11 نوفمبر، 2014

مذكرات يوسيفوس_3

-7-
القمر هذا المساء في ملئه و السماء و الارض تزدانان به، انه يعلن في بهائه جمال الله. و الليلة ليلة صيف، خرج فيها اهل طبرية جميعهم الى خارج الدور يتنسمون الهواء البارد بعد يوم قائظ. الكل قد افترش دثرا، او حصرا على الارض، و فضلوا تناول عشائهم في الهواء الطلق. و ما ان انتهى العشاء حتى قام الجار الى جاره للتسامر، كذلك فعلت النسوة. و بين البيت و البيت الذي يقابله انطلق الاطفال و الفتية في اللعب في ضوء القمر..
كان كل ما يشغل تفكيري هو يسوع. امسكت بقلمي و جلست اكتب قائلا:
"يسوع اشبع عقول الناس بحكايات قصيرة رائعة من الحياة اليومية البسيطة. فهو يتكلم على البذار و الحصاد، على الناس الذين يبحثون فيجدون، على الاب و الابن، السيد و الخادم، الضيوف و المدعوين. و يستنبط من الحياة العادية اشياء رائعة: ان الله غير ما نتصوره، و قصصه هي مقارنات لتوضيح العلاقة بين الله و الناس. ان تقديم عقيدته بواسطة القصص له علاقة وثيقة مع قناعة شعبنا بأنه لا يمكننا ان نصنع لله صورة، و لا يمكن الكلام عليه الا بتشابيه.
و يرتبط ايضا بقناعة ثانية. نحن نؤمن باننا لا نستطيع ان نجد الله الا اذا غيّرنا عقليتنا. فالامثال عن الله قصص يتغير فيها شئ، او، بمعنى ادق، الامثال قصص يرتبط فيها السامع ارتباطا يجعله يتغير. عندئذ فقط يستطيع ان يكتشف شيئا من الله. تروي الشعوب الاخرى اساطير لتحكي عن الهتها. اما نحن فنروي تاريخنا، و نتكلم على ما يحدث حولنا في هذا العالم. نتحدث عن واقع وليس خيال. يتكلم يسوع ايضا على الحياة اليومية للانسان. و هو يريد ان يقول ان الله قريب في هذا الوجود العادي، و يسمع الينا، وعلينا ان نفتح عيوننا فنرى حضوره، ونرهف بأذاننا فنسمع صوته. لقد كرر هذا القول مرارا "من له اذنان للسمع فليسمع".
في امثال يسوع، لا تتكلم النباتات والحيوانات – و هذا يخالف اسلوب الحكايات الاخرى - بل الانسان فقط. كما ان هناك اختلافا اخر: تسعى روايات كثيرة الى مصالحة الانسان مع قسوة الحياة. فهي تقول ان لم تتأقلم تهلك. اما امثال يسوع فأنها تقدم صورة الله المحب للبشر والمعتني بهم، وحتى للاشرار منهم، وقبوله لهم متى رجعوا بالتوبة اليه. لم يتكلم مطلقا عن سلطة الرومان او مناهضة سيادتهم. وهذا ما يشغل بال اي يهودي غيور، ولكنه تكلم كثيرا عن مملكة الله و يقول ان الله عتيد ان يؤسس مملكة تجمع كل البشر. هذا المملكة في رأيه لا تكون بثورة بل تنتشر انتشار الخميرة في العجين، و تنمو ببطء كنمو حبة الخردل التي تصير شجرة عظيمة تأوى اليها جميع طيور السماء. ترى ماذا يقصد بجميع طيور السماء؟ هل هذا الملكوت سيشمل الامم ايضا؟ هذه فكرة لا نقبلها.
النغمة السائدة بين الجموع انه حقا المسيح. لان المسيح متى جاء فلن يفعل ايات اكثر من هذه التي عملها هذا9 وهذا الرأي يختلف بشدة عن موقف الرؤساء الذين يريدون مجئ المسيح في صورة امير عظيم، او فارس يحمل الاوسمة والنياشين، حتى يصادقوا على كونه المسيح ابن الله.
***
سأروي لكم ما حدث اليوم: من فوق قمة جبل الزيتون، نظر يسوع عبر الوادي الى الهيكل وأروقته المقدسة فرأى خيام الحجاج الذين جاءوا لحضور الفصح.
قال له تلاميذه:
- انظر يا معلم الى الهيكل، كيف انه قد تزين بالأحجار الجميلة والتحف.
- بعينين مغرورقتين بالدموع التفت الى تلاميذه و قال:
ها انا ارى منظراً مخيفاً سيحدث في المستقبل، ارى الاسوار محاطة بجيوش الغرباء واسمع وقع اقدام تلك الجيوش المصطفة للحرب، واسمع أصوات الأمهات والاولاد يصرخون في طلب الخبز في داخل اسوار المدينة المحاصرة، وارى هيكلها المقدس الجميل وقصورها وابراجها وقد اشتعلت فيها النار ولم يبق منها غير الاطلال المحترقة. و لن يترك في الهيكل حجر على حجر لا ينقض. ومتى رايتم اورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا انه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية الى الجبال.والذين في وسطها فليفروا خارجا.والذين في الكور فلا يدخلوها. لان هذه ايام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب. وويل للحبالى والمرضعات في تلك الايام لانه يكون ضيق عظيم على الارض وسخط على هذا الشعب. ويقعون بفم السيف ويسبون الى جميع الامم. وتكون اورشليم مدوسة من الامم حتى تكمل ازمنة الامم".
عندما رجعت الى البيت جعلت اكتب:
يسوع اليوم تطلع عبر الاجيال، ورأى الشعب المختار مشتتا، كحطام سفينة على شاطئ مهجور. فنطقت شفتاه بهذا القول النائح الحزين:
"يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا من دون جميع الامم ليتك عرفت زمان افتقادك، وما هو لسلامك!".
ان هلاك نفس واحدة هو كارثة تصغر امامها كل ارباح العالم وكنوزه. ولكن حينما نظر المسيح الى اورشليم تمثل امامه هلاك مدينة كبيرة واسعة وأمة برمتها وهي المدينة نفسها والأمة نفسها التي كانت قبلاً مختارة من الله و كنزه الخاص.
لقد بكى الانبياء قديما بسبب خطايا الشعب والدمار المخيف الذي حل بهم. تمنى ارميا لو تكون عيناه ينبوع دموع لكي يبكي نهاراً وليلاً على قتلى شعبه. شعبه الذي اخذ اسيراً الى بابل. واليوم شملت نظرت يسوع النبوية لا سنينا فقط بل دهوراً ! لقد رأى يسوع الملاك المهلك مجرداً سيفه على تلك المدينة التي ظلت مسكنا للرب حقبة طويلة من الزمن .
***
لقد عينت عضوا في مجمع السنهدريم وانا في الاربعين من عمري. في قناعتنا اننا نحن اعضاء السنهدريم نمثّل امتنا، و نتحدث باسم الله. كنت واقفا في باحة الهيكل حيث يشترون خراف من اجل الفصح، حين اقبل يسوع والجماهير تلتف حوله وتهتف هتافات مدوية "مبارك الاتي باسم يسوع.. مباركة مملكة داود الاتية باسم يسوع".
صنع يسوع يوما سوطًا من حبالٍ، وكان يقول "جيل شرير و فاسق. اختفت تسابيح الرب من فمه". صوت يسوع كان عميقا. و كانت كل كلمة لها معنى عميق. كان ينطق الكلمة فتدوي في صدور الناس دوي الرعد في افاق السماء. لم يضرب بالسوط أحدًا، بل طرد فقط جميع التجار – بدون استثناء – من الهيكل. وبالنسبة للغنم والبقر، طردها، ولا خطورة من ذلك. ودراهم الصيارف كبَّها، وهذه يمكن جمعها بسهولة. أما بالنسبة للحمام، فإنه قال للباعة: «ارفعوا هذه من هنا!» ولو فعل أكثر من ذلك لكان ممكن للحمام أن ينزعج ويطير بعيدًا ويستحيل جمعه ثانية ويضيع على أصحابه. انه حقا شخصا وديع حكيم حينما يغضب!
لم يتدخل اي منا. لكن جلسة طارئة في السنهدريم عقدت لمناقشة الامر و دار جدل حاد. وبدأ الحوار رئيس الكهنة قائلا:
- انه خطأنا لقد سمحنا له ان فيما سبق ان يعظ في الهيكل المقدس نفسه.
- اجاب احد الاعضاء: انه لا يخضع لشيوخ الكهنة. يجب توجيه الاتهام اليه باسم شعب اسرائيل.
- ثم احتدم النقاش حين صرّح نيقوديموس قائلا:
- انا لست متأكدا ان لدينا هذا الحق. هل يمكننا ان نقول بحق اننا نمثل شعب اسرائيل؟
احتد احدهم : ماذا تقول؟
- انا اتساءل بما اننا شيوخ، هل كنا على علم بمشاكل الناس الحقيقية؟ كيف لنا ان نقودهم اذا كنا لا نعلم ماذا يوجد بقلوبهم؟
- ولكن بدون قيادتنا لهم هم ضائعون.
قال اخر: الشعب دائما يجري وراء كل ما هو جديد. انهم مأخوذون بيسوع هذا وبوعوده المبالغ فيها.
تابع نيقوديموس كلامه: لقد رأيته. لقد رأيته وهو يعظ. كان كلامه يتجه لقلوب الناس وليس كما نفعل نحن. عظاته ليست كالشعائر والطقوس القديمة بل تتيح لهم رؤية جديدة بدت وكأنها تلبي كل احتياجاتهم. رسالة التشجيع ، الصلاح ، الطهارة، وفضيلة التواضع.
- لقد سمعنا هذا الكلام من قبل من يوحنا المعمدان ومن مئات غيره.
- تدخل عضو اخر في النقاش و قال: ولم لا؟ هذا اثراءا لديننا. لقد ظلت ديانتنا حية بسبب وجود افكار جديدة.
- هذا التفكير يشجع الانبياء الكذبة. نحن شعب عاطفي عطشان الى المعرفة.
- ولكن المنافقون يخافون التغيير.
ابديت رغبتي في الكلام فسمح لي:
- لقد قلنا ان ديانتنا تحتاج الى الافكار الجديدة لكي يمكنها ان تتماشي مع كل الاجيال. فهل عندما ياتي نبي متوهج بالايمان نمنعه؟ سيكون هذا خطأ فادحا وسيذكرنا التاريخ على اننا الشعب الذي يقاوم انبياءه.
قال رئيس الكهنة:
- لا، لا من فضلكم . من فضلكم ايها الاخوة. هذا ليس وقتا للتعليقات الفلسفية. هناك مشاكل اهم بالدراسة الان. كيف يعتبره التابعون له انه المسيح؟ انه دجال.
- مع احترامي لمن هم اعلم مني. هناك احتمال ويبدو انه لا يوجد احد هنا على استعداد لدراسته.
رد احدهم بشغف: ما هو ؟
- الاحتمال هو ان يسوع الناصري ربما يكون هو بالحقيقة المسيا المنتظر من شعبنا.
- أتقصد النجار القادم من الجليل؟
- لقد درس النبؤات جيدا. ولم يترك فرصة تفوته للاستشهاد بها.
- بالضبط.
قال نيقوديموس: انا اعلم فقط - مثل اخي يوسف- انني سمعته يعظ. لقد نفذت كلماته الى اعماق روحي. ورأيت الامور في نور جديد وفطنت الى مؤشرات قد تثبت ان الله معه ومن خلاله معنا.
ثار عضو واخذ يصيح وهو يشيح بيده:
- هل تدرك ما تقوله يا سيد نيقوديموس؟
لكن رئيس الكهنة وجه كلامه بحسم اليه:
- دعه يتكلم.
- انصت اليه ودعه يتكلم. لا تقاطعه !
- مجئ المسيح هو لب ايماننا. لم لا يأتي الان؟ لماذا نحلم ان يكون مخلصنا هو سليمان جديد او داود جديد؟ هل الله غير مصرح له ان يعين من يريد؟ حتى ابن النجار الفقير القادم من الناصرة؟ داود بدأ حياته كراعي للغنم. من فينا يستطيع ان يقرر الطريقة التي بها يخلص الله شعبه؟ نحن مجرد حبوب من الرمال نطير مع الريح. فليفتح الله قلوبنا لنرى حكمته.
ثم قال الرئيس:
- سيد نيقوديموس . انا دائما اقدّرك . كيف افسر دفاعك عن هذا الشخص، ومهمته تنطوي على تقسيم الشعب؟ حتى هذا المجلس الموقر انقسم بسببه. يسوع الناصري هذا بالتأكيد رجل غير عادي ولا يوجد بينكم من يستطيع ان يفهم حقيقة ما يجري. ليس المهم هو كلماته او معجزاته المزعومة. حتى حشود الجماهير التي تعتبره المسيح ليس مهما ايضا . جوهر هذه المشكلة ان هذا الشخص يجرؤ على اعتبار نفسه ..
ثم اشاح بيده و بدت مرتعشة:
- انا لا استطيع ان اقولها .. هذا الشخص يجرؤ على اعلان نفسه .. على انه ابن الله .
- سيد نيقوديموس! من خلال عقيدتك وحكمتك. وانت ايضا يا سيد يوسف. ومن اعماق قلوبكم هل يمكنكم ان تخبرونا. هل تصدقون ان هذا ابن الله؟ انه يساوي نفسه بالله.
- وان لم يكن ابن الله. من هو هذا يسوع الناصري؟
قال احد الاعضاء:
- هل هو نبي؟
و قال اخر: الانبياء الكذبة وحدهم القادرين على التظاهر بقوة الله وهم القادرون على ان يقولوا "انت خاطئ، لقد غفرت خطاياك".
- الله وحده يغفر الذنوب ، في كل تاريخنا كان الانبياء الكذبة مصدر ازعاج لشعب اسرائيل. هذا الرجل يزعم انه يطبق الناموس في الوقت الذي يفسد فيه معتقداتنا الاساسية. والرومان لن يصبروا علينا طويلا للوصول الى اجابة.
قال عضو ويدعى زكريا: الانبياء الذين ينادون باشياء باسم الله. والله لم يأمرنا بها يجب ان يموتوا. اذا كان هذا المدعو يسوع نبي كذاب ومجدف. اليس من الافضل ان يموت شخص واحد ان ان تهلك الامة كلها؟
- شعب اسرائيل قد يقدم "كبش فداء" للموت وليس رجلا.
- على اي حال اسرائيل تحت الحكم الروماني.
- شكرا لك سيد زكريا على تذكيرنا بهذه الحقائق.
- لذلك يجب ان يُتهم ويوجد مذنبا امام الرومان.
- ولكننا لم نجده مذنبا بعد .
- قانوننا لا يدين احدا قبل ان يعطيه فرصة الدفاع عن نفسه امام شيوخ اسرائيل. ايا كان ما سيحدث لا يليق بنا ان نسلم احد اخوتنا للرومان. بعد ان ينفض مجلسنا. بامكاننا اقناع يسوع ان يجئ الى هنا ويقدم نفسه . وماذا يقصد بقوله انه ابن الله .
- انا اوافق ايها الاخوة . سوف نستفسر منه عن كل شئ . وسوف نعطي ليسوع هذا الفرصة كافية للدفاع عن نفسه .
- لا. التأخير ينذر بخطر داهم. نحن نعلم ما سيتخذه بيلاطس ضدنا اذا ما استمر . هذا الاضطراب. سيد زكريا .. يجب ان نقبض عليه الليلة. ربما يسبب هذا اضطرابا بين الجموع اذا ما حاول حراس الهيكل القبض عليه. وربما يطول البحث عنه ويشمل كل المدينة . لا احد يعلم اين هو او اتباعه . هم لا يمكثون في مكان اكثر من ليلة واحدة .
- اعتقد انني اعرف طريقة للوصول اليه .
- سيد زكريا .. لا تنسى ان يسوع الناصري احد اخوتنا.

