لاجلهم يطلب الرحمة و الغفران. و هذا يجعلنا نطاطئ رؤوسنا بكل اجلال، اي روح هذه؟ و كم تنطوي هذه الكلمات على ما هو اروع من اعظم المعجزات التى تميز بها طريقه وسط العالم. انه يغطي رؤوس قاتليه بغطاء محبته لكي يحميهم من عاصف غضب الله العظيم العادل، و بهذه الكلمات التي لابد انها كانت مثار الاعجاب و التقدير حتى في نفوس الملائكة نراه يحمل المذنبين على اذرع محبته، و يصعد بهم فوق درج عرش ابيه ليسأل الرحمة لاجلهم. و عندما يقول "اغفر" فهذه تشمل كل سجل خطاياهم و هو يعني بها "اطرح تاريخهم الحافل بالشرور في اعماق البحر، و لا تعود تذكر تعدياتهم فيما بعد، و لكن احسب هؤلاء الخطاة من الآن فصاعدا اعزاء في عينيك، و بلطفك عاملهم".
وهى حقيقة لها معناها العميق، ان الرب بهذه الصلاة يبدأ سلسلة الكلمات السبع التي نطق بها على الصليب. "اغفر لهم" انها تميط اللثام عن الرأفة و الشفقة المتناهية التي يحملها بين جنبيه و تنقض كوميض من البرق في حلكة ليل الالام.
ورغم ذلك فان صلاته في طلب الغفران ترفع اجنحتها فوق جبل الالام، و تنفذ خلال كل الحواجز و تنحى جانبا جبل سيناء و عيبال، و تحلق في جرأة فوق الاسوار المنيعة من الانذارات الالهية العديدة، و التي كانت تسد الطريق امام الخطاة دون الدخول الى المساكن العلوية، و تأتي امام العرش لتطلب الصفح للمجرمين و المجدفين و القتلة، بل و السماح لهم بالدخول الى مواطن اولاد الله المحبوبين.

It's amazing what God's love can do


27 سبتمبر 2012

التطويبات الخمسة و خمسين - مارافرام السرياني


1- طوبى للذي تحرّر بالكامل في الرب من كل أمور هذه الحياة الأرضية الباطلة، وأحبّ الله الصالح الشفوق وحده.

2- طوبى للذي صار حراثاً صالحاً للفضائل، وأنتج محصولاً من ثمار الحياة في الرب، كالأرض المحروثة الحاملة للقمح. 

3- طوبى للذي صار فلاحاً صالحاً للفضائل، وغرس كرمة روحية، وحصد العنب، فملأ معصراته من ثمار الحياة في الرب. 

4- طوبى للذي جعل زملائه الخدام فرحين فرحاً روحياً، من ثمرة الفضائل التي اجتناها بتعبه، لكي يقدّم ثمرة الحياة في الرب. 

5- طوبى للذي يقف في الكنيسة، ويصلي مثل ملاك سماوي، حافظاً أفكاره في كل وقت طاهرة، ولا يُعطي للشرير سبيلاً يأسرُ نفسه بعيداً عن الرب المخلص. 

6- طوبى للذي يحب البكاء بفهم، ويُهرق الدموع على الأرض بتخشع، مثل درر كريمة أمام الرب. 

7- طوبى للذي يحب القداسة مثل النور، ولا يدنس جسده بالأعمال الشريرة المظلمة أمام أعين الرب. 

8- طوبى للذي يحفظ جسده مقدساً للمخلص، ولا يخزي نفسه بأعمال قبيحة، بل يبقى مرضياً أمام الرب. 

9- طوبى للذي يكره كل عمل دنس كله قباحة، مقدماً نفسه ذبيحة حية مرضية أمام الرب. 

10- طوبى للذي يبقي في نفسه ذكر الله على الدوام، لأن هذا سوف يُصبح كله مثل ملاك سماوي على الأرض، خادماً للرب بخوف ومحبة. 

11- طوبى للذي يحب التوبة، القادرة أن تخلّص الخطاة، ولا يفكر في عمل الشر، ولا يُنكر النعمة أمام الرب المخلص. 

12- طوبى للجالس في قلايته، كمقاتل نبيل يحرس كنز الملكوت، أعني جسده ونفسه بلا لوم في الرب. 

