28 أكتوبر، 2012

قصة: البحث


اطلقوا عليه اسم "القبيح" و قال احد الاولاد: "لابد ان والديه يعيشان، و لكن من يريد ان مثل هذا الوجه القبيح ينتمي اليه؟ ها ها ها". على ان سعيد لم يضحك من هذه الفكاهة، فمنذ 16 سنة و هم يطلقون عليه في الملجأ هذا اللقب. و ملأ هذا نفسه بالمرارة و الشعور بالوحدة! على ان سعيدا لم يقدر ان يحتمل نفسه. ذهب الى رئيس الملجأ يطلب النصح، و جعل يفكر في كلمات النصح التي قالها الرئيس و التى حاول بها ان يشجعها مثل قوله:
"ربما خلقك هكذا بسبب معصية ارتكبها والدك من قبل ان تولد! و من نحن البشر يا سعيد حتى نقاوم ارادة الله، و نتساءل في صنعه؟". لكن سعيدا قال "صحيح لماذا اتساءل فاتا اقبح انسان عاش؟" و امسك دموعه و هو يجري من غرفة الرئيس الى الصالة. و جعل يحملق في وجهه في المرأة، و يقول "لماذا انا؟.. لماذا يكرهني الله بهذا الشكل؟.." ودون ان يدري حطم المرآة قائلا "انا ايضا اكره نفسي" و ترك حطام المرآة، و خرج من الغرفة و نفسه تموج باحاسيس السخط!
          وسار الى مكان منعزل من الملجأ ليرقب الشمس و هي تغيب راجيا ان يهرب من العالم كله. و جلس ينظر الى الارض. كان يرثي لنفسه حتى نسى نفسه و هو جالس! و بعد ان غربت الشمس قام و قد عزم على شئ. انا اكره الملجأ. اكره العالم! لا احب ان ارى انسان! و تسلق السور محاولا ان يختبئ من الحارس.
          "سأهرب!" دون ان يدري اين؟.. و لكن اي مكان افضل من هذا المكان؟ و تطلع جهة اليمين .. و جهة اليسار. لا يهمني الى اي اتجاه اذهب؟ كلاهما يتساويان!
و اتجه الى اليسار و اخذ يسير.
     كان القمر يضئ الطريق.. و سار نحو خمسة كيلومترات، ومر ببيت شعر انه يعرفه. انه بيت "ابو يوسف" و تذكر الزيارات التي قام بها ابو يوسف للملجأ. كان يعرف كيف يوصل الابتسامة الى كل وجه؟ و جال في فكره خاطر.. "ربما يقدر حالتي و يساعدني" كان الوقت متأخرا لكن سعيدا جمع اطراف شجاعته و طرق الباب.
          كان ابو يوسف يقرأ عندما سمع الطرق على الباب فذهب ليفتح، و حالا عرف شخصية الطارق. قال سعيد: "عفوا يا سيدي انك لا تذكرني، لكن هل يمكن ان اشكو لك امري؟".
          "تفضل يا ابني، و لكن لماذا خرجت من الملجأ في هذه الساعة المتأخرة؟"...
"اردت ان اخرج لافكر" و اندهش لان ابو يوسف تذكره بسرعة و دعاه ليشرب فنجان من الشاى معه، ... وبعد وقت من الحديث حكى سعيد ما ضايقه . و روى قصة الامه.
          "قال لى الناس انني يجب ان اكون صالحا اطيع الله، فيضفي علىّ بعض اهتمامه، و لكن ما الدافع على ذلك؟ ماذا فعل الله لي؟ اني بلا قيمة! مطرود! كل ما يفعله الله معي انه يعاقبني!".
"لا يا سعيد! الله محبة، و محبتي لله لا تنبع من طاعة دينية لكن استجابة لمحبة الله لي فهو الذي احبني اولا. الله لا يسر بهلاك احد. و لكن كيف اوضح لك. اني احكي لك قصة. في القديم عاشت سيدة صالحة اسمها مريم، باركها الله بزواجها من رجل احبته كثيرا جدا و كانت عادة بلدها ان العريس يقدم لعروسه عقدا من عشر قطع من الفضة، تلبسه على جبهتها كما نفعل اليوم بلبس خاتم الزواج. كانت القطع العشر هامة جدا في نظرها لانها ترمز الى علاقة الحب بينها و بين زوجها.

و ذات صباح بعد ان قامت ببعض اعمال البيت جلست و راحت تفكر "ما اسعدني بزوجي! لقد اكرمني الله به!" و مدت يدها الى جبهتها تلمس العقد الذي يرمز الى الحب الذي يربطها بزوجها.

وفجأة ادركت ان احدى القطع ضائعة . و هنا بدأت التفتيش و البحث!..
"لسوف اكنس البيت كله.. كله! حتى اجد قطعة الفضة! و اعيدها الى مكانها في عقدي".. يجب ان اجدها!
امسكت المكنسة بيد و المصباح بيد اخرى، و اخذت تكنس و تبحث.. لن اهدأ حتى اجد قطعة الفضة. و جاءتها بعض الجارات لزيارتها، فاعتذرت لهن و اخبرتهن بما تفعله. "انا اسفة جدا، فانا في غاية المشغولية" واجبنها "لا داعى للقلق".. "كيف لا اقلق و ضياع قطعة الفضة فأل سئ على زواجي؟ و تمنت لها الجارات حظا حسنا.
و اخيرا تكللت مجهوداتها بالنجاح. وجدت قطعة الفضة و جرت للخارج تدعو جاراتها بفرح "افرحن معي فقد وجدت قطعة الفضة"..
و لما انتهت القصة تطلع سعيد في وجه ابو يوسف و قال "هل تريد ان تقول : ان الله يحبني و يفتش علىّ انا القبيح كما فتشت تلك السيدة على قطعة الفضة؟
"انت في غاية الذكاء. هذا ما قصدته. يخطئ بعض الناس عندما يظنون ان كل ما يريده الله منهم هو مجرد الطاعة لكن ليس هذا صحيحا.. الله يعمل كل شئ ليرد الانسان الضال الى الانس و الالفة معه. انه يفتش عليك ..و الله يريد ان يردك الى مكانك الطبيعي في العلاقة معه".
"لكن هذا لن يغير واقع وجهي القبيح"..
"ليست المشكلة في وجهك بل قلبك، لقد خلقنا الله لنحبه، فان كنا نحيا بغير هذا الحب نحس بالفراغ"..
"و لكني كنت اظن الله يفتش عن عبيد يخدمونه و يكرمونه"..
"هذا غير صحيح، ليس اننا احببنا الله بل هو احبنا اولا" و دعاه ان يبيت عنده لكنه اعتذر قائلا: "ساعود للملجأ فعندى الكثير لافكر فيه"..
"يارب اعتذر لانك فتشت عني كثيرا . انا اشعر بالضياع و الخواء! اتضرع اليك ان تكشف لي حبك و تردني اليك مثل قطعة الفضة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق