9 أغسطس، 2013

كيف لي ان اصور جمالك! - يعقوب السروجي


يا ابن البتول ساعدني ان أتكلم عن أمك، وأنا أعترف أن الكلام عنها يعلو كثيراً عن فهمنا … السماء الثانية التي حل في حضنها رب الأعالي وأشرق منها ليطرد الظلمة من أقاصي الأرض، 
المباركة في النساء، بها زالت اللعنة، ومنذ عهدها انتهي القصاص، 
العفيفة والمحتشمة والمليئة بجمال القداسة، حتي أن لساني يعجز عن أن ينطق بكلمة واحدة بخصوصها ! 
ابنة الفقراء أصبحت أماً لرب الملوك وأعطت الغني للعالم المحتاج ليحيا به، 
السفينة الحاملة للكنوز والبركات من بيت الآب التي جاءت وسكبت غناها علي عالمنا المقفر، 
الحقل الجيد الذي بغير بذار أنبت حزمة، وبغير حرث أثمر ثمراً عظيماً، 
حواء الثانية التي ولدت الحياة للمائتين ودفعت الديون ومزقت صق حواء أمها … 
الابنة التي حاكت ثياب المجد واعطتها لأبيها (آدم) ليغطي بها نفسه لأنه كان عرياناً وسط الأشجار، 
العذراء التي بغير زواج بأعجوبة صارت أماً، والأم التي بقيت بغير تغيير في بتوليتها، 
المقصورة الجميلة التي بناها الملك ودخلها وسكن فيها ولم تنفتح الابواب أمامه حين خرج منها (حز 44: 2)، 
الفتاة التي صارت مثل مركبة السمائيين (حز 1) وبقداسة حملت الاله الوحيد القدير حامل الخليقة (كو 1: 17) (عب 1: 3)، العروس التي حبلت مع أنها لم تر العريس نهائياً وولدت طفلاً دون أن تذهب الي مكان مع أبيه !

كيف لي أن أصور صورة هذه الفائقة الجمال بألوان بسيطة ؟ اذ لا يمكن مزج هذه الألوان لتصويرها ! فهي أيضاً غير لائقة بها ! صورة جمالها أكثر مجداً وسمواً عن كل تصوري، فلست أجرؤ أن أدع عقلي يرسم صورة لمحياها، 
من الأسهل أن أرسم صورة للشمس بنورها وحرارتها عن أن أخبر بقصة مريم وروعتها ! 
ربما نستطيع أن نقبض علي أشعة الكون ونصبغها بألوان، ولكن قصتها لم تُحكَ بعد كما ينبغي بواسطة الكارزين، اذا حاول أحد فبأية طريقة يستطيع أن يصفها ؟! …
الحب يحركني أن أتكلم عن البهية ولكن سمو الكلام يصعب عليّ كثيراً ! ماذا أفعل ؟! 
سأصرخ علناً أنني لم أكن أصلح لذلك ولن أكون، ولكني سأعود أحكي بدافع الحب … 
الحب وحده لا يُلام اذا تحدث، لأن طريقه مفرح ويثري سامعيه…
الفقيرة بنت أحد الفقراء وملاك تقابلا، وتكلما في قصة كلها عجب، عذراء نقية وساهر ناري تكلما في روعة، حديث صالح السمائيين مع الأرضيين، احدي النساء وأمير لكل الطغمات صنعا اتفاقاً من أجل مصالحة كل العالم، جلس الاثنان بين العلويين والسفليين، تكلما وصنعا سلاماً لكل الذين كانوا غاضبين، الفتاة والساهر تقابلا وتناقشا في الأمر فبطل الخصام بين الرب وآدم، هذا النزاع العظيم الذي بدأ بين الأشجار (تك 3: 1-7) أصبح موضوع مناقشة ! وأتي الي نهايته وأصبح هناك سلام، مخلوقة أرضية ومخلوق سمائي تكلما بمحبة وتوقف الخصام بين الفريقين وأصبحا في سلام ! … الزمن الشرير الذي قتل آدم قد تغير وأتي زمن جميل حيث يرتفع آدم … 
بدلاَ من الأم التي كتبت ديونها وأذنبت بين الأشجار سددت الابنة كل ديون أبيها آدم، حواء والحية قد استبدلا بالساهر ومريم، القضية التي تشوهت من البدء أخذت مكانها الصحيح ! … 
من الباب الذي دخل منه الموت دخلت أيضاً الحياة، وفكت القيد العظيم الذي قيدنا به الشرير هناك … 
كما أن الأولي (حواء) جاهلة فالأخيرة حكيمة لمن له الفهم، فكل ديون الأولي أوفتها الأخيرة، 
بسبب الأولي حدث السقوط وبالأخيرة قيامة لكل جنسنا، حدثت خطية بسبب حواء، ولكن نشأ بر من داخل مريم .

ظهرت مريم الينا كمثل الرسالة المختومة التي كانت مخفية فيها أسرار الابن وغوامضه، 
لقد أعطت جسدها كورقة نظيفة وقد كتب الكلمة عليها بجوهره، الابن ذاته هو الكلمة وهي الرسالة التي عن طريقها أُرسلت المغفرة الي كل العالم، 
هي الرسالة ليس لأنها قد خُتمت بعد أن نُقش عليها لكن لأن القدوس ختمها ثم كتب عليها، ختمها ثم نقش عليها، 
وهي أيضاً قُرئت بالرغم من أنها لم تفتح، لأن الآب أعلن بها سرائر فائقة، دخل الكلمة وحل في داخلها بالرغم من الأختام، علامات البتولية في جسدها ! والحبل في بطنها ! وهذا هو العجب ! 
معها أرسل الآب أنباء مليئة بالأخبار السارة، ومنها مغفرة لكل المحكوم عليهم برباط الخطية، بها أرسل التحرير لآدم الذي كان في العبودية الذي أصبح وارثاً ! 
منها أتي وسط الأبناء لأنه اصبح ابناً ! بها تصالحت الكائنات السمائية بالسفلية، والجهتان اللتان كانتا في عداوة أصبحتا في سلام عظيم، بسببها رفع جنس المرأة وجهه وزال عار جميع النساء من كل الأمم، 
بسببها انفتح الطريق الي جنة عدن هذا الذي كان مغلقاً وهربت الحية وعبر الانسان الي الله، بسببها ترك الكاروب رمحه حتي لا يحرس مرة أخري شجرة الحياة … 
لقد أعطتنا ثمرة جميلة مملوءة بالحياة حتي نأكل منها ونحيا الي الأبد مع الله….
الطوبي للطوباوية التي هي بالحقيقة مباركة، اذ تطويبها أعظم من أفواه كل العالم ! … 
مطوبة لأن جمال بتوليتها العظيم يستمر، واسمها يضئ بجسارة الي الأبد، مطوبة لأن بسببها جاء الفرح الي جنس آدم وبها قام الساقطون الذين طردوا من بيت الآب … 
مطوبة هذه التي ببطنها الصغير سكن الوحيد العظيم الذي يملأ السماوات بل وتضيق عليه، 
مطوبة هذه التي ولدت العتيق الأيام الذي أوجد آدم والذي به تجددت كل الخليقة التي أصبحت قديمة، 
مطوبة هذه التي أعطت قطرات الحليب من أعضائها للذي بأمره تتحرك أمواج البحر العظيم، 
مطوبة هذه التي حملت وحضنت ولاطفت كطفل: الله العظيم الي الأبد الذي بقوته الخفية يحمل العالم، 
مطوبة هذه التي منها ظهر المخلص للذين في الأسر الذي بغيرته أسر السجان وطمأن الأرض … 
مطوبة هذه التي غذته كرضيع بحليبها الطاهر، الثدي الذي منه أخذ العالم الحياة، 
مطوبة لأن ابنها يعطي الطوبي لجميع الطوباويين، 

مبارك هو ذاك الذي أشرق علينا من طهرها بقداسة.

ــــــــــــــــــــ
من الميمر 196 للقديس يعقوب السروجي، مترجم عن Mary Hansbury: Jacob of Serug