23 أكتوبر، 2012

الاعتراف العظيم


نعود الآن الى قاعة اجتماع السنهدريم حيث تدور محاكمة يسوع، لحظة ساد فيها صمت عميق مطبق، و لكن حتى هذه الفترة من السكون كان لها معناها، فقد ملكت الحيرة و الارتباك على كل عقل، و شهود الزور قد فرغوا من اداء دورهم المشين ووقفوا بلا حياء، و آلت شهادتهم المتناقضة الى خزيهم وعارهم، وطول اناة المتهم التي تدل دلالة واضحة على براءته، اخجلت اعداءه تماما.
وتتجه الانظار الآن الى رئيس المجلس الذي يجد نفسه في موقف محرج، معذبا من جراء القلق لاجل حفظ هيبة وظيفته، و الخوف من عواقب هذه الامور كلها، و يحاول في ذهن مشوش ان يتغلب على العقبة، و يخرج من المأزق.
كانت هذه هى الصورة التي انتهت بها المحاكمة التي اجريت ضد قدوس اسرائيل. و انني اتساءل الآن من خسر القضية يسوع ام قضاته؟ ان موقف العالم ضد يسوع سوف ينتهي بطريقة مماثلة، و ستكون النهاية اليأس المطبق و الارتباك لكل الذين يقفون ضده.
ان رئيس الكهنة الآن في حيرة شديدة وتدور الافكار برأسه كدوامة عميقة، و فجأة تتبادر الى ذهنه فكرة يعتبرها مخرجا من المأزق، فيخطو بضع خطوات للامام و يطلب منه باسم الله العلى ان يشهد ان كان هو حقيقة المسيا كما اعلن عن نفسه، او انه مجرد نبي كاذب و منافق، ان هذا يدعو لسرورنا نحن، وان كان هذا الاجراء قد جاء نتيجة لليأس اكثر من كونه تفكيرا هادئا، الا ان الجمع اعطى اهتماما احرى لان اخطر لحظة في كل هذه المحاكمة قد حانت، و يفتح رئيس الكهنة فاه لينطق باعظم سؤال فيقول ليسوع "استحلفك بالله الحى ان تقول لنا هل انت المسيح ابن الله؟" تلك كانت صيغة القسم القانوني ويطلب رئيس الكهنة من يسوع ان يقدم شهادته، و هو بذلك قد جعل اساس الديانة المسيحية محور السؤال.
كان على يسوع ان يشهد ان كان هو المسيح – المسيا المنتظر، و كان قيافا يعلم ان هذا الاسم الذي هو موضوع النبوة، ستتحقق فيه كل النبوات، و انه سيكون انسانا كما هو "الرب من السماء". كان يعلم ان المسيا سيكون ابن الله، و ليس غيره في السماء و على الارض يتسمى بهذا الاسم، و هو لن يكون فحسب مشابها ليهوة، بل مساو ليهوة، و من ثم فهو الله نفسه، و من وجهة النظر هذه يقدم قيافا سؤاله قائلا "هل انت هو؟" و هو ينوي انه ان اجاب يسوع بالايجاب، فسيكون له الحق ان يوجه له تهمة التجديف.
هل وجه ليسوع سؤال اعظم واخطر من هذا؟ لو ان سؤال رئيس الكهنة اجيب عنه بالنفي اما كان في ذلك زوال وفناء لكل رجاء لنا، وكان كصاعقة تنقض فوق حصن تعزياتنا، واما كان صرح خلاصنا قد انهار، وطوح بنا بين انياب اليأس؟!.
