11 نوفمبر، 2014

كم شبراً من الأرض يكفي الانسان

باخوم فلاح روسي مضطرم الرغبة في توسيع أملاكه ، فأكد له بعض الناس أن " الباشكير " وهم شعب من شعوب روسيا الشرقية يبيعون أراضيهم بأثمان زهيدة جدا فجمع كل أمواله وسافر إلى بلاد الباشكير . فعاقد شيخ القرية على أن يكون له بألف روبل جميع ما طاف به من الأرض في يوم واحد ، على شرط أن يرجع قبل المغيب إلى الموضع الذي ذهب منه ، وإلا خسر جميع ماله. وعند الفجر أقامت الجماعة على أكمة وانطلق باخوم بصحبة فتيان على جياد ليقيموا معالم للأرض المطوقة.
مضى باخوم يسير سيرا متماثلا على غير بطء ولا إسراع . ولما قطع ميلا أمر بأن
ينصب علم ، ثم واصل مسيره ، وإذ شعر من نفسه بالخفة والنشاط أسرع معجلا.
وما تجاوز من الطريق طرفا حتى أمر أن ينصب علم آخر . والتفت باخوم وإذا
بالأكمة ظاهرة بجلاء ، تضيئها أنوار الشمس ، وكذلك الجماعة القائمة عليها .
وقدر باخوم أنه قد مشى خمسة أميال . ولما شعر بالحر وتصبب عرقه نزع عنه مئزره ، وعقد زنَّاره ، وتابع سيره. ومشى أيضا خمسة أميال . واشتد الحر فنظر إلى الشمس وإذا الوقت وقت
الفطور .
وفكر في نفسه قائلا : "لقد مضى من اليوم ربعه ، ولليوم
أربعة أرباع ، ولم يحن وقت الرجوع بعد ، فليس لي والحال هذه إلا أن أنزع
خفي من رجلي" . وجلس فنزع خفيه وتابع طريقه . وآنس من نفسه نشاطا ففكر
قائلا : "سأمشي خمسة أميال أيضا ثم أعرج شمالا ، فالمكان جيد جدا . وكلما
تقدمت كان ذلك أفضل " .
وواصل سيره إلى الأمام. ثم التفت فما كاد يرى الأكمة ، وبدت الجماعة عليها أشباحا سودا أشبه بصغار الحشرات .
وفكر باخوم وقال : "حسبي ما أخذت من ها هنا ، فيلزمني الآن أن أميل من هذه الجهة " . وأحس جسده يرفض عرقا ، والعطش يعصب بفمه . فرفع باخوم قنينته وشرب وهو يمشي . وأمر أن ينصب هناك علم ثم مال إلى الشمال .
ومشى باخوم ومشى ، وكان العشب عاليا والحر في اضطرام . وشعر باخوم بالتعب . فنظر إلى الشمس ورأى أن الوقت وقت الغداء بالضبط . فوقف باخوم وتناول شيئا من الخبز ولم يجلس خشية أن يضطجع فينام ، وإذ استرجع بالطعام بعض قواه استأنف المسير بنشاط بيد أن
الحر بعث في نفسه ثقل النوم والخور . فتشدد باخوم وعلل النفس بالسعادة دهرا
بعد العناء ساعة . ورأى إلى شماله واديا يصلح لأن يكون منبتا جيدا للكتان
فضمه إلى أملاكه وأقام هناك أعلاما ، وبصر بأن الأكمة قد أضحت بعيدة جدا
والشمس قد أوشكت أن تغيب ، فعزم أن يرجع مع أنه كان مصمما أن يجتاز بعد
عشرة أميال فتتساوى بها أطراف أملاكه.
وتوجه باخوم توا إلى الأكمة . ولكن باخوم كان يشعر أنه مجهد . فكان يسير
ورجلاه تؤلمانه وقد اعتراهما سوء شديد فأحس أنهما تتخاذلان . وقد كان
يشتهي أن يستريح ولكنه لم يكن ليستبيح ذلك ، وإلا تعذر عليه أن يبلغ الغاية
قبل مغيب الشمس . فالشمس لا تنتظره بل كانت تهوي كأن يدا تدفعها دفعا .
ففكر باخوم وقال : "واحسرتاه ! قد لا أكون إلا مخدوعا . لقد جمعت أكثر مما ينبغي . فماذا يحل
بي إن أنا تخلفت عن الغاية في الأجل المضروب ؟ آه ، ما أبعدها مني وما أشد
ما أنا فيه من التعب : اللهم لا تدع مالي وجهدي يذهب سدى . وإذن فلا بد
من محاولة المستحيل .
وراح باخوم يهرول في مشيته حتى تورمت رجلاه وسال منهما الدم ، ولكنه كان يركض دائما ، كان يركض ولا ينفك بعيدا . فألقى عنه مئزره وخفيه وقنينته وقبعته .
وحدث نفسه وقال : " آه ، لقد كنت شديد النهم ، فقضي علي بالخسران وهيهات أن أبلغ الأكمة قبل مغيب الشمس ! "
ومن شدة الخوف انقطع عنه نفسه .
وكان باخوم يركض ، والعرق يلصق ببشرته قميصه وسراويله ، والريق يعصب بفمه ، وصدره في ارتفاع وانخفاض كمنفاخ الحداد ، وصارت خفقات قلبه كأنها مطرقة ، ولم يعد يشعر أن له رجلين ، وكاد يسقط . وعدل باخوم عن التفكير في الأرض ، فهمُّه أن لا
يموت من الإعياء . إنه يخشى أن يموت ولكنه لا يستطيع إلى الوقوف سبيلا .
وفكر قائلا : "لقد ركضت إلى الآن كثيرا . فإن أنا وقفت بعدئذ حسبت أحمقا" . وسمع صفير
الباشكير وصياحهم ، فبعثت هذه الأصوات في قلبه حمية أوفر. فراح باخوم ينفق
ما تخلف فيه من قوة ، وبدت الشمس كأنها تسارع إلى المغيب عمدا ، والغاية
لم تعد بعد بعيدة جدا . ورأى باخوم الجماعة على الأكمة ! وكانوا يشيرون
إليه أن يعجل ، ورأى أيضا القبعة في الأرض وإلى جانبها ماله ! ورأى شيخ
القرية جالسا على الأرض . فحدث نفسه قائلا : " الأرض واسعة جدا فهل يقيض
لي الله أن أعيش فيها ؟ آه ! لقد أهلكت نفسي " . وتابع جريه .
ونظر إلى الشمس ، وإذا الشمس حمراء ، متضخمة ، متدانية من الأرض وقد استتر حاجبها عن العيون . وما إن بلغ باخوم في جريه سفح الأكمة حتى توارت الشمس . فصاح باخوم : 
" آه ! .. "، - وظن أنه خسر كل شيء ، ولكنه ما عتم أن خطر له إنه ، إن كان هو لايبصر
الشمس من أسفل ، فالكوكب لا يغرب بعد على الذين على الأكمة .
وصعد على عجل فرأى القبعة . ها هي ذي ! وعثرت رجل باخوم فسقط ، وبيده الممدودة أدرك القبعة .
فصاح به شيخ القرية قائلا : " يا لك من بطل ! لقد ربحت أراضي كثيرة ! " .
"لقد ربحت أراضي كثيرة" تلك كلمة فيها تهكم قاس، فباخوم قد مات ، وألقى شيخ القرية بمجرفة إلى الخادم وأمره أن يدفنه . فحفر له الخادم حفرة هي مقدار ما يحتاج إليه الإنسان من الأرض. تلك أقصوصة بعيدة التأثير شديدة الإيلام ، وما باخوم إلا صورة الانسان الجشع الذي نجده في كل بلاد وفي كل زمان .
كان شيخ القرية يعرف من قبل ، ما سوف تكون العاقبة . فقد خبر الطبيعة البشرية ، وشاهد غير هذه المأساة في القرية.
تولستوي