29 يناير، 2015

خلوة في الدير

انزلته السيارة الاجرة على مفرق الطريق عند لافتة مدون عليها عبارة "دير الانبا انطونيوس". كان على اللافتة سهم يشير للاتجاه ومكتوب اسفله "يقع الدير على بعد 22 كم". كان على بداية الطريق مبنى على اسواره علامات الصليب وكذلك على بابه الحديدي، كان يجلس امام الباب على الرمال رجلا عجوزا انه يعمل حارسا بلا شك للمكان. علم منه ان الرهبان غادروا المبنى بسيارة الدير منذ 10 دقائق فقط. وان هذا المبنى مخصص لتجمع الشباب الذي يأتي لقضاء الخلوة في الدير وان اخر موعد للتجمع هو الساعة الرابعة عصرا بعده تغادر سيارة الدير ولا تعود الا في اليوم التالي ظهرا.
كان الجو ربيعي في شهر ابريل لذا تبقى امامه ثلاث ساعات حتى حلول الظلال. هل يستطيع ان يصل الدير قبل الظلام؟ شعر بالنشاط في جسده، لذا استحث خطاه بمقدار ما اعتادت عليه قدماه اللتان لم تتعودا المشي هذه المسافات الطويلة. كان ينظر للخلف يرقب لعل سيارة من السيارات النقل التي يراها كثيرا تذهب للاديرة اما فارغة  لنحميلها بمنتجات الاديرة او مملوءة بمواد البناء وخلافه لزوم حاجة التعمير في كثير من الاديرة. ولكن ليس اثر لاي منها.
مضى يعب نسمات هواء الصحراء عبا ويملأ رئتيه بهذا الهواء النقي الذي يختلف تماما عن هواء المدينة الملوث الفاسد. اخيرا بعد ان قطع نصف المسافة، وجد سيارة نقل ثقيل في طريقها للدير، توقف السائق حينما رآه، رغم انه خطر له ان في هذه الايام –ايام ما بعد ثورة 25 يناير- يخاف السائقين من التوقف في هذه الاماكن النائية. وبالفعل كما علم لاحقا من احد رهبان الدير ان احد سائقي الشاحنات قتل، اذ انه رفض التوقف امام مجموعة ارهابية اعترضته رغبة في سرقة الشاحنة. فما كان منهم الا ان اطلقوا عليه وابلا من الاعيرة النارية، اصابته وارتطمت السيارة اخيرا باحد الاستراحات، على جانبي الطريق، ثم انقلبت، واصبحت كابينة القيادة، كما رآها بالدير فيما بعد، كتلة من الحديد منبعجة وبلا ملامح.
سمح له سائق السيارة ان يركب ليس في الكابينة انما خلفها، حيث وجد موطئا لقدميه، اذا فقد صدق هذا الهاجس عنده. كان الهواء يضرب بقوة وجهه وهو واقف قابضا باحكام على نتوء حديدي. وبعد حوالي 10 دقائق لمح الدير وفكر في نفسه:
-          يا الله! كم انت حنون. هل كنت استطيع قطع كل هذه المسافة؟ لا اعتقد.  
بعد ان استراح قليلا خرج من بيت الخلوة للعمل في مكتبة الدير. كانت بضع حمامات تقف وعندما اقترب من احداها نفرت الحمامة فلامس احد جناحيها احدى وجنتيه اثناء طيرانها، فابتسم لذلك، ثم زفرة زفرة عميقة، فقد تذكر انه لم يأت الى هنا الا ليبكي على خطاياه. ولا تزال ترن في اذنه العبارة التي قرأها، على احدى اللوحات اثناء صعوده لمغارة الانبا انطونيوس، صاحب هذا الدير وشفيعه، كانت العبارة تقول: اوقد سراجك بدموع عينيك.