في اليوم التالي جاء احد تلاميذه و يدعى يهوذا الاسخريوطي و قال للمجمع:
- انا اسلمه. أنا يهوذا. أعلم ماهى مشكلتكم. لقد جئت لمساعدتكم.
- لماذا؟
- فى الواقع أردت أن أتكلم معكم أيها الشيوخ. أريد أن آتى به إليكم هنا.
- لماذا أخترت أن تخون معلمك؟
- أنتم ستكسبون. وقد أردت أن أكون بجانب الفائز.
- لقد طلبت 30 من الفضة. سنعطيك ما تطلب. إذا أعلمتنى بما نريد أن أعرفه.
- والآن أين هو يسوع الناصرى؟
فى مكان يسمى جثسيمانى على الجانب الآخر من نهر قدرون، ومعه تلاميذه.
يا لخداع الشيطان! ان له تأثير بشع على الناس. لا استطيع ان اصدق ان أكرم الناس خلقا معرضون ان يسلكوا ليس فقط في خسة ودناءة، و لكن ايضا في وحشية و شراسة. هل لان الانسان الطبيعي في افضل حالاته لا يفقد طبيعته الوحشية، فمرة تراه قد وطأت قدماه مسالك مستقيمة مقدسة، و في اللحظة التالية يزحف على بطنه كالحية في عدن، و يأكل ترابا من الارض. كان يهوذا هو هذه الحية! انه الشيطان وقد اخذ شكل انسان! انه ابن الهلاك، الانسان الشقى الذي يتسربل برداء التلميذ كما يتغطى الافعوان بجلده الاملس اللامع، انه المرائي الذي يخفي نفسه في زي الرسول كما يختفي الخنجر الملوث بالدماء في جرابه الذهبي! لقد تكملت الخطية فيه، و نضجت الدينونة، و اصبح الآن يبغض يسوع بمرارة، كما تبغض الظلمة النور.
ألقيت بظهري على الكرسي و جال في ذهني هذه الخواطر: لقد سمعت ان المسيح قال لتلاميذه يوما "ألست انا اخترتكم وواحد منكم شيطان". هل هذا معناه ان بعض الناس، او كل الناس يتأرجحون في حياتهم، بين طبيعة الملاك و طبيعة الشيطان؟ لا ادري! ربما ثمة لحظة حاسمة في حياة كل انسان، تقدم له فيها البركة و اللعنة وعليه ان يختار.
جلست اكتب: يا يهوذا احببت اللعنة فاتتك.
لم تسر بالبركة فتباعدت عنك.
شربت الاثم كالماء.
دخلت الخطية في جوفك و في عظامك
دخلك الشيطان لانك اسلمت نفسك له.
اراك تقف الان في شحوب الموت،
وقد تفرقت عنك ملائكة السلام في حزن.
تحت سلطان قوات الظلمة ارتكبت ابشع جريمة ،
يهوذا، يهوذا! كان هينا لو لم يوجد سواك،
و لكن اسم اخوتك "لجئون" لانهم كثيرون.
في اليوم التالي جاءتني اخبار انه تم القبض على يسوع. وتم توجيه الدعوات لاعضاء المجمع بالحضور لمحاكمة يسوع.

***
وفي المجمع وقف يسوع موثقا بالاغلال!
هل استطيع ان اصدق عينيّ؟ صانع الايات يقيد بالاغلال! ما كان ايسر عليه ان يحطم تلك الاغلال اسرع مما فعل شمشون قديما! لكنه لم يفعل. ان هذا الخضوع و التسليم الاختياري لابد وله هدف عظيم!
بدأ قيافا بالكلام فقال: لا استطيع ان افهم كيف قدر هذا المخادع ان يخدع كل هؤلاء الناس.
فبادرته قائلا: انه ليس مخادع.
- انت واحد من المؤمنين به .. اليس كذلك؟
- لقد كنت معجبا به . وجميعنا آمنا به.
- والآن هل عرفت الحقيقة؟
- لقد قال اشياء كثيرة تعجبني .
- وماذا ايضا؟
- وقام باعمال جيدة كثيرة.
اعمال جيدة؟
انها خدع من الشيطان .
لقد كان يعلم انه مخادع ومجدف وخدعنا. والان هو يدفع الثمن!
وقف رئيس المجمع في الوسط وبدأ كلامه قائلا:
- ايها الاخوة .. ايها الاخوة. ايها الاخوة. تقييده هكذا كاللصوص لا يليق بنا .. يسوع .. ليس هدفنا ان نعاملك كمجرم. ولكن يجب عليك ان تفسر لهذا المجلس ما هى طبيعة تعليمك. ما هذا المذهب الذي تحاول انت وتلاميذك نشره في اليهودية؟
- لقد تكلمت امام الجميع جهارا. لقد علمت في الهيكل وفي المجمع ولم اقل شيئا في السر. فلماذا تسألونني ؟؟ اسألوا هؤلاء الذين سمعوني. انهم شهودي
- سيد قيافا .. لقد سمعته يعظ . ولم اجد شيئا مما يقول يناقض تعاليم عقيدتنا..
- نريد ان نعرف معاني اقوالك . مثلا هناك من يقولون انك قلت انك تستطيع هدم الهيكل وبناؤه في ثلاثة ايام. لا احد يستطيع بناء الهيكل في ثلاثة ايام
- ما قاله يحوي دلالات رمزية. انا متأكد انني سمعته يقول انه يستطيع بناؤه في يومين.
- لا ثلاثة ايام ..
- اظن انها اربعة ايام..
- الان الشهود لا يتفقون.
- كيف نستطيع ان نتذكر كل التفاصيل؟
- هناك شغب اثاره يسوع، والرومانيون يحملوننا المسئولية.
- الشغب سببه باراباس، وليس يسوع.
- القادة الرومانيون لا يحتاجون الى اعذار .. ونحن نعلم ما فعلوه بشعبنا. نحن جميعا نتذكر حادثة قريبة . لم يمر عليها الكثير عندما ثُبت الاف الناس على اسوار اورشليم لانه لم يكن هناك مشانق تكفي لارضاء رغبة الرومان في سفك الدماء . ولا احد منا يريد ان يعطي بيلاطس المزيد من الضحايا في الوقت الذي نستطيع ان نمنع هذا.
- بالطبع يا يوسف . جميعنا نوافق على هذا .
- كما قال قيافا هذه ليست محاكمة . لقد تركنا بيوتنا وجئنا الى هنا الليلة . متمنين ان يقدم لنا يسوع الناصري ما هو الغرض من رسالته ويفض الانقسام في جماعتنا.
- ايها الاخوة لقد سمعنا الكثير عن انكم اتيتم لتقدموا المحبة والاخوة اتوسل اليك ان تجلب السلام الى مجمعنا الليلة.
- اخبرني . يقولون انك تدّعي انك ابن الله . وانا اسالك الان في اسم الله . هل انت المسيح ابن الله الحي ؟؟
- انا هو . وسترون ابن الانسان جالسا عن يمين قوة الله.
- اسمع يا اسرائيل . الله الهنا واحد. لقد سمعنا ما يكفي . خذوه الى بيلاطس . الذي له سلطة محاكمته وادانته..

-8-
استدعاني اليوم بيلاطس. حين وصلت قصره، ودخلت الردهة الرئيسية، اعماني النور المتدفق اليها من النافذة. و شيئا فشيئا، استطعت ان اميّز التفاصيل. امامي كرسي قضاء على منصة، و رجل قصير جالس، يرتدي حلّة رومانية بيضاء من القماش النفيس و مزينة بالارجوان، و في يده اليمنى خاتم ذهبي، علامة على انه فارس روماني. همس لي الجندي الذي ادخلني: "الحاكم". انه بيلاطس البنطي اذا، حاكم اليهودية و السامرة.
- كان بيلاطس يقرأ ملفاً حين دخلت، ووقف جنديان في المرافقة، و كان هناك كاتبا امامه رقا. و دون ان يرفع عينيه، بدأ بيلاطس كلامه:
انت تذكر ما حدث في بداية عملى حين انتفض الشعب بسبب ادخال صور الامبراطور الى المدينة.
- نعم. اذكر ذلك. لقد اندلعت انتفاضة كبيرة بسبب ذلك.
ترك عنه اللفافة جانبا، وحدق ببصره فيّ وقال:
- صدقني، لو قلت لك انه يمكن لدولة ان تجد نفسها عاجزة امام اناس يأتون ليتظاهروا عزّلا اكثر مما لو واجهت جحافل من الجنود.
قام بيلاطس عن كرسيه وسار بضع خطوات متجها نحو النافذة. نظر من خلالها الى خارج وهو يتابع كلامه قائلا:
- كل ما اكتشفته عن يسوع يبيّن انه لا ينوى ان يكون ملكا و لا مسيحا. هل توافقني؟
- لكن اخرين يرجون ذلك، ويؤمنون به.
التفت اليّ وقال:
- اذا هؤلاء يمكن ان يشكلوا خطرا على الامن.
- حسنا، ربما كان هذا حلما فارغا لدى البسطاء الذين لا حيلة لهم. وعليك اذا ان تطلق سراحه لاجل ذلك.
اردفت محاولا اقناعه بوجهة نظري: حتى و ان رجا الناس ان يصير ملكا جديدا، انّى له ان يكون خطرا و هو يدافع عن عقيدة لها اثر هدّام على الجنود؟ اين يجد جيوشا؟ و ما نفع جيوش تحب اعداءها بدل ان تتصدى لها؟
- هل عليّ ان افعل هذا سرا؟
- لا، يمكن ان يحدث هذا ضمن اطار العفو في عيد الفصح.
بدا عليه انه لم يعد يصغي اليّ البتة. فقد نظر من النافذة ثانية. لاحظت انه شارد الذهن لبعض الوقت. وحين عاد وجلس على كرسيه كانت عيناه تنظر نحوي وكأنه لا يراني. بدأت يداه تتحركان بعصبية و كأنهما تريدان التعبير عن شئ. و مع ذلك لم يخرج صوت من شفتيه. و في النهاية تنهد، و قال بصوت منخفض:
- انا خائف...
- نظرت اليه مندهشا فتابع حديثه:
- انا خائف من ان ارى الامور تفلت من يدي. لا! لا استطيع.
أيحدثني ام يكلّم نفسه؟ و غاص في تفكيره ..لا اعرف كيف استطعت العودة من دار الحكم الى حيث اقيم. كانت الفوضى فيّ. فالامر مريع مهما سيحصل...
***
اليوم اشرق الصباح على موكب من الكتبة والفريسيين وخدام رؤساء الكهنة والجنود المكلفون بحراسة الهيكل. لقد اوثقوا يسوع كمجرم واحاطوا به بسيوفهم و حرابهم في طريقهم الى جباثا اي البلاط حيث مقر بيلاطس. وصل الموكب الى دار الولاية. ما هذا؟ انهم يدفعونه بوقاحة الى الداخل. وقفوا امام بوابة البلاط الرئيسية ورفضوا الدخول لئلا يتنجسوا فيأكلوا الفصح. لقد اطاعوا فرائض معلميهم التى ابتدعوها من وحيهم الخاص، و التي كانت تقرر ان دخول بيت فيه شئ مختمر ينجسهم.
بكرم اخلاق مصطنع خرج بيلاطس ليستفسر عن سبب مجيئهم و سألهم بصوت اجش متظاهرا بعدم المبالاة:
- اية شكاية تقدمون على هذا الانسان؟
اجابوا بأصوات تظهر فيها العجرفة والحنق:
- لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه اليك.
لم يكن جوابهم يتفق مع العقل السليم، واعتقد انهم ارادوا ان يخفوا اضطرابهم و حيرتهم، فلم يكن لديهم شئ يمكنهم ان يقدموه اي تهمة مدعمة بالادلة ضد اسيرهم.
ترك بيلاطس لهم الفرصة ان يريعوه بنظراتهم المتجهمة. و بذلك كان يخطو الخطوة الاولى فى ذلك الطريق الزلق، الذى سار فيه محمولا ليرتكب جريمة تلو الاخرى ضد ارادته. ثم اشاح بيده ثم قال:
- خذوه انتم و احكموا عليه حسب ناموسكم.
يا له من مسلك مشين، من قاض وظيفته ان ينفذ القانون و يقر العدالة في الارض ! كان يود ان يتنصل من الاشتراك في جريمة قتل يسوع. و لكن يبدو انه لم ينجح، فعليه اما ان يعلن براءته جهرا، او يقف ضده.
بدأ رؤساء الكهنة يعرضون شكاياتهم محاولين ان يؤثروا على الوالى الروماني و لم يفكروا ان يعيدوا امام هذه المحكمة الوثنية تكرار الدعاوى التي نجحوا في اقامتها ضد يسوع امام السنهدريم اليهودي، و بدلا من ان يوردوا تهما دينية، قدموا امام بيلاطس شكاوى سياسية، متهمين يسوع بتهم مثلثة.
اما التهمة الاولى التي وجهت اليه هي "وجدنا هذا يفسد الامة" كانوا يقصدون بذلك ان يقولوا "ان هذا الانسان يعمل على التقليل من احترام الشعب للسلطات"، و لكن لكي يقدموا تهمة كهذه لابد من توفر و لو ظل للحق، و هذا وجدوه في الموقف الذي اتخذه يسوع تجاه الكهنة و الكتبة، فبالنسبة للكهنة لم يعلم يسوع تلاميذه ان يضعوا ثقتهم فيهم كوسطاء حقيقيين عنهم امام الله. و لكنه لم ينكر على الكهنوت اليهودى سلطانه و لم يرفض ان يقدم له الخضوع الواجب.
اما الدعوى الثانية التي اقامها اليهود ضد يسوع فهي انه "يمنع ان تعطى جزية لقيصر" و في الحقيقة انهم لم يستطيعوا ان يبتدعوا تهمة زائفة لا تقوم على اساس مثل هذه.. لقد ارسلوا جواسيس يحاولون ان يمسكوا عليه كلمة و جاء الرسل الى المخلص في ثياب الاحترام و سألوه بمظهر الابرياء الذين يقصدون المعرفة "يا معلم نعلم انك بالاستقامة تتكلم و تعلم و لا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله، ايجوز لنا ان نعطي جزية لقيصر اما لا؟ وكان جواب يسوع: "لماذا تجربوني؟.. ثم قال قولته المشهورة اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ".
و الدعوى الاخيرة التي اقاموها ضد يسوع يسوع انه قال عن نفسه انه "مسيح ملك" لقد حاول اليهود بالقوة ان ينصبوه ملكا، و لكنه في كل مرة احس بحركة من هذا القبيل كان يخرج من الجموع و يختفي. اذن فقد كانت دعواهم جميعا زائفة.
استمع بيلاطس الى دعاوى الكهنة و رؤساء اليهود بتأن. ثم عاد ثانية الى داخل القصر وبدأ فحص يسوع. سأل بنغمة هادئة:
- هل انت ملك اليهود؟
بدا انه كان متوقع ان جواب الاسير سيكون "حاشا لى من قبل الله ان اسعى الى هذه الامور العالية". و لكن يسوع لم يجيب على سؤاله بالنفي بل جاوب على السؤال بسؤال:
- امن ذاتك تقول هذا ام آخرون قالوا لك عني؟
لم يكاد يفطن بيلاطس لقصد يسوع حتى تجنبه و تحاشاه بلباقة و سرعة خاطر قائلا:
- العلى انا يهودي؟ امتك و رؤساء الكهنة اسلموك الي.. ماذا فعلت؟
- مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهد لكي لا اسلم لليهود، و لكن الآن ليست مملكتي من هنا.
انصت بيلاطس في دهشة، ثم قال:
- أفانت اذا ملك؟
كنت اظن انه يقول له "انني ارى بوضوح انك لست ملكا" و لكن يبدو انه كاد يقتنع ان يسوع هو بالحقيقة ملك.
- انت تقول اني ملك، لهذا قد ولدت و لهذا قد اتيت الى العالم لاشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي.
البحث عن الحق، يدخل ضمن البحوث اليونانية التي يعنى الرومان بدراستها. لذا يبدو انه قد جذب انتباه بيلاطس ذكر كلمة الحق فسأل بسخرية:
ما هو الحق؟
صمت يسوع للحظات .. لكن الوالي المتعجرف رفع صوته و كرر بضجر :
- ما هو الحق؟
ولم تعجبه الاجابة فهز رأسه و اشاح وجهه ..وخرج الى خارج الدار و معه الاسير. واعلن في صراحة امام رؤساء الكهنة و كل الشعب:
- اني لا اجد علة في هذا الانسان.
بلا شك، بعد ان قدم بيلاطس هذه الشهادة في جانب يسوع ، كان يرغب في اطلاقه ، و لكن الخوف من اليهود و القيصر، و حرصه على منصبه منعته من ان يفعل ذلك. وهنا تذكرت كلام بيلاطس معي: انا خائف. خائف ان تفلت الامور من يدي.
اثارت شهادة بيلاطس عن يسوع سخط رؤساء الكهنة و اشعلت غيظهم واحسوا بالهزيمة التي لحقتهم، فانفجروا ينفثون اتهامات جديدة ضد يسوع. لم يستطيع بيلاطس ان يصمد امام العاصفة التي ترعد حوله بسبب ثورة الجمع الصاخب في فناء الدار.
التفت بيلاطس الى يسوع وكأنه يتوسل اليه ان يورد ما يدافع به عن نفسه. فقال له:
- اما تجيب بشئ، انظر كم يشهدون عليك! اما تسمع؟
ولكن يسوع لم يجب بشئ حتى تعجب جدا.
***