13- طوبى للجالس في قلايته، كملاك في السماء، حافظاً أفكاره طاهره، يُنشد يفمه تسابيح لمن له سلطان على كل نسمة. 

14- طوبى للذي أصبح مشابهاً للشاروبيم والسارافيم، ولا يتواني أبداً في خدمته الروحية، بل يمجد الرب على الدوام. 

15- طوبى للمتلئ فرحاً روحياً على الدوام، ولا يتكاسل في حمل نير الرب الصالح، لأنه سوف يُكلل بمجد. 

16- طوبى للذي ينقي نفسه من كل دنس الخطايا، حتى يتقبّل بداله في بيته ملك المجد ربنا يسوع المسيح. 

17- طوبى للذي يتقدم إلى الأسرار الطاهرة التي للمخلص بخوف ورعدة، عالماً أنه يتقبل الحياة الأبدية في داخله. 

18- طوبى للذي يتأمل الموت كل يوم، ويمحي الأهواء الدنيئة المعشِّشة في قلبه، لأن هذا سوف يتعزى في لحظة انفصال جسده عن روحه. 

19- طوبى للذي يتذكر خوف جهنم بإستمرار، ويسرع بدموع وتنهدات ليتوب توبة صادقة في الرب، لأن هذا سوف ينجو من الضيق العظيم. 

20- طوبى للذي يتضع بصورة متواصلة اختيارياً، لأنه سوف يكلل بواسطة ذاك الذي وضع نفسه طوعاً من أجلنا. 

21- طوبى للذي يجلس في قلايته بكل تقوى، كما فعلت مريم عند قدمي يسوع، وكما أسرعت مرثا لأستقبال الرب المخلص.

22- طوبى للذي يُشعل ذاته بمخافة الله، محافظاً على حرارة الروح القدس دائماً، ومحرقاً أشواك الأفكار الشريرة. 

23- طوبى للذي لا يدنّس يديه بأعمال رديئة كملعون، لأن هذه الأفعال سوف تُدان في اليوم الرهيب أمام الرب.

24- طوبى للذي يبذر أفكاراً صالحة جيدة في كل وقت، ويتغلب بالرجاء على الكآبة الرديئة، التي تحارب نساك الرب. 

25- طوبى للذي أصبح كمحارب شجاع في عمل الرب، منهضاً المتهاملين، ومحركاً المتوانين في طريق الرب.

26- طوبى للذي أصبح مثمراً في الرب، حتى يتخذ الملائكة القديسين حراساً له، كما يكون المزارع حارساً للشجرة المحملة بالثمار. 

27- طوبى للذي يحب الوداعة بفهم روحي، ولا تخدعه الحيّة الشريرة، متخذاً الله الصالح والشفوق رجاءً له. 

28- طوبى للذي يكرّم القديسين ويحب قريبه، وقد طرد الحسد من نفسه، هذا الذي أصبح قايين بسببه قاتلاً لأخاه.

29- طوبى للذي ينتهر (الشيطان) المستبد، ولا يتخاذل أمام لهيب الشهوات، لأن نفسه سوف يندّيها ندى الروح القدس. 

30- طوبى للذي لم يدع غشاوة الظلام الشيطانية تعشِّش في فكره، فتحرمه من النور اللذيذ ومن فرح الصديقين.

31- طوبى للذي استنارت عينا قلبه ليشاهد الرب دائماً، كما في مرآة، لأن مثل هذا يستريح من الأهواء ومن الأفكار الشريرة.

32- طوبى للذي يحب الكلام الصالح المستقيم، ويمقت الكلام الدنيء الهدّام، لأن مثل هذا لن يصير أسيراً للشرير. 

33- طوبى للذي ينصح قريبه في مخافة الله، ولا يُضل نفسه، خاشياً في كل لحظة عصا الراعي الصالح الحديدية. 

34- طوبى للذي يطيع قريبه بحسب مشيئة الله، ويحتمل الضيقات بشكر، لأن مثل هذا سوف يُكلل، وسوف يصير معترفاً للرب. 

35- طوبى للذي لا يسيطر عليه هوى الكآبة كجبان، بل يتحلى بالاحتمال والصبر، هذا الذي بواسطته فاز القديسون بالأكاليل. 

36- طوبى للذي يحب ضبط النفس بمرضاة الله، ولا يُدان بسبب بطنه كمتنعم ومدنس، لأن مثل هذا سوف يعظمه الله.

37- طوبى للذي لا يسكر بالخمر كضال، بل يفرح في كل حين بذكر الرب، الذي يبتهج به القديسون بتواصل. 

38- طوبى للذي يدبّر بمرضاة الله ممتلكاته، ولا يُدان من الله المخلص كمحب للمال وعديم الشفقة على قريبه. 

39- طوبى للذي يسهر في الصلوات والقراءات والعمل الصالح، لأن مثل هذا سوف يستنير ولا ينام في الموت.

40- طوبى للذي أصبح شبكة روحية صالحة، يتصيّد كثيرين للسيد الصالح، لأن مثل هذا سوف يمدحه كثيراً الرب. 

41- طوبى للذي أصبح نموذجاً حسناً للقريب، دون أن يعثر ضمير زملائه الخدام فاعلاً ما لا يجب فعله، لأن مثل هذا سوف يباركه الرب.

42- طوبى للذي أضحى طويل الأناة وشفوقاً، ولم يستعبده البربري، أعني الغضب الشرير، لأن مثل هذا سوف يرفعه الرب.

43- طوبى للذي ارتفع بالمحبة، صائراً مثل مدينة مؤسسة على جبل، التي منها يتراجع العدو بخوف مرتعداً من صمودها في الرب. 

44- طوبى للذي أشرق بايمانه بالرب، كمصباح منير موضوع على منارة عالية، ينير نفوساً مظلمة قد اتّبعت بدعة الجاحدين غير المؤمنين. 

45- طوبى للذي يحب الصدق باستمرار، ولا يستخدم فمه كأداة للكذب، لأنه يخاف من الوصية التي تتعلق بكل كلمة بطالة. 

46- طوبى للذي لا يحكم على قريبه كإنسان عديم الحكمة، بل بحصافة روحانية يجاهد لكي يخرج الخشبة من عينه الخاصة. 

47- طوبى للذي أزهر قلبه كنخله، بايمان مستقيم، ولم تطعنه بدعة الجاحدين غير المؤمنين كما من أشواك. 

48- طوبى للذي أصبح سيداً على عينيه، ولم يغوِه -  لا عقلياً ولا حسياً - جلد البشرة الذي سوف يذبل سريعاً. 

49- طوبى للذي يضع أمام عينيه يوم الرحيل، وقد أزدرى الكبرياء، قبل أن يظهر فساد طبيعتنا في القبر ونتانتها. 

50- طوبى للذي يفكر بالنائمين في أكفانهم في القبور، ويبعد عن كل شهوة كريهة، لأنه سوف يقوم بمجد عندما يُنفخ بالبوق السماوي موقظاً أبناء البشر كلهم. 

51- طوبى للذي يتأمل بحكمة روحية جوقة النجوم الساطعة بمجد، وجمال السماوات، ويشتاق لرؤية صانع الكل.

52- طوبى للذي يتذكر النار التي نزلت على جبل سيناء، وأصوات الأبواق، وموسى المنتصب في الوسط بخوف ورعدة، ولا يتراخى في سبيل خلاصه.

53- طوبى للذي لا يضع رجاءه على البشر، بل على الرب، الذي يأتي ثانية بمجد كبير لكي يدين المسكونة كلها بعدل، لأنه سوف يصير كشجرة مثمرة على مجاري المياه.

54- طوبى للذي صار ذهنه بنعمة الله، كسحابة مليئة بالمطر، يروي نفوساً لإزدياد ثمار الحياة، لأن مديحه سوف يمتد في مجد لا نهائي. 

55- طوبى للذين يسهرون باستمرار بحسب مشيئة الله، لأن الله سوف يظللهم في يوم الدينونة، ويصبحون أبناء العريس، ويشاهدونه بابتهاج وسرور. بينما أنا والذي على شبهي المتهاملون ومحبو اللذة سوف يبكون وينوحون عندما يرون أخوتهم في المجد غير المدرك وهم يتعذبون. 

المرجع: القديس افرام السرياني مختارات نسكية وزهدية، الأب افرام كرياكوس، مطرانية الروم الأرثوذكس باللاذقية (منقول بتصرف)

Reference: Fifty Five Beatitudes, by Ephrem the Syrian: http://www.anastasis.org.uk/55beat.htmkr
نقلا عن مدونة ابائية
http://erinipasy.blogspot.com/