18 يناير، 2015

عند الغروب


زحف الظلام حثيثاً نحو الارض ، ولكنه أخفق في أن يكسو الدير كله بلباسه الوقور، فقد انبثقت بعض أنوار خافتة عبر أسافل بعض الأبواب وشبابيك القلالي.. وبين الفينة والفينة، كانت تسمع بعض أصوات تشبه الأنين.. فمن كلمات ضُمّخت بالدموع إلى تسبيح هادئ رزين.. إلى تلاوة لسفر من الأسفار .. وهذه هي العادة في كل ليلة.. لا يفرغ الدير من التسبيح والصلاة.. وأما الساعة فقد حققت الدورة الأولى بعد منتصف الليل.
ولكن البواب- أعني الراهب المكلف بالإهتمام بالباب- كان النعاس قد داعب اجفانه فأسلم نفسه للنوم ، ولا نظلمه، فقد حرم من النوم خلال اليومين السابقين لتلك الليلة المباركة ، فرقد منهك القوى ..
واما ناقوس الباب فقد صدر إليه أمراً .. فأخذ يدق ثلاث دقات .. ثم بعد فترة صمت عاد ليدق مرة أخرى ثلاث دقات ، وإنتبه الأب شيرامون ، وجعل يفرك عينيه ، ولكنه سرعان ماغاب عن الوعي ، وعاد الناقوس.. وصوت أعقبه يناديه بإسمه (يا أبونا شيرامون .. يا أبونا شيرامون).
وتقلّب البواب في رقدته، وتعجب! فالصوت فيه عجلة ، والناقوس مصّر على تأدية واجبه، ونهض شيرامون في غير تكاسل وقفز من فراشه وهو يرشم ذاته بعلامة الصليب، ويردد ( خير .. كل الأشياء للخير .. ياربي يسوع إعطني حكمة ..) .
ولما كان قد وصل إلى الباب أسفل قلايته سأل عن الطارق؟
فاجاب (أنا أورانيوس).
وهنا زال تعجب الأب شيرامون وذابت دهشته وسرت الطمأنينة في قلبه .. وامتدت يده لتسحب المزلاج.
وأورانيوس هذا، راهب بلغ السادسة والأربعون من عمره .. يحيا حياة الوحدة في مغارة على مقربة من الدير، وقد إعتاد المجئ إلى الدير بين وقت وآخر وفي جعبته خبر غريب أو سر خطير أو تحذير هام وكان الآباء ينظرون إليه نظرة حب ممزوج برهبة ، كما اعتادوا منه المفاجآت التي يطرحها امامهم كلما حضر إلى المجمع. قال الأب شيرامون وهو يصافح أورانيوس ويقبّله .. ويدعوه للدخول: (خير يا ابونا أورانيوس).
ـ لا، لن أدخل فإني في عجلة ، وسأعود حالاً إلى مغارتي ، فقط أرجو أن تبلغ الأب بيشوي أنه سوف يتنيح بعد غروب اليوم ، واسأله أن يصلي عني حينما يبلغ المجد العتيد أن يكون، ثم استأذن ومثل جندي ابلغ رسالة خاصة وقت الحرب، عاد أدراجه إلى محرابه ..
وتقلص حاجبا شيرامون ، وقذفت عيناه دموعاً ، وتناول مزلاج الباب ليعيده إلى موضعه ، ثم راح يبكي وهو لا يدري هل هو لفراق أخيه المزمع أن يكون هذا اليوم أم لأنه لم يستحق بعد أن يمضي إلى أخوته الذين سبقوه!.. ام ماذا ؟! ( لا شئ .. لا شئ)، هكذا تمتم وجفف دموعه وتحسس القلنصوة على رأسه ، ثم تذكر انه حافي القدمين ، ولكنه لم يأبه لذلك ..
واتجه لفوره نحو قلاية الاب بيشوي ، واطمأن عندما رأى الضوء الخافت ينبعث في خطوط متعامدة حول الباب والشباك ، فوقف برهة يستجمع شيئاً من الشجاعة قبلما يصدر أمراً إلى أصابعه لتطرق الباب في رقه ثلاث دقات يعقبها القول (أري أغابي) أي إصنع محبة.
