7 يناير، 2015

هدية يعقوب


وقف الفتي مبهورا يتأمل لبعض الوقت في كرسي خشبي، ثم سأل معلمه:
-         لماذا تصنع هذا الكرسي يا معلم؟
-         لكي اقدمه هدية لشخص ما. وضع المعلم سمعان يده برفق على رأس واخذ يمسح على شعره برفق ثم سأله:
-         اخبرني يا يعقوب، أليس تقديمك هدية لابني امر يبهجني وكأنك قدمتها لي؟
-         بالتأكيد يا معلم.
-         كذلك حينما نهدي شخصا شيئا فأن ذلك يفرح هذا قلب الله وكأننا نقدم هذا الشئ له. فنحن البشر جميعنا ابناء الله.
+++
في ركن هادئ بالنزل وقفت فتاة في السابعة من عمرها ترقب اخاها ينظر في استمتاع شديد ويخطو للوراء بعد كل بضعة طرقات بالمطرقة وينظر باعجاب لما يصنعه. اخيرا صاحت بأخيها:
- لم لا تأتي للعب معي؟
- اني مشغول.
- ما الذي تصنعه؟
- اني اعمل شيئا لم يفكر فيه احدا من قبل.
وتابع الصبي عمله بدأب.
في المساء وعلى المائدة صلى شمعون وردد اولاده الصلاة وراءه:
مبارك انت ايها الرب الهنا سيد الكون الذي يعطينا الخبز من هذه الارض.
عقّب باقي افراد العائلة بالقول: امين.
***
كان يعقوب قد لاحظ وهو في طريقه للبيت بأن الشوارع والازقة تموج بجموع الناس. حين دلف الى داخل البيت  حيا والده:
-         مرحبا ابي.
 -       مرحبا يعقوب! لقد فعلت حسنا يا يعقوب بالمجئ مبكرا.
- لكن ما هذه الضجة وما هذا الجمع بالخارج يا ابي فعادة ما تكون بلدتنا اكثر هدوءا؟
- يجري الان احصاءا رسميا في البلد يا يعقوب. لقد اصدر الامبراطور الروماني قانونا ينص على عودة جميع الناس الى قراهم ليحصوا ويدفعوا ضرائب خاصة"، ثم تنهد قائلا: "الرومان! يا لهم من اناس قساة! انهم دائما يسرقون المال منا! من حظنا اننا ولدنا في بيت لحم وهكذا لن نرحل عن هنا خاصة هذا الموسم. اني سأحتاج الى مساعدتكم خلال الايام المقبلة".
صاح يعقوب بصوت عال مملوء بالحماس والاستنكار: وماذا عن مشروعي؟.. والمعلم سمعان؟.. ماذا لو صحوت باكرا يا ابي وقمت بجميع اعمالي؟ هل عندها يمكنني الذهاب الى الصف لاعمل على مشروعي؟
-         هناك الكثير للقيام به. اسف يا بني.
+++
في صباح اليوم التالي جاء لوقا يقول: يعقوب! هل تريد اللعب معي؟
-         لا، فلقد قال ابي، انه عليّ البقاء هنا فهو مشغول.
-         يعقوب، هذا امر مهم لا تضيع فرصتك الوحيدة لتعمل في المجمع.
-         اعلم لكن لا خيار لديّ. اظن انني ساصبح صاحب نزل مثل ابي.
-         ماذا لو ساعدتك لتنهي اعمالك؟
-         شكرا يا لوقا، ولكني اريدك ان تنهي مشروعك. ان لم استطع انهاء العمل في المشروع فربما صديقي المقرب يستطيع ذلك.
-         حسنا، سأنصرف الان واراك غدا في الصف.
انصرف لوقا ولكنه اصطدم في الطريق باثنين من زملائه في الصف يسيران. حينما رأياه صاحا به بسخرية:
-         مرحبا لوقا.
-         ابتعدا عني.
-         اين صديقك يا احمق؟
صمت وراح يسرع الخطى. لكنهما راحا يقذفانه بالحجارة وهما يقولان:
-         "انه خائف منا..انه فقط طفل صغير"
-         - توقفا! اذهبا وضايقا شخصا بحجمكما.
بعد حوالي الساعة من انصراف لوقا، جاء يعقوب الى ابيه قائلا:
-         اذا ماذا تريدني ان افعل الان يا ابي؟
-  اذهب واعمل على مشروعك.
-         حقا؟!
انطلق يعقوب وهو يكاد يطير من الفرح. واخذ يعمل بجد مشروعه حتى اوشك على الانتهاء. دخل شمعون بعد عدة ساعات، التفت يعقوب وقد تنبه وقال وهو في قمة الحماسة:
-         ابي. انظر الى ما صنعته؟
قال شمعون وهو يربت على كتف ابنه مبديا اعجابه:
-         يعقوب انت ابن رائع حقا! انت تصنع سرير رائع. سرير صغير لطفل جميل.
