19 Sep 2012

العذراء - عن ميامر مار يعقوب السروجي

القديس يعقوب السروجي

(قرن 5-6)


يا ابن الله الذي في محبتك طأطأت السماء ونزلت إلى الأرض، ولبست جسداً وصرت إنساناً من ابنة داود.

أيها المولود السري الذي تمتلئ منه الأعالي والأعماق، املأني من تعليمك السري الذي أبدع العالمين.
أيها الابن الوحيد الذي جبل الإنسان من العدم، جدِّد الحديث في ذهني الضعيف حتى أرتل لك ...
أيها المُخفى والمحتجب حتى عن الساهرين فلا يرونك، اشرق عليَّ في الخفاء لكيما أتكلم ظاهراً عن والدتك.
يا نور المسيح، الذي ينير العيون التي اظلمت، ليشرق ضوءك على ضعفي فاستنير بك.
رب البشر، يا من شئت أن تصير إنساناً في الجسد، وحللت وسكنت في أحشاء الأم النقية، ابنة الأنوار.
يا من سكنت فيها تسعة أشهر ثم وُلِدتَ، ليت عقلي ينسل تقدمات التمجيد لميلادك السري.
يا من قَبِلتَ التدليل والهنهنة من الأم النقية، ليت لساني يفيض بكل تسابيح حلاوتك.
يا ابن الله، يا من افتقدتنا وأكملت التدبير كله، اعطني أن اتكلم عن دفن جسد القديسة المطوبة.
أمك العذراء احتملت آلاماً كثيرة من أجلك، وأحاط بها الحزن من كل جانب عند صليبك.
كم من التنهدات والدموع الحزينة ذرفتها عيناها، حين كفَّنتك وانزلتك داخل القبر.
يا للهول والفزع الذي أحست به أمُ الرحمة عند دفنك، حينما أمسكها حراس القبر لكي لا تدنو بقربك.
كم تَحملَّت من المعاناة حينما رأتك معلقاً على الصليب، ورأتهم يطعنون جنبك بالحربة على الجلجثة.
وأيضاً لما رأت اليهود يختمون القبر الذي وضعوا فيه جسدك الحي واهب الحياة وماحي الذنوب.


هذه الأم المطوبة التي احتملت كل هذا من أجلك، أتت إليها النهاية لكي ترحل إلى العالم المملوء من كل البركات.

بلغ الوقت لكي تنطلق على طريق جميع الأجيال، الذين قد مضوا وأدركتهم النهاية في خوف عظيم ...