وفي هذا المشهد يقف يسوع امام مجلس الامة اليهودي، و يبدو لكل عين انه "دودة لا انسان"، و العظمة و الكرامة تبدو انها تستقر فقط على كل الذين حوله، و لكن عليه لا نلاحظ شيئا سوى الاتضاع و الفقر، انه يقف هناك و رأسه مطأطأ و يداه مربوطتان، كأنه لص يحيط به قوم مسلحون، و يمثل بينهم و يكاد يصيبه الخوار بسبب الاعياء و الالام التي احتملها حتى تلك الساعة، متروكا عن الاصدقاء، يعيره و يسبه الاعداء، وكأنه ضالة الارض، ولهذا الانسان المحتقر و المرذول يقدم السؤال من الرجل الاول بين شعبه رئيس المجلس، ان يحلف باسم الاله الحي هل هو ابن الله؟
وفي هدوء تام يفتح فاه، و بهيبة يقدم شهادته امام عرش الله الحى "انت قلت انا هو".
هنا يقدم يسوع الاعتراف العظيم، و يا له من تصريح! انه يرفعنا فوق كل شك و خوف، و يثبت ايمانا على اساس ابدي، و فيه ضمان و ختم لفدائنا، وحتى لا يدع الرب ظلا من الغموض يكتنف المعنى الحقيقي لشهادته، يستطرد قائلا "من الآن تبصرون ابن الانسان جالسا عن يمين القوة و اتيا على سحابة السماء" و بذلك يزيح النقاب عن المستقبل.
فان كان ما قرره في شهادته هو حقيقي، فانه حق ايضا ان كل من لا يؤمن به سيهلك، و لن يبقى امام كل من يرفض ان يحنى الركبة امامه الا انتظار دينونة مخيف، و غيرة نار عتيدة ان تأكل المضادين، و ان كل من لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله، فالذي اجاب على السؤال امام المجلس قائلا "انا هو" هو الذي يشهد بذلك، و ان كان الاول حقيقيا فكذلك الاخير. فاسرعوا اذا لتخضعوا ذواتكم تحت يده، هلم الآن ، في استناد على قسم المخلص المقدس، و القوا بانفسكم بين ذراعي الوسيط الوحيد.
اجاب يسوع قائلا "انا هو" ، وان لم يكن هو في نفس الوقت حمل المحرقة المزمع ان يتألم لاجل الجنس البشري، لكانت ملايين الاصوات قد ختمت شهادته قائلة "امين"، و لكان السيرافيم بقيثاراتهم الذهبية قد رفرفوا فوقه صارخين "يا يسوع انت هو"، و لكانت الارض التي وضع هو اساسها قد رددت صدى هذه الشهادة.
و بعد ساعات قليلة تغلق ابواب الهيكل ، و تأتي امام الله نهاية تقديم الحملان و التيوس، و يغادر رب السماء و الارض قدس الاقداس الى الابد لانه مصنوع بالايادي، ليجعل مسكنه في كل قلب تائب منكسر.
ويمزق رئيس الكهنة ثيابه و يقول "ما حاجتنا بعد الى شهود" و للانسان حق في ذلك، فلو كان يسوع قد اعلن عن نفسه انه هو ابن الله و ديان العالم بدون حق، لاعتبر مجدف، و لكن يا قضاة اسرائيل هل من المحتم ان تكون شهادته عن نفسه كذبا وزورا؟! و لماذا يعد عندكم امرا لا يصدق ان يكون هو الرب من السماء الذي تكلمت عنه النبوات؟! و هل يوجد في حياته ما يناقض هذا الاعلان الصريح؟
هذه هى الاسئلة التى نضعها امامكم يا قضاة اسرائيل ، و لكنكم لم تريدوا ان ها يملك عليكم.
و يتساءل رئيس الكهنة قائلا "ماذا تريدون؟" فيجيب المجلس بصوت واحد "انه مستوجب الموت".
واضع امامكم  هذه الكلمات التي سجلها الكتاب، فاما ان ترفضوا يسوع موافقين على حكم السنهدريم المتعطش للدماء، و اما ان تصرخوا قائلين "اوصنا" للناصري المتواضع، فهو الله الظاهر في الجسد. ان شهادة يسوع التى اعلنها بقسم امام رئيس الكهنة هي الصخر الراسخ الذي عليه يتأسس ايماننا.