24 أكتوبر، 2013

امرأة تستجدي الوقت


قصة رمزية عن العطاء او التضحية بالوقت:
كان يعقوب الرسول اسقفا لاورشليم. في احد الايام ترك كنيسة جبل الزيتون عائدا الى منزله. و فيما هو على المنحدر توقف قليلا يتطلع الى الوادي. كانت الشمس على وشك الشروق. انقشع الندى، و كان بالقرب منه بستان جثسيماني، و نهر قدرون يسمع خرير مياهه. و فيما هو مستغرقا في التأمل اقبلت اليه سيدة صغيرة. كانت غارقة في الحزن. كانت الدموع الحارة تنحدر على خديها. توسلت اليه ان يشفق عليها، فقد انطرح زوجها فريسة لحمّى ثقيلة، و الموت يدب نحوه سريعا. لم يستطع الاطباء شيئا. ثم ان فقرهما شديد. يا للحسرة! انه سيموت و هما يحبان بعضهما حبا شديدا!
و نظر اليها الرسول صامتا للحظات. شعرت هي بقوة نظرته فاضطربت، لانه مع شفقته الكاملة كانت في عينه رزانة رهيبة، تأثير مقدس للنفوس المولودة من الله. اخيرا قال لها:
"ايتها المرأة اتحبينه اكيدا؟
فاجابت المرأة نعم يا ابانا احبه من قلبي.
سألها الرسول: اتحبينه مثل نفسك؟
قاطع الشهيق صوتها و هي تجيب: ازيد بكثير.
حسنا يا ابنتي. توجد وسيلة تنجي بها حياة زوجك، ربما تبدو عسيرة و لكنها الطريق الوحيد! اذهبي من منزل لمنزل و اطلبي احسانا على اسمه.
و لكن يا ابانا كيف يمكن ان ينجيه الاحسان؟
ليس احسانا بالنقود ما ارجو ان تطلبيه احسانا بالوقت. كل الايام او اجزاء الايام التي يتبرع بها الصالحون احسانا لزوجك من اعمارهم ستضاف الى حياته"
و فكرت الزوجة في نفسها قائلة: على اي حال يميل الناس للاحسان و اغلب الناس يقدّرون النقود فبينما يتمسكون بالمال كاله فهم يصرفون هباءا اياما عديدة ثمينة دون و حينئذ شكرت الرسول و استجمعت شجاعتها و ذهبت الى حال سبيلها.
و سرعان ما رؤيت تتنقل في اورشليم تقص حكايتها من باب لباب بتوسل وديع و تحكي عن زوجها المريض و عن خادم الله الذي اشار عليها بجمع احسان الوقت من المتصدقين و كانت تصرخ "ارحموني و لا تجعلوني اسأل عبثا. اعطوني كل واحد منكم يوما و سيبارككم الله".
لكن ذهب تعبها دون جدوى. سخر البعض منها. و ارتاب البعض في سلامة عقلها، و دفعها البعض بغلظة لمجرد اقتراح شيئا من هذا، و رأى البعض انها تهذر لكنهم فضلوا الا يشاركوها المزاح. قليلون اقروا بصلاحية هذا العلاج لكنهم مع ذلك غير مستعدين ان يساهموا في حصولها عليه. قالوا ان حياتهم عزيزة لديهم و ان متاعبهم كثيرة في الحصول على رزق عائلاتهم فلا حق لهم ان يمنحوا جزءا من وقتهم الثمين. و من الغريب ان اولئك الذين يسرفون في تضييع الوقت هباءا كانوا الاشد تمسكا في الرفض و عدم منحها ولو ساعة واحدة. اخيرا انكسر قلب الزوجة الشابة و ما صادفها من الشتائم القاسية..
وصلت المرأة الى باب رجل غني صراف، و بعد ان عرف مسألتها تريث قليلا ليجد حلا. ربما كان رجلها غنيا و لا شك انه سيدفع كثيرا. سألها: كم سيدفع زوجك ليوم؟ و لشهر؟ و لسنة؟ لكن يا للحسرة، يجب ان تطلق المرأة آمالها، لان زوجها فقير جدا.
سارت في طريقها... فقابلت قائد مائة روماني. لم تتوقع انه الوثني سيعطف عليها هي اليهودية، و لكن تظهر على وجهه علامات الطيبة، فلتجرب.
و يظهر ان قائد المائة فهمها ازيد مما كانت تظن. قال بتردد و هو يعبث بشعر لحيته "اريد ان اساعدك يا ابنتي و لكن ها انت ترين انني لا اعرف ان كانت حياتي ملكا لي. ربما اموت غدا. أليس من الشر ان امنح ما ليس لي! ثم لا ادري ان كنت بذلك اسرق قيصر، لان حياتي مبيعة له. لذلك انا متأسف. متأسف جدا. هل تسمحين ان اعطيك بعض النقود؟"
فقالت بحزن "ولكني لست طالبة مالا!" ثم ذهبت في طريقها.
بعد ذلك صادفت تاجرا غنيا- صاحب دكان نجارة فيه مئات من الايدي العاملة. و كان الرجل واحدا من العشرة برص الذين طهّرهم السيد و لم يعودوا ليعطوا مجدا لله ماعدا واحد. لم يكن هو ذلك الواحد. و بالصدفة خاطبته المرأة البائسة بنفس الكلمات التي خاطبوا بها ابن الله "يا سيد ارحمني" و لكن الرجل لا يعرف الرحمة. التفت الى الشواغل العديدة في مصنعه و قال للمرأة "انظري كل هذا العمل، انني بالكاد اكفي ما هو مطلوب مني و ها انت ترغبين ان امنحك قليلا من الوقت الذي انا في شدة الاحتياج اليه. كلا. اطلبي هذا في مكان اخر"
و لكنها تضرعت اليه قائلة "يا سيد لاجل خاطر الربوني بن مريم اشفق عليّ و اشفق على زوجي!"
و لم يكن الرجل ينتظر ان تذكّره بماضيه على هذا النحو و لكنه وجد جوابا في الحال "يظهر انك تعرفين تاريخ حياتي، فان طلبك مجحف، بل مضاعف الاجحاف. الا ترين ان حياتي قصيرة عن غيري، لانها تحسب من اليوم الذي شفيت فيه من البرص؟ فليس من المعقول ان اقتطع من حياة هي قصيرة من الاصل. اذهبي يا امرأة ان وقتي لا يتسع ولا للكلام".
بعد ذلك ... دخلت الى قصر شديد الروعة، في حديقة القصر شجيرات ناضرة تغني حولها الطيور، و ورود عطرة تملأ الجو باجمل الشذى. ستائر الايوان من الارجوان المطرز بخيوط الذهب. اما ابوابه فيفتحها و يغلقها عبيد في ملابس فخمة و اخيرا وصلت الى صاحب هذا القصر و طلبت اليه لاجل زوجها لكنه اجابها بصوت متقطع "يا امرأة انني حقا لا تهمني الحياة الا قليلا. و اعتبرها على احسن وجه "رواية مضحكة" و لكن لماذا امنحك اياه. انني لا اجد لذلك سببا؟! حب الانسانية؟ ليس في العالم سوى "خذ و اعط" فما هو الذي ستعطينه. اغربي عني و دعيني وحدي"
و خرجت المرأة من منزل الثري السوري و هي تبكي بكاءا مرا.
غير انها كانت في رسالة مقدسة فلن تيأس، لا، ليس الان.
   هناك حاكم يعيش لشهواته و هو يدعو الاخرين لمشاركته، والعيش حسب فكره هو التنعم، و بغير الملذات الدنيا لا تساوي شيئا. في شبابه حفظ الوصايا و كان راغبا في ان يرث الحياة الابدية. كان هو الشاب الذي اجابه المسيح "هذه كلها حفظتها منذ حداثتي" و لكن من اسماه المعلم الصالح اخبره ان كان يريد ان يصير كاملا فليبع كل ماله و يوزعه على الفقراء فيكون له كنزا في السماء "وتعال اتبعني" و لم يكن هذا ما يتوقعه الشاب ذو الاموال الكثيرة.
كانت هذه نقطة التحول في حياته. منذ تلك اللحظة ابطل اعتقاده بأي ميراث بعد القبر، و انضم للصدوقيين الذين يقولون ليس قيامة للاموات و اصبح اشد انصارهم. وقفت المرأة الفتية تسأله و لكنه اجابها باحتقار:
"ايتها الحمقاء و الغبية! ليس لي سوى هذه الحياة فهل تتصورين انني انفق منها على اي عابر سبيل. ألا تعلمين انه لا يمكن تعويض و لا يوم واحد و لا بذهب اوفير. انك اخطأت يا جميلة بالمجئ اليّ. اذهبي الى الفريسيين"
و استمرت يومين كاملين تستجدي من باب لباب حتى انتهت من شوارع اورشليم. و كل ما استفادته كلمات غير شفوقة ان لم يكن اسوأ من ذلك. و في نهايتها استسلمت لليأس ووقعت على الارض قرب دمشق متعبة الى الموت، كسيرة من الحزن ارتمت هناك بشعور من البؤس المميت.
بغتة نضب معين دموعها و جف. و اضاءت ابتسامة كشعاع الشمس المشرقة وجهها الذي انهكه التعب و الالم، و قامت مسرعة الى المكان الذي عرفت انها تلقي الرسول فيه.
سألها بمحبة مترفقة "الى اين وصلت يا ابنتي؟"
"للاسف يا ابانا. وجدت الناس خلوا من الرحمة، و الدنيا شريرة و شهواتها تسيطر على النفوس"
"بالصواب قلت. لان الرحمة هي من الله وحده"
 "نعم يا ابانا. و اليه وحده سأتوجه. لم يعطني احد و لا يوما واحدا، مع ان زوجي يحتاج اياما عديدة ليبلغ الى الصحة الكاملة. بعد ان انهكني التعب شرفت على اليأس، و لكن فجأة تذكرت ان لي حياة، و اذ اعلم انني شابة و تنتظرني حياة طويلة، فيا رجل الله اخبرني الا استطيع ان اعطي من وقتي ما لم يقبل الرجال القساة ان يمنحوه؟ ان زوجي هو شريك حياتي، فهل تسمح ان اعطيه نصف ايام حياتي لنعيش سويا و نموت سويا، و الا فانني مستعدة ان امنحه كل ايام حياتي – بكل سرور ليعيش هو".
كانت تتوسل و الدموع تنهمر على وجهها الذي اضاءه الحب.
و مسح الرسول على رأسها بيد البركة و قال و هو في اشد التأثر "افرحي يا ابنتي فقد وجدت نعمة في عين الله. لقد منح الله زوجك عمرا و ستعيشان سويا"