أتى الموت إلى أم يسوع المسيح ابن الله، حتى تذوق هي أيضاً هذه الكأس.
أمر الرب القوات العظيمة في العلا، مع الطغمات النارية وسيرافيم النور.
جوقات الساهرين نزلوا في ثيابهم النورانية، ورتلوا مزاميرهم بأصوات عالية.
جميع الأبرار من كل الأجيال أتوا وتجمعوا معاً، وها معهم أيضاً الأبرار ورؤساء الآباء الأولون.
صوت جوقة الأنبياء يرتل التمجيد، الواحد منهم قبالة الآخر كشهود للحق. 
كهنة العهد القديم وجماعة أبناء لاوي، بذبائحهم ونذورهم وتقدماتهم.
وجماعة الرسل الأثنا عشر المختارون يقفون، ويعدّون الجسد البتولي الذي للمطوبة للدفن. 
يوحنا كشاهد للحق، تقدم وكفَّن الجسد الفاخر الذي للمطوبة.
اثنان من الرسل المشهورين اختيراً من العهدين، عُهد إليهما بهذا كنز الحق. 
نيقوديموس البار أعدَّ جسد ابنها للدفن، والمختار ابن الرعد تعهد جسد العذراء.
الرعاة مع قطعانهم صعدوا إلى قمة الجبل، مع الكهنة الموقرين والخدام بمجامرهم.
ضربت الرياح قبة السماء العظيمة بنفخاتها، الأعالي والأعماق رتلت التمجيد بقيثاراتها.
أضاء النور ذلك المكان حيث وقف البشر مع الساهرين، ينتظرون إعداد جسد تلك الفائقة البهاء للدفن.
وكما نزل الرب وأعدَّ موسى خادمه للدفن، هكذا هو بنفسه معهم دفن الأم بحسب الجسد.
على قمة جبل عال وسط السحب المضيئة، دُفن موسى النبي بواسطة الله.
ومريم أيضاً هناك على جبل الجليل، دُفنت بواسطة الساهرين وأيضاً الملائكة مع الله.
يوحنا الشاب البتول، اقترب واحتضن الأم الطاهرة، التي سلمها مخلصنا له عند الصليب.
كان وسيطاً بين الله والناس، بينما نزل الساهرون بدهشٍ عظيم لا ينطق به.
في مغارة حجرية في قبر نيقوديموس الجديد، وضعوا ابن تلك العذراء المطوبة.
وأيضاً ها أم ابن الله النقية، يضعونها في مغارة في قبر بمغارة حجرية.
كل جماعة الرسل اجتمعوا معاً ووقفوا هناك، بينما معلمهم بنفسه حقاً يضعها معهم في القبر.
كل الرتب والجماعات وأيضاً خوارس ابناء النور، وسط صراخ الساهرين وجمهور الناريين. 
السيرافيم الناريون بأجنحتهم المغطاة باللهيب، مع القوات السمائية بكل رتبهم.
الشاروبيم المقتدرون الحاملين العرش، يتحركون بالدهش ليمجدوا بتراتيلهم.
أتباع جبرائيل، جمهور ناري متقدون، يتجلون بمختلف طبائعهم.
أتباع ميخائيل السريعة حركتهم في نزولهم، يُعيِّدون ويبتهجون ويجعلون هذا اليوم فرحاً بتهليلهم.
السماء وجو المجد ازدحمت بالعلويين، الذين أتوا إلى مجال الأرض.
رائحة لذيذة نقية فاحت من مجامر جمهور السمائيين، حين تقابلوا لينزلوا إلى الأرض.
هربت الشياطين مع قوات الظلمة، وكل الأنفس المتضايقة وجدت راحتها مرة أخرى.
تركت الشياطين النفوس التي كانت تسكنها، وصارت راحة لكل الذين تجربوا من قساوتهم.
انزعجت الأرواح الشريرة واضطربت، لأنها رأت العلامة التي صارت فقط بسبب ربنا.
رأوا السماء ترسل جماهير قوتها، حيث تقدس الهواء تماماً برائحة طيبها.
نغمات جديدة سُمعت من جميع الطيور، التي كانت تُنشد في صفوف بحسب طبائعها.
كل الكائنات الحيّة هتفت بأصوات التمجيد المبهجة في أماكنها، فاهتزت الأرض جميعها لصراخ تهليلها.
السموات والجبال والسهول بكامل زينتها، انطلقت تُسبِّح حين وُضع الجسد البتولي في القبر.
كل الأشجار بأثمارها ونتاجها، تَعطّرت برائحة سرورها كمثل الندى.
كل الزهور الجميلة بأنواعها، نَشرت رائحتها مثل عطور لذيذة تفوح أطيابها.
المياه والأسماك وكل السابحات في أعماق البحار، تحركت لترسل تمجيدها، كمن عرفت هذا اليوم.
كل الخلائق الصامتة والناطقة معاً، قدمت التسبيح اللائق بحسب طبائعها.


في هذا اليوم، يفرح آدم وزوجته حواء، لأن ابنتهما ترتاح في المكان الذي اجتمعا فيه.

في هذا اليوم، يفرح نوح البار مع إبراهيم، لأن ابنتهما افتقدتهما في موضع سكناهما.
في هذا اليوم، يبتهج يعقوب الشيخ المكرم، لأن الابنة التي نبتت من أصله دعته للحياة.
في هذا اليوم، يفرح جداً الاثنا عشر أبناء ذلك الأعرج، ويُسرّون لأنها افتقدتهم هناك.
في هذا اليوم، فليبتهج أيضاً يهوذا، لأن هوذا الابنة التي ولدت الحياة، جاءت من نسله.
ليبتهج اليوم يوسف وموسى العظيم، لأن فتاة واحدة عذراء دعت البشرية كلها للحياة.
ليبتهج اليوم هارون وأليعازر، وكل قبيلة أبناء لاوي بحبريتهم.
ليبتهج اليوم داود الجدّ العظيم، لأن الابنة التي جاءت من نسله وضعت إكليلاً عظيماً على رأسه.
ليبتهج اليوم صوئيل مع إرميا، لأن ابنة يهوذا سكبت رش الندى على عظامهما.
تعال اليوم يا حزقيال المتمرس في الإعلانات النبوية، إن كان الأمر الذي حدث هو مُصوَّر في نبوتك!
ليبتهج إشعيا النبي أيضاً في هذا اليوم، لأن التي تنبأ عنها، ها الآن تفتقده في موضع الأموات.
في هذا اليوم رفع جميع الأنبياء رؤوسهم من مقابرهم، لأنهم رأوا النور الذي أضاء عليهم.
نظروا الموت يضطرب ويهرب من داخلهم، وأبواب السماء وأعماق الأرض تنفتح مرة أخرى.
ليفرح الجميع: الأنبياء والرسل والشهداء والكهنة، وأيضاً المعلمين ورؤساء الآباء والأبرار القدامى.
الساهرون في السماء، والبشر في الأعماق، الكل يمجدون حين دُفنت العذراء مريم كمثل مائتة.
النور أشرق على جماعة التلاميذ، وأيضاً أضاء على جيرانها ومعارفها وأقربائها.
الخورس السمائي رتل: "قدوس قدوس قدوس"، للنفس الممجدة لهذه العذراء والدة ابن الله.
السيرافيم الناريون أحاطوا بالنفس الصاعدة إلى العلو، وصرخوا بأصوات تهليلهم المبهج.
ها يصرخون ويقولون: "ارفعي رؤوسك أيتها الأبواب"، لأن أم الملك تطلب أن تدخل إلى خدر النور.
امتلأت السماء من نغمات ألحان الملائكة اللذيذة، أما الأعماق فاضطربت مع التلاميذ الذين ملأهم الحزن.
كنيسة العلا وهذه الأرضية صرختا بنشيد واحد، لأن لا العلويين ولا الأرضيين يكفون ليخبروا عنها.
كل رتب السمائين صرخوا الواحد منهم قبالة الآخر، لكي يُسمِّعون صوت تماجيدهم.
الجو سكب مطر الحياة على عظام ابناء الكنيسة الذين لم ينكروها.
ضَفرت إكليلاً بهياً وزينته باللآلئ النفيسة، ووضعته على رأسها السامية الجليلة.


اسم المسيح الملك الذي صُلب على الجلجثة، يمنح الحياة ويفيض بالمراحم على كل من يدعوه.

وعليَّ أنا أيضاً الخاطئ غير القادر على تمجيد أم الرحمة التي ولدتك بالجسد.
يا ابن الله، بصلواتها ليسكن السلام في السماء وفي الأعماق (الأرض)، وبين كل مجامع أبنائها.
ابطل الحروب وأزل التجارب والبلايا، وامنح الهدوء والطمأنينة لكل السالكين في البحار (العالم).
أسند الضعفاء واشف المرضى واشبع الجياع، وكن أباً للأيتام الذي تركهم الموت معوزين.
بكثرة تحننك اطرد الشياطين الذين يضيّقون على البشر، وارفع شأن كنيستك إلى أربعة أقصاء المسكونة، لكي ما ترتل التمجيد اللائق بك.
احرس الكهنة وقدِّس الخدام، وكن حافظاً للشيوخ والأحداث.
أيها المسيح العريس، لك ينبغي التمجيد من كل الأفواه، وعلينا رحمتك في كل الأزمان. آمين آمين.



المرجع: ميمر دفن جسد السيدة العذراء، للقديس يعقوب السروجي، ترجمة أحد الأباء الرهبان الأفاضل من دير أبو مقار ببرية شيهيت. 

Reference: Jacob of Serugh, On the Mother of God, translated by Mary Hansbury, St. Viladimir's Seminary Press.
 نقلا عن مدونة ابائية
http://erinipasy.blogspot.com/

No comments:

Post a Comment