علت  الفرحة وجه يعقوب.
+++
في اليوم التالي امتلأت قرية بيت لحم بنساء ورجال واطفالهم. بعضهم يقيم عند اقاربه، وبعضهم يستأجرون غرفا خصوصية. وقف يوسف وامراته مريم ضمن جمع من الناس امام باب احد الانزال في بيت لحم:
صاح صاحب النزل: مرحبا كيف اساعدك.
-         اريد غرفة لو سمحت.
-         لا توجد غرف شاغرة. انا اسف. فعلا انا اسف!
-         سيدي، لقد سافرنا مسافات كبيرة وزوجتي حبلى.
-         اسف لا توجد غرف. لدينا اناس تنام على الارض.
-         هل من انزال اخرى بالجوار؟
-         كلها محجوزة للاحصاء كما تعرف.
-         نعم! يا له من احصاء جلب لنا المشقات.
- انا اسف، لا يوجد غرف شاغرة.
- شكرا على كل حال.
- مهلا. استطيع مساعدتكما تعالا معي.
وقادهما الى حظيرة حيوانات. فرش الارضية بعض القش حيث ولد الطفل الابهي في العالم.
حينما دلف يعقوب الى داخل المنزل صاح بانفعال شديد:
-         ابي! هناك اناس نائمون في اسطبلنا.
-         اعلم يا بني.
-         كيف تركتهم هكذا؟ كيف تركتهم ينامون في هذا المكان المقرف؟
-         يعقوب! انظر الى الجموع حولك! هل انشغلت في مشروعك لدرجة انك نسيت ان الانزال امتلات وكذلك الانزال التي حولنا امتلات جميعها. لكنك هل تعتقد ان طفلهما ولد الليلة؟
-         هذا ما احاول ان اقوله لكما . الطفل ينام على قش. فقط القش.
-         ماذا بوسعي يا يعقوب؟ الاسطبل هو فقط ما استطعت تقديمه.
تعال اذا لترى. حينما وصلا الى الاسطبل، كان هناك نور يسطع، نور اخاذ يسبي القلوب قبل العيون.
***
في الصف صاح المعلم بتلاميذه: اسرعوا يا فتيان قد يصل قريبي في اية لحظة. ضعوا اعمالكم هنا على الطاولة لكي يقوم بفحصها عندما يأتي. راح المعلم يذرع الغرفة وقد تألقت عيناه وبدت علامات الاعجاب والبهجة على وجهه. ثم  امسك بنموذج احد الفتية وقال بلطف: ان هذا الصندوق جميل.
-         شكرا معلم.
وامسك بنموذج اخر وقال: هذا الكرسي جميل.
-         شكرا معلم.
-         لا اري اي عمل ليعقوب.
رد لوقا في الحال: كان يصنع مزودا للعلف.
-         اين هو اذا؟
-         يعقوب؟ لعله يئس من الامر.
وصل يوسف للتو: سمعان كم تريحني رؤيتك بعد هذه الرحلة المتعبة!
تعانق الرجلان ثم التفت سمعان الى تلاميذه وقال: ايها الفتيان اقدم لكم افضل نجار في جميع البلاد.
-         مرقس ويافث ولوقا. رحبوا بصديقي الذي حدثتكم عنه، ثم التفت الى يوسف وقال: انهم متشوقون لرؤيتك.
قال يوسف وقد بهره جمال النماذج الخشبية: انك تدرب افضل النجارين. وامسك باحدا النماذج وقال:
-         هذا كرسي رائع. عمل جيد.
وصل يعقوب للتو. حينما دخل الفصل كان يتصبب عرقا ثم اعتذر قائلا:
-         اسف يا معلم لقد تأخرت. لم استطع ان انهي مشروعي.
-         لا تأسف. اقدم لك صديقي يوسف. انه نجار من الناصرة.
-         في الواقع يعقوب اعطى طفلنا الجديد اول هدية له. انه اجمل عمل رأيته في حياتي.
-         طفلك الجديد؟
-         هذا هو الخبر الجميل الذي اردت ان اخبرك به.
-         اين هو؟
-         ستراه. هيا بنا.
-         حينما وصلا الى الحظيرة، هتف يوسف بصديقه سمعان:
-         اجل. اقدم لك مريم، وهذا هو ابننا.
-         انه اجمل طفل رأيته في حياتي.. تهنئتي لك يا يوسف.
-         اسمه يسوع. ولديه سرير يليق بملك.
-         السرير جميل يا يعقوب. اخبرني يا يعقوب! لما قدمت نموذجك الجديد لابننا مع انك لا تعرفنا.
-         بسبب ليلة البارحة. تذكرت ما قاله المعلم: "عندما تعطي هدية لاحد اولاد الله فانك تعطي هدية لله".