22 أكتوبر، 2012

من خواطر المجدلية




انى اعترف بفضل مخلصى على أنى كنت صريعة شياطين سبعة – والشفاء الذى نلته على يديد ربطنى به كخادمة. فقبل أن يبرئنى من الشياطين السبعة – كنت فى قاع الهوان، لكن بعد أن شفانى وحررنى من رباطات الظلمة سبانى نوره البهى فصرت له كالظل – أخدمه متشرفة بخدمته! هذا الذى تتمنى الناس أن تلمس طرف ثيابه ....
من هو معلمى الصالح، يا ترى؟
هل هو انسان ؟ ...
لا شك فى ذلك لأنه كانت به طبائع البشر فى أسمى تطبيقها.
وهل هو أعظم من إنسان ؟
لا شك أيضا – فقد اجتمع له من السلطان – ما هو أعظم من سلطان كافة البشر مجتمعين... إذا هل هو الإله ؟ .. ولماذا لا ؟ ...

هذه اسئلة ظلت معلقة، تفرض نفسها، ولكل سؤال جوابه، ولا يضع حدا لهذا التساؤل المتصل إلا الجواب أنه – الله الذى ظهر فى الجسد – وعند هذا الجواب يرتجف الواحد منا ... فهل هذا يعنى أن نزداد منه قربا وحبا، أو نزداد بعدا وتخوفا، والواقع أننا ازددنا منه التصاقا : "أيها المفكرون هل عشتم اللغز الذى عشناه ؟

لست هنا أروى قصة سمعتها، لكننى من الصليب كنت واحدة من النساء الواقفات من بعيد، ينظرن ما يحدث، بقلب يعتصر ألما ...
هل هذه مكافأة من كان يجول يصنع خيرا ؟
كيف استطاع القوم أن ينالوا منه، حتى يرفعوه على صليب العار وهم أنفسهم الذين كانوا يعملون ألف حساب، إذا ما أرادوا اللقاء به أو الحديث معه ؟
الموت لفظ لعازر حيا وإلى خارج القبر لأن الرب ناداه !!
الطبيعة ألجمت بلجام فهدأ الموج المتلاطم، والريح العاصف لأن الرب أمر، وأمثلة أكثر من أن تعد ..... فما باله الآن لا ينطق بكلمة من كلمات سلطانه ؟
أظنك أيها العزيزلا تستغرب على أنى عشت ساعات الصليب نهبا لمثل هذه الأسئلة، ومما كان يزيدنى أسى أنى لا أجد جوابا، على سؤال واحد منها !
لم أستطع فراق المكان، وظللت معاينة لكل حوادث الصليب المفجعة، إلى أن انزلوه ... وقام يوسف الرامى ونيقوديموس بلف الجسد المقدس بأطياب وحنوط، ووضعاه فى قبر جديد ... ثم دحرجن الحجر، وأنصرفن.
كنت آخر من ترك القبر المقدس – يوم الجمعة العظيمة – قبل غروب الشمس – وكنت أيضا من جاء القبر – بعد منتصف ليلة الأحد – والظلام باق .....
واترك لك ولخيالك أن تتصور الحالة التى كنت فيها وعشتها طوال هذه الساعات : "والحيرة التى لا يمكن وصفها – التى سيطرت علىّ.... فكل ما حدث لم يكن يدر بخلد إنسان : "هل يموت الحى المحيى ؟ " ..
ساعات سوداء قاتمة – أنتم الآن تستضيئون بظلال شجرتها الوارفة – أما نحن – فقد انغرست أشواكها فى أعماقنا.
لم نجاوز منتصف ليلة الأحد إلا قليلا، وتركنا منزل القديس يوحنا الحبيب، حيث كانت أمنا جميعا، العذراء دائمة البتولية، القديسة مريم ....
وأنا فى الطريق الى القبر– تزلزلت الأرض – وارتعشت البسيطة تحت أقدامنا، الأمر الذى ذكرنى بساعات الظلمة حين أظلمت الشمس وتزلزلت الأرض وتشققت القبور وقت ساعات الصليب الحرجة ... من خلال الحيرة لم نعلم أننا نسعى لنطلب "الحى بين الأموات ".
رأيت الحجر مرفوعا فظنت أن السيد قد أخذ من القبر !
كنت أبكى الفرصة الوحيدة الباقية للوفاء بأن أقدم الحنوط فلا أجد الجسد المقدس المستحق لهذا الحنوط، فى الحقيقة أنى كنت أبكى نفسى، فقد دارت بى الأيام، إلى الفناء والعدم بعد أن استعذبت الحياة والوجود بحياته .. ووجوده ،
فأين أنا الآن وأين ما كنته
اللهم رحمتك وحنانك!
لا يستشعر صدق اليد الحانية ؛ إلا الذين يعيشون البؤس.
لا يستشعر الصدر الحنون إلا المحروم من نعمة الحنان ؛ الذى قست عليه الحياة قسوة تجردت من الرحمة والرأفة .
بينما انطلق التلميذان إلى اخوتهما التلاميذ بقيت أنا عند القبر أبكى، لم يكن ممكنا لى أن أفارق القبر حتى أرى جسد السيد المسيح ....
قدم لى القبر اعلانا آخر، إذ رأيت ملاكين بثياب بيض جالسين، واحدا عند الرأس والآخر عند الرجلين، استجاب الرب للحب والدموع، ففتح عينى لأرى ملاكين يشهدان للقيامة، للملائكة منظرهم الجذاب، خصوصا فى محنتى لا أتصور أفضل من الملائكة بعد الذين التقيت بهم قادر بأن ينتشلنى من هذه المحنة مثلهم.
 ===
يذكر التقليد أن مريم المجدلية أثناء كرازتها ذهبت الى قيصر روما وكلمته عن القيامة، فهزأ بها وعند ذلك أحضرت له بيضة وقالت:
كيف تصدق أن الكتكوت يخرج من البيضة ولا تصدق أن خالق الكون كله يغلب الموت ويخرج من القبر؟