4 نوفمبر، 2014

يون والكتاب المقدس


لم يكن يون يعلم من هو يسوع. وكان يسأل والدته كثيرا عن يسوع، اما هي فكانت تخبره، ان يسوع هو ابن الله الذي مات على الصليب، حاملا كل خطايانا وامراضنا. وان تعاليمه قد سجلت في الكتاب المقدس.
منذ ذلك الحين رغب جديا في اقتناء نسخة من الكتاب المقدس. كان يسأل امه والمسيحيين الذين يقابلهم عن الكتاب المقدس، لكن لم يكن احد يعلم. قال له احدهم يوما "لقد رأيت بعض اجزاء من الكتاب المقدسة منسوخة يدويا وبعض اوراق الترانيم، لكنني لم ارى ابدا كتابا مقدسا كاملا".لم يستطع سوى بعض المؤمنين القلائل القدامي تذكر انهم رأوا كتبا مقدسة منذ سنوات كثيرة. كانت كلمة الله عزيزة جدا في الصين في ذلك الحين.

"هوذا ايام تاتي يقول السيد الرب ارسل جوعا في الارض لا جوعا للخبز ولا عطشا للماء بل لاستماع كلمات الرب"(عا8: 11)
كان يون لديه جوع شديد لكتاب مقدس. عندما رأت امه محاولاته الغير مثمرة في الحصول على كتاب مقدس حزنت جدا، بيد انها تذكرت يوما ان ثمة رجلا مسنا كان يعيش في قرية اخرى وكان راعيا لكنيسة قبل الثورة.
شرع مع والدته في الذهاب الى هذه القرية. وعندما عثرا عليه اخبراه برغبتهما. قالا له"نشتاق ان نرى كتابا مقدسا. هل لديك واحد؟".
ظهر على الشيخ الخوف على الفور، حيث ان هذا الرجل قد امضى بالفعل ما يقرب من عشرين عاما في السجن بسبب ايمانه. لكنه ما ان لاحظ ان من يسأله لم يكن سوى صبي صغير وفقير جدا من ملابسه البالية وقدميه الحافيتين حتى شعر بشفقة عليه، ومع ذلك لم يرد ان يريه كتابه المقدس.
لم يلمه يون حيث لم تكن توجد في تلك الايام الا اعدادا قليلة جدا من الكتب المقدسة في جميع انحاء الصين. لم يكن يسمح لأي شخص بقراءة اي كتاب اخر باستثناء الكتاب الاحمر لماو. وان قبض على احد معه كتاب مقدس، كان الكتاب يحرق وكانت عائلة الشخص بأكملها تتعرض للضرب والاهانة بشدة على مرأى من كل فلاحي القرية.
قال له الراعي المسن ببساطة، "الكتاب المقدس هو كتاب سماوي. ان اردت واحدا، سوف يكون عليك ان تصلي الى اله السماء. انه هو الوحيد الذي يمكنه ان يأتيك بكتاب سماوي. الله امين وهو دائما يستجيب لهؤلاء الذين يبحثون عنه بكل قلوبهم".
وثق يون بالكامل في كلمات الراعي.لذلك عندما عاد الى المنزل، دخل غرفته وركع امام اللهللصلاة. كان يصلي صلاة واحدة بسيطة: "يا رب، من فضلك اعطني كتابا مقدسا". لم يكن يعلم في ذلك الوقت كيف يصلي لكنه استمر لاكثر من شهر على ذلك الحال. ومع ذلك لم يحدث شيئا، ولم يظهر كتابا مقدسا.
رجع مرة اخرى الى بيت الراعي. ذهب هذه المرة بمفرده، واخبره، "لقد صليت الى الله بحسب تعليماتك، لكني لم احصل بعد على الكتاب المقدس الذي ارغب فيه بشدة، ارجوك، من فضلك اريني كتابك المقدس. سوف اكتفي بنظرة واحدة! لا احتاج حتى ان المسه. امسكه بيدك، وانا سوف اكتفي بالنظر اليه. وسوف ارجع الى بيتي في غاية السعادة ان تمكنت من نسخ بعض كلماته".
رأى الراعي توقه الشديد، فخاطبه مرة اخرى، "ان كنت جادا فليس عليك فقط ان تركع وتصلي امام الرب، بل عليك ايضا ان تصوم وتبكي. كلما بكيت اكثر كلما اقترب وقت حصولك على كتاب مقدس".
ذهب يون الى البيت. لم يأكل و لم يشرب شيئا طوال اليوم. وفي الليل لم يتناول الا وعاءا صغيرا من الارز المطهو على البخار. اخذ يبكي كطفل جائع لابيه السماوي يرغب في الامتلاء بكلمته. صلى على مدى المائة يوم التالية من اجل كتاب المقدس حتى لم يعد فيه قوة. اعتقدا والداه انه على وشك ان يفقد عقله. صرح هو نفسه بعد سنوات عديدة قائلا: "بالنظر الى هذا الامر، اقول ان تلك التجربة كانت اصعب شئ تحملته على الاطلاق".
في الساعة الرابعة من صباح اليوم المائة من صلواته، غفا بينما كان راكعا بجانب السرير، و رأي حلما. رأى نفسه في الحلم يصعد تلا منحدرا في محاولة لرفع عربة نقل ثقيلة امامه. وكان متجها نحو قرية حيث كان ينوي استجداء طعاما لعائلته. كان يصارع بشدة فقد كان جائعا وضعيفا بسبب الصوم الكثير. كانت العربة على وشك ان تتدحرج الى الخلف وتسقط عليه.