لم يخطر قط ببال هيرودس ان يخطو خطوة واحدة ليتعرف على الناصري الذى كانت معجزاته على كل لسان، فقد خلا قلبه من اي اهتمام بالامور الدينية، و ربما كبرياؤه منعته من ذلك. سمع اشياء كثيرة عن يسوع واشتاق ان يراه ربما كان نوعا من الفضول ومع ذلك لم يسعى لمقابلته.. اكثر الاشياء حماقة هي الرغبة غير المتممة... و حينما ارسل بيلاطس اليه يسوع ليحاكم، كم كان سروره عظيما فلقد تحققت له اخيرا رغبته في ان يراه. حينما دخل المسيح فرح جدا لان رغبته تحققت اخيرا..
قدم هيرودس ليسوع بعض الاسئلة التى تدل على الحماقة... لكن يسوع لم يعطه جوابا و ظل صامتا. وترجى هيرودس ان يرى معجزة تصنع منه، ولكن ما من شئ. وبعد ان رفض يسوع ان يحقق رغبة هيرودس وحاشيته، فهم اولئك الجبناء من مسلكه انه لا يستطيع ان يصنع معجزة فابتداوا يحتقرونه و يهزأون به . و ما ابشع الاهانات التى احتملها في محضر هيرودس و بلاطه فقد عاملوه و كأنه ساحر مشعوذ لقد طلبوا اليه ان يعرض فنونه لتسليتهم، و اذوا اذنيه باسئلتهم السفيهة.
عاد صديقي تريفوس اخيرا مع الخبر.
- نزولا عند رغبة الشعب، اطلق سراح باراباس، و صلب يسوع خارج المدينة على جبل الجلجثة، مع اثنين من الغيورين.
شعرت ان لديّ قوة كافية لكي اذهب الى خارج المدينة. اردت على الاقل ان ارى يسوع من بعيد. اريد ان اراه الان.
استطيع ان ارى مكان الاعدام من الجدار الثاني للمدينة. هناك رفعت ثلاثة صلبان. نظرت من بعيد الى الصليب الذي صلب عليه يسوع. كان الصليب الاوسط. و كان الغيوران عن يساره ويمينه. اتراهما الشابان اللذان قادانا الى خارج المغاور؟ من يدري؟ كانت السماء تنحدر فوقهم. انها تنير للجنود و المشاهدين الذين تابعوا الاحداث، بعضهم من باب الفضول، و بعضهم الاخر فجعا.
ما هذا الذي ابصره؟!
زلزال عنيف يهز الارض!
ريح شديدة تأخذ كل شئ في طريقها!
ما هذا؟ حتى الصخور التي ظلت صامدة عبر الزمن اراها تتشقق!
وظلمة كثيفة تغشي المكان!
ليست اقل من الظلمة التي تغشي حياتي.
هرب الجميع خوفا من الزلزلة، و لكنى كنت من القلائل الذين لم يبرحوا المكان، لقد خارت قوايّ و شعرت ان حياتي انتهت. بعد فترة استجمعت قوايّ، ورفعت نظري الى فوق. رأيت المصلوب منكسا الرأس. ظل نظري معلقا بالناصري المصلوب. و بقى فكرى سابحا مسترسلا. ما هذا الذي اراه؟ اني ارى حول رأس المصلوب هالة من النور!
مع ان شعبي قابل يسوع بالشر والبغضاء، الا انه ظل دائباً في القيام برسالته، رسالة الرحمة. لم يطرد ابداً انساناً طلب نعمته. كان يجول من مكان الى آخر، لم يجد مبيتاً يأوي اليه، ولما كان نصيبه العار والفقر، عاش لكي يخدم حاجات الناس، ويخفف ويلاتهم، متوسلاً اليهم ان يقبلوا هبة الحياة. فامواج الرحمة التي صدتها تلك القلوب المتحجرة بعيداً عنها، عادت اليهم بقوة اشفاق ومحبة لا يمكن التعبير عنهما. لكن أمة اسرائيل ارتدت عن اخلص صديق واعظم معين. وما يدعو للاسى انهم قد ازدروا بتوسلات محبته، ورفضوا مشوراته، وسخروا من انذاراته.
ركعت اصلي:
الهي ذاب قلبي في وسط امعائي.
كثرت خطاياي اكثر من شعر رأسي.
قد انتنت جروح ضرباتي.
ارتض بأن تنجيني.
ثم جلست و اخذت اكتب:
تاريخ المدينة رهيب من يوم كارثة الجلجثة. التحفت المدينة بالظلام الحالك يوم تلك الحادثة. يرى كل من دخل المدينة ان اليهود قد تملكهم الخوف عقب الكارثة المروعة و يسمع هذه الكلمات تتردد على الاذان "دمه علينا و على اولادنا"
يشعرون ان جرما عظيما قد ارتكب و عقابا شديدا يرتقب. تموج اورشليم و ترتعد و يرتجف الذين كانت لهم يد في افظع جريمة ارتكبها البشر. و يتساءل الذين لم يمت ضميرهم تماما ان كان هو ابن الله الذي صلبوه قارعين صدورهم ممزقين ثيابهم و يرتاع حتى رؤساء الكهنة و الشيوخ الذين تحجرت قلوبهم غير انهم يقيسون انفسهم و يغرونها بان القبر قد ختم.
و قبل ان يشرق السبت العظيم يذهبون و على رأسهم قيافا الى البستان وجوههم صفراء و عيونهم حمراء و هم يصرون باسنانهم و يحدوهم الشيطان.
و تشرف عليهم من جلجثة ثلاثة صلبان و لكن لا يستطيع واحد منهم ان يرفع بصره الى المكان الذي علقوه فيه على خشبة. اين اعتدادهم بزيهم الكهنوتي! يضمون اذيالهم الطويلة و يسرعون الى القبر!
يصلون اليه فترتاح نفوسهم. انه كما هو. الحراس قائمون و الختم سليم و الحجر العظيم في مكانه.
جاء السبت العظيم و لكن لم يمر على اورشليم سبت اقل بهجة منه، تخيم على الناس الكأبة و يتمنون لو ان ايام العيد قد انتهت. تاهت عقولهم في الطقوس الشكلية. فقد الفطير عذوبته، و تجمد دم خروف الفصح في ايديهم قبل ان يمسحوا به قوائم ابواب بيوتهم. و لا يعبر عنهم ملاك الموت بل هو بينهم و هم يعلمون ذلك في دخيلة قلوبهم.
و لكن هاهم ينشطون من فتورهم. سرى نبأ كبرق خاطف ان المصلوب قد قام. كلمات الحياة رنت كاجراس الموت في اذانهم. هل قام حقا؟ كل الدلائل تؤكد ذلك . لا شك مطلقا في صحة الحادثة العجيبة.
يسرعون الى القبر انه فارغ و قد دحرج الحجر. يحملون الخبر الى بيلاطس. كان ضميره الشرير يتوقع ما هو اشر. و ها قد حدث الاشر! يوجد اله يقيم البار حتى من القبر و يبيد فاعلى الاثم. يرتعش بيلاطس لاي صوت. و يظن ان كل لحظة تقرب المنتقم الى بابه. و يتطلع ذلك الجبان الى زوجته فيسمعها تقول "الحلم الذي رأيته! لقد اسلمت البار الى ايديهم!"
اما رؤساء الكهنة فلا يعدمون المخرج من هذا المأزق يذيعون ان جسد الناصري سرقه تلاميذه و يرمونهم باختراع فرية القيامة و يرشون الحراس البؤساء ليتهموا انفسهم بيلاطس انهم كانوا نياما. و يرتضي الحاكم الجبان ان يصدق هذا.
لم يستطيعوا ان يطفئوا نور الله. يتأكد الكثيرون ان ابن الانسان قد قام حقا، و يراه العديدون، و لم يقدر رؤساء الكهنة ان يداروا بعد هذا فعقدوا مجمعهم و منعوا ذكر اسم من صلب.
***
رغبت في ان التقي تلاميذ يسوع لذا ذهبت الى الجليل. تحدثت اليهم كثيرا و قصوا على كثيرا مما قاله لهم يسوع. كانت الساعات تمضى دون ان اشعر. و مكثت الى يوم السبت حيث تجمع عدد كبير من اتباع يسوع، كان ثمة اشخاص كثيرين. كانت الصلوات تنطلق من الحناجر كما من القلوب. كان جو روحى من التسبيح. احسست انه جعل البيت يرتعد و ليس فقط الاشخاص.
و في الليل حينما اويت الى فراشي انسابت منى هذه الكلمات:
ايه ايها الجليل حيث في ربوعك نلتقي بيسوع.
كم يجعلنا التفكير فيك سعداء!
ايها الجليل طوبى لمن سبقه يسوع،
ليعد له مكانا في اوديتك الدائمة الاخضرار،
و فوق روابيك التي لا تنحسر عنها الشمس.
طوبي لك ايها الجليل و طوبى للساكنين فيك.
***
انا الان في الثامنة و ستين من عمري، وزوجتي في الستين. اشتاقت ان ترى اورشليم.
كان بيت مرقس قد اصبح كنيسة. دخلت الكنيسة يوم الاحد وجدتهم يرتلون تسبجة للسيد المسيح كانت كلماتها تقول:
يا نورا بهيا.
يا مجد الأب الذى لا يموت.
السماوى المغبوط. يا يسوع المسيح.
اذ قد بلغنا الى غروب الشمس، ونظرنا نورا مسائيا، فلنسبح الأب والابن والروح القدس الاله الواحد.
فيا ابن الله المعطى الحياة،
انك لمستحق أن نسبحك باصوات بارة،
فلذلك العالم يمجدك.
رد جميع الحاضرين بصوت واحد: امين.
ثم قام احد الانبياء واخذ يعظ. كانت كلماته بسيطة ولازلت اذكر ما قاله. كان يعلّم عن يسوع قائلا:
كما أن المعلّم الصالح، الذي يعتني بتلاميذه، إذ يرى أن بعضاً منهم لا يستفيد من العلوم التي تسموا فوق إدراكهم، فإنه يتنازل إلى مستواهم ويعلّمهم أموراً أبسط، هكذا فعل كلمة الله.
ولأن البشر قد تركوا التأمل في الله وانحطت نظراتهم إلى أسفل كأنهم قد غاصوا في الأعماق باحثين عن الله في عالم الحسيّات، صانعين لأنفسهم آلهة من البشر المائتين ومن الشياطين، لهذا فإن محب البشر ومخلّص الجميع كلمة الله أخذ لنفسه جسداً ومشى كإنسان بين البشر، وجذب أحاسيس كل البشر نحو نفسه، لكي يستطيع أولئك الذين يظنون أن الله له جسد مادي، أن يدركوا الحق عن طريق الأفعال التي يعملها يسوع بواسطة جسده، وعن طريقه يعرفون الآب. فإن نظروا إلى الخليقة وعبدوها عن خوف فإنهم يرون مع ذلك أنها تعترف بالمسيح رباً. وإن اتجهوا بأفكارهم إلى البشر، ظانين أنهم آلهة، وجدوا ـ رغم ذلك ـ أن أعمال المخلّص إن قورنت بأعمال البشر فإنها تظهره هو وحده أنه ابن الله دون سائر البشر. أو إن انحرفوا وراء الأرواح الشريرة، فعندما يرون الكلمة يطردها يجب أن يدركوا أن كلمة الله وحده هو الله وأن تلك الأرواح ليست آلهة. أو إن كانت عقولهم قد هبطت إلى الأموات، فعبدوا الأبطال والآلهة التي تحدث عنها شعراؤهم، فإنهم بعد أن رأوا قيامة المخلّص فيجب عليهم أن يعترفوا أن تلك الآلهة كاذبة.
ثم اخذ يضرب الامثال، فتذكرت المعلم حين كان يتكلم بالامثال، قال:
وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها فإن المدينة كلها تكرّمه أعظم تكريم ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سكنى الملك في أحد من بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل. لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بطلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت.
وإذا أسس مَلِك منزلاً أو مدينة ثم بسبب إهمال سكانها حاربها اللصوص، فإنه لا يهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويخلّصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل إلى ما يليق به هو ذاته. هكذا وبالأكثر جداً فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخل عن الجنس البشري الذي خُلق بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر.
انتهت العظة و كسر الخبز و تشاركنا جميعا في نفس الخبز و نفس الكأس.
***
كانت سوسنة تمضي ساعات طويلة على الشرفة المطلة على جبل الزيتون، حيث اقمت مظلة تحمينا من وهج الشمس. جلست الى جانبها. لم اكن اتركها ابدا، و استطيع ان اقول انني كنت حزينا الى الموت. كانت اخر قصة سمعتها منها على هذه الشرفة. اظهرت مجهودا لتبرهن على انها بخير. قصتها الاخيرة! لم يغلبها الجهد، و لا الموت ذاته. شهدت بذلك ابتسامتها السعيدة و حلاوة صوتها الرقيق. قالت:
"انبلج الصباح و انقشعت سدول الليل التي ارخاها بين جبل الزيتون و اورشليم، و كان يعقوب الرسول اخو يسوع نازلا من الجبل بعد ان قضى الليل كله في الصلاة كما كان يفعل السيد. كان الرسول يصلي في المكان الذي يحبه، المكان الذي صارع فيه السيد ليلة الامه.
ترك يعقوب الرسول كرم الزيتون عائدا الى منزله. و فيما هو على المنحدر توقف قليلا يتطلع الى الوادي. كانت الشمس على وشك الشروق. انقشع الندى، و كان بالقرب منه بستان جثسيماني، و نهر قدرون يسمع خرير مياهه. و رفعت المدينة العظيمة جبهتها و لمع الهيكل بمجد و بهاء. وهو يسير وحوله بعض الرفقة، اقبلت اليه سيدة صغيرة. كانت غارقة في الحزن. كانت الدموع الحارة تنحدر على خديها. توسلت اليه ان يشفق عليها، فقد انطرح زوجها فريسة لحمّى ثقيلة، و الموت يدب نحوه سريعا. لم يستطع الاطباء شيئا. ثم ان فقرهما شديد. يا للحسرة! انه سيموت و هما يحبان بعضهما حبا شديدا!
و نظر اليها الرسول صامتا للحظات. شعرت هي بقوة نظرته فاضطربت، لانه مع شفقته الكاملة كانت في عينه رزانة رهيبة، تأثير مقدس للنفوس المولودة من الله. اخيرا قال لها:
"ايتها المرأة اتحبينه اكيدا؟
فاجابت المرأة نعم يا ابانا احبه من قلبي.
سألها الرسول: اتحبينه مثل نفسك؟
قاطع الشهيق صوتها و هي تجيب: ازيد بكثير.
حسنا يا ابنتي. توجد وسيلة تنجي بها حياة زوجك، ربما تبدو عسيرة و لكنها الطريق الوحيد! اذهبي من منزل لمنزل و اطلبي احسانا على اسمه.
و لكن يا ابانا كيف يمكن ان ينجيه الاحسان؟
ليس احسانا بالنقود ما ارجو ان تطلبيه احسانا بالوقت. كل الايام او اجزاء الايام التي يتبرع بها الصالحون احسانا لزوجك من اعمارهم ستضاف الى حياته"
و فكرت الزوجة في نفسها قائلة: على اي حال يميل الناس للاحسان و اغلب الناس يقدّرون النقود فبينما يتمسكون بالمال كاله فهم يصرفون هباءا اياما عديدة ثمينة دون و حينئذ شكرت الرسول و استجمعت شجاعتها و ذهبت الى حال سبيلها.
و سرعان ما رؤيت تتنقل في اورشليم تقص حكايتها من باب لباب بتوسل وديع و تحكي عن زوجها المريض و عن خادم الله الذي اشار عليها بجمع احسان الوقت من المتصدقين و كانت تصرخ "ارحموني و لا تجعلوني اسأل عبثا. اعطوني كل واحد منكم يوما و سيبارككم الله"
لكن ذهب تعبها دون جدوى. سخر البعض منها. و ارتاب البعض في سلامة عقلها، و دفعها البعض بغلظة لمجرد اقتراح شيئا من هذا، و رأى البعض انها تهذر لكنهم فضلوا الا يشاركوها المزاح. قليلون اقروا بصلاحية هذا العلاج لكنهم مع ذلك غير مستعدين ان يساهموا في حصولها عليه. قالوا ان حياتهم عزيزة لديهم و ان متاعبهم كثيرة في الحصول على رزق عائلاتهم فلا حق لهم ان يمنحوا جزءا من وقتهم الثمين. و من الغريب ان اولئك الذين يسرفون في تضييع الوقت هباءا كانوا الاشد تمسكا في الرفض و عدم منحها ولو ساعة واحدة. اخيرا انكسر قلب الزوجة الشابة و ما صادفها من الشتائم القاسية..
الى هنا توقفت سوسنة و اعترتها نوبة قطعت خيط قصتها و سرعان ايضا ما قطعت خيط حياتها. لم تقو عليها. فارقتها قوة الحياة. كانت مصباحا يتراقص بجهد وانطفأ فجأة و ساد الظلام.
كاد الغسق ينتهي. لم نكن بعيدين عن المنزل. وصلنا الى مكان اعتدنا ان نستريح فيه على قمة صخرة عالية تعلو مئات من الاقدام فوق سطح البحر. عندما يحدث المد تقترب الامواج و تضرب قاعدة الصخرة و هي ترغي و تزبد ثم ترتد كلية اما الان فكان الجزر و ظهرت الامواج الهادئة عن بعد كشرائط من الفضة بالكاد يصل خريرها الى الاذان. و كان قد اقيم على قمة الصخرة صاري مرتفع يقترب من شكل الصليب، و كانت تحته اريكة خشبية جلسنا عليها لم يبق من ضوء الغروب شئ. انتهى تماما. و كان كل ما حوالينا – الارض و البحر و السماء – في سكون مقدس و سلام.