وانقطع الصوت الذي في الداخل .. وخبا نور السراج ، وتعوّق الأب بيشوي قليلاً قبل أن يفتح الباب في هدوء، متظاهراً بالنوم ..
سلم أحدهما على الآخر وقبّلا بعضهما البعض، ثم مال شيرامون على بيشوي قائلاً في همس: أبشر وافرح! اليوم تمضي إلى العرس، وتلتحف بالمجد، ثم أردف قائلاً: أنبأني بذلك الطوباوي أورانيوس منذ دقائق ، جاء خصيصاً من مغارته ، ليخبرك انك ستنتقل اليوم بعد الغروب .. ولم ينتظر جواباً بل قال : أتركك الأن ، وسوف نتجمع عندك بعد القداس الإلهي .. لنصلي معك كيما يكمل فرحك .
+    +    +
بيشوي .. بيشوي .. حان الوقت لتنصرف .. ابتهجي يانفسي وتهلل يا قلبي "هكذا بدا مسروراً " .
وأول ما فكر أن يعمله ، هو أن يقف ليكمل صلاته فقال : أشكرك يا إلهي بكل مافيّ وتشكرك عني حواسي .. من أجل دعوتك لي في هذا الصباح المبارك ، لكي أرتفع إلى جوارك .. مبارك هذا اليوم ، مبارك مجيئك إليّ ومبارك ذهابي إليك، بعد ان كنت أبحث عنك في وسائط مختلفة وأتردد على اماكن متعددة ليقوى احساسي بك فيها، اليوم أنطلق لأكون فيك ولا شئ آخر يجذبني عنك ، وأما جسدي هذا (وتحرك قليلا في مكانه كأنه يشير إليه) الذي ائتمنته على روحي التي هي نسمتك فأرجو أن يكون أمامك سليماً طاهراً خلواً من النجاسة ودنس العالم .
       اليوم أسلمك وديعته، ومنذ اليوم لا مرض ولا حزن قلب لا شهوات ولا شيطان.. ولا غضب يتحرك داخلى .. الآن أشعر أن سنى حياتى مرت كلحظات قصيرة .. شكراً يا روح الله القدوس .. هلّل يا كل ما فى باطنى بالرب .. وبالنصرة التى يلبسك إياها الرب مخلص نفسى.
      آه .. كم أشتقت إليك يا أبى أنطونيوس ويا أبى موسى .. ويا سحابة الشهود جميعاً.
      ثم قرر أن يخلى القلاية من محتوياتها، ثم عاد وانتبه إلى أنها خالية إلا من الحصير الذى ينام عليه والبطانية التى يتغطى بها وسبعة كتب مقدسة وضعت بعناية فى طاقة بالحائط البحرى لقلايته، وأما الطبق الذى يأكل فيه فقد كان يضعه خارج القلاية .. يدخله كلما أراد أن يأكل .. هكذا تعود منذ جاء الدير ..
    ثم راح يمشى هنا وهناك فى قلايته الضيقة يكاد يرقص طرباً .. وجاءه فكر أن يخرج من القلاية ويتبارك من الآباء، ولكن الوقت كان غير مناسب، إذ لم يكن ناقوس نصف الليل قد دق بعد. ومع ذلك خرج .. ولكن إلى الطافوس، فلما وصل إليه راح يقبل الحائط، وطفرت الدموع من عينيه أنها دموع الفرح فعما قريب يفك أسره بعد أن عاش يرقب هذه الساعة .. متذكرا قول مار اسحق السريانى "التاجر عينه نحو البر والراهب يرمق ساعة الموت"، وتذكر الأب شيشاى - آخر راهب تنيح منذ خمسة شهور – وقال هامساً (أنا جاى لك يابونا شيشاى).
    وأدار ظهره للطافوس واتجه نحو الكنيسة، ولم يستطع أن يمسك نفسه من الفرح، فراح يرتل لحن القيامة – اخرستوس آنيستى – بصوت أجش فيه حشرجة ودموع.
