14 أكتوبر، 2012

قد اكمل


 هذا الاعلان هو اخطر و اعظم ما سمعه الانسان على الارض من بدء الخليقة، و من ذا الذي لا يجد فيه هتاف الانتصار؟ انه صياح الغلبة الذي جاء يعلن لمملكة الظلمة زوال سلطانها، و لملكوت السموات على الارض انه قد تأسس الى الابد، و كم هو عجيب حقا! في نفس اللحظة التي بدا فيها ان كل شئ قد انتهى بالنسبة لاسد يهوذا، يأتي قوله معلنا ان كل شئ قد اكمل و النصر قد تم. و تنبعث هذه الصيحة كصوت بوق اليوبيل ليعلن لنسل ادم الذين كانوا تحت اللعنة، بدء سنة الحرية و العتق التي ستكشف عن بركاتها اكثر فاكثر، و لن تنتهي ابدا. اصغوا و ارهفوا سمعكم و سيبدو لكم و كأنكم في هذه الكلمات "قد اكمل" تسمعون صوت تحطيم اغلال، و اسوار سجن تسقط الى الارض، قد زالت بهذه الكلمات الحواجز التي كانت في علو السماء، و الابواب التي ظلت مغلقة الاف السنين التي سمع الآن صوتها و هي تفتح على مصراعيها.

لكن ما الذي قد اكمل في اللحظة التي تردد فيها هذا الصوت؟ يقول البشير "بعد هذا  رأى يسوع ان كل شئ قد كمل". تأملوا في هاتين الكلمتين "كل شئ" وماذا ننتظر اكثر من ذلك؟ و لكن ما هي هذه الامور؟ و نسرع الآن بازاحة الستار لنرى بالتفصيل كل ما تم و تحقق.
صرخ يسوع بصوت عظيم "قد اكمل". لقد فرغ الرب الآن من اعماله، و اكمل العمل العجيب الذي تعهد به قبل كون العالم عندما قال "ان افعل مشيئتك يا الهي سررت" و الموت الذي كان يوشك ان يخضع له هو الذروة و الحدث الاخير في عمله النيابي.
و اريدكم ان تحملوا في ايديكم البرنامج الالهي الذي يحدد مسير يسوع على الارض كشفيع عن البشر، و هذا البرنامج يوجد في سجلات العهد القديم في رموز و نبوات، و سوف نتأكد انه قد تحقق تماما بكل دقة. ان صورة المسيا كما تعبر عنها بوضوح كتابات موسى و الانبياء تتحقق كاملة بكل تفاصيلها الدقيقة في شخص يسوع، فان كنت تسأل عن الطفل العجيب مولود بيت لحم الذي تكلم عنه ميخا النبي "مخارجه منذ القديم منذ ايام الازل".. فان كل هذه تتلاقى في يسوع المسيح.
الاسفار الالهية تؤكد مرارا "ان المسيح ذاق الموت بنعمة الله" و من ثم لم يكن ذلك نتيجة ناموس طبيعي يحتم عليه الموت، و هى تعلن ايضا ان"الموت الذي ماته قد ماته للخطية" و عندما تصرح كلمة الله انه "ان كان واحد قد مات لاجل الجميع فالجميع اذا ماتوا" فان ذلك يبرهن بوضوح طبيعة موته النيابي.
فان كان المسيح بموته قد دفع اجرة خطايانا فمن الطبيعي لا يمكن اعتبار موته مشابها للرقاد الذي يختبره كثير من المؤمنين وعلى وجوههم بهجة الفداء. كلا فان العدل الالهي كان يحتم ان المسيح يتلقى طعنة ملك الاهوال، و ان يختبر الموت الذي حكم به على ادم الاول، و هكذا كان فاحنى رأسه تحت اهواله.
"بقربان واحد قد اكمل الى الابد المقدسين"(عب10: 14). اجل، انه بهذا العمل الواحد، قد وضع الاساس لكل الذين يؤمنون به، اساس تبريرهم و تقديسهم.
ينبغي ان نعرف ان المخلص المصلوب عندما اعلن هذه الحقيقة العظمى لم تكن عيناه تستقر فقط على خطاة معينين و لكن ايضا على العالم كله عامة. وقد اذاب الجرم الذي كان يستقر على العالم، و حرره من اللعنة، و استرجع الارض الخربة من قوات الظلمة، و اخضعها لنفسه و كرسها لتكون مسرحا يشهد تأسيس مملكته القادمة. ان دم المسيح يطالب بتحويلها الى مسكن للبر، و ان تتجدد الى فردوس، و ان يجدد عهد اتحادها بالسماء،و ان الاب الذي حلف للابن "اسألني فاعطيك الامم ميراثا لك" لن يرفض الاصغاء الى دم ابنه الوحيد، ومهما حدث من الفوضى و الخراب في العالم لكن مستقبله مضمون، فعلى الصليب قدوضع اساس تحويله الى الحالة المجيدة، وقد اخذ الروح القدس على عاتقه تبعة تكميل العمل العظيم للخليقة الجديدة.
 ليتنا اذا ننتفع بكنوز التعزية و الرجاء المذخرة لنا في هذا الاعلان "قد اكمل" و ليتنا نلتف حول الصليب و نقترب منه اكثر، و نستخلص من موت الفادى قوة لنعيش له وحده.