و صرخت سوسنّة بغتة و هى تشير الى فوق "انظر!"
كان يحوم في كبد السماء على علو شاهق سرب من الطيور و لكن السكون الشامل مكننا من سماع اجنحته بوضوح. تبعناه حتى غاب عن عيوننا.
قالت سوسنّة بأنّة عميقة "لقد غابت الطيور. الا تشبه ارواحا مباركة تنتقل الى وطن افضل حيث لا حزن و لا موت و لا ألم ؟ لابد انها تبتهج – اي شوق و انتظار.. ثم اي انتصار؟
بعد ان سكتنا حينا عن موسيقى البحر، ذلك اللحن ذي النغم الواحد القديم و الذي يظهر دائما انه جديد. علو الماء و انخفاضه مثل حركة البندول يؤقت للاجيال للابد.
و تحدثنا عن الشوق العجيب المتأصل في قلوب البشر فيجعله يتوق لما هو بعيد ... علوي... سماوي، و لذا يكون في غير راحة حتى لو نعم بالرضا و الراحة هنا على الارض!
صمتنا ثانية و عادت تقول:
"ما اجمل ان تشرق علامة الصليب هذه فوق البحر من على هذه الصخرة العالية! لا شك ان منظره يمنح نفس الذين في العمق سلاما و يبهج قلب الملاح الشجي و هو يصارع الريح و الموج. فالصخرة البيضاء العالية ترى من بعيد و الصليب فوقها يمد ذراعيه بالبركة ناشرا رسالته في كل الارجاء و كأنه يقول "لا تخافوا .. لقد افتديتكم .. انتم لي"
و لكن يا سوسنة ليس كل واحد يشاركك شعورك هذا . فربما كان الصليب لكثير من البحارة مجرد علامة.
اجابت: "ربما. و لكن المسيحيون متماثلون في المشاعر العميقة".
توقفت قليلا ثم بحركة لا ارادية اطبقت يديها على ذراعي و قالت:
اما عن نفسي فكثيرا ما اشعر بقوة الصليب. احب ان افكر فيه كرمز. احيانا عندما اكون في اضطراب يكفيني ان استحضر رسمه و فكرته الى ذهني فيعود السلام. قد يظهر هذا عجيبا و لكن اليس هذا طبيعيا! الا تعلم ان حبه لنا هو الذي اتى به الى الصليب.
***
اليوم ذهبت وسوسنّة للتنزه في وادي قدرون. قالت برفق "انا متعبة يا يوسف!" فأوقفتُّ المركبة، وحملتها من المركبة ثم اجلستها على العشب. كنا قرب القنطرة المقامة على نهر قدرون. كانت متعبة! لقد كنت على حذر و اعتنيت بها و حافظت عليها ازيد من حرصي على انسان عيني. كان عقلها مرتاحا، اما قلبي فكان مضطرا. كانت مثل زنبقة ذاوية لا زالت جميلة عطرة تحتفظ بكأسها ما استطاعت – سائرة زمان غربتها بخوف و صلاة – و لكن كانت اوراقها تذبل سريعا في ظلال الموت. ان سوسنّة كانت متعبة و رأى البستاني السماوي ان ينقلها الى جنته العليا.
كنا نستريح على شاطئ نهر الاردن و ذكرت سوسنّة الملك داود ثم الملك الاعظم الذي صلب قريبا من هذا المكان.... لازالت الى الان اذكر هذه البقعة المقدسة بل كل نبت و كل حجر فيها.
كان جبل المريا على مرمى النظر حيث قام هيكل سليمان، ثم جدده هيرودس. و كان على يميننا وادي يهوشافاط السحيق الضيق و كأنه انخفاض بين سلسلتي جبال شاهقة نقرت في صخورها مغارات لا عدد لها مقابر غابرة للملوك والانبياء الاقدمين. و كان الى يسارنا جبل اللعنة و كنا نرى تحتنا البطن الصخري لنهر قدرون متعطشا لمياهه التي كانت دافقة، و يتصعد بعده جبل الزيتون بمنحنياته اللطيفة التى تصل الى جثسيماني، البقعة المقدسة التي يميزها عدد كبير من اشجار الزيتون العتيقة الكثيفة. كانت الشمس الغاربة ترمي ظلالا عميقة على الوادي تتخللها اشعة كسيرة، اما قمة جبل الزيتون فكان يكللها نور ضئيل مريح للعيون.
كان المكان الذي استرحنا فيه ظليلا يهب عليه نسيم عليل بارد منعش و جلست سوسنّة مطبقة اليدين زائغة البصر. كانت متعبة – متعبة حتى الموت. اغلقت عينيها. علتها صفرة! من حين لاخر كانت تشيع على وجهها حمرة مفاجئة في نوبات متتالية تترك وجهها في صفرة شديدة.
صار السكون مقبضا. لم تكن زوجتى نائمة و ان كانت مغمضة العينين، سألتها برفق؟
"ماذا بك يا ملاكي الطيب؟"
نظرت اليّ و اجابت "انني افكر في خطاياي"
قلت "خطاياك؟!" و امسكت عما كنت مزمعا ان استرسل فيه لئلا اسبب لها الما فاضفت اه يا .. يا زوجتي العزيزة، لا يمكن ان تكون خطاياك لا عديدة و لا كبيرة"
فاسرعت تقول "نعم يا فيلو ليس احد صالحا الا واحد و هو الله. لقد قصرنا جميعا عن ادراك الكمال و الله وحده يعرف مقدار خطايانا"
ولكن ما الذي دعاك لتذكري الان انك اخطأت ؟
نظرت اليّ في اندهاش . كانت لها المقدرة و الموهبة ان تفتح عيني في اي وقت على افكار عظيمة. عرفت ما تقصد. جلت ببصري بعيدا في الفضاء الواسع الباعث للسلام. لم تكن هناك بقعة ترغم الانسان على الاعتراف بعدم استحقاقه مثل هذا البقعة . نكثت رأسي في خزي.
استمرت تقول و هي ترتجف من الانفعال "يا زوجي، حتى في هذه اللحظة اشعر انني ملومة، حتى هنا تهاجم الافكار الخاطئة القلب. مر على ذهني خاطر مفاجئ. اشتقت لو اعفى من الالم، و نسيت ان اضيف "لتكن مشيئتك" و هذا خطأ لانه يجب ان نسلم ذواتنا تماما لله و نحن مطمئنين، ان ابانا السماوي يعرف الافضل لنا"
ارتفع في قلبي شعور بالحزن و لكن حبست احساسي و قلت برفق "ستعيشين بالتأكيد، فلماذا تحزنين قلبك بمثل هذه الافكار .. اه يا عزيزتي اذكري الحب الذي يبقيك هنا"
اجابت بابتسامة مشرقة كشعاع شمس ينير الظلام "نعم ان الحب هنا ثمين و لكن حبا افضل ينتظرني هناك"
مرت لحيظة سكون و لكني لم ارد ان اصمت، بل لم يكن في مقدوري فصرخت:
"ان حب البقاء والحياة – يا احلى زنبقة – لا يمكن ان يكون خطأ. لقد زرع الله حب الحياة في قلوبنا فلا يمكن ان يكون خطية ما، فتمسكي بالحياة. لا تظلمي نفسك، فاني لم ار مخلوقا له روح التسليم الكامل مثلك و لا غير محب للذات مثلك، و لا صالحا مثلك"
اجابت: هذا ما تراه.. انا اعرف انك ستفتقدني كثيرا"
ساد الصمت مرة ثانية و لكنه كان سكوتا محببا الى النفس لقد رايت السماء مفتوحة!
كانت علامات الرزانة على وجهها عرفت انها تصارع نفسها لكن لم يؤثر حتى اضطراب المصارعة على ثقتها بالله. كانت ترى يد ممتدة تمسك بيمينها لانني سمعتها تغمغم "لتكن لا ارادتي بل ارادتك"
لكن يظهر ان الاكليل لم يكن من نصيبها الان. قامت بغتة تقول بشفتين ترتجفان "لاشك ان الخطية هي التي تمنع وجود السلام الكامل. حقا انها خطية ان يتمسك الانسان بالحياة! و لكني على استعداد للذهاب.. و ها انا اشعر انني اقوى الان. هيا بنا ننطلق.
اخذت يديها و ضغطت برفق عليها غير عارف كيف اصوغ كلماتي فقلت "يا عزيزتي ليست الدنيا هي التي ترغبّك في الحياة و لا شك ان حبك ابعد ما يكون عن الخطية، فكيف تشعرين بانك مخطئة؟
نظرت اليّ و نور سماوي يشع في عينيها. شعرت به حينئذ و لكني لم اعرف مدى جماله و لا الانتصار الذي يوحيه.
قالت انني اشعر انني خاطئة و لكنني غير مضطربة لانني اثق في الله، و هو يعرف لك..." ثم اشارت الى الوادي و قالت "هل تستطيع ان تعد الحصى جميعه – كبيره و صغيره -؟ هكذا خطايا العالم لا تعد و لا تحصى . و لكن قدمي المخلص مرتا هنا و هو حزين الى الموت. وضع عليه اثم جميعنا .. و اثمي انا ايضا. لقد محا الخطايا فلا اعود اضطرب بعد!"
عبرنا وادي قدرون و صعدنا جبل الزيتون، و اتينا الى جثسيماني. حديقته محوطة بسور وطئ و فيها بضعة اشجار زيتون. اما البقعة التى شهدت خيانة يهوذا فمسورة لوحدها. وقفنا تحت الشجيرات. البقعة التي صارع المخلص فيها بحزن عندما شرب الكأس ليطلق الناس احرارا.
ركعت سوسنة في عبادة قلبية حارة. و لا شك انها صلت لاجلي انا ايضا. منحت السلام حينئذ و اضاء وجهها بهالة من البهاء و قامت و هي تقول "لتكن ارادتك".
رجعنا الى البيت و اوت الى الفراش . فاضت اخر انفاسها في تلك الليلة. ماتت وعلى وجهها ابتسامة الرضى التي للقديسات. و قد فقد الموت معها رعبه فنامت كشخص مبارك، صفراء ولكن بجمال سماوي، و يداها مكتوفتان فوق قلبها الذي لم يعرف الا المحبة و الخير. لا أستطيع وقفَ دموعي ، أخذت تلك الجوهرة الثمينة الى حضني ودموعي تنهمر بغزارة ولكن بلا صوت أقول في نفسي وداعا يا جوهرتي ستسبقيني الى الفردوس.
مع انني مرضت بسبب رحيلها عني فقد كان لها من التأثير و القوة ما يرفعني اعلى من حزن العالم. و اتاني رجاء نفى منى الخوف، انه مهما كثر حزني على الارض فان المكان معد حيث التقي بها وحيث لايوجد حزن و لا الم بعد و لا يسود الموت.
وقعت كلماتها الاخيرة على قلبي كبركة من العلاء "اشكرك يا يوسف ! اني سعيدة. فليكن يسوع معك!"
ملأني الحزن ولكن روحي الداخلية كانت تفيض رجاءا يسمو بها و يعزيها. انني ايضا عما قريب سأكون حيث لا يوجد حزن بعد. و بقبلة مقدسة امتزج نفسي بنفسها الاخير.
رحلت عني زوجتي. و رحلت انا عن اورشليم. لازلت احن الى الجليل . و مع انه لا يبعد اكثر من 75 ميل عن اورشليم الا ان قلبي قد تركني الى هناك.