واذا به يرى ثلاثة رجال نازلين من التل في الاتجاه المعاكس. كان احدهم رجلا مسنا طيبا، لحيته طويلة جدا، يجر عربة نقل كبيرة ومليئة بالخبز الطازج. اما الرجلان الاخران فكانا يمشيان على جانبي العربة. عندما رآه الرجل المسن شعر بالشفقة الشديدة عليه فسأله: "هل انت جائع؟". اجاب يون: "نعم، ليس لدي ما اكله. انا في طريقي للحصول على طعام لعائلتي". ثم بكى لأن عائلتهكانت في غاية الفقر. كانوا قد باعوا بسبب مرض ابيه كل شئ ذي قيمة لعلاجه، واضطروا لعدة سنوات ان يستجدوا طعامهم من الاصدقاء والجيران. عندما سأله الرجل المسن ان كان يشعر بالجوع لم يتمالك نفسه من البكاء، حيث انه لم يشعر من احد قبلا بمثل تلك المحبة والحنان الخالصين.
اخرج الرجل المسن كيسا احمر مليئا بالخبز من عربته وامر خادميه ان يعطوه ليون ثم قال: "يجب ان تأكل على الفور".
فتح يون اللفافة فوجد قرصا من الخبز الطازج داخلها. ما ان وضعه داخل فمه حتى تحول لتوه الى كتاب مقدس! فركع على الفورممسكا بكتابه المقدس وهتف للرب بشكر، "اسمك يليق به التسبيح يا رب! انك لم ترذل صلاتي، بل سمحت لي بالحصول على كتاب مقدس. اريد ان اخدمك باقي ايام حياتي".
عندما استيقظ بدأ يبحث عن الكتاب المقدس في البيت بينما باقي افراد عائلته نياما. بدى الحلم حقيقيا بالنسبة له لدرجة انه لما تحقق ان ذلك لم يكن الا حلما انتابه حزن عميق واخذ في البكاء بصوت مرتفع. هرع اهله الى غرفته ليروا ما حدث، وقد تصوروا انه جنّ بسبب كثرة الصوم والصلاة. اخ يروي لهم حلمه، لكن كلما تقدم في سرد حلمه كلما ازداد شعورهم انه قد جنّ! قالت امه:"لم يبزغ النهار بعد ولم يأت احد الى بيتنا كما ان الباب مغلق باحكام".
احتضنه ابوه بشدة وصرخ الى الله والدموع تملأ عينيه، "ايها الرب الصالح, ارحم ابني. ارجوك لا تسمح بأن يفقد عقله. انني على استعداد ان امرض ثانية ان كان ذلك سيحفظ ابني من الجنون. ارجوك اعط ابني كتابا مقدسا".
ثم ركعوا جميعا، وبكوا معا وهم يمسكون بايدي بعضهم البعض.
فجأة سمعوا قرعا خفيفا على الباب وصوتا رقيقا جدا يدعو يون باسمه. هرع يون الى الباب وسأل قبل ان يفتح الباب: "من الطارق؟ هل احضرت معك الخبز لي؟".
اجاب الصوت الرقيق: "نعم، لدينا خبز عيد لنعطيه لك".
تعرف يون في التو على الصوت اذ كان هو ذاته الذي سمعه في الحلم.
فتح الباب بسرعة واذا به امام نفس الخادمين الذان رآهم في الحلم. كان واحدا منهما يحمل كيسا احمر في يده. تسارعت دقات قلبه وهو يفتح الكيس ويحمل بين يديه كتابه المقدس.
غادر الرجلان بسرعة والظلام لا يزال باق.
وضع يون كتابه المقدس الجديد على قلبه وسقط على ركبتيه خارج الباب. اخذ يشكر الله مرات ومرات! ووعد الله قائلا: "من الآن فصاعدا سوف التهم كلمتك كما يفعل الطفل الجائع".
اكتشف يون فيما بعد اسماء هذين الرجلين. كان احدهما يدعى وانج والاخر سونج وقد جاءا من قرية بعيدة جدا. اخبراه عن كارز لم يلتق به ابداكان قد تألم بشدة من اجل الرب اثناء الثورة واوشك تقريبا على الموت اثناء تعذيبه.
حصل هذا الكارز على رؤية من الرب قبل ثلاثة شهور تقريبا من حصوله على الكتاب المقدس. حيث اظهر له الله شابا يجب عليه ان يعطى له كتابه المقدس المخبأ.
ومثل الكثيرين من المسيحيين في ذلك الوقت، كان الرجل المسن قد وضع كتابه المقدس في علبة ودفنه في مكان عميق بالارض على رجاء ان يأتي اليوم الذي يستطيع ان يخرجه مرة ثانية ويقرأه. وبالرغم من هذه الرؤية،فقد تطلب الامر من الكارز عدة شهور قبل ان يقرر اطاعة ما اخبره الرب ان يفعله. ثم طلب من رجلين مسيحيين اخرين تسليمه ليون، فمشوا عندئذ طوال الليل ليصلوا الى بيت يون.
منذ ذلك الوقت فصاعدا بدأ يون يصلي صلاة مملوءة بالايمان. كان يثق تماما ان كلمات الكتاب المقدس كانت هي كلمات الله له. فكان يمسك دائما بالكتاب المقدس. حتى اثناء نومه كان يضعه على صدره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق