9 نوفمبر، 2014

مذكرات يوسيفوس_1

مقدمة: هذه رواية تدور احداثها في فلسطين في القرن الاول بين عامي 30 و 70م. اشبه بيوميات لشخص يدعى يوسيفوس وهو مؤرخ مشهور لتلك الفترة.

-1-
انا يوسف، وينادوني باليونانية يوسيفوس. نشأت في مدينة طبرية من عائلة ميسورة الحال. نسكن منزلا فخما من طابقين يطل على بحيرة طبرية. احتفظ في خزانتي، مثل كل يهودي، بلفافة من البردي مدون فيها بالحبر الاسود سلسلة نسبي نزولا من ابينا ادم، و الجزء الخاص بالسلسلة والذي يبدأ بذكر ابينا ابراهيم كان باللون القرمزي، فنحن اليهود نفخر بانتسابنا لابراهيم.
كانت امي فيما هي تغزل كل يوم تقص علينا انا و اخوتي حكايات رائعة فبعد ان نتحلق حولها تروح تغذي انتباهنا اللاهف بقصص الانبياء. واحيانا تكون بعض القصص مبهمة على مداركي البسيطة ومشاعري الناقصة. و لكنها رغم ذلك ممتعة كل الامتاع. و كثيرا ما كونت افكارا وهمية مثل جميع الافكار نصف المفهومة على نحو ضبابي في عقول الاطفال و لكنها رغم ذلك كثيرا ما تشد انتباه الاخرين اذا تحدثوا عنها.
اذكر مرة سألت والدتي: ما هي النجوم؟ و كان جوابها "النجوم يا ولدي سأحدثك عنها. في جوانب هذه الردهة يوجد العديد من الطاقات الصغيرة يتسرب منها الى الضوء. و نحن نسمى هذه الطاقات في السماء النجوم. و عندما ينتهى الملائكة من ترانيمهم يطلون من هذه الطاقات ليروا ان كان الاولاد و البنات على الارض يجتهدون ان يكونوا طيبين و عليه فكلما رأيت النجوم يجب ان تتذكر ان من كل واحدة منها يطل ملاك عليك. و لهذا السبب تومض النجوم كما ترمش عيناك البريئتان. فيجب ان تكون مطيعا طيبا و الا فان احد الملائكة يذرف الدموع عليك.
اثر بي كلامها حتى ان الدموع فاضت من عيني و ارتميت في حضنها انتحب . و لكن اسكنني حبي لمعرفة المزيد، فقلت - "و لكن ماذا يحل بالاولاد الاردياء؟".
كاد هذا السؤال يربكها فعلا، لكنها اجابت: "الاولاد الاردياء! اظن انهم يتركون في مكان مظلم بعيد جدا جدا، تصطك فيها اسنانهم، ويرتجفون من الخوف، و يصرخون و يقرعون الابواب بكل ما اوتوا من قوة، و لكن لا يسمع لهم احد". شعرت بالخوف و قلت لها "انا خائف" و انكمشت بجانبها. ربتت بحنان على رأسي وقالت لى "انظر الى النجوم فيزول خوفك". فارقني الخوف لان النجوم ومضت و كأنها قالت "كن طيبا ايها الولد" وشعرت انني على اتم الاستعداد ان اكون كذلك وقلت "اريد ان اسمعهم يرنمون، هل تعلمين يا اماه كيف تنشد الملائكة؟" فأجابت "سأجتهد ان اريك" واجابت طلبتي في الحال وغنت بصوتها العذب ترتيلة من المزامير التي تحبها. وما كان اجمل صوتها في هدوء المساء.
كان احتفال السبت قد شكل مركز حياتنا. هذه الطقوس الدينية قد اثرت فينا. فبعد ايقاد الشموع عشية السبوت كنا نذهب انا ووالدي الى المجمع، والذي يحضر به كثير من اليونانيين ايضا، لتأدية صلوات المساء. كانت الالحان التي يؤديها اللاوي تخرق فؤادي. كانت تعبر بوضوح عن معاناة شعبنا و عن توقعه للخلاص. الترنيم هو عطية السماء الثمينة للارض، هو لغة الوجدان و نفحات النفس التي تشعر بالسرور و السعادة. انه كنسمات يسوعيع عندما تهب على السهول الثلجية فتجعل القلوب الصخرية تذوب كالشمع و تحولها الى بقعة خصبة صالحة لنمو بذرة الحياة. وكم كنت احب رؤية القارئ في المجمع يفتح الدولاب الخاص لحفظ لفائف التوراة. و مشيرا الى اورشليم. ثم يتلو الجزء المخصص قراءته في هذا اليوم. كانت التلاوة تستغرق الساعة يعقبها تفسير احد الشيوخ من الكتبة او الفريسيين. و يختتم الاجتماع بالبركة.
احب الرسم من صغري، الوجوه، الشوارع، الازقة، البيوت، الهيكل، كل ما تراه عيناي كانت تنطبع تفاصيله في ذهني الصغير. كما احببت القراءة والكتابة وسأشارككم فلسفتي في حب القراءة والكتابة: انا الشخص اتناول كتابا وهو شئ جامد وانا اسود عليه كوني استطيع طرحه جانبا او بالعكس استبقاءه بقربي لقراءته، وهو في الوقت نفسه يفوقني سعة وديمومة بما لايحد، كونه يحمل افكارا واقوالا، عبرت قرونا قبل ان تصل الي، وقد تتابع طريقها بعدي الى ازمنة تتجاوز كثيرا الزمن الذي اعيش فيه.
في سن الخامسة عشرة سمعت عن النساك الاسينيين. احببت حياتهم والتي تشبه مدارس الانبياء ايام صموئيل النبي، هدوء صحراء اليهودية او المغامرة دفعني ان اطلب من والديّ قضاء بعض الوقت هناك. وافقا على طلبي فارتحلت ومكثت 3 شهور اعيش حياتهم. حياة قوامها الطاعة للمعلم و النسك والهدوء والتأمل في الشريعة.
في سن السابعة عشرة ارسلتني عائلتي الى طرسوس لدراسة الطب في المدارس اليونانية. منعتنا شريعتنا من الخلطة بالوثنيين، رأى فقهاءنا ان الهدف فقط كان ألا ننجرف الى عبادتهم النجسة، وانه من الممكن لنا ان نكون قادة لهؤلاء العميان ونورا لاولئك الذين في الظلمة1. بل كان بعض اليهود الاتقياء يعملون على تبشير هؤلاء الامميين بعبادتنا القويمة ويبذلون مجهودات جبارة ليجتذبوا دخيلا واحدا2. تسمع السكان يتكلمون فتشعر أنك قد اخذت الى ايام سقراط يجلس في سوق من اسواق اثينا و حوله المعجبون به ينصتون اليه و هو يتحدث و يتحدث. معبد هنا و معبد هناك، اعمدة رخامية، مدينة فخمة شأنها شأن روما. لكنك في طرسوس لن ترى غير وجه واحد لها، الامر يعتمد عليك، ان كنت طالب فُرجة سترى مبانيها الفخمة: المسرح اليوناني، ان كنت تحب الاختلاط بالناس ستنقلب خصيصا لك الى اسواق وساحات للجدال و ازقة ضيقة تموج بالناس من مختلف البلاد. ان كنت يهوديا ستجد فيها لك مجمع للصلاة. اما طالبو المتعة و اللهو ستتحول لهم الى ملهى كبير. كل شئ كما ترى يعتمد عليك. و كنت انا طالب علم و لا شئ غير ذلك.
كان المعلمون وثنيين وكانت المدينة تعج بالمعابد الوثنية لمختلف الآلهة التي اشتهرت منذ القديم بين اليونانيين، من الهتهن زفس وبوسيدون وأبولو وهرمس، ومن اناثهن هيرا وديمتر واثينا وأرطاميس، هذه كلها اتخذت اسم الآلهة.. كانت الاحتفالات تقام لعبادة ارطاميس، كانت احدى الاغاني التى يرددونها تقول: "سوف توجد جداول دائما تجري ، و نجوم دائما تسطع لكن اسم ارطاميس سوف يسطع فوقها كلها، فاسمها اعلى من السماء و اعمق من البحار.. ". هذا هراء. أليس كذلك؟ "كل الهة الامم شياطين" هكذا علمتنا شريعتنا. لو اصغوا الى عقولهم لعلموا ذلك يقينا. لقد ضقت ذرعا بهؤلاء اليونانيين الحمقى ذوى الالهة العديدة! الالهة المقاتلة والجديرة بالسخرية حقا! انهم يتجاسرون على النظر باستخفاف الى ديانة اباءنا، بينما لا يعملون عقولهم في البحث عن الحقيقة.
اثناء عودتنا انا و صديق لي يدعى انسيموس من المدرسة يوما وكانت خطانا الهادئة قد قادتنا من الشوارع الرحبة الى الازقة الضيقة و بدا من بعيد بيتي. فتحت باب البيت واضأت السراج النحيل الذي كان معلقا بالركن الايمن، وابديت لضيفي الترحاب الكبير. لما فتحت النافذة سرت نسمة الليل الباردة في الغرفة.
جال بنظره في ارجاء الغرفة وقال:
- بيتك نظيف ومرتب .. واستطرد: انتم ايها اليهود مغرورون - لكنك مختلف يا صديقي- تظنون انفسكم اعلى قدرا من الاخرين. اما نحن فلدينا ارطاميس الالهة العظيمة و تمثالها الذي هبط من زفس .
- نحن نعبد الاله الحى خالق السماء و الارض. اما انتم، اليونانيون، فقد ذكرت الملاحم الشعرية اليونانية قصصا مشينة عن الالهة التي عبدتموها، من ممارسات جنسية و مشاعر قاسية من الغضب و الحقد. ونسبوا اليها ايضا صفات الهية.
- ولكن الا تعتقد ان لها صفات الهية حقا؟
- الحقيقة هي أن الروايات المشينة صحيحة، إما الصفات الإلهية المنسوبة إليهم فأنها تعزي إلى تملق الشعراء. انك لن تجد شخصاً يمدح أي شخص وفي نفس الوقت يتهمه بفساد الأخلاق.
صمت قليلا ثم قلت: وتبقى هذه العواطف الشهوانية التي سجلت كتابة عنهم دليلاً لكل الأجيال على أنهم لم يكونوا آلهة.
- وماذا تقول عن جوبتر وباقي الالهة الرومانية؟
- ان مجلس الشيوخ في الإمبراطورية الرومانية كان يعلن الوهية الأباطرة ويأمرون بعبادتهم، وكأن لهم السلطان أن يقيموا آلهة، رغم أنهم هم أنفسهم بشر، ولا يمكن أن يدعوا بأنهم أكثر من خليقة فانية.
- ألم تبهرك الفلسفة اليونانية؟
لدينا كتاب واحد، اما باقي الامم فلديهم كتب كثيرة، و فلسفات لا تنتهي يتباهون بها. انا احب الفلسفة لكن الفلسفات اعتمدت على العقل وحده، انها حملت جانبا من الحق، لكن ليس كل الحق، كما امتزج ما حوته من الحق بأخطاء كثيرة.
كان كلامه معي مؤنسا. تطرقنا الى موضوعات كثيرة. احببت ان يمتد حديثنا الى اخر الليل. في هيئته طيبة اصيلة وعيناه الواسعتان تنم عن ذكاء وذهن متوقد. قدم لي طبقا من البقول بزيت الزيتون مع الزعتر الجبلي. طيلة الوقت كان يقلب في رقوقي بعدما اعد بعناية مشروب النعنع الجبلي الدافئ وقرصا من التين المجفف و بعض التمر. جلست على الاريكة المقابلة. كان الاكل طيبا شهيا ولما امتدحت مذاقه قال لي:
- متى ستذهب الى اورشليم؟
- قبل عيد الفصح بحوالي اسبوع يرحل جميع اليهود من كل حدب وصوب الى اورشليم حيث الهيكل في قوافل. عندما نقترب من المدينة نرنم معا تسبحة الشكر التي تتألف من مزامير المصاعد. ان الهيكل مركز عبادتنا كما هو سر افتخارنا بين الامم.
مرت اربعة سنوات وانتهيت من دراستي. انضممت لاحدى القوافل المسافرة على طريق التجارة بين طرسوس و الجليل. كانت الرحلة تستغرق خمسة ايام. وكانت القافلة تتكون من عشرة مسافرين و اثنين من التجار مع بضائعهم. كانت رحلة شاقة وراح رئيس القافلة ينشد في اناة و تمهل بالغ. كان الايقاع ذو شجن. كان يقول:
لقد تقرحت قدماي ووهنت ساقاي،
ان طريقي لطويلة و ان الجبال لمقفرة،
خلت السماء من السحب و ارسلت النجوم اشعتها،
ومع ذلك نسيم المساء يهب عليلا،
لو قدر لي السير في طريق موحشة،
و حتى لو حرمت المأوى،
فالهي الصالح لا يضن بالحماية،
فهو سلوتي و هو يضمني،

في اليوم الخامس وصلنا الى مشارف الجليل. كنت اسير و انا غارق في التفكير. كان الطقس جميلا، والطبيعة الخضراء تتألق في اشعة الشمس. و على الهضاب لمعت المدرجات الترابية في اشرطة منتظمة، ووضعت الاشجار المثمرة بقع ظلال في الضياء. ان الجليل بلد بديع حقا.
ردد قلبي هذه الكلمات:
يا خالق العالم، يا من لا حدود لعظمته،
المتسربل ببهائه و الملتحف بالنور،
تطل عبر الزمن و اسرار الكون،
تتجلى في بهاء العالم،
تجعل النور حياة و تمطر على الارض،
و تنمي البذار و الخضرة لخدمة البشر،
فقراء و اغنياء، سودا و بيضا.
ان الارض ملكك يا رب.

كان يوما رائع حقا. و كاد ان يظل هكذا لو لم ينتزعني من افكاري صراخ حاد. تمّ كل شئ بسرعة لا تصدق. اغارت مجموعة من اللصوص علينا. كانوا حوالي خمسين. اقتادونا و نحن معصوبي الاعين الى مغائرهم.
في بلدنا الجليل يسمون هؤلاء اللصوص و قطاع الطريق بالغيورين و تلك التسمية تعود الى عهد قديم منذ زمن سمعان الغيور حيث هجر العديد من شعبنا اراضيهم بسبب الضرائب و القسوة التي لاقوها من انطيوخس ابيفانيوس. و تجدد الامر ايضا اثناء حكم الرومان. كان من الشائع ان تعقد القوافل التجارية معاهدات معهم و لا يخلو الامر من نقض هذه المعاهدات لطلب زيادة او دفع فدية. و هذا ما حدث في حالتنا.
ازالوا العصائب من اعيننا و ابتدأوا يساومونا على دفع فدية. و بعد كثير من الجدالات.
كان رئيس العصابة شابا في العشرينيات، ذو لحية صغيرة مدببة، و شعر اسود مسترسل يتدلى على كتفيه، نظر الي رئيس القافلة نظرة حادة ثم قال:
- نطالب بأن تدفع لنا فدية مقدارها 300 دينار.
تلعثم في البداية ثم قال بصوت اجش ربما ليخفي اضطرابه:
- هذا كثير.
كان يجول ببصره علينا، ثم التمعت عينا الرئيس فجأة حين وقع نظره عليّ ثم قال:
- ارى انه يمكننا ان نستبدل الفدية باتفاق. "عليكم ان تدفعوا في كل سنة مقدار ما تدفعونه من ضرائب للرومانيين. و بالمقابل نترك نحن قوافلكم التجارية و رجالكم يمرون منذ الان بسلام. انه عرض مغر، أليس كذلك؟
كان الرد "أن هذا مساومة". و لكن ماذا يمكننا ان نفعل؟
اغلقوا اعيننا. و انا في الظلام تردد فيّ هذا الخاطر:
ما ابشع ما يحدث تحت الشمس، حياة الناس المفعمة بالشجار و الاستغلال و سوء المعاملة و التهديد بعضهم البعض. و مع ذلك تتابع الشمس شروقها و غروبها كل يوم. وانسابت تلك الكلمات تلقائيا:
"ثم رجعت ورايت كل المظالم التي تجرى تحت الشمس فهوذا دموع المظلومين ولا معز لهم ومن يد ظالميهم قهر.اما هم فلا معز لهم. فغبطت انا الاموات الذين قد ماتوا منذ زمان اكثر من الاحياء الذين هم عائشون بعد وخير من كليهما الذي لم يولد بعد الذي لم يرى العمل الرديء الذي عمل تحت الشمس".
الان هناك اربعة مصابيح تنير المغارة، بحيث استطيع التعرف على الوجوه. ماذا ارى ؟ لم اصدق عينيّ. أليس هو باراباس؟ اجل. انه هو. اردت ان اسرع اليه لكنه استدار غير مبال. هل انا اخطأت؟ ظللت غير واثق و انتظرت لحظة استطيع ان ارى فيها الغريب خفية. لا! لا مكان للشك: بالتأكيد انه هو. و ادار لي ظهره ثانية. فادركت انه لا يريد ان يبين لاحد اننا نعرف بعضنا البعض. لابد ان لديه اسبابه. فلعبت لعبته. من الحسن ان نجد صديقا بين افراد هذه العصابة. الان وثقت ان الامور ستسير على ما يرام.
قرر بأن نمضي الليلة في المغارة، و نرحل باكرا في اليوم التالي. ذهب الجميع ليناموا.
نمت مع مرور الوقت. لا ادري هل هو حلم او رؤية نصف نائم. كل ما اعرفه هو ان صور اليوم المنقضي طاردت بعضها البعض. استيقظت مذعورا. لقد لمسني احدهم. سمعت صوتا مألوفا يلج اذني، همس:
- اتبعني بدون ضجة.
انه باراباس. انسحبنا بصمت في ممر طويل يقود الى خارج. و هناك تابعنا تسلقنا للصخور حتى تجويف صغير. فهمس باراباس:
- ها نحن في امان. انا في حراسة الليل.
- باراباس!
قلت هذا و عانقته. جلسنا و تأملنا الليل. كانت السماء تنشر فوق الجليل قبة تتلألأ فيها النجوم، و القمر ينشر ضياءا خافتا على الصخور، و يعكس سطح المياه الساكنة لبحيرة جنيسارت. جلسنا القرفصاء في الظل، تمتم باراباس:
- لابد انك تفهم لماذا تظاهرت منذ قليل باني لا اعرفك. هذا ضروري. لولا ذلك لاصروا على دفع الفدية هذه الباهظة. ولا ادري ما سيحدث ان رفضت. صمتنا لحظة ثم قال باراباس:
- هرب منذ فترة واحد منا.
- و ما الذي يفعله الان؟
- يتبع نبيا اسمه يسوع. هل تعرف ما يعلنه يسوع؟ لقد روى لي سمعان احد امثاله:
"هكذا ملكوت الله كان انسانا يلقي البذار على الارض وينام ويقوم ليلا ونهارا والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف. لان الارض من ذاتها تاتي بثمر.اولا نباتا ثم سنبلا ثم قمحا ملان في السنبل. واما متى ادرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لان الحصاد قد حضر"
انه يشرح الامور بهذه الطريقة. ان ملكوت الله يأتي وحده، بهدوء و صمت كالزرع الذي ينبت في الارض. اجل انه يتكلم عن الملكوت احيانا بالغاز و كأنه حاضر الان، بينما سيادة الرومانيين على البلد جلية. و سمعان ايضا!
- من؟
- سمعان. صديقي الذي تركنا. لقد سماه تلاميذ يسوع "سمعان الغيور"3. سأل يسوع يوما هل علينا ان ندافع عن انفسنا تجاه الظلم. اتدري بما اجاب؟ لقد اعلن:
"سمعتم انه قيل: العين بالعين و السن بالسن. واما انا فاقول لكم لا تقاوموا الشر.بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر ايضا. ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين".
اما نحن فنقول: ان ضربك احد له الضربة! و ان اخذ قميصك احرق بيته! و ان سحقك اخطف اولاده و ابتزه، بهذه الطريقة فقط تطبق العدالة!
- ولكن هل استحسن سمعان الغيور هذه الافكار الغريبة التي ينشرها يسوع؟
- غريبة؟ نعتك ضعيف. لنفرض في اقصى الاحوال اننا نرضى بظلم صديق بدل ان نظلمه. و لكن مع العدو أليس من الواجب ان نساعد اصدقاءنا على اذية اعداءنا؟ حين سأل سمعان يسوع عن هذا اجابه:
"سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم.احسنوا الى مبغضيكم. وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات. فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين".
من ذا الذي يستطيع ان يكون بهذه الشهامة تجاه اعدائه؟ لا يعقل هذا الا لمن كان قويا و مستقلا فلا يسوده الاخرين! انه ليس ممكنا الا للمنتصرين و الملوك و الاباطرة. لكن يسوع هذا يجوب بلدا يخضع للقهر، و يريد ان يدخل في عقول البسطاء اسلوب حياة لا يمكن ان يعيشها الا اقلية الطبقة الراقية، اعني بذلك الخضوع للرومان.
- لكن ألم نسقط من قبل تحت سيطرة البابليين و الفرس و اليونان؟
- حين نفينا الى بابل، ارسل الله انبياء اخرين، ووعدنا بخروج اخر من مصر. و استخدم كورش، الملك الفارسي الذي غلب بابل، و حررنا.
- لكن الفرس ظلوا سادتنا، و قد اراد الله ذلك!
- رضى الفرس بأن ننظم حياتنا بانفسنا وفق وصايا الله. وحين هدد الفقر بانقسام شعبنا الى طبقتين، اجرى نحميا، نائب ملك الفرس، اصلاحات كبيرة كانت نتيجتها ان سددت الديون و تحرر جميع اليهود.
- الا تظهر اصلاحات نحميا ان هناك حلولا اخرى غير العنف؟
- في الظروف الملائمة، نعم. لكن قلما نجد ظروفا كهذه تسود. لقد احترم الرومان تقاليدنا طوال عشرين سنة. لكنهم يسعون الان الى الاقلال من المكانة الخاصة للهيكل! انهم يسكّون عملة وثنية، و يدخلون صورا للامبراطور الى اورشليم. و خطوة بعد خطوة يزيلون كل ما يميّزنا عن بقية الشعوب. انها الان ساعة المقاومة!. انها ليست ساعة نحميا، و لا يسوع الناصري!. انها ساعتنا نحن، شعب الله المختار.
- لكن يسوع يريد ايضا ان تتغير الامور!
- بالضبط! انه يوقظ الرجاء في رؤية الامور تتغير بدون مقاومة و سفك دماء! انه يريد التغيير و السلام في ان واحد. هذا وهم! وهم خطير!
- أليس لديكم انتم ايضا اوهامكم؟ ألم يقر سمعان باستحالة التغيير بواسطة وسائلكم؟ ألم ينضم الى يسوع؟
- لقد سبب لنا سمعان مشكلة. وقد اعتبره البعض خائنا ويجب قتله!
- يا الهي!
كان علينا ان نوقف محادثتنا للعودة قبل بزوغ الفجر.
تسلقنا الى المغاور بحذر دون ان نثير الانتباه. استلقيت لكني لم استطع النوم. و داهمتني في نعاسي صورا مختلفة غير متناسقة، و جعلت تتزاحم عليّ. عندئذ ناجيت الهي:
ربي و الهي،
كيف اقنع الاخرين بالسلام.
ففي نظرهم العنف وحده يجدي.
متى يسود السلام العالم؟
متى يحل ملكوتك على الارض؟
ثم رقدت على ظهري وعيناي مفتوحتان الى النجوم واخذت تجول في نفسي هذه الخواطر: من المفيد أحيانا أن نتوقف لبرهة من الزمن ونلقي نظرة بعيدة المدى. فالملكوت ليس أكبر من نطاق جهودنا فحسب بل حتى أكبر من نطاق رؤيتنا أيضا. فلا ننجز في فترة حياتنا سوى نِزر يسير من المشروع العظيم الذي هو عمل الله. لا شيء نصنعه كامل، أو بتعبير آخر؛ أن ملكوت الله هو أوسع من نطاق قدرتنا دائما. فلا توجد جملة واحدة تقول كل ما يمكن أن يقال. علينا ان نزرع البذور التي ستنمو يوم ما. ونسقي البذور التي قد زرعها غيرنا قبلنا، عالمين أنها ستأتي بثمار مواعيد المستقبل. ونضع الأساسات التي تحتاج إلى من يبني عليها. فلا نستطيع أن نفعل كل شيء او ربما يكون ما نفعله ناقصا ولكنه بداية وخطوة في الطريق.
سمح لي هذا التفكير بان انام و لكنهم ايقظوني بعد قليل و بعد ان عصبوا عينيّ وعيون الاخرين و اخيرا بعد ساعتين من السير استطعنا رفع العصائب. وجدنا انفسنا على منحدر هضبة و تمتد بحيرة الجليل امامنا. عدت الى مسقط رأسي. واستقبلني اهلي بفرحة عارمة.


-2-

عدت الى وطني بعد حرمان طويل من الألفة مع الأهل والجيران والأصدقاء، كان الاستقبال الحافل لي أكبر كثيراً مما توقعت. فقد كنت أتوقع أفراد عائلتى والأصدقاء المُقربين، فقط و لكني وجدت مئات من الاشخاص يتوافدون على بيتنا. ومع ذلك انتابتنى خلال الأسبوع التالى بأكمله، حالة أشبه ما تكون بانعدام الوزن، وحاولت التغلب على هذه الحالة برفقة من هم حولى بحكم الجيرة والصداقة. فذهبنا فى اليوم التالى للترفيه بجوار بحيرة طبرية. كان يوما طيبا ازاح عني كثيرا من عناء الايام السابقة. انغمست بعده في اعمالي اليومية وبدأت بمزاولة مهنتي. يدعوني الناس هنا حكيما فأنا الان طبيب. اكتسبت شهرة بعد مدة قليلة، و اصبحت ضيفا مرحبا به في ولائم اكابر الجليل، حتى انني كنت معروفا لدى هيرودس الملك نفسه. الوضع تغير في الجليل، كان العداء مع جنود الاحتلال الروماني موجودا في السابق ولكن لاحظت زيادة وتيرته عن السابق. وكانت الدموع الحارقة تنهمر من قلوب ابناء شعبي التي مزقها الظلم الذي تفشي كجرثومة لا ترياق لسمها الفتاك الذي تجرعناه عنوة في كؤوس من طغاة وأيدينا موثوقة بأغلال وراء ظهورنا . التي حناها العبودية والذل. وخير مثال على ذلك ما حدث بعد اسبوع. لقد جاء يوئيل الجابي برفقة ثلاثة جنود رومان الى قرية بيت حورون، وحدثت جلبة امام بيت برنابا بن سمعان، لأنه اراد ان يرغمه على دفع 50 دينار، فان لم يدفع صادر حماره. برنابا يملك اراضي كثيرة، ولكن المحاصيل كانت قليلة هذا العام. حاول الجابي ان يدخل البيت فمنعه برنابا، ووقف جاره البستاني الى صفه.. فأمر يوئيل الجنود ان يصادروا امواله. اشهر الجنود سيوفهم وتقدم احدهم الى الباب وخلعه بضربة كتف واحدة، و للحال انهالت الحجارة عليهم وبدا ان الدروع التي يرتدونها لم تستطع ان تحميهم، وبدأ العراك مع اهل القرية الذين كانوا قد تجمعوا، وما هي الا لحظات حتى بات التعرف على اجساد الجنود والجابي شئ صعب. وفي الليل نقل الرجال جثث الاربعة الى الصحراء وطمروها في الرمل.
وفي اليوم التالي حضر مجموعة من ثلاثين جنديا على رأسهم القائد فلافيوس. كان في حالة من الضجر والسخط شديدة. اراد ان يعرف اسماء الفاعلين. لم يخبره احد فما كان الا رتب رجال القرية في صفوف، ثم امر باعدام رقم عشرة من كل صف، و كرر هذه العملية مرتان قبل ان تنهار زوجة ارميا النجار، و ترتمي على قدمي فلافيوس وتخبره بمكان الجثث، و مع ذلك امر بأن يساق كل رجال القرية للسجن. مات البعض تحت التعذيب وحكم بالصلب على عشرة رجال بعد ان ثبت بالفحص ان لهم يد في مقتل الجنود الرومان والجابي، وحكم على الباقي بالسجن. عاشت القرية في حداد بسبب هذه النكبة لثلاثة اسابيع. و اتخذ مجمع طبرية قرارا بجمع بعض المساعدات لعائلات هؤلاء القتلى سواءا من اغنياء الجليل او اورشليم. قام يايرس رئيس المجمع باختيار بعض الاعضاء للمهمة. وكان نصيبي الذهاب الى حي الاثرياء غربي اورشليم.
قلت لرئيس المجمع: - لكني لا اعرف احدا باورشليم.
- ستعرف كيف تتصرف يا يوسيفوس. انا اثق من هذا. ان نيقوديموس رجل كريم. سأعطيك عنوانه باورشليم و سيكون اول شخص تذهب اليه. و سيرافقك ارستوبولس في هذه المهمة.
هكذا ربت رئيس المجمع على كتفي بلطف مشجعا لي.
انطلقنا انا و ارستوبولس في الصباح الباكر في رحلتنا الى اورشليم. وصلنا بعد خمسة ايام الى غرب اورشليم حيث الاحياء التي يقطنها الاثرياء. وصادفنا على طول الطريق اشخاصا ذوى لباس غريب لم نعتد على رؤيتهم: سوريون، نبطيين و قبارصة .. دخلنا من الباب الجميل وسرنا بمحاذاة الهيكل وقلعة انطونيا وشققنا طريقنا عبر الجمهور الغفير المحتشد في الساحة ثم توقفنا امام بيت كبير من طابقين . هنا يقيم نيقوديموس احد اثرياء اورشليم.
ظهر رجل كان مسنا ولكنه يتمتع بكثير من الحيوية كانت له لحية بيضاء تقضم جزءا كبيرا من وجهه. كان وقور العينين وتعلو وجهه تجاعيد تنم عن سنه وعن حكمته.
"انا نيقوديموس. تفضلا بالدخول. اعتقد ان صديقنا المشترك حدثك عني؟"
لم اقابل قط من قبل عضوا في السنهدريم، ولم اتمالك نفسي، رغم كل ما كنت اسمعه عن فسادهم، من الاحساس بشئ من الاحترام.
عندما دخلت الى باحة قصره. كان لديه ضيوف جاءوا من ابيلية الواقعة وراء جبل حرمون واستقروا في اورشليم منذ نحو سنة. وقد بدأوا يتغلغلون بواسطته في اوساط الصدوقيين و في اوساط رجال الدين.
وتفرس في وجهي برقة وحدقت بدوري طويلا في وجه نيقوديموس. كانت الازمة التي تختلج في نفسي بادية على وجهي وانتزعت مشاعر الحزن الكلمات من فمي:
- انت تعلم ايها المحترم نيقوديموس ما ألم بشعبنا من مصائب على يد الرومان.
- نعم و لكن للاسف مجلسنا المحترم لا يستطيع ان يتخذ قرارات حاسمة، لكي تتوقف كل هذه الاعمال الوحشية.
- وما الذي يمنعكم من ذلك؟
- للاسف ان المجلس ممزق بين عدة تيارات: البعض يرى ان نقف مع الغيورون الذين ينتفضون ضد حكم الرومان و ندعمهم ولو سرا، ويأمل انه يتم بواسطتهم التخلص من حكم الرومان. والبعض الاخر يرى ان نقبل بالامر الواقع، وانه من غير المعقول ان ندخل في صراع غير متكافئ القوة مع المحتل.
- ومع اي تيار انت؟ اعتقد طبعا انك مع الغيورون. لا يوجد وطني يقبل ان يرى وطنه منتهكا.
- يبدو لي، ولمشاركتي في السنهدريم دور في الوصول لهذه القناعة، اننا نستطيع انقاذ شعبنا بطريقة اخرى غير العنف.
كان صوت نيقوديموس دافئا وقد بعث الثقة في نفسي. قصصت عليه ما حدث من مقتل الجابي والجنود الرومانيين الثلاثة المرافقين له، ثم العقاب الجماعي الذي تعرض له سكان بيت حورون. وعرضت عليه وثيقة المجمع بتفويضي لجمع تقدمات لاجل عائلات الضحايا. تركني نيقوديموس للحظات ثم خرج وهو يحمل في يده ثلاث وزنات و قدمها لي قائلا:
ارجو ان يقبل مجمعكم الموقر هذه مني.
شكرته واستأذنت في الرحيل. قاطعني على الفور:
- لابد ان تتناول معي طعام الغذاء ومع ضيوفي الكرام.
وبعد لحظة دخل احد الخدام و هو يحمل اناء به ماء، غمر يده فيه ثم مسحها بمنشفة، وهكذا فعل باقي الضيوف ثم اخيرانا انا و ديمتريوس. وجلسنا على مائدة الغداء.
بعد ان قمنا على الغذاء ادخل احد الضيوف يده في عبه واخرج صرة:
ايها السيد يوسيفوس ارجو ان تقبل هذه مني.
كان الرجل يتكلم بطلاقة اليونانية، لغة كل التجار، تتخللها بعض الكلمات الارامية.
ثم استطرد:
- انا ايضا اتقي الله، فلا تستغرب ان تراني متعاطفا معكم. واحب ان اشارك بهذه التقدمة لفقراءكم.
شكرته وقلت له:- اننا نقبل عطيتك بكل سرور.
بعد الغذاء انصرف الجميع وعندما هممت بالانصراف :
- لي صديق وهو احد الرجال الاسخياء. ارجو ايضا ان تمر عليه. سأرافقك الى بيته. ان بيته ليس بعيدا عن هنا.
وحمل خادم الى نيقوديموس معطفه، دون ان يطلبه، ارتداه ثم انطلقنا.
كانت الشوارع تغص بالناس رغم الوقت المتأخر. كان الناس يبتعدون عن بيت نيقوديموس. وانعطف هو يمنة ثم يسرى. ثم توقف امام بوابة خشبية. البيت الذي كان يظهر وراءها كان ايضا من الطراز اليوناني. جاء خادم وفتح الباب ورافقنا الى الداخل. بعد عبور حديقة بها احواض مزدانة بالزهور. وباحة بها اعمدة كورنثية. وعلى نقيض بيت نيقوديموس ذي الاناقة الصارمة، كان هنا خليط طاغ يجمع بين التحف الثمينة و الزخم باشياء رخيصة كثيرة في عدم ترتيب.
- مرحبا بك ايها السيد نيقوديموس.
- شكرا يا صديقي يوسف. لقد جئتك في زيارة قصيرة لاصحب الشابان الذان تراهما. اني اوصيك بهما
كان يرتدي ثيابا ثمينة واصابعه مثقلة بالخواتم. تطلع الينا بعينين تنم عن بساطته الطيبة. ربما يحسن بي ان اعد لنا مجلسا و يشرفني السيد نيقوديموس ان...
- لا. مع الاسف انا مضطر ان اعود الى البيت سريعا.
- حسنا. حسنا"
رافق نيقوديموس الى الباب. ثم عاد و كنا لازلنا واقفا في الباحة الخارجية.
ثم ادخلنا الى غرفة واسعة. كانت الارض مفروشة بسجاد دمشقي مزركش.
- كيف يمكن ان اساعدكما؟
- اننا قد جئنا بخصوص ضحايا المذبحة التى حدثت مؤخرا في الجليل.
- كيف حدث هذا الامر؟
حدثت ثورة من اهالي قرية بيت حورون على جابي المنطقة و قتل فيها ثلاثة من الجنود الرومان .. قبضوا على نحو ثلاثين. قتلوا عدة اشخاص بالسيف، وقدم بضعة اشخاص للمحاكمة واعدم الباقين ليكونوا عبرة لغيرهم.. اصبحت عائلاتهم بدون عائل.. لم يهتم الكهنة بهم .. ومهمتنا ان نحصل على دعم مالي من اثرياء المجتمع الراقي في اورشليم لرعايتهم.
- بالتأكيد يجب ان نساعد اخوتنا في كل مكان.
كان الرجل كريما معنا. فقد اعطانا بسخاء . كما انه اصر ان نبيت عنده هذه الليلة.
دخل خادم، كان قصير القامة ويداني الخمسين من العمر :
قد هذان الى جناحهما. الى الغرفة الاخيرة.
اجتزنا باحة داخلية نيرة تنفتح وراءها سلسلة من الغرف توقف امام احداها الخادم. وجاءت وراءه جارية كانت تحمل قنديلا مملوءا بالزيت و فتيلته لم تستعمل من قبل. اشعلته، ثم علقته على الحائط. وقالت: عندكما هنا غرفتان، و الدرج الذي هناك يسمح لكما بالصعود الى السطح اذا اردتما قضاء بعض الوقت قبل النوم. اما اذا احتجتما لشئ، فجناح الخدم من هنا. ما عليكما الا ان تناديان علينا، و سيكون احدنا حاضرا على الفور.
في اليوم التالي ارتحلنا. وصلنا الى اريحا4 نحو الساعة التاسعة، بعد ان اجتزنا حقول النباتات الطبية التي استحضرها الملك هيرودس من روما. كانت الساحة تغص بالبائعين وحيواناتهم . كان التجار يعدون مضاجعهم من اجل الرقاد في الليل. كان الهواء المنعش عابقا بروائح بستان البهارات القريب. وكان على جانبي الطريق المؤدي للسوق تجار يعرضون بضاعتهم من التمر وحليب النعاج والاقمشة وغيرها من البضائع. احتجنا للسؤال اكثر من مرة عن الطريق. كان هناك بضعة رجال يرتدون ملابس غريبة. سأل مرافقي "هل هذه الطريق تقود الى بيت عنيا؟"
رد احدهم يتكلم الارامية بصعوبة، انه غريب بلاشك:
- "نعم، لكنكما ستلاقيان حواجز تفتيش رومانية. فاذا شئتما ان تتحاشاها فما عليكما الا ان تنعطفا صوب اليمين. رافقتكما السلامة".
كان الوقت صيفا. وصلنا الى بيت عنيا مرهقين عند الغروب. كان لون السماء برتقالي. وكانت جمال وحمير القوافل القادمة من اريحا، والتي لم يستطع بعضها ان يدخل المدينة، بسبب تأخرها عن موعد اغلاق ابواب المدينة، تضطر للمبيت خارج المدينة.
كانت بضعة اضواء تنبعث من نوافذ البيوت الصغيرة في بيوت عنيا وتضئ الشوارع الضيقة. بحثنا عن اقرب نزل حيث قضينا الليلة.
في اليوم التالي سلكنا طريق عبر الاردن، حتى نتجنب المرور بالسامرة. سرنا معظم ساعات اليوم ما عدا وقت الظهيرة، عند المساء تمددنا على الرمال، وشددت انا اهداب عباءتي الى بعضها، ورحت اتأمل القمر وهو يغمر الطبيعة بنوره الفضي ثم غفوت. استيقظت بعد فترة وكان الليل يلف الكون بغلالة من السكون. كان ارستوبولس نائما ايضا بجواري. ايقظته: يجب ان نواصل سيرنا حتى اقرب نزل.
كان ثمة نزل على الطريق تديره ارملة. كان ابنها مريضا في تلك الليلة. فحصت ابنها ثم وصفت له بعض الاعشاب الطبية. وقدمت هي لنا الطعام و الاقامة. كان في الغرفة المجاورة لنا ايضا شخصا علمنا ان اللصوص قد نهبوا ما معه من اموال وضربوه حتى اشرف الموت. علينا ان نأخذ حذرنا.
في اليوم التالي شاهدنا قافلة تعبر، فسرنا في اثرها خوفا من اللصوص. كانت القافلة تضم خمسة عشر جملا، وبضعة حمير. كان يسمع نهيقها من بعيد. كان الاولاد يركضون امام القافلة، ثم يعودون تلبية لنداء اهلهم. كان المسافرون يتوقفون مرات لرفع التسابيح لله ثلاث مرات يوميا. وعندما بلغنا ابواب تراكونيدس، انفصلنا عن القافلة اذ كان الحر لا يطاق، وكانت الريح تهب بقوة حاملة حبات الرمل الذي يسد الانوف، مما اضطرنا للمبيت هناك، رغم انه لم يتبق لنا سوى ساعتين على بلوغ كفرناحوم. عندما مررنا بتمثال هيرودس بساحة المدينة بصق ارستوبولوس ولعن ثم سألني: "اتظن حقا ان ذلك الخنزير... " – سمعه احد الجنود ولكنه لم يفهم ما قال. كان الجنود في الجليل منذ اقل من سنة ولا يفهمون الارامية.... في اليوم التالي وصلنا وسلّمنا ما معنا من تقدمات الى المجمع.

-3-

مرت شهور و انا امارس عملي. احد الاشخاص المبجلين في الجليل يدعى، خوزي وهو شيخ في مكانة مرموقة، يشغل وظيفة امين مخازن هيرودس. انه يعيش في بيت حديث من النمط اليوناني في طبرية: غرف كثيرة حول باحة تحيطها الاعمدة، و صالة الضيافة في الطبقة الثانية. ان لها اطلالة رائعة على بحر الجليل او بحيرة طبرية حسبما يطلق عليها اليونانيون. دعاني يوما الى تناول الغذاء في بيته، وقبلت دعوته.
امام منزله توجد حديقة ما ان سرت بضع خطوات فيها حتى ظهر في باب البيت خارجا للقائي، وقادني مرحبا الى الداخل. و نظير اب عطوف اجلسني بجواره، واخذ يحدثني مستفسرا عن ماضيّ و مستطلعا مقاصدي في مستقبلي، فكنت اجيبه بتلك النغمة المفعمة بالامل و الاماني التي يترنم بها الشباب. في تلك اللحظات دخلت فتاة في حوالي السابعة عشرة من العمر ومشت نحونا ببطء. فوقف وقال "هذه ابنتي الصغرى سوسنّة". ثم نظر الى الى ابنته وقال "وهذا ابني الحبيب يوسف، وهو طبيب ماهر". ثم عاد الى محادثتي باهتمام كلي ورقة متناهية محدقا ببصره فيّ، و كأنه يرى فيّ ربيع ايامه. وكنت انا اتأمله حالما بمستقبلي، كان ينظر اليّ مثلما تخيم اغصان الشجرة العالية الاغصان الغنية بالثمار فوق نبتة صغيرة مفعمة بالحياة. شجرة مسنّة راسخة الجذور قد اختبرت صيف العمر و شتاءه ، ووقفت امام عواصف الدهر و انواءه، وغرسة ضعيفة لينة لم تر غير الظل، و لم يهب عليها الا نسيم الفجر.
اما سوسنّة فكانت صامتة تنظر اليّ تارة و الى ابيها تارة، و كأنها تقرأ بين وجهينا اول فصل لرواية الحياة، و اخر فصل فيها. كانت سوسنة جميلة، والجمال الحقيقي هو اشعة تنبعث من النفس وتنير خارج الجسد ، و تفاهم كلي بين الرجل و المرأة، بلحظة يولد ذلك الميل ذلك الانعطاف الروحي الذي ندعوه حبا. فهل فهمت روحي روح سوسنة في عشية ذلك النهار؟ نعم ذلك ما حدث.
بعد ساعتين هممت بالانصراف، اقترب مني خوزي وقال بصوت تعانقه رنة الاخلاص: الان و قد عرفت الطريق الى هذا المنزل يجب ان تأتي اليه شاعرا بالثقة التى تقودك الى بيت ابيك وان تحسبني و سوسنّة كوالد و اخت لك- أليس كذلك يا سوسنّة؟
فأحنت سوسنّة رأسها بالايجاب ثم نظرت اليّ نظرة غريب ضائع وجد رفيقا يعرفه.
توالت زيارتي لبيت فليمون ولقائي بسوسنّة وكنت معجبا بمواهبها وروحها الصافية. كانت جميلة كزنبقة ووديعة كيمامة. وعزمت على خطبتها واخبرت اهلي بذلك.. وتمت مراسم الخطبة.
لم تحصل سوسنّة على علم كثير. كان التاريخ هو العلم الذي تستسيغه. لان التاريخ يبحث عن الناس واعمالهم واحوالهم، عن مسراتهم واحزانهم، وهي الاشياء التي تحرك قلبها، كانت مفكرة واحيانا حالمة. لاتحكم العقل كثيرا. كانت تحب قصص التوراة اكثر من سواها. كنا نخرج للتنزه احيانا. قضينا في احد المرات يوما كاملا على بحيرة طبرية، كانت اشعة الشمس الدافئة تسطع على اشجار الصنوبر فتعمل على بث روائحها الجميلة في الجو، كما كانت ايضا ثمة اثار من رائحة الملح قادمة من البحر. عندما انتصف النهار عبرنا بمركب وكانت الريح تنفخ قليلا شراعه المربع المربوط الى الصاري.
تناولنا وجبة لذيذة من السمك المشوي مع خبز الشعير. انقضت اشهر الخطبة، و جاء يوم الزواج. صنع لنا عرسا من افخم الاعراس. كانت سوسنّة تحبني اكثر من ان يغيظها اي شئ يصدر مني، و كانت لها موهبة في ان تقص الحكايات. و لا اشك انها كانت تؤلف بعض قصصها ساعة سردها عليّ، كانت قصصها قيمة وكانت تنفث فيها روحا شعريا وحرارة ومحبة وشفقة تأخذ بمجامع قلبي.
سأحدثكم اليوم قليلا عن نفسي.
مداواة الناس مهنتي. كادت قدميّ اليوم تتعثر اليوم في الظلام بأحد الاحجار، و قد قاربت منزلي. كنت عائدا من عيادة احد المرضى. غالبا ما امارس مهنتي في بيوت المرضى، و غالبيتهم من الفقراء، فمعظم اهل الجليل ملّاكا صغار، او فعلة فقراء. بعد ان يدفعوا الضريبة للرومانيين، والعشر للكهنة، ويقدموا للهيكل اول الاثمار، واول الحيوانات المولودة، لا يبق لهم الكثير.
كنت اليوم في منزل ميخا. ميخا يعمل صانعا للنعال في كفرناحوم. احدى بناته و اسمها مريم مريضة. تقع كفر ناحوم على طريق بيت صيدا. لم اكن بعيدا اكثر من خمسة اميال عن البيت. حثثت الخطى لانجز مهمتي هناك باسرع ما يكون. كانت مريم في الثانية عشرة من عمرها تقريبا. كانت مستلقية في احدى غرف البيت الصغير، شاحبة الوجه و الحمّى بادية في عينيها. كل شئ بدا خانقا كئيبا. اعرف هذا الجو. انه جو اسرة تعيش قلق الخوف من موت احد افرادها. لا احد يجرؤ ان يتكلم عنها، لكن الجميع يعرفون الامر جيدا. فمنذ دخلنا البيت شعرنا بظل الموت، و مع كل هذا داخلنا رجاء في شفاء ابنتهم.
اخرجت من كيسي بعض الاعشاب الطبية. طلبت ان تغلى على نار هادئة ثم تترك لتبرد، فتشربها فاترة. أسرعت الام بتنفيذ ما طلبت. وبقيت صامتا للحظات.. عندما دخلت الام حاملة القدح وقدمته لها، فتناولت منه شربة. ثم نظرت اليّ بعينيها النجلاوين، ففهمت انها تريد ان تسألني شيئا، فابتسمت لها. عندئذ قالت لي:
- هل انت المسيح؟
فكرت: يا الهي! انها تهذي. اجبتها بود:
- لا، انا يوسف، طبيب من كفرناحوم.
فسألتني متأسفة:
- هل تعرف متى سيأتي المسيح؟
اجبتها كما نجيب الاولاد عادة:
- سيأتي في نهاية الازمنة.
- لا! انه هنا.
نظرت الى حنة مستفهما فشرحت لي:
- انها تقصد نبيا يعتبره بعضهم المسيح. انه يشفي المرضى و يطرد الشياطين. كثيرون من اهالي القرية يؤمنون به، و بعض الشبان تبعوه. و هي ترجو ان تراه يأتي ليشفيها.
- أتقصدين يسوع؟
هزّت مريم رأسها بالايجاب و قالت:
- هل رأيته؟
- لا، لكني اتمنى رؤيته. جميع الناس يتكلمون عليه.
و شرحت لي حنة:
- انه لا يمكث اطلاقا في المكان نفسه وقتا طويلا.
فتمتمت مريم:
- لم هو ليس في بلدتنا؟ كم كنت اود ان يأتي ويشفيني.
جلست الام على الارض بجانبها، وداعبت شعرها بحنان:
- لقد قال يا بنيتي "العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يشك فيّ"
تأوهت الصبية:
- آه لو يأتى!
لفّت حنة ابنتها بشال و ضمتها الى صدرها.
- لا استطيع الذهاب لاحضاره. لكني استطيع ان اروى لك قصة عنه، اتريدين ذلك؟
اومأت مريم برأسها بالايجاب، فبدأت حنة تحكي:
"كانت هناك امراة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة. وقد تالمت كثيرا من اطباء كثيرين وانفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئا بل صارت الى حال اردا . ولما سمعت بيسوع جاءت في الجمع من وراء ومست ثوبه . لانها قالت ان مسست ولو ثيابه شفيت. فللوقت جف ينبوع دمها وعلمت في جسمها انها قد برئت من الداء. فللوقت التفت يسوع بين الجمع شاعرا في نفسه بالقوة التي خرجت منه وقال من لمس ثيابي. فقال له تلاميذه انت تنظر الجمع يزحمك وتقول من لمسني. وكان ينظر حوله ليرى التي فعلت هذا. واما المراة فجاءت وهي خائفة ومرتعدة عالمة بما حصل لها فخرت وقالت له الحق كله. فقال لها يا ابنة ايمانك قد شفاك. اذهبي بسلام وكوني صحيحة من دائك".
اصغت مريم بشغف. و في النهاية لم تتمكن من ضبط نفسها فصاحت:
- لماذا لا يأتي؟ لماذا لا استطيع ان ألمسه كتلك المرأة لأبرأ؟ لم لا؟
وجعلت تبكي. فخطرت لي فجأة فكرة: ذهبت اليها ومسحت بيدي على جبينها و قلت لها:
- يا مريم انت مثل المرأة في القصة. تؤمنين بأن اللمس يكفي للشفاء. و لكن ألم تسمعي ما قاله يسوع في النهاية؟ ايمانك شفاك. لم يقل: انك شفيت لانك لمستيني.
عليّ ان اعترف بانها كانت فكرة يائسة. حتى انا لم اكن مقتنعا بأني على صواب في تصرفي على هذا النحو. اردت فقط ان اظهر الود لفتاة صغيرة تخاف الموت. نظرت مريم اليّ ممتنة و هدأت. و طلبت قصصا اخرى، فروت لها امها قصة اب كان لديه ابن يصرعه الشيطان في احيان كثيرة جاء الى يسوع وقال له "ان كنت تستطيع شيئا فتحنن علينا واعنا" فاجابه يسوع "ان كنت تستطيع ان تؤمن فكل شئ مستطاع للمؤمن" لكن الاب يصرخ باكيا معترفا بعدم قدرته على الايمان، اذ يقول له "اؤمن يا سيد فاعن عدم ايماني" فيقوم المسيح بدون اي شروط بشفاء الابن رحمة بالابن و ابيه. وكذلك ارملة كانت تبكي ملتاعة على وحيدها واقام المسيح ابنها دون ان تطلب او تؤمن. فعل ذلك يسوع رحمة و تحننا. و كذلك حكاية امرأة توسلت الى يسوع ليأتي و يشفي ابنتها الصغيرة، و اتم يسوع ذلك عن بعد، دون ان يأتي للبيت. و اضافت حنة:
- لماذا لابد له من الحضور الى كوخنا؟ ألا يستطيع الشفاء عن بُعد؟
و تكلمت عن اعمى قد ابصر، و برص شفيوا، و مقعدين استطاعوا السير مرة اخرى. كانت قصصها تزداد روعة و عجبا، و مريم تلتهمها التهاما. انها قصتها. كانت عمياء فابصرت و مقعدة فسارت و مريضة فشفيت. و مع كل كلمة تجد الرجاء مرة اخرى. كان السحر يتملكني انا ايضا. في هذه القصص امور كثيرة هامة. فمنها تفوح رائحة الايمان. وجدت نفسي اعجب به شيئا فشيئا مثل مريم. و لاحظت كم تحمل هذه الاقوال لهؤلاء التعساء. فهي تجعلني اسمع ثورتهم على الالم و الموت. و شعرت بان هذه القصص ما دامت تردد، لن يخضع الفقراء للجوع و لا للعطش و لا للعمى و لا للشلل و لا للمرض و لا للبؤس. اعرف ان القصص الجميلة ليست كافية لعلاج الانسان، لكنى اشعر بانهم لن يشفوا بدونها ايضا.
في هذه الاثناء عاد الاب من عمله. كان يتوقع سماع اخبارا سيئة. لكنه حين رأى مريم هادئة انير وجهه. فحصت مريم بعد ساعة ووجدتها تجاوزت مرحلة الخطر. اذا بينما الحياة تولد مرة اخرى، عاد الضياء الى المنزل الصغير. وفي المساء على فرش صغير مبسوط على الارض المكنوسة التأم شمل الاسرة الصغيرة- الاب والام و البنات الثلاثة - بشكر حول عشاءهن الساخن: بقل بزيت، و خبز طازج، و خضر مسلوق بخل و نعنع، يعلوهم سراج على المنارة و ترقبهم عيون الله في السماء..
***
اليوم استدعيت الى منزل صياد سمك يسمى بطرس. حينما دخلت وجدت الزوجة الطيبة تجلس بجوار حماتها المرأة العجوز كانت محمومة و ترقد على فراش عبارة عن حصيرة. اقتربت منها وسألت الزوجة:
- هل اعطيتها شيئا؟
- لا. انها ترفض الطعام والشراب.
اخرجت من زوادتي بعض الاعشاب المقوية. طلبت ان تغلى على نار هادئة ثم تترك لتبرد، فتشربها فاترة. أسرعت الزوجة بتنفيذ ما طلبت. وبعض دقائق دخلت حاملة القدح فتناولت منه العجوز جرعة. ثم سألها بطرس:
- كيف وجدت طعمه يا حماتي العزيزة؟
- طيب وفيه حلاوة.
- سيكون فيه الشفاء باذن الله.
بدت عليها علامات الارتياح بعد عدة رشفات ثم همت بالجلوس.
- فليباركك الرب اله ابينا ابراهيم. ايها الطبيب، ما اسمك؟
- يوسف من كفرناحوم.
سمعنا طرقا على الباب. ولما فتحت الزوجة قالت: انه متى العشار.
وجاءت اجابة الزوج من الداخل حادة عنيفة.. اخرج خارجا. يا ميخا.. اخرج ايها العشار المجدف. لا مكان لك هنا. اخرج خارج بيتي! لن ادعك تدنس بيتي.
حاول ان يتحامل على نفسه و قال بلهجة فيها بعض التودد:
- لقد سمعت انك ظفرت بصيد وفير. سوف نتحدث عن ذلك لاحقا.
ان العشّارين فئة غير مرحب بها في بلدنا، لكونهم متعاونون مع الرومان.
قلت لمضيفي: انا اعرف انك صياد. ماذا حدث يا اخي ؟ هل كان الصيد قليلا اليوم؟
- صيد قليل؟ لم نمسك شئا اليوم. الشئ الوحيد الذي امسكناه اليوم هو الضرائب الرومانية، فبينما نحن نتعب ونكد وتتسلخ ايدينا في الصيد، يأخذ جامعوا الضرائب النصف ويعطونه للرومانيين.