في اليوم الثاني:
صعد الى مغارة الانبا انطونيوس. تقع المغارة في قمة مرتفعة من قمم جبال البحر الاحمر. و كان الطريق اليها قد تم تمهيده عبر عشرات السنين عن طريق عمل درجات بعضها من الحجر والاخر من الحديد بالاضافة الى درابزين حديدي بسيط لكنه متين يحمي الانسان من السقوط. تعلو المغارة حوالي 1200 درجة سلم. عرف مختار ذلك من كتابة مصنوعة باللحام الكهربي على احد الدرجات الحديدية، كانت الكتابة تقول: "هذه الدرجة رقم 1000"، التقط صورة لهذه الكتابة بكاميرا الموبايل للذكرى، وهو يقول في نفسه: لا اعتقد ان هذا الرقم مبالغ فيه، فنحن نستغرق ما لا يقل عن ساعة في الصعود، لا يتخللها الا دقائق معدودة لالتقاط الانفاس.
كان الطريق للمغارة يحفه على الجانبين لافتات معدنية زرقاء اللون مكتوب عليها بخط ابيض واضح ايات من الكتاب المقدس ولافتات اخرى تحمل بعض من اقوال الاباء. ما ان تفكر في معنى الاية او القول الابائي في لافتة حتى تجذب ناظريك اللافتة الاخرى في الجهة المقابلة، وهكذا طوال الطريق، يبقى الفكر منشغلا بتأملات ععميقة. من اللافتات التي جذبت انتباهه لافتات كان مدون عليها ايات تتحدث عن الجبل مثل:
الجبال تشدو امام الرب بالترنم.
اما يسوع فمضى الى الجبل ليصلي.
ولافتات اخرى بها اقوال للقديس انطونيوس:
أتعِب نفسك في قراءةِ كتبِ اللهِ فهي تُخَلِّصُك من النجاسةِ.
كلُّ عملٍ تعمله فليكنُ لك عليه شاهدٌ من الكتبِ المقدسة.
الزم الحزنَ على خطاياك كمثلِ من عنده ميتٌ.
أَوقِد سراجَك بدموعِ عينيك.
لا تتحدث بأفكارِك لجميعِ الناسِ إلا الذين لهم قوةٌ على خلاصِ نفسِك.
وكان هناك لافتات لقديسين اخرين كثر.. كم انعشت هذه الكلمات نفسي! ان القديسين اتوا عبر الزمن بنفحات كانت تجدد الهواء المكتوم. انها اقوالهم التي هي بمثابة نفحات محيية تنسمتها منذ طفولتي. 
+++
كان مختار يجلس على احد المصاطب الحجرية امام بيت الخلوة حينما جاء الاب المسئول عن بيت الخلوة الساعة التاسعة مساءا. حينما رآه حيّاه ودلف معه الى الداخل. كان هناك اربعة من الشباب المقيمين ببيت الخلوة، يجلسون في الردهة، بادرهم الاب بالسؤال:
-          من منكم يريد ان يخدم القداس في المغارة كشماس؟
بسرعة اجاب مختار: "انا". وكذلك اجاب احد الشباب الاخرين.
-          عليكما اذا ان تكونا الساعة الرابعة صباحا هناك.
ثم انصرف سريعا كما جاء سريعا.
فكر في نفسه:
-          عليّ ان ابدأ الصعود الساعة الثانية بعد منتصف الليل، الساعة الثانية والنصف اصل الى كنيسة "القديس بولس البسيط" في منتصف الطريق، تستغرق التسبحة التي تسبق القداس ساعتين اذا تخللها بعض المقاطع التي تقال باللحن، او ساعة بدونها. هذا مناسب تماما.
-          لم يقل ذلك لزميله جهرا فقد اعتقد ان هذا الموعد امرا بديهيا. فهو يقضي خلوات بالاديرة منذ تخرجه من الجامعة، يفعل ذلك في السنة اربع او خمس مرات. حضر في جميعها تسبحة منتصف فيما عدا مرة او اثنتين فقط، سيطر عليه فيها "شيطان النوم" كما يطلق عليه الاباء، كان رفقاءه في الخلوة يوقظونه مرات لحضور التسبحة، ومرات اخرى كان يوقظهم.