 ودق ناقوس تسبحة نصف الليل، وخيّل إليه أنه الناقوس الذى سيقرعه عصر اليوم على باب الفردوس فيفتح له الملاك .. ويأخذه من يده إلى صفوف المنتصرين فى الداخل!
 وتوافد الآباء وحداناً على الكنيسة، حتى اكتظ بهم الخورس الثانى، وراح بيشوى يحملق فى وجوههم واحداً فواحداً، دون أن يجذب أنظارهم إليه، ثم وقف هادئاً يصلى ويسبح معهم .. ولمح الأب شيرامون يقف إلى جواره ..
فما انتهى القداس .. حتى خرج الآباء من الكنيسة وقد انتشر الخبر بينهم أن الأب بيشوى جاءه الوقت لينطلق، فتبعوه إلى قلايته..
هذه هى المرة الأخيرة التى فيها يتحدثون إليه ويستمعون إليه، يملأون أعينهم من منظره الملائكى ويوصونه بوصايا متعددة غريبة.
وبيشوى منطلق الأسارير .. يحس بتعزية قوية تسرى فى كيانه ومع أنه قد عرف عنه أنه قليل الكلام، فقد تكلم كثيراً فى ذلك اليوم. وقد ضمن أحاديثه إليهم طلبة: أن يبتهلوا إلى الرب كيما يقبله إليه متغاضياً عن هفواته وسقطاته.
وسأله أحد الآباء كلمة منفعة، فقال له .. نعم، لن أحجم عن ذلك وأنا ماض إلى مشتهاى .. فقد عشت حياتى كلها وأنا أعرف أن المسيح منتظرنى فى السماء، لكى يفرح معى وأفرح معه، ويعوضنى عن كل ماكابدته فى زمان غربتى، وكنت أقول لنفسى : من العبث والجهل أن أنشغل بأمور أخرى حولى، بينما السيد المسيح يرنو إلىّ من سمائه بشوق وحب، كنت كلما وقفت لأصلى أقول له : نعم يا ربى .. ولى نفس الشوق ونفس اللهفة، ولتكن لا إرادتى بل إرادتك ..
وأما فيما يتعلق بسقطاتى وخطاياى، فقد كان الرجاء المفعم به قلبى يدفعنى إلى اصلاح ما فسد، دون أن يضيع وقتى فى التنهد واليأس.
                                          +           +           +
 وكانت الساعة حينئذ قد قاربت الثالثة بعد الظهر، حين لم يستطع أحد الآباء إمساك دموعه فسالت منهمرة، وتبعه فى ذلك آخرون، وسادت فترة صمت قطعها الأب بوليكاربوس داعياً إلى الصلاة والتسبيح .. فسبحوا بقوة وتهليل كما لم يسبحوا من قبل وارتفعت الطلبات والتنهدات، والكل يأمل فى أن يحظى قريباً باللحاق بالأب بيشوى ...
ولما انتهوا .. أشار الأب افلوجيوس إلى الآباء، فخرجوا وبقى هو وحده معه ليسمع منه آخر اعترافاته ويصلى له صلاة التحليل، ويقبّله مراراً، ثم يتركونه ويخرجون على أن يعودوا إليه بعد قليل ..
وعلى بعد سمعت فى قلاية بيشوى أصوات قبيحة وشتائم وصراخ .. كانت على ما يبدو محاولة من الشيطان لإفساد فرحته  بالانطلاق بعد أن هُزم وأفلت بيشوى من يده.
وبعد أن انتهى الآباء من صلاة الغروب، مضوا جميعاً إلى قلاية المغبوط ليجدوه قد رقد ووجهه نحو الشرق وقد ابتسم ابتسامة حلوة ويديه على صدره بمثال الصليب ..
وشوهدت حمامة بيضاء تحوم فى الدير .. واختفت لتظهر .. بين آن وآخر قرب المكان الذى كان يسكن فيه بيشوى.
كان يوماً مشهوداً .. فرح .. وفرصة للتأمل .. ووقفة مع النفس.
هذه الواقعة جرت فى أوائل هذا القرن مع أحد الآباء الطوباويين الذين عاشوا فى هذا الدير، سردناها بتصرّف فى أسلوب قصصى.

الانبا مكاريوس اسقف المنيا 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق