14 أكتوبر، 2012

يا ابتاه اغفر لهم



شغب و ضجيج يجتاح الجلجثة ! التعييرات تنهال على القدوس، و لكن لاحظوا ان عبارات السخط التي ينفثونها، اذا ما فحصت في النور، نجدها تتضمن اعترافات مشرّفة عنه، فيقولون "خلص آخرين و اما نفسه فما يقدر ان يخلصها" و في الحقيقة ان هذا الاعتراف الصريح من جانب اعدائه يعد في غاية الاهمية، حيث يقدم من جديد ادلة تاريخية عن اعمال يسوع الخلاصية.
ثم يقولون "لقد اتكل على الله" و يتضح من هذا القول ان طبيعته الالهية قد انطبعت بوضوح على كل هيئته الخارجية حتى انها لم تعد بعد تخفي حتى عن هؤلاء الاشرار.
"لأنه قال انا ابن الله، فلينقذه ان هو اراده" و هل نجد في هذا القول الا نداءا قويا لنا لنصغي الى برهان جديد يأتي على فم خصومه الحانقين، ان الرب قد اعلن انه هو ابن الله، و اذ ذاك فلم يجعل نزوله من السماء سرا مخفيا.
و يعودون يصرخون باكثر قوة "يا ناقض الهيكل و بانيه في ثلاثة ايام خلص نفسك"، و لاحظوا هنا كيف يؤكدون ما سبق ان اعلنه بخصوص قيامته من الاموات، و بنفس الطريقة يعنفونه قائلين "فلينزل الآن المسيح ملك اسرائيل عن الصليب" و بذلك يثبتون الحقيقة ان المخلص قد انطبقت عليه هذه الصفة، انه ملك.
ولكن انظروا ان شفتيه تتحركان، انه يريد ان يقول شيئا وماذا عسانا ان نسمع منه؟ انه يقول "يا ابتاه اغفر لهم" هل هذه الصلاة لاجل عبيد ابليس الذين سمروه بالصليب، اولئك الوحوش الذين لا قلب لهم، الذين لا يزالون يمزقون جسده بمخالبهم المسممة؟ نعم، حتى هؤلاء يعنيهم في شفاعته، و لاجلهم يطلب الرحمة و الغفران. و هذا يجعلنا نطاطئ رؤوسنا بكل اجلال، اي روح هذه؟ و كم تنطوي هذه الكلمات على ما هو اروع من اعظم المعجزات التى تميز بها طريقه وسط العالم. انه يغطي رؤوس قاتليه بغطاء محبته لكي يحميهم من عاصف غضب الله العظيم العادل، و بهذه الكلمات التي لابد انها كانت مثار الاعجاب و التقدير حتى في نفوس الملائكة نراه يحمل المذنبين على اذرع محبته، و يصعد بهم فوق درج عرش ابيه ليسأل الرحمة لاجلهم. و عندما يقول "اغفر" فهذه تشمل كل سجل خطاياهم و هو يعني بها "اطرح تاريخهم الحافل بالشرور في اعماق البحر، و لا تعود تذكر تعدياتهم فيما بعد، و لكن احسب هؤلاء الخطاة من الآن فصاعدا اعزاء في عينيك، و بلطفك عاملهم".
وهى حقيقة لها معناها العميق، ان الرب بهذه الصلاة يبدأ سلسلة الكلمات السبع التي نطق بها على الصليب. "اغفر لهم" انها تميط اللثام عن الرأفة و الشفقة المتناهية التي يحملها بين جنبيه و تنقض كوميض من البرق في حلكة ليل الالام.
ورغم ذلك فان صلاته في طلب الغفران ترفع اجنحتها فوق جبل الالام، و تنفذ خلال كل الحواجز و تنحى جانبا جبل سيناء و عيبال، و تحلق في جرأة فوق الاسوار المنيعة من الانذارات الالهية العديدة، و التي كانت تسد الطريق امام الخطاة دون الدخول الى المساكن العلوية، و تأتي امام العرش لتطلب الصفح للمجرمين و المجدفين و القتلة، بل و السماح لهم بالدخول الى مواطن اولاد الله المحبوبين.