كانت الساعة العاشرة، حينما وجد احد الاباء الرهبان جالسا مع احد الشباب، حياهما وجلس الى جوارهما، ربما اراد ان يسمع كلمات منفعة، لم يطل الحديث اكثر من دقيقتان. كان كلاما عاديا جدا- فقط تبين انه عن الاب لعازر. انه يعرف عن هذا الاب من طريق الانترنت، فقد شاهد فيديو باليوتيوب نشره صحفي عنه، ذكر عنه انه استرالي وانه تحول من كونه استاذا ملحدا يحاضر باحد الجامعات في بلده، الى اب راهب بدير قبطي، يعيش في قمة الجبل، في مكان لا يعلمه احد بالضبط، كل ما يعرف عنه انه مغارة تقع في حضن الجبل وتعلو مغارة الانبا انطونيوس قليلا. ذكر ذاك الاب ان الاب لعازر ذاك سيقوم بخدمة صلاة القداس في المغارة. كان مختار يتوق ان يرى هذا الانسان، ولم يكن لديه رغبة في النوم، لذا فقد ظل مستيقظا، لا يذكر بالضبط فيما قضى هذه الساعات، ربما في الصلاة او القراءة قليلا، على الارجح انه قضاها بدون عمل شئ، ربما اكتفى بالاستمتاع بهدوء الليل في هذا المكان البديع القابع وسط الصحراء.
اعتقد مختار انه سيلتقي بالشاب الاخر الساعة الثانية، لذا فقد ظل منتظرا حتى الساعة الثانية، لم يعثر عليه، فكر في نفسه: لا اعرف غرفته، هل اقرع على باب هذه الغرف الثمانية في بيت الخلوة واوقظ من بها؟ وحتى ان فعلت! لن استطيع تمييز ملامحه، فانا لا اذكر ملامحه بالضبط.. ثم عاد وفكر: ربما يكون قد سبقني الى هناك! انني اشعر بحيوية وخفة حركة، هيا اذا الي المغارة.
وصل الى كنيسة القديس بولس البسيط، لم يجد احدا. وقف على باب الكنيسة المغلق وتلى الصلاة الربانية. ظل منتظرا عشر دقائق. اخيرا قرر ان يصلي التسبحة. فهو يحفظ اجزاء كثيرة منها غيبا، كان يصليها مرتين في الاسبوع لسنوات عديدة: الخميس والسبت، وفي الفترة السابقة اقترح عليه اب اعترافه ان يصليها كل يوم، لذا فقد كان يفعل ذلك في البيت احيانا واحيانا اخرى في الكنيسة حيث يجد شابا او اثنين يشاركانه.   
+++       
يحب الشباب القصص، وخصوصا عن الاباء الرهبان، انها تحمل تراثا عظيما للاباء، كما تفوح بعبق القداسة والنسك الشديد في قلب الصحراء، حيث هناك شح في الطعام والشراب ولكن ليس شحا في المحبة على الاطلاق، و لا تخلو هذه القصص من الاحداث المثيرة والتعاليم النافعة ذات البعد الغيبي الفائق للطبيعة.
في المساء التقى مختار هو واثنان اخران من الشباب باحد الاباء في الدير. حكى لهم الاب قصة مشوقة على لسان احد الرهبان القدامى. ولابد ان نذكر، ان بعض هذه القصص مدون في كتب والبعض الاخر يتناقل شفاهيا وقد تدون في نبذات او كتيبات او قد يطويها الزمن فتنسى، من يعلم؟
بدأ كلامه قائلا:
انتم تعرفون، انه كان من عادة الرهبان ان يتركوا الاديرة ويجولوا في الصحراء خلال صوم الاربعين يوما المقدسة تمثلا بالفترة التي قضاها السيد المسيح صائما بالبرية، حسبما ذكر انجيلي متى ولوقا الاصحاح الرابع في كل منهما. هناك قصة وردت في كتاب "الاباء السواح" سأحكيها لكم. تقول القصة: ان الاب اسطفانوس حين كان يطوف البرية وهو ينظر الى الاودية ويتأمل في الصحراء وجد جمجمة فقال في فكره: ليتني اعلم لمن هذه! ليت لها لسان فأسألها لمن هي! هل هي لاحد القديسين او لاحد المسافرين؟ ليتني اعلم ما نال صاحبها هل هو العذاب ام النعيم؟ فتوجه الى الشرق وصلى لله وسأله ان يطلعه على امرها.
وحين انهي صلاته واذا بصوت يقول:
ايها الاب اسطفانوس اسمع مني واحفظ ذلك وقصه على الاخرين، حتى لا يأتون حيث انا مقيم في عذاب عظيم.
اما قصتي فهي اني كنت تاجرا طماعا اكسب المال بالربا واحسد كل احد ولا اتصدق ولا اصلي وكان لي اولادا صالحين يحبون الغرباء ويصنعون صدقات كثيرة واعمال الرحمة وكانوا يشيرون على فلم اسمع لهم.
وفي يوم سافرت الى بلد بعيد للتجارة واخذت جمالا وغلمانا وتجهزت للسفر واستاجرت دليلا للطريق، وكان معى اموالا كثيرة وتجارة كثيرة فاقمت ثلاث ايام اطوف في الصحراء ولا نعرف الطريق فالويل لمن لا يكون الله دليله. واشتد علينا الحر فماتت الجمال وهرب الغلمان وتركوني وحدي، وحب متاع الدنيا منعني من التظلل تحت الكهوف فاقمت ثلاث ايام اخرى اكل مما فضل من الطعام حتى لم يبق شئ، الى ان ادركت قرب الموت وتفكرت كيف ان الدنيا زائلة عني في مدة يسيرة وليس لي عملا يخلصني، ثم لم يكن لي قدرة على القيام من مكاني، وفي اليوم الثاني ثقلت عيناي فلم انظر ، وبينما انا في اليوم الثالث انفتحت عيناي ورايت ملاكا مهولا وبيده سيف ن نار وفمه يتقد نارا فامر روحي بالخروج وتسلمها وسلمها للمعذبين فخطفوا روحي بسلاسل معهم واتوا بي الى مكان العذاب وطرحوني..
ورأيت في الهاوية معي شيخا كنت اعرفه في العالم وكان فعله رديئا مثلي فقلت له كيف اتيت الى هنا فقال لي ان اعمالي الرديئة  هي لتي اوصلتني الى هذا المكان .. واذا صوت رعد عظيم لا يطيق اهل العالم سماعه واذا هو الملاك الموكل بالعذاب فطرحني الى اسفل الجحيم وحتى هذه الساعة.
ويل لي من تلك الساعة فلم ينفعني المال و لا الاولاد.. اياك يا ابي اسطفانوس ان تكسل عن فعل الخير والصلاة واعلم ان الايمان بالرب يسوع المتجسد من العذراء مريم والصبغة بالمعمودية وتناول القربان المقدس هو الذي يخلص. وقد كنت اعرف هذا جميعه لكتي لم اعمل به، ثم قال ان الموكل بي هو الذي امرني بالكلام لك ثم صمت عن الكلام. فحفر الاب حفرة ودفنها، ومضى الى اخوته الرهبان، واخبرهم بهذا.
حينما عاد الى غرفته فكر في نفسه: ان الصحراء تجعل المرء يعود الى ذاته. طوبى لك ايتها البرية! يا من تمجد فيك الخالق من الوف الشفاه! يا من استحققت ان تدعي اسقيط الرهبان!
ولكنه عاد وتذكر احواله في العالم: اهتماماته العملية، التزاماته العائلية. شعر بغصّة في قلبه في هذه اللحظات. فقد ناهز الثلاثين من العمر. احس ان الحياة تعدو منه سريعا. شعر بحدة ذلك التلاشي الحتمي للزمن الذي يهرب من قبضة اي انسان. الشعور بعدم بقاء شئ من مياه النهر المتدفقة الا قليلا من الماء المر في كف اليد. انه شئ فظيع ان يشعر المرء بأن كل شئ يقبض عليه يتسرب منه.