-9-
جاءني اليوم عبدي باروخ، وراح يقص ما رآه اليوم في المدينة:
يعقوب اخو يسوع آمن على يديه كثيرون. التفاف الكثيرون حوله، أثار حنق رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين عليه، فقرروا التخلص منه. قاموا بنفس واحدة واخذوه بعنف حيث أوقفوه فوق جناح الهيكل ليشهد أمام الشعب ضد المسيح.. فلما خاب ظنهم وشهد عن يسوع أنه المسيا وهتف الكثيرون أوصنا لابن داود. صمت لحظة ثم قال:
- رحت اطرد من حوله هؤلاء الاشخاص القساة، لست شجاعا. كما انني لست قويا. يخيل اليّ الان ان الذي فعل هذا شخص اخر. شخص جرئ قوي تسلل الى.
قلت له:
- عندما يشب حريق او يوشك شخص على الغرق او تحدث كارثة فان ابسط مخلوقات الله في الحياة العادية يتحول فجأة الى مخلوق خارق فيقدم على افعال لا يتصور احد – و لا هو نفسه انه يمكنه عملها. و لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
- صعدوا به وطرحوه إلى أسفل.
- يا الهي!
- لقد سقط وكان ما يزال حيا، جثا على ركبتيه واخذ يصلي عنهم بينما راحوا هم يرجمونه. كان يطلب لهم المغفرة. وفيما هو يصلي تقدم قصّار ملابس وضربه بعصا على رأسه فأجهز عليه.
يا الهي، ان القسوة تملكت قلوب سكان اورشليم. ان الحق غادر شوارعها و صار الظلم يبيت فيها.
***
كان المسيح يعلم ان المخاطر التي ستواجه الشعب البائس، ستكون هائلة، لا تقتصر على الحرمان من المصير الابدي الذي جاء يدعو كل البشرية اليه، بل ستشمل مخاطر دنيوية كبيرة. ذلك بسبب مواجهتهم لاكبر امبراطورية ظهرت على وجه الارض. وما سبق وأنبأ المسيح عن حدوثه لهم من خراب تم. ففي سنة 66 م بناءا على اوامر نيرون جاء فيسباسيان الى الجليل على رأس حملة واغتصبوا النساء احرقوا المدن. غادر الكثيرون الجليل الى اورشليم و كنت انا واحدا منهم. عندما وصلت، افزعني ما وجدت المدينة قد آلت اليه.
عندما دخلت المدينة كان النهار قد بدأ يميل. و كان من الواضح ان نهاية المدينة ايضا تقترب. لقد تفشى بين السكان الغش و الخيانة و الحياة غير الطاهرة و القتل و كل انواع السحر. و اما في الظاهر فقد وقفت التقوى المظهرية في الشوارع تجر اذيالها الطويلة و تصلي علانية رياءا و ادعاءا. و يدخل الناس زرافات الى الهيكل و تتجلى العبادة في كل مكان. و قد كتب المتعبدون على منازلهم عبارات تدل على قداسة ساكنيها ولقد شاقني منها عبارة تكررت اكثر من سواها و هي "التقوى مع التجارة!" فكأن القوم يجرون وراء الاثنين سويا، و يعتبروا التقوى وسيلة و والربح هو الغاية المشتهاة، غير حاسبين حسابا لما يبذلونه من مكر و غش في سبيل الحصول عليه.
اضطرب قلبي و انا اتجول في شوارعها. هذه اذا هي اورشليم! انها بذاتها المدينة التي اتاها المخلص معلما و شافيا. لا شك ان هناك قوم يستطيعون ان يخبروني عنه . و لكن قبل كل شئ سأمر على الطريق المؤدي الى الجلجثة و لكن- يا للاسف –استوقفت اول يهودي صادفته لاسأله و لكنه تملص مني هازئا و فعل ذلك غيره و غيره.
اخيرا وجدت نفسي في طريق الالام. اعتقد اليهود انني روماني و رأيت من خشونتهم الكراهية التي يبدونها للغريب المحتل. تبينت انه لا يوجد في هذه المدينة من يعرف شيئا. لقد نسى المخلص.
عندما رجعت للبيت جعلت اكتب الاتي:
رويدا رويدا يقل الخوف و تهب الحياة العادية في المدينة. و يتبع الشعب رؤساءه مثل خراف مذعورة. و يحاول الرؤساء ان يداووا كل جرح بثوب من البر الذاتي. و يزداد الرياء و تزدهر اثمار الموت، و تكثر القبور المبيضة و تنضح الفساد المخبوء فيها و سرعان ما يسري الداء و يمرض الجسم جميعه و يمتلئ نجاسة ، و تصير الامة جثة هامدة ينهشها الدود و تطلب النسور التهامها.
انتهي بيلاطس و تتابع بعده على الحكم ولاة افظع منه . و هذا هو سوء طالع هذا الشعب . فقد اصبح هذا الشعب محط القسوة لا يحتملون ذلك و تنساب العواطف العاصفة . كان اشد اعداء اورشليم داخل اسوارها .. التفكك البغضة و عدم الاتحاد .. كانت الشحناء على اشدها ين كل واحد و الاخر . ترتكب اشنع الجرائم من الاخ ضد اخيه.
كانت ساعة الرجاء والغفران موشكة على الانقضاء، وكأس غضب الله المؤجل طويلاً كادت تمتلىء، والغيمة التي ظلت تتجمع مدى اجيال العصيان والتمرد، وقد صارت سوداء جداً تنذر بالويل والثبور، كانت توشك ان تنفجر على تلك الأمة الآثمة. وذاك الذي كان يستطيع وحده ان يخلصهم من المصير المرعب المحيق بهم احتقر وأهين ورُفض، وعلق على صليب في الجلجثة. يوم اسرائيل كأمة منعم عليها ومباركة من الله قد انقضى .
ان اليهود هم الذين صنعوا اغلالهم التي كُبلوا بها، وهم الذين ملأوا لانفسهم كأس النقمة . ففي الهلاك الشامل الذي حل بهم كأمة، وفي كل الويلات التي لا حقتهم في شتاتهم، انما كانوا يحصدون العاصفة بعد ان زرعوا الريح بأيديهم

في اثناء ملك هيرودس لم تكن اورشليم مزينة جداً فقط، بل بنيت فيها الابراج والاسوار والحصون التي زادت موقعها مناعة فبدت قوية ومنيعة لا تقهر . ومَن كان ينبئ بخرابها في ذلك الحين كان يُعتبر رجلا مجنوناً مثيراً للفتن ومختبل العقل .
ما عاد خوف الله يزعجهم، وصار الشيطان على رأس تلك الامة، وخضعت لسلطانه أعلى السلطات المدنية والدينية. في بعض الاحيان كان رؤساء الاحزاب المتعادية يتفقون على نهب ضحاياهم التعساء وتعذيبهم، وبعد ذلك كانت قواتهم ترتد بعضها على بعض، فيذبح احدهم الآخر من دون رحمة. كانت الظاهرة السائدة بينهم هي الرياء.
***

لقد ظهرت آيات وعجائب منبئة بالكوارث والهلاك . ففي منتصف الليل اضاء نور غير طبيعي على الهيكل والمذبح . وفي السحاب عند الغروب كانت تُرى صور مركبات ورجال حرب مصطفين للقتال . والكهنة الذين كانوا يخدمون ليلاً في الهيكل ارتعبوا لدى سماع اصوات غامضة، كما ارتجت الارض وسُمعت اصوات كثيرة قائلة: "لنرحل الان". وحدث ان الباب الشرقي الهائل الذي كان ثقيلاً جداً بحيث ان عشرين رجلا كانوا يوصدونه بشق النفس والذي كان مثبتاً بمصاريع ومتار يس قوية مثبتة في الارض الصخرية، انفتح في منتصف الليل بيد غير منظورة.

و احكي لكم عن انذارا اخر:
طوال سبع سنين كان يذرع شوارع اورشليم صعوداً ونزولاً معلناً الويلات المزمعة ان تنقض على المدينة،
كان رجلا هرما، طويل القامة، شاربه كث يضفي مسحة من القسوة على وجهه المملوء بالتجاعيد. في النهار والليل كان ينشد بصوت حزين هذه المرثاة قائلا: صوت من الشرق، صوت من الغرب، صوت من الرياح الاربع! صوت ضد اورشليم وضد الهيكل ! صوت ضد العريس والعروس !...

وقف وسط المدينة كعمود من فولاذ وسط الدخان، وتحلق حوله ثمانية عشر شخصا، ينصتون الى ما يقول وعيونهم معلقة عليه. جذبتني كلماته، كان يقول:
"لماذا نقاتل؟ هل لكي نتخلص من حكم الرومان؟ نعم وماذا بعد ذلك؟ تقوم مملكة اسرائيل. ومن الذي سيقيمها؟ الله بواسطة المسيح. ان الرومان يجسدون خطايانا. لو لم نكن خطاة لما اعطى الله النصرة للرومان علينا. لن نستطيع طرد الرومان لو لم يكن الله معنا. قبل ان نقاتل يجب ان يغسلنا الله من خطايانا.
حينما قال هذه العبارة غرقت في شعور رهيب بالحزن. تابعت باقي كلامه. عباراته نفذت الى قلبي وعقلي.

غادر العجوز الهيكل في الغروب وهكذا فعل اياما كثيرة. و نزل الى سكان اورشليم فالهيكل كان فى أعلى بقعة ، لكن المعنى أشمل وأعمق من مجرد النزول ، إذ أن من يحمل رسالة اللّه عليه أن يدرك بأنه يحمل رسالة تعلو فى مركزها وسلطانها وأمرها على كل عظماء الأرض وسادتها.

فيما بعد أُلقي بذلك الرجل الغريب الاطوار في السجن وجُلد، ولكن لم تخرج من بين شفتيه كلمة تذمر او شكوى، ولم يرد على الشتائم والإهانات ولم يكفّ ذلك الرجل عن تقديم انذاراته ! "ويل ويل لاورشليم، وويل ويل لسكانها" هكذا ظل يردد.


***

اتت ساعة اورشليم الاخيرة. يحيط العدو باسوارها . ينفث الانتقام و التخريب .اهوال هذا الحصار لم يكن مثله قط.

فيسباسيان رجع ليصبح إمبراطور روما في 68 م وابنه ، تيتوس تولى حملة ضد اليهود المتمردين . بعد فترة حاصروا اورشليم.

علمت من احد اصدقائي ان يهوذا قائد المتمردين وقف على سور اورشليم، و سأله احد جنوده:
- يا ترى الى اي مدى سيطول حصار تيطس اورشليم؟
- شهر او شهر و نصف على الاكثر.
و هكذا اعتقدوا ..


تجمع الجنود حول المدينة رافعين راياتهم كما تتجمع النسور حول الفريسة. وكثير من الشعب متمسكة بالاعتقاد ان الله العلي سيتدخل ويهزم خصومهم.لكنّ شعب اسرائيل كانوا قد رفضوا حماية الله، والآن فلا يوجد ملجأ يعتصمون به . ما اشقاك يا اورشليم !

نصبوا السلالم. وراحوا يتسلقون الاسوار.
ينسدل هذا المشهد و يلتحف بليل من الموت.
لكن استطاع رجال يهوذا صد الهجوم.
ثم يتكرر الامر على مسرح هذه المدينة العاثرة مرات و مرات!
تيطس يأمر جنوده فيقذفوا المدينة بالمنجنيق، فتهدمت اجزاء من السور.
هذه المرة استطاعوا احتلال المدينة فتحصن البعض بالهيكل

ان اورشليم اذ مزقتها الفتن الداخلية جرت دماء بنيها القتلى في الشوارع ناحراً احدهم الآخر. و كان يسوعاط الوحيد هو الكره للعدو المشترك الرابض على الابواب.
بل حتى قدسية الهيكل لم تكن كافية لردعهم عن أعمالهم الوحشية الرهيبة . فقد كان العابدون يسقطون صرعى امام المذبح، وهكذا تنجس المقدس بجثث القتلى . ومع ذلك فان مرتكبي تلك الجرائم الجهنمية، في عماهم وتجديفهم وغطرستهم، اعلنوا على الملأ انهم لا يخشون على اورشليم من الهلاك لأنها مدينة الله الخاصة . ولكي يثبتوا سلطانهم اعطوا بعضَ الانبياء الكذبة رشوةً ليعلنوا، حتى في الوقت الذي كانت فيه جيوش الرومان تحاصر الهيكل، ان الشعب يجب ان ينتظر خلاص الله . والى النهاية ظلت جماهير.

ذهبت يوما الى بركة سلوام خلت مياهها و قد امتزجت بالدم و الدموع و صديد جراح ابدية . و ثمة ريح باردة مسائية تدفع صفحة المياه فتكسرها في موجات تصدر خريرا خافتا.
ورحت افكر....
تملكني ضعف شديد. لم اكن استطيع ان آكل سوى رغيف خبز و بضع حبات من البقل. و ظللت هكذا اربعين يوما. اكان هذا صوما؟ ربما فشعبي كثير الاصوام. صوم الشهر الخامس و صوم الشهر السابع .... و الصوم مرتبط بالمحن نتذلل فيه امام الهنا، و نحن الان في محنة!.
كنت اعرف قصة ارميا و كيف انه القى في الجب و كان طعامه خبزة في اليوم . كما اذكر قصة في تقاليدنا ان احد رجال الله القي في الجب و كان طعامه لمدة 15 عاما خبزة واحدة تلقيها امرأة ارملة ظهر لها ملاك في الحلم و امرها بذلك و فعلت ذلك ببساطة دون ان تسأل عن السبب ورغم استهزاء الجيران بها و سخرية الاقارب الا انها داومت على فعل ذلك. كثير من الامور كان يفعلها اباءنا يايمان بسيط نفتقده نحن الان.

***

اعتقد ان ما حل بالشعب البائس من نكبات ودمار أثناء حصار أورشليم، لم يكن سوي انتقام إلهي لدماء يعقوب البار. لم يهلك احد من المسيحيين عند خراب اورشليم . كان المسيح قد انذر تلاميذه، فكل من آمنوا بكلامه جعلوا يترقبون العلامة ومتى رأيتم اورشليم محاطة بجيوش الاعداء حينئذ ليهرب الذين في اليهودية الى الجبال. والذين في وسطها فليفروا خارجاَ".
حاصر الرومان المدينة بقيادة سيستيو.س فكوا الحصار على غير انتظار عندما كان كل شيء يبشر بهجوم ناجح . وإذ يئس المحاصَرون من المقاومة الناجحة كانوا على وشك التسليم، فاذا بالقائد الروماني ينسحب على رأس جيشه من دون سبب ظاهر . لكنّ عناية الله الرحيمة كانت تسيِّر الحوادث لخير شعبه . فقد أعطي المسيحيون المنتظرون العلامة الموعود بها، واتيحت الفرصة الآن لكل من يريدون ان يطيعوا انذار المخلص. وقد تسلط الله على الاحداث بحيث لم يمنع اليهود او الرومان جماعة المسيحيين من الهروب . واذ ارتد القائد سستيوس خرج اليهود من اورشليم يطاردون الجيش الروماني . وعندما التحم الجيشان كانت لدى المسيحيين فرصة لترك المدينة . وفي هذا الوقت لم يكن في الارياف اعداء يعترضون طريق اولئك الهاربين . وفي وقت الحصار اجتمع اليهود في اورشليم لاحياء عيد المظال، وهكذا استطاع المسيحيون، في طول البلاد وعرضها، ان يهربوا، من دون ان يزعجهم احد، الى مكان امين مدينة بيللا في ارض بيرية في عبر الاردن.

***

هجمت قوات اليهود التي تطارد سستيوس وجيشه على مؤخرة ذلك الجيش بوحشية عظيمة بحيث تهددوهم بالفناء التام . وبصعوبة عظيمة امكن الرومان ان يتقهقروا. اما اليهود فقد نجوا بلا خسارة تُذكر، ثم عادوا الى اورشليم منتصرين وهم يحملون غنيمتهم . لكنّ هذا النجاح الظاهري لم يجلب لهم غير الشر، فقد ملأهم ذلك الفوز بروح الاصرار على المقاومة العنيفة للرومان، مما جلب على تلك المدينة المقضي عليها ويلات مروِّعة وسريعة. عندما استأنف تيطس الحصار حلت باورشليم كوارث هائلة . وقد وقع الحصار على المدينة في ايام عيد الفصح عندما كان ملايين من الشعب مجتمعين داخل اسوارها. غير ان مخازن المؤونة التي كانت في حوزتهم والتي لو حرصوا عليها لكانت تكفيهم عدة سنين، كانت قد اتلفت بسبب حسد رجال الاحزاب المتنازعين وانتقاماتهم المتبادلة . والآن الناس يجوزون في كل اهوال المجاعة المخيفة، فقد بيع مكيال القمح بوزنة من المال . وكانت وخزات الجوع على الناس شديدة بحيث انهم كانوا يقضمون مناطقهم الجلدية ونعالهم وأغطية دروعهم . وكثيرون من الناس كانوا يتسللون الى خارج الاسوار تحت ستار الظلام ليجمعوا النباتات البرية النامية خارج الاسوار، لكنّ كثيرين منهم قُبض عليهم وقتلوا بعد عذابات شديدة، والذين عادوا اغتُصب منهم في غالب الأحيان ما جمعوه بعد تلك المخاطرة العظيمة . ثم ان ذوي السلطان كانوا يوقعون عذابات وحشية رهيبة بالناس الذين عضهم الفقر بنابه لكي يغتصبوا مؤونتهم القليلة التي اخفوها. وكانوا في غالب الأحيان يلجأون الى ضروب القسوة هذه، مع انهم كانوا قوماً شباعى، وكان همهم ان يختزنوا المؤونة للايام اللاحقة.
هلكت آلاف الانفس بالجوع والوباء .وقد بدا كأن المحبة الطبيعية قد انتزعت وتلاشت. فلقد سلب الازواج زوجاتهم والزوجات ازواجهن. وكان الأولاد يختطفون الطعام من أفواه والديهم الطاعنين في السن . والسؤال الذي ألقاه النبي "هل تنسى المرأة رضيعها؟" وجد له جواباً في داخل اسوار تلك المدينة المقضي عليها بالهلاك حين قال "ايادي النساء الحنائن طبخت اولادهن . صاروا طعاماً لهن في سحق بنت شعبي".

لقد حاول القادة الرومانيون ان يوقعوا الرعب في قلوب اليهود، وهكذا يجعلونهم يستسلمون . والاسرى الذين قاوموا عندما اسروا جُلدوا وعذبوا وصلبوا امام سور المدينة . وكان مئات من الشعب يقتلون على هذا النحو كل يوم، وظل ذلك العمل المخيف جارياً حتى لقد نصبت صلبان في كل وادي يهوشافاط وفي جلجثة بكثرة عظيمة بحيث غدا السير بين تلك الصلبان متعذراً. فاللعنة التي نطقوا بها امام كرسي ولاية بيلاطس حين قالوا "دمه علينا وعلى اولادنا" حلت بهم بطريقة مرعبة جداً.
كان تيطس يرغب كل الرغبة في ان يضع حداً لتلك المشاهد المخيفة، وهكذا ينحِّي عن اورشليم كأس الهلاك فلا تشربه حتى الثمالة .وامتلأ قلبه رعباً عندما رأى أكواماً من الجثث في الاودية .وكمن هو ذاهل العقل تطلع من اعلى جبل الزيتون الى الهيكل الفخم الجميل وامر بالا يمس حجر من احجاره .وقبل ان يحاول امتلاك هذا الحصن التمس بحرارة من رؤساء الهيود ألا يجبروه على تدنيس ذلك المقدس بالدماء .فاذا خرجوا للحرب في اي مكان آخر فلن يمس روماني واحد ذلك الهيكل او ينتهك حرمته . ثم ان يوسيفوس نفسه توسل اليهم بكل فصاحة وقوة اقناع ان يستسلموا، وبذلك ينقذون انفسهم ومدينتهم وهيكلهم. لكنّ جوابهم على كل ذلك كان اللعنات المرة . وفيما كنت انا يوسيفوس، وسيطهم البشري الاخير، واقفاً اتوسل اليهم كانوا هم يصوبون اليّ سهامهم . لقد رفض اليهود توسلات ابن الله، والآن فها كل الاعتراضات والتوسلات تزيدهم اصراراً على المقاومة الى النهاية . وعبثاً بذل تيطس مساعيه وجهوده لانقاذ الهيكل، فان شخصاً اعظم منه قد اعلن انه لن يُترك فيه حجر على حجر.
هذا، وان عناد رؤساء اليهود الاعمى والجرائم الكريهة التي ارتكبت في داخل اسوار تلك المدينة المحاصرة أثارت رعب الرومان وغضبهم . واخيرًا قرر تيطس الاستيلاء على الهيكل بالهجوم عليه . ومع ذلك فقد عزم انه بقدر الامكان ينبغي ان يُحفظ الهيكل من الدمار . لكنّ اوامره اهملت. فبعدما اوى الى خيمته ليلاً خرج اليهود من الهيكل وهاجموا الجنود في الخارج . وفي اثناء الهجوم القى احد الجنود الرومان جمرة مشتعلة من النار في الهيكل من خلال فتحة، فاشتعلت النار في الحال في كل حجرات الهيكل المبطنة بخشب الارز . فاندفع تيطس الى هناك يتبعه قواده وجنوده وامر بان يطفئوا لهيب النار، لكنّ اوامره اغفلت اذ انّ اولئك الجنود في حُمُوّ غضب هم القوا بشعلات نار في الحجرات المجاورة للهيكل ثم قتلوا بحد السيف اليهود الذين جاءوا ليحتموا فيه . وقد جرت الدماء على درج الهيكل كالماء، وهلك من اليهود آلاف فوق آلاف . وفوق هذا زال المجد" ايخابود".
***
اجتهد اليوم ان اختم هذه الرسالة قبل ان يغيب النور.
الا يوجد امل؟ الا يوجد اي احتمال للخلاص من الاعداء؟ لا استطيع القول انني احيانا اجتهد ان اتمسك بخيط واه من الرجاء، و لكنه يخترق نفسي كما لوان صاعقة خاطفة لا استطيع الركون اليه. احيانا اخرى عندما تصل الامي و عذاباتي الى الحد الاقصى اكاد اشعر بشئ من الهدوء. هل اجرؤ ان اقول بشئ من السلام؟ لكن سرعان ما يجئ هذا الشعور حتى يذهب. فأشك ان كنت شعرت بشئ منه ابدا.
انه اله العدل و نحن ننال جزاء اعمالنا. و لكنه ايضا اله الرأفة فربما تحنن على شقاءنا!
اخشى ان يكون هذا الامل كاذبا، و انه جزء من عذابنا. الويل لي اين طار ذلك الامل الذي شاع في نفسي لحظة. انه ضاع. انه طار مثل سراب كاذب تبتلعه الحقيقة المرة!
استسلم لليأس. يكاد قلبي ينفطر و ينكسر.
ما فعله الرومان القساة بمدينة داود البائسة كان مريعا. هذا الحصار ينتهي ايضا بخراب ذريع و عذاب مريع لسكان المدينة العظيمة لا مثيل له في الدنيا و لن يرى مثله.
كما في السالف امضيت الليل الطويل في ارق بينما تلتهب النيران الحامية في داخلي.

***
اصبحت مرات كتابتي قليلة و متباعدة. يتزايد خوفي من مجهود الكتابة. اخذت رقا وغمست القلم في الحبر وجعلت اكتب ولكن اعتراني كلل ممرض فألقيت بالقلم في نصف الجملة الاولى. احداث الامس جميعها برزت على صفحة عقلي المضطرب كما تختلج الرواسب القاتمة في بئر عكرة. و استشعرت في نفسي الوهن و لكن اسوأ الامي انبعثت من حزن يستعصي على الوصف. بؤس روحى ما فتئ يستل منى دموعا صامتة فلا اكاد امسح عن وجنتي دمعة حتى تعقبها اخرى. ليس من يكتب بحبر القلم كمن يكتب بدم القلب. وانا الان اجد صعوبة بالغة في الكتابة حتى و كأني اسكب عصارة ما تبقى في جسدي مع تقدم العمر، ثمة دافع لا يقاوم يجعلني اكتب. سأكمل ما بدأته:

"وجد تيطس انه يستحيل عليه ان يوقف غضب جنوده عند حده، فدخل في صحبة ضباطه وعاين ذلك الهيكل المقدس من الداخل . وقد ملأهم جلاله وبهاؤه دهشة، واذ لم تكن النيران قد نفذت الى القدس بذل تيطس آخر جهد لانقاذه، فوثب الى الأمام وأمر جنوده مرة أخرى ان يوقفوا تقدم الحريق . وقد حاول ليبراليس قائد المئة ان يرغم الجنود على الطاعة اذ أبرز قضيب رتبته امامهم، ولكن حتى إحترام الامبراطور سقط أمام حقد الرو مان الشديد على اليهود، مما زاد من هول المعركة، ومن النهم الى السلب والنهب . وقد رأى الجنود كل ما حولهم يتلألأ في بريق الذهب الذي كان يخطف الابصار بلمعانه على ضوء اللهيب المشتعل، فظنوا ان كنوزاً لا تحصى مخبوءة في المقدس. واذ بجندي لم يلحظه احد يدخل ويقذف بمشعل ملتهب من فتحة في الباب، فاشتعلت فوراً النار في كل البناء . واضطر الجنود ان يتراجعوا امام وهج النار والدخان الذي كاد يعميهم، وهكذا ترك ذلك البناء الفخم الى مصيره. كان منظرا مرعباً للرومان، فما عساه يكون لليهود ! كل قمة التل » المشرف على المدينة اشتعلت كالبركان . وقد انهارت وتهدمت المباني واحد في اثر الآخر بصوت تحطيم هائل، فابتلعتها الهوة المشتعلة بالنار .
والسقوف المصنوعة من خشب الارز كانت تشبه الواحاً من اللهب . والابراج المموهة بالذهب اضاءت في هيئة حراب من النور الاحمر . والابراج المقامة على الأبواب قذفت الى أعلى أعمدة من اللهب والدخان، فأنار ذلك الحريق التلال المجاورة . وكانت توجد جماعات من الناس ملتحفة بالظلام ترقب في جذع عظيم تقدم النار والخراب . وامتلأت الاسوار والمرتفعات بوجوه بعضها شاحب من فرط اليأس، والبعض الآخر جَهِم لعدم جدوى الانتقام. هذا وان صيحات جنود الرومان وهم يروحون ويجيئون، وزعقات الثوار الذين كانت تلتهمهم النيران اختلطت بحسيس الحريق وازيز الاخشاب المحترقة المتساقطة كهزيم الرعد . وقد رددت الجبال صدى نشيج الشعب من فوق المرتفعات . وعلى طول الاسوار كان يُسمع الجؤار والعويل والضوضاء . والناس الذين كانوا موشكين على الموت جوعاً استجمعوا ما تبقى في اجسامهم من قوة ليطلقوا صرخات حزن وعذاب.
كانت المذبحة التي في الداخل اشد هولاً من المنظر في الخارج، فالرجال والنساء، والكبار والصغار، والثوار والكهنة، والذين كانوا يحاربون والذين كانوا يتوسلون ويسترحمون ... الجميع قتلوا بحد السيف في مذبحة عامة بلا تمييز . وكان عدد القتلى يربو على عدد قاتليهم . وكان على جنود الرومان ان يتسلقوا فوق اكوام جثث القتلى ليقتلوا الاحياء الباقين وبعد خراب الهيكل سقطت المدينة كلها في ايدي الرومان. وقد هجر رؤساء اليهود الابراج المنيعة فوجدهم تيط س منفردين، فتفرس فيهم في ذهول وأعلن لهم ان الله قد اسلمهم اليه، لان آلات الحصار، مهما بلغت فعاليتها، كانت عاجزة عن دك تلك التحصينات الهائلة . ان المدينة والهيكل قد قُوِّضا كلاهما حتى اساساتهم والارض التي كان ذلك البيت المقدس مقاماً عليها والمذبحة التي تلت ذلك هلك اكثر من مليون نفس من الشعب، والذين بقوا احياء اقتيدوا اسرى او بيعوا عبيداً او سيقوا الى روما ليزينوا موكب احتفال القائد الفاتح، او طرحوا للوحو ش في المدّرجات الرومانية أو تشتتوا وهاموا على وجوههم كجوَّابين لا وطن لهم في كل بلدان العالم".

ان الله اله العدل و نحن ننال جزاء اعمالنا. و لكنه ايضا اله الرأفة فربما تحنن على شقاءنا! اخشى ان يكون هذا الامل كاذبا، استسلم لليأس. يكاد قلبي ينفطر و ينكسر. يا لابليس الذي يشككنا دائما في رحمة الله. ثم بدأت اتلو ما جاء في مراثي ارميا:
"كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب.
كيف صارت كأرملة، العظيمة في الامم.
السيدة في البلدان صارت تحت الجزية.
تبكي في الليل بكاءا، ودموعها على خديها.
ليس لها معز من كل محبيها".

كان يوما شاقا وما ان اسندت رأسي حتى غرقت في نوم عميق و اذ بي ارى واد عميق و قد اجتمع جمع كثير لا يعد. ساد الظلام و كان زلزال. ورأيت نفسي واقفا على صخرة منتصبة في البحر وحدي و حولي الامواج المتلاطفة و رذاذ يتطاير في وجهي و اجزاء من سفينة محطمة لا تزال تأخذ سبيلها الى الغرق. و الافق شاحب من جراء ضباب و سحاب قاتم.
في اليوم التالي اتجهت نحو نهر قدرون. وددت ان استريح قليلا. جلست صامتا ارى اورشليم كمقبرة مهجورة، غريبة عن الله، فريسة للمغتصب، جثة مائتة، طعاما للدود. و النفوس التي تسكنها تعيش في الخراب، الخراب الذي استمطرته على ذواتها حين قالوا "دمه علينا و على اولادنا"
مرض قلبي في داخلي. عدت للمدينة نحو الظهيرة. صادفني موكب مثير في الطريق. لقد عينت روما حاكما جديدا على المدينة البائسة. رأيت مركبة ذات عجلات تجرها خيول تغطي رؤوسها اغطية قرمزية و فوق المركبة عرش جلس عليه رجل يرتدي ثيابا ارجوانية مزركشة . اما يشعر هذا المنظر بالفخامة و الابهة. لا ان صاحبه ملتحف بالدماء و مركبة النصر التي يعتليها ما هى الا مقصلة متحركة تحتشد وراءه زمرة من القتلة.
رحلت مسافة الى قرية الرامة مسقط رأسي التي تبعد 4 اميال. حين وصلت وجدتها كانها مقبرة سوداء خرساء. لم ار خلال نوافذها شيئا حيا، و لم اسمع صوتا. و مع ان البيوت مفتوحة لم يخرج منها مخلوق حي. لا اثر للاحياء وينفث جوها موتا. كان الدمار في كل مكان.
ركعت اصلي:
لماذا رفضتنا يا الله الى التمام.
لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك
الهي لماذا صارت جنتك و زينة مقدسك خرابا.
حتى متي يا الله يعير المقاوم ويهين العدو اسمك الى الغاية.
لا تسلم للوحش نفس يمامتك. قطيع بائسيك لا تنس الى الابد.
لك المجد الى الابد. امين
الواقع ان البلايا شئ شائع، ولكنك تصدقها بصعوبة حين تسقط على رأسك. لقد عرف الناس من الاوبئة ما عرف من الحروب. ومع ذلك فان الاوبئة و الحروب تفاجئ الناس دائما. كنت مقسما بين الامل والقلق. حين تنشب حرب ما يقول الناس: "انها لن تدوم طويلا" و هذا امر سخيف. لا ريب ان حرب ما هي امر سخيف. ولكن ذلك لا يمنعها من ان تدوم. كان الكثيرون من الشعب يقول ان ذلك حلم مزعج وسيمر. ولكنه لم يمر ابدا، ومن حلم مزعج الى حلم اخر اكثر ازعاجا كنا ننتقل. الليالي والايام مملوءة دائما بصراخ البشر الذي لا ينتهي. فتحت النافذة التي تطل على دكان نجار ومن هناك كان يسمع صفير متكرر جاف لمنشار. كان هناك الكد والعمل، اما الباقي فانه عالق بخيوط لا معنى لها، لا يمكن التوقف عندها.
والواقع ان احدى النتائج الاكثر بروزا كانت الانفصال بين بشر لم يظنوا يوما انهم سينفصلون او يعدوا انفسهم لهذا الانفصال. فامهات واولاد وازواج ينفصلون عن بعضهم بالموت. حتى الكلمات التي كانت تخرج في اول الامر وهي تقطر من قلبي لم تلبث ان فرغت من معانيها.
في سنة 73 م قتل تيطس جميع الثائرين في اليهودية، حتى دخل أخيرا مسعدة حيث دمر اخر معقل للثوار. ثم عاد إلى روما وأصبح الإمبراطور عند وفاة والده فيسباسيان.
كان الغسق ينسدل فاسندت ظهري الى الحائط و غرقت في تفكيري. امسكت بورقة سلسلة الانساب التي تخصني و جال في ذهني هذه الخواطر فدونتها كخاتمة لمذكراتي:
"ان مفهوم سائر اليهود عن ابوة ابراهيم لهم مفهوم منحرف لان ابوة ابراهيم تسري على كل من له تقوى و ايمان ابراهيم. و مفهومهم عن الوعود الالهية التي منحت لابائهم مفهوم منحرف لان تلك الوعود كان اتمامها مشروطا بسلوك البر العدل من جانب كل الاجيال, و مفهومهم عن تحير الله لهم بمخالطة الامم مفهوم منحرف اذ فهموه على انه حض الهي لهم على كره الامم والاستعلاء عليها، بينما كان القصد منه ان يستكملوا نضجهم الروحي اولا بعيدا عن تأثيرات العبادة الوثنية، لكي يصيروا بعد ذلك منارة قادرة على جلب الشعوب الاخرى الى عبادة الاله الواحد. ولكن هذا لم يحدث. وتمسك الشعب بعبادة مظهرية جوفاء ولم يتوبوا عن شرورهم. فكان الخراب والهلاك هي النهاية المحتومة. لقد اصبحت اورشليم بحق المدينة البائسة وصارت مثلا وهزءا بين شعوب الارض. وكل من يسمع من الاهوال التي حدثت وذكرناها آنفا تطن اذناه".
===
المراجع:
1 رومية2: 19
2 متى23: 15
3 لو6: 15
4 دانيال9
5 2اخ9: 27
7 لو13: 1
8 أع5: 37
9 يو7